Arabic    

المأزق الحرج


2022-05-16
اعرض في فيس بوك
التصنيف : مشروعنا أدب الرحلة

 
 
المأزق الحرج 
انتهيت من وضع خطّتي للانحدار جنوباً إلى الجغبوب، ولكن حادثة وقعت لي قبل اليوم المحدّد للسفر بيومين شغلت بالي. وذلك أنّي كنت جالساً ذات مساء في غرفتي بمنزل استراحة الحكومة أشتغل بفحص أجهزتي العلميّة فإذا بطارق على الباب. وحرت في التكهّن بمن يريدني في تلك الساعة، ولكنّي تقدّمت إلى الباب وفتحته قليلاً فرأيت بدويّاً لا أعرفه ملتحفاً بجرده فأقفلت الباب في وجهه وسألته: من أنت؟ فقال: صديق. ولكنّي لم أطمئن إلى ذلك، فسألته عن اسمه وعمّا يريد، فأجابني من وراء الباب "أنا صديق أريد أن أسرّ إليك شيئاً لابدّ من إخبارك به."
ففتحت الباب وسألته الخبر فدخل وقال بلهجة المستفسر: أظنّك ستسير إلى الجغبوب من الدرب (الطوالي)، فأومأت برأسي أن نعم. فقال وفي لهجته شدّة: لا تذهب، فقلت: ولم هذا؟ فأجاب: إنّ البك غنيّ يحمل معه ثروة طائلة، والأعراب أهل شره ونهم، والدائر على الألسنة أنّ معك صناديق مملوءة ذهباً.
قال لي هذا بينا ينطق في عينيه اعتقاده بصحّة هذه الإشاعة، وإن ادعى غير ذلك. ثمّ ثنى قائلاً: لقد اتّفق الجمّالون مع أصدقاء لهم في الطريق على الكمون لك ونهب ما معك، وقد تضيّع مالك وتفقد حياتك إذا سلكت تلك الطريق.
فأجبته: إن في وسع كلّ إنسان أن يدافع عن نفسه وعن ماله. فقال: ذلك محتمل إن كان معك العدد الكافي من الرجال، ولم يكن معي ذلك العدد الكافي. فتطرّقت في الحديث معه إلى الاستفسار عن صحّة هذا الخبر، فقصّ عليّ القصّة وكان صادقاً، وزاد يقيني في صحّة أخباره أنّه كان قريباً لرجل أدّيت له خدمة، حين أوفدت في بعثتي الأولى إلى السنوسيين.
وشكرته على اهتمامه بتحذيري، واختفى الرجل في ظلام الليل.
فخلوت بنفسي أعرض عليها التفكير في الخروج من ذلك المأزق الحرج. وأهل الصحراء سريعون إلى التكهّن بمقاصدك إن أمكنهم ذلك، فإن عجزوا ظنّوا الظنون في كلّ ما تفعل أو تريد أن تفعل. وكان أكثر متاعنا في صناديق، والأعراب لا تفهم من الصناديق إلا أنّها تحوي كنوزاً. وليس عجيباً منهم، وقد ظنّوا مدفعاً تلك العلبة الّتي جئت بها وفيها ثلاث بنادق، أن يحسبوا آلات التصوير والأجهزة الفنيّة الّتي حملتها معي نقوداً ذهبية أو سفاتج من الأوراق المالية. وليس بعيدا أن يكون الرجال الّذين أكريت جمالهم قد ظنّوا أنّي مخترق الصحراء بهذه الثروة الطائلة لسبب خافٍ عنهم، ففكّروا في سرقتي. ولست أكتم القارئ أنّي لم أرتح إلى هذا الخبر، فإنّ استهلال رحلة بقتال لا يدعو إلى التفاؤل أو يشرح النفس، مهما أولينا فيه من فوز خروجنا منه سالمين. ولذلك فضّلت اجتناب هذه العقبة عن التعرّض لها.
وأصبح الصباح فاستغنيت عن أصحاب الجمال الّذين انكشف لي سرّ مؤامرتهم، واعتضت عنهم بآخرين يوصلونني إلى واحة سيوة. واستبدلت الطريق المستقيمة إلى الجغبوب بطريق تضطرني إلى قطع ضلعي المثلّث الّذي تكون مواضع السلّوم وسيوة والجغبوب رؤوس زواياه.
وقد أطال هذا التغيير مسافة القسم الأول من الرحلة، ولكنّ الزمن والمسافة هيّنان في سبيل سلامة الوصول. وللسفر بطريق سيوة ميزات كثيرة، لأنّ هذه الطريق واقعة في الأملاك المصريّة لا في تلك الأصقاع الّتي تسكنها القبائل الّتي ينتمي إليها الجمّالون الخونة، ولأنّها طريق مطروقة لا يجسر قطّاع الطرق أن يقدموا على اغتيال المارّة فيها بدون التعرّض للخطر. وقد حال إسراعنا في الرحيل، بعد تغيير خطّة السفر، دون تفكير المتآمرين علينا في إعداد خطّة جديدة لنهبنا، إن كانوا قد فكّروا في ذلك. وهكذا ظننت السلامة في هذا التغيير والتبديل ولم أكن مخطئاً في هذا الظن.
وبدأت القافلة سيرها في أوّل يناير، وبعد قيامها بثلاثة أيّام تفضّل الملازم باثر فاستصحبني في سيارة للّحاق بها عند بئر دجنيش، على بعد نحو ستّة وثلاثين ميلاً من السلّوم. ثمّ ودّعت ذلك الضابط الرقيق، وأخذت مكاني بين رجال القافلة. وكانت المسافة إلى سيوة ستّة أيّام، قضينا وقتاً منها في إخفاء صناديقنا وعلبنا بين طيّات حوائجنا، بحيث ظهر مجموعها كأنّه أثاث عادي من أثاث البدو.
_____
مختارات من أدب الرحلة - محمد أحمد السويدي
| من رحلة (في صحراء ليبيا) لــ أحمد حسنين باشا 
تأتيكم ضمن مشروعنا أدب الرحلة برعاية الشاعر الإماراتي محمد أحمد السويدي
وهي رحلة استكشافية رائدة قام بها الرحالة المصري أحمد محمد حسنين باشا سنة 1923 عبر خلالها صحراء ليبيا منطلقاً من ميناء السلوم على مقربة من الحدود الليبية حتى وصل إلى الأبيض عاصمة كردفان في غربي السودان.
#محمد_أحمد_السويدي_أدب_الرحلة
دار السويدي للنشر

    المأزق الحرج  انتهيت من وضع خطّتي للانحدار جنوباً إلى الجغبوب، ولكن حادثة وقعت لي قبل اليوم المحدّد للسفر بيومين شغلت بالي. وذلك أنّي كنت جالساً ذات مساء في غرفتي بمنزل استراحة الحكومة أشتغل بفحص أجهزتي العلميّة فإذا بطارق على الباب. وحرت في التكهّن بمن يريدني في تلك الساعة، ولكنّي تقدّمت إلى الباب وفتحته قليلاً فرأيت بدويّاً لا أعرفه ملتحفاً بجرده فأقفلت الباب في وجهه وسألته: من أنت؟ فقال: صديق. ولكنّي لم أطمئن إلى ذلك، فسألته عن اسمه وعمّا يريد، فأجابني من وراء الباب "أنا صديق أريد أن أسرّ إليك شيئاً لابدّ من إخبارك به." ففتحت الباب وسألته الخبر فدخل وقال بلهجة المستفسر: أظنّك ستسير إلى الجغبوب من الدرب (الطوالي)، فأومأت برأسي أن نعم. فقال وفي لهجته شدّة: لا تذهب، فقلت: ولم هذا؟ فأجاب: إنّ البك غنيّ يحمل معه ثروة طائلة، والأعراب أهل شره ونهم، والدائر على الألسنة أنّ معك صناديق مملوءة ذهباً. قال لي هذا بينا ينطق في عينيه اعتقاده بصحّة هذه الإشاعة، وإن ادعى غير ذلك. ثمّ ثنى قائلاً: لقد اتّفق الجمّالون مع أصدقاء لهم في الطريق على الكمون لك ونهب ما معك، وقد تضيّع مالك وتفقد حياتك إذا سلكت تلك الطريق. فأجبته: إن في وسع كلّ إنسان أن يدافع عن نفسه وعن ماله. فقال: ذلك محتمل إن كان معك العدد الكافي من الرجال، ولم يكن معي ذلك العدد الكافي. فتطرّقت في الحديث معه إلى الاستفسار عن صحّة هذا الخبر، فقصّ عليّ القصّة وكان صادقاً، وزاد يقيني في صحّة أخباره أنّه كان قريباً لرجل أدّيت له خدمة، حين أوفدت في بعثتي الأولى إلى السنوسيين. وشكرته على اهتمامه بتحذيري، واختفى الرجل في ظلام الليل. فخلوت بنفسي أعرض عليها التفكير في الخروج من ذلك المأزق الحرج. وأهل الصحراء سريعون إلى التكهّن بمقاصدك إن أمكنهم ذلك، فإن عجزوا ظنّوا الظنون في كلّ ما تفعل أو تريد أن تفعل. وكان أكثر متاعنا في صناديق، والأعراب لا تفهم من الصناديق إلا أنّها تحوي كنوزاً. وليس عجيباً منهم، وقد ظنّوا مدفعاً تلك العلبة الّتي جئت بها وفيها ثلاث بنادق، أن يحسبوا آلات التصوير والأجهزة الفنيّة الّتي حملتها معي نقوداً ذهبية أو سفاتج من الأوراق المالية. وليس بعيدا أن يكون الرجال الّذين أكريت جمالهم قد ظنّوا أنّي مخترق الصحراء بهذه الثروة الطائلة لسبب خافٍ عنهم، ففكّروا في سرقتي. ولست أكتم القارئ أنّي لم أرتح إلى هذا الخبر، فإنّ استهلال رحلة بقتال لا يدعو إلى التفاؤل أو يشرح النفس، مهما أولينا فيه من فوز خروجنا منه سالمين. ولذلك فضّلت اجتناب هذه العقبة عن التعرّض لها. وأصبح الصباح فاستغنيت عن أصحاب الجمال الّذين انكشف لي سرّ مؤامرتهم، واعتضت عنهم بآخرين يوصلونني إلى واحة سيوة. واستبدلت الطريق المستقيمة إلى الجغبوب بطريق تضطرني إلى قطع ضلعي المثلّث الّذي تكون مواضع السلّوم وسيوة والجغبوب رؤوس زواياه. وقد أطال هذا التغيير مسافة القسم الأول من الرحلة، ولكنّ الزمن والمسافة هيّنان في سبيل سلامة الوصول. وللسفر بطريق سيوة ميزات كثيرة، لأنّ هذه الطريق واقعة في الأملاك المصريّة لا في تلك الأصقاع الّتي تسكنها القبائل الّتي ينتمي إليها الجمّالون الخونة، ولأنّها طريق مطروقة لا يجسر قطّاع الطرق أن يقدموا على اغتيال المارّة فيها بدون التعرّض للخطر. وقد حال إسراعنا في الرحيل، بعد تغيير خطّة السفر، دون تفكير المتآمرين علينا في إعداد خطّة جديدة لنهبنا، إن كانوا قد فكّروا في ذلك. وهكذا ظننت السلامة في هذا التغيير والتبديل ولم أكن مخطئاً في هذا الظن. وبدأت القافلة سيرها في أوّل يناير، وبعد قيامها بثلاثة أيّام تفضّل الملازم باثر فاستصحبني في سيارة للّحاق بها عند بئر دجنيش، على بعد نحو ستّة وثلاثين ميلاً من السلّوم. ثمّ ودّعت ذلك الضابط الرقيق، وأخذت مكاني بين رجال القافلة. وكانت المسافة إلى سيوة ستّة أيّام، قضينا وقتاً منها في إخفاء صناديقنا وعلبنا بين طيّات حوائجنا، بحيث ظهر مجموعها كأنّه أثاث عادي من أثاث البدو. _____ مختارات من أدب الرحلة - محمد أحمد السويدي | من رحلة (في صحراء ليبيا) لــ أحمد حسنين باشا  تأتيكم ضمن مشروعنا أدب الرحلة برعاية الشاعر الإماراتي محمد أحمد السويدي وهي رحلة استكشافية رائدة قام بها الرحالة المصري أحمد محمد حسنين باشا سنة 1923 عبر خلالها صحراء ليبيا منطلقاً من ميناء السلوم على مقربة من الحدود الليبية حتى وصل إلى الأبيض عاصمة كردفان في غربي السودان. #محمد_أحمد_السويدي_أدب_الرحلة دار السويدي للنشر , Electronic Village, His excellency mohammed ahmed khalifa al suwaidi, Arabic Poetry, Arabic Knowledge, arabic articles, astrology, science museum, art museum,goethe museum, alwaraq, arab poet, arabic poems, Arabic Books,Arabic Quiz, القرية الإلكترونية , محمد أحمد خليفة السويدي , محمد أحمد السويدي , محمد السويدي , محمد سويدي , mohammed al suwaidi, mohammed al sowaidi,mohammed suwaidi, mohammed sowaidi, mohammad alsuwaidi, mohammad alsowaidi, mohammed ahmed alsuwaidi, محمد السويدي , محمد أحمد السويدي , muhammed alsuwaidi,muhammed suwaidi,,

Related Articles

حكاية بيتين من الشعر للعياشي صاحب الرحلة العياشية
المأزق الحرج
مغامرات تليماك
مغامرات تليماك
أدب الرحلات - الأسبوع الأول
رحلة ابن فضلان إلى بلاد الترك والروس والصقالبة
كاتدرائية كولونيا الراين (رحلة 1837-1840) فيكتور هوجو


Visa_MasterCard

Privacy Policy   Cookie Policy   Terms and Conditions