Arabic    

قصة قصيرة لإيفان بونين


2021-05-06
اعرض في فيس بوك
التصنيف : سلة الإنترنت

 
 
قصة قصيرة لإيفان بونين - 
في أحد الشوارع المألوفة.. 
ترجمها : جودت هوشيار
في ليلة خريفية باريسية ، كنت أمشي في بولفار خافت الضوء ، داكن من الخضرة الكثيفة النضرة ، حيث الفنارات تحتها تشع ببريق معدني - وانا أحس بالشباب والبهجة ، وأردد بيني وبين نفسي :
في شارع مألوف
اتذكر منزلا قديماً
فيه سلم عال معتم
ونوافذ مسدلة الستائر
ابيات رائعة ! ومن عجب ، ان كل هذا قد حدث لي ايضا في زمن ما .
موسكو . منطقة بريسنيا . شوارع مثلوجة مقفرة . بيت خشبي صغير ، وانا الطالب ، ذلك الأنا ، الذي لا اصدق الان له وجوداً .
كان هناك ضوء غامض
يومض حتى منتصف الليل
وفي البيت الخشبي ايضا ، كان ثمة ضوء يومض وعاصفة ثلجية تهب ، والريح تجرف الثلوج من على سطوح البيوت الخشبية ، فتلتف كالدخان المتصاعد ، وتضيء ما وراء الستارة القطنية الحمراء .
آه ، يا لها من فتاة معجزة ،
تهرع للقائي في ذلك البيت
في ساعة أثيرة
محلولة الجدائل
وهذا ايضا حدث لي. إبنة شماس في مدينة سيربوخوف ، تركت عائلتها الفقيرة وجاءت الى موسكو للدراسة ... وها أنا اصعد الى الشرفة الخشبية الأمامية المغطاة بالثلوج ، وأسحب حلقة الجرس . الممدود نحو المدخل . الجرس يرن وراء الباب . اسمع وقع خطوات متقافزة تنزل من السلم الخشبي الشديد الانحدار .تفتح الباب ، فتهب عليها رياح العاصفة ، وعلى شالها ، وبلوزتها البيضاء ... كنت أهرع الى تقبيلها وأحضنها وأصد الرياح عنها . ثم كنا نركض الى الاعلى في البرد القارس ، وعتمة السلم ، الى غرفتها الباردة ايضا ، المنارة بمصباح نفطي ، شاحب الضوء . الستارة الحمراء على النافذة ، وتحتها منضدة عليها هذا المصباح. قرب الحائط سرير حديدي كنت القي عليها معطفي وسترتي ، كيفما إتفق ، وأخذها عندي ، واجلسها على ركبتي ، وانا جالس على السرير ، واحس من خلال التنورة بجسدها ، وبعظامها .
لم تكن ضفائرها محلولة ، بل كان لها شعر أشقر مجعد ، ووجه فتاة من عامة الشعب ، شفاف من الجوع , وعيناها ايضا كانتا شفافتين فلاحيتين ، وشفتاها رقيقتين، كالتي تكون عادة عند الفتيات الواهنات .
تلتصق بشفاهي
ليس على نحو طفولي
بل متوقدة كالناضجات
وتهمس في أذني مرتعشة
أسمع دعنا نهرب !
نهرب ! الى اين وممن ؟ يالروعة هذه السذاجة الطفولية " نهرب ! " .
نحن لم يكن لدينا " نهرب " بل شفاه واهنة ، هي احلى شفاه في الدنيا . ودموع تطفر من عيوننا من فيض السعادة . وبسبب الاجهاد المضني للجسدين الفتيين كان كل واحد منا يضع رأسه على كتف الآخر . وكانت شفتاها تشتعلان ، كما في القيظ . عندما كنت أفك أزرار بلوزتها , وأقبل الصدر الحليبي البكر بحلمتيها الصلبتين , غير الناضجتين ... وعندما تستعيد وعيها ، تقفز وتشعل الطباخ الكحولي ، وتسخن الشاي فنشربه، ونحن نأكل الخبز الأبيض مع الجبنة ذات الغلاف الاحمر ، ونتكلم دونما نهاية عن مستقبلنا ، ونحس كيف إن الرياح الباردة المنعشة تهب وراء الستارة ، ونسمع تساقط الثلوج على النافذة :
" في شارع معروف أتذكر منزلاً قديماًً ".
ماذا أذكر ايضا ؟ أذكر أنني ودعتها في ربيع تلك السنة في محطة قطار كورسك . كيف اسرعنا الى الرصيف مع سلتها المصنوعة من الصفصاف ، وبطانيتها الحمراء الملفوفة والمشدودة بالأحزمة , ركضنا بمحاذاة القطار الطويل ، الذي كان على وشك التحرك, اذكر كيف صعدت أخيرا الى مدخل احدى العربات ، ونحن نتحدث قبل الوداع ، ونقبل ايدي بعضنا البعض ، وكيف وعدتها باللحاق بها في سيربوخوف بعد أسبوعين . لا أذكر أي شيء بعد ذلك . ولم يكن هناك شيء بعد ذلك أبداً .
———————————-
إيفان بونين هو أديب وشاعر روسي ولد في 22 أكتوبر 1870 وتوفي في 8 ديسمبر 1953. نال جائزة نوبل في الأدب عام 1933.

    قصة قصيرة لإيفان بونين -  في أحد الشوارع المألوفة..  ترجمها : جودت هوشيار في ليلة خريفية باريسية ، كنت أمشي في بولفار خافت الضوء ، داكن من الخضرة الكثيفة النضرة ، حيث الفنارات تحتها تشع ببريق معدني - وانا أحس بالشباب والبهجة ، وأردد بيني وبين نفسي : في شارع مألوف اتذكر منزلا قديماً فيه سلم عال معتم ونوافذ مسدلة الستائر ابيات رائعة ! ومن عجب ، ان كل هذا قد حدث لي ايضا في زمن ما . موسكو . منطقة بريسنيا . شوارع مثلوجة مقفرة . بيت خشبي صغير ، وانا الطالب ، ذلك الأنا ، الذي لا اصدق الان له وجوداً . كان هناك ضوء غامض يومض حتى منتصف الليل وفي البيت الخشبي ايضا ، كان ثمة ضوء يومض وعاصفة ثلجية تهب ، والريح تجرف الثلوج من على سطوح البيوت الخشبية ، فتلتف كالدخان المتصاعد ، وتضيء ما وراء الستارة القطنية الحمراء . آه ، يا لها من فتاة معجزة ، تهرع للقائي في ذلك البيت في ساعة أثيرة محلولة الجدائل وهذا ايضا حدث لي. إبنة شماس في مدينة سيربوخوف ، تركت عائلتها الفقيرة وجاءت الى موسكو للدراسة ... وها أنا اصعد الى الشرفة الخشبية الأمامية المغطاة بالثلوج ، وأسحب حلقة الجرس . الممدود نحو المدخل . الجرس يرن وراء الباب . اسمع وقع خطوات متقافزة تنزل من السلم الخشبي الشديد الانحدار .تفتح الباب ، فتهب عليها رياح العاصفة ، وعلى شالها ، وبلوزتها البيضاء ... كنت أهرع الى تقبيلها وأحضنها وأصد الرياح عنها . ثم كنا نركض الى الاعلى في البرد القارس ، وعتمة السلم ، الى غرفتها الباردة ايضا ، المنارة بمصباح نفطي ، شاحب الضوء . الستارة الحمراء على النافذة ، وتحتها منضدة عليها هذا المصباح. قرب الحائط سرير حديدي كنت القي عليها معطفي وسترتي ، كيفما إتفق ، وأخذها عندي ، واجلسها على ركبتي ، وانا جالس على السرير ، واحس من خلال التنورة بجسدها ، وبعظامها . لم تكن ضفائرها محلولة ، بل كان لها شعر أشقر مجعد ، ووجه فتاة من عامة الشعب ، شفاف من الجوع , وعيناها ايضا كانتا شفافتين فلاحيتين ، وشفتاها رقيقتين، كالتي تكون عادة عند الفتيات الواهنات . تلتصق بشفاهي ليس على نحو طفولي بل متوقدة كالناضجات وتهمس في أذني مرتعشة أسمع دعنا نهرب ! نهرب ! الى اين وممن ؟ يالروعة هذه السذاجة الطفولية " نهرب ! " . نحن لم يكن لدينا " نهرب " بل شفاه واهنة ، هي احلى شفاه في الدنيا . ودموع تطفر من عيوننا من فيض السعادة . وبسبب الاجهاد المضني للجسدين الفتيين كان كل واحد منا يضع رأسه على كتف الآخر . وكانت شفتاها تشتعلان ، كما في القيظ . عندما كنت أفك أزرار بلوزتها , وأقبل الصدر الحليبي البكر بحلمتيها الصلبتين , غير الناضجتين ... وعندما تستعيد وعيها ، تقفز وتشعل الطباخ الكحولي ، وتسخن الشاي فنشربه، ونحن نأكل الخبز الأبيض مع الجبنة ذات الغلاف الاحمر ، ونتكلم دونما نهاية عن مستقبلنا ، ونحس كيف إن الرياح الباردة المنعشة تهب وراء الستارة ، ونسمع تساقط الثلوج على النافذة : " في شارع معروف أتذكر منزلاً قديماًً ". ماذا أذكر ايضا ؟ أذكر أنني ودعتها في ربيع تلك السنة في محطة قطار كورسك . كيف اسرعنا الى الرصيف مع سلتها المصنوعة من الصفصاف ، وبطانيتها الحمراء الملفوفة والمشدودة بالأحزمة , ركضنا بمحاذاة القطار الطويل ، الذي كان على وشك التحرك, اذكر كيف صعدت أخيرا الى مدخل احدى العربات ، ونحن نتحدث قبل الوداع ، ونقبل ايدي بعضنا البعض ، وكيف وعدتها باللحاق بها في سيربوخوف بعد أسبوعين . لا أذكر أي شيء بعد ذلك . ولم يكن هناك شيء بعد ذلك أبداً . ———————————- إيفان بونين هو أديب وشاعر روسي ولد في 22 أكتوبر 1870 وتوفي في 8 ديسمبر 1953. نال جائزة نوبل في الأدب عام 1933. , Electronic Village, His excellency mohammed ahmed khalifa al suwaidi, Arabic Poetry, Arabic Knowledge, arabic articles, astrology, science museum, art museum,goethe museum, alwaraq, arab poet, arabic poems, Arabic Books,Arabic Quiz, القرية الإلكترونية , محمد أحمد خليفة السويدي , محمد أحمد السويدي , محمد السويدي , محمد سويدي , mohammed al suwaidi, mohammed al sowaidi,mohammed suwaidi, mohammed sowaidi, mohammad alsuwaidi, mohammad alsowaidi, mohammed ahmed alsuwaidi, محمد السويدي , محمد أحمد السويدي , muhammed alsuwaidi,muhammed suwaidi,,

Related Articles

Ludovico Einaudi - Elegy for the Arctic
سيمفونية بيتهوفن
ما حقيقة "وجود شريحة في لقاحات كورونا" تسبب "التصاق المغناطيس"؟
من مشروعنا "سندباد"
اسم القاهرة
حكاية "الأسطورة" الذي صور محمد علي كلاي
حي الشيخ جراح: كيف دعم مدونون الحي المقدسي بكتابات عمرها قرون؟