Arabic    

الطاعون (3-2)


2020-07-03
اعرض في فيس بوك
التصنيف : مشروعنا أدب الرحلة

 
 
الطاعون (3-2)
ترحال في الجزيرة العربيّة 1814م
جون لويس بوركهارت
 
فى الوقت الذى كانت تموت فيه حوالى خمس عشرة نفس يوميا ، لم يصدق أهل المدينة في ينبع أن المرض كان هو وباء الطاعون ، وذلك على الرغم من ظهور أعراض الصفراء على أجساد الموتى ، فضلا أيضا عن سرعة انتشار المرض ، الذى يندر أن يزيد على ثلاثة أيام أو أربعة ، كل ذلك كان يمكن أن يكون بمثابة أسباب مقنعة بأن ذلك الوباء إنما هو وباء الطاعون. وبعد خمسة أيام أو ستة من وصولي بدأ يتزايد معدل الوفيات ، إلى أن أصبح معدل الوفيات اليومي يتردد بين أربعين نفسا وخمسين نفسا يوميا ، الأمر الذى يعد معدلا خطيرا وسط عدد من السكان يقدر بما يتراوح بين خمسة آلاف وستة آلاف نسمة. وهنا أصيب سكان ينبع بموجة من الذعر والفزع ، قلة قليلة من الناس هم الذين كانوا يميلون إلى الصبر على الخطر مثلما يفعل الأتراك فى أى مكان آخر من الشرق ، ولذلك نجد أن السواد الأعظم من سكان ينبع هربوا إلى العراء والخلاء ، الأمر الذى أدى إلى أن أصبحت ينبع بلدا مهجورا ، ومع ذلك طارد المرض الهاربين ، الذين كانوا يخيمون بالقرب من بعضهم البعض ، الأمر الذى أعجزهم عن إيجاد علاج لذلك الوباء ، ولذلك عاد الكثيرون منهم إلى ينبع من جديد ، والتمسوا لأنفسهم العذر فى هربهم بأن قالوا : «من باب رحمة الله أنه يرسل علينا هذا المرض ، لينبهنا إلى وجوده (سبحانه وتعالى) ، ومع ذلك ، فنحن غير مدركين لتفاهتنا ، ونحس كأننا لا نستحق رحمة الله ، ومن ثم نظن أن من الأفضل نكران تلك الرحمة ، فى الوقت الراهن ، ومن ثم نهرب منها» : هذا الجدل سمعته يتكرر مرارا. لو كنت بكامل قوتى ، لكنت قد حذوت ، وبلا أدنى شك ، حذو أولئك الذين فروا إلى الصحراء ، لكنى كنت أعانى وهنا شديدا وغير قادر على القيام بأى مجهود مهما كان صغيرا. خطر ببالى أنى ربما استطعت الهرب من ذلك المرض ، إذا ما عزلت نفسى داخل سكنى ، وزاد فى داخلى أمل الشوق إلى السفر سريعا إلى مصر ، ومع ذلك ، فقد خدعت فى ذلك الأمل. خطر ببالى أن تقديم بعض الهدايا القليلة ، مع شىء من الرشوة ، قد يمكننى من العثور على وسيلة تساعدنى على الإبحار بشكل أو بآخر ، لكن اتضح أن السفن التى كانت على وشك الإبحار كانت مزدحمة بالمسافرين ، وعامرة بالجنود المرضى ، الأمر الذى يجعل من البقاء فى المدينة الموبوءة أفضل من السفر على هذا النحو. بعد ذلك بأيام قلائل ، بلغنى أن قاربا صغيرا مفتوحا ، خال من الجنود ، كان على وشك الإبحار إلى القصير ، وعلى الفور وافقت على الإبحار على ظهره ؛ لكن إبحار ذلك القارب كان يتأخر من يوم إلى آخر ، إلى أن جاء اليوم الخامس عشر من شهر مايو ، الذى غادرت فيه ينبع بصفة نهائية ، بعد ثمانية عشر يوما أمضيتها فى ذلك البلد (ينبع) وسط وباء الطاعون.
ربما كان حالى الصحى السيئ ، والحمى المستمرة التى تملكتنى ، وكنت أؤدى عملى وأنا أعانى منها ، ربما كان ذلك سببا كافيا لبقائى على قيد الحياة ؛ والسبب فى ذلك ، أنى على الرغم من حرصى الشديد ، كنت معرضا للعدوى فى كثير من الأحيان. كان شارع ينبع الرئيسى عامرا بالمرضى ، الذين يعانون من سكرات الموت ، ويسألون الناس إحسانا ؛ فى فناء الخان الذى كنت أنزل فيه ، كان هناك رجل عربى يعانى من سكرات الموت ، وكان صاحب الوكالة ، أو بالأحرى الخان ، هو الآخر قد توفيت أخته وابن من أبنائه ، وراح يحكى لى وهو جالس على السجادة كيف توفى ولده فى الليلة السابقة بين ذراعية. كان حرص عبدى قد فاق احتياطاتى كلها إلى حد بعيد ، وبعد أن افتقدت ذلك العبد لأيام عدة ، رحت أتساءل ذات صباح عن أسباب تغيب ذلك الرجل ، الذى أبلغنى أنه ذهب ليشارك فى غسل جثث الموتى. كان الفقراء الذين وافتهم المنية أثناء الليل ، قد جرى نقلهم فى الصباح فى نعوش إلى شاطئ البحر حتى يجرى غسلهم قبل الصلاة عليهم فى المسجد ، وكان عبدى قد رأى أن يشارك فى الأجر من خلال القيام بهذا العمل ، الذى أوكل لعدد كبير من الحجاج الزنوج الذين تصادف وجودهم فى ينبع. كنت أرغب أن يبقى ذلك العبد فى المنزل ، مستقبلا ، فى تلك الساعة ، كى يجهز لى طعام الإفطار ، لكنى لم استطع منعه من الخروج فى أوقات أخرى ؛ نظرا لأنى كنت أستطيع الاستغناء عن خدماته فى تلك الأوقات ، يضاف إلى ذلك أن الإنسان بوسعه المرور فى السوق دون أن يلمس أولئك المصابين بالعدوى ، أو حتى أولئك الذين يكونون على اتصال وثيق بأولئك المرضى.

    الطاعون (3-2) ترحال في الجزيرة العربيّة 1814م جون لويس بوركهارت   فى الوقت الذى كانت تموت فيه حوالى خمس عشرة نفس يوميا ، لم يصدق أهل المدينة في ينبع أن المرض كان هو وباء الطاعون ، وذلك على الرغم من ظهور أعراض الصفراء على أجساد الموتى ، فضلا أيضا عن سرعة انتشار المرض ، الذى يندر أن يزيد على ثلاثة أيام أو أربعة ، كل ذلك كان يمكن أن يكون بمثابة أسباب مقنعة بأن ذلك الوباء إنما هو وباء الطاعون. وبعد خمسة أيام أو ستة من وصولي بدأ يتزايد معدل الوفيات ، إلى أن أصبح معدل الوفيات اليومي يتردد بين أربعين نفسا وخمسين نفسا يوميا ، الأمر الذى يعد معدلا خطيرا وسط عدد من السكان يقدر بما يتراوح بين خمسة آلاف وستة آلاف نسمة. وهنا أصيب سكان ينبع بموجة من الذعر والفزع ، قلة قليلة من الناس هم الذين كانوا يميلون إلى الصبر على الخطر مثلما يفعل الأتراك فى أى مكان آخر من الشرق ، ولذلك نجد أن السواد الأعظم من سكان ينبع هربوا إلى العراء والخلاء ، الأمر الذى أدى إلى أن أصبحت ينبع بلدا مهجورا ، ومع ذلك طارد المرض الهاربين ، الذين كانوا يخيمون بالقرب من بعضهم البعض ، الأمر الذى أعجزهم عن إيجاد علاج لذلك الوباء ، ولذلك عاد الكثيرون منهم إلى ينبع من جديد ، والتمسوا لأنفسهم العذر فى هربهم بأن قالوا : «من باب رحمة الله أنه يرسل علينا هذا المرض ، لينبهنا إلى وجوده (سبحانه وتعالى) ، ومع ذلك ، فنحن غير مدركين لتفاهتنا ، ونحس كأننا لا نستحق رحمة الله ، ومن ثم نظن أن من الأفضل نكران تلك الرحمة ، فى الوقت الراهن ، ومن ثم نهرب منها» : هذا الجدل سمعته يتكرر مرارا. لو كنت بكامل قوتى ، لكنت قد حذوت ، وبلا أدنى شك ، حذو أولئك الذين فروا إلى الصحراء ، لكنى كنت أعانى وهنا شديدا وغير قادر على القيام بأى مجهود مهما كان صغيرا. خطر ببالى أنى ربما استطعت الهرب من ذلك المرض ، إذا ما عزلت نفسى داخل سكنى ، وزاد فى داخلى أمل الشوق إلى السفر سريعا إلى مصر ، ومع ذلك ، فقد خدعت فى ذلك الأمل. خطر ببالى أن تقديم بعض الهدايا القليلة ، مع شىء من الرشوة ، قد يمكننى من العثور على وسيلة تساعدنى على الإبحار بشكل أو بآخر ، لكن اتضح أن السفن التى كانت على وشك الإبحار كانت مزدحمة بالمسافرين ، وعامرة بالجنود المرضى ، الأمر الذى يجعل من البقاء فى المدينة الموبوءة أفضل من السفر على هذا النحو. بعد ذلك بأيام قلائل ، بلغنى أن قاربا صغيرا مفتوحا ، خال من الجنود ، كان على وشك الإبحار إلى القصير ، وعلى الفور وافقت على الإبحار على ظهره ؛ لكن إبحار ذلك القارب كان يتأخر من يوم إلى آخر ، إلى أن جاء اليوم الخامس عشر من شهر مايو ، الذى غادرت فيه ينبع بصفة نهائية ، بعد ثمانية عشر يوما أمضيتها فى ذلك البلد (ينبع) وسط وباء الطاعون. ربما كان حالى الصحى السيئ ، والحمى المستمرة التى تملكتنى ، وكنت أؤدى عملى وأنا أعانى منها ، ربما كان ذلك سببا كافيا لبقائى على قيد الحياة ؛ والسبب فى ذلك ، أنى على الرغم من حرصى الشديد ، كنت معرضا للعدوى فى كثير من الأحيان. كان شارع ينبع الرئيسى عامرا بالمرضى ، الذين يعانون من سكرات الموت ، ويسألون الناس إحسانا ؛ فى فناء الخان الذى كنت أنزل فيه ، كان هناك رجل عربى يعانى من سكرات الموت ، وكان صاحب الوكالة ، أو بالأحرى الخان ، هو الآخر قد توفيت أخته وابن من أبنائه ، وراح يحكى لى وهو جالس على السجادة كيف توفى ولده فى الليلة السابقة بين ذراعية. كان حرص عبدى قد فاق احتياطاتى كلها إلى حد بعيد ، وبعد أن افتقدت ذلك العبد لأيام عدة ، رحت أتساءل ذات صباح عن أسباب تغيب ذلك الرجل ، الذى أبلغنى أنه ذهب ليشارك فى غسل جثث الموتى. كان الفقراء الذين وافتهم المنية أثناء الليل ، قد جرى نقلهم فى الصباح فى نعوش إلى شاطئ البحر حتى يجرى غسلهم قبل الصلاة عليهم فى المسجد ، وكان عبدى قد رأى أن يشارك فى الأجر من خلال القيام بهذا العمل ، الذى أوكل لعدد كبير من الحجاج الزنوج الذين تصادف وجودهم فى ينبع. كنت أرغب أن يبقى ذلك العبد فى المنزل ، مستقبلا ، فى تلك الساعة ، كى يجهز لى طعام الإفطار ، لكنى لم استطع منعه من الخروج فى أوقات أخرى ؛ نظرا لأنى كنت أستطيع الاستغناء عن خدماته فى تلك الأوقات ، يضاف إلى ذلك أن الإنسان بوسعه المرور فى السوق دون أن يلمس أولئك المصابين بالعدوى ، أو حتى أولئك الذين يكونون على اتصال وثيق بأولئك المرضى. , Electronic Village, His excellency mohammed ahmed khalifa al suwaidi, Arabic Poetry, Arabic Knowledge, arabic articles, astrology, science museum, art museum,goethe museum, alwaraq, arab poet, arabic poems, Arabic Books,Arabic Quiz, القرية الإلكترونية , محمد أحمد خليفة السويدي , محمد أحمد السويدي , محمد السويدي , محمد سويدي , mohammed al suwaidi, mohammed al sowaidi,mohammed suwaidi, mohammed sowaidi, mohammad alsuwaidi, mohammad alsowaidi, mohammed ahmed alsuwaidi, محمد السويدي , محمد أحمد السويدي , muhammed alsuwaidi,muhammed suwaidi,,

Related Articles

الطاعون (3-3)
الطاعون (3-1)
في سبيلها يحلو كلّ شيّ (2-2)
في سبيلها يحلو كلّ شيّ (2-1)
احتراما لهوميروس
الحاج المتنكّر
فارس في غاية السوء - غي دو موباسان