Arabic    

حكاية كالييسترو الصقّلي (3-3)


2020-04-17
اعرض في فيس بوك
التطبيقات : رحلة إلى إيطاليا

 
#تنويه ننصحكم بقراءة هذه المقالات رغم أنها طويلة نسبياً قررنا نشرها دون حذف أو اختصار ليجد فيها المثقف العربي ومحبي جوته لغة جوته قدر الإمكان.
(محمد أحمد السويدي)
 
 
 
 
حكاية كالييسترو الصقّلي
13 و14 نيسان (أبريل)
الرحلة الإيطالية 1787
لجوته (3-3)......
 
في غضون ذلك دخلت ابنتها وجلست جوار الحاجب، الذي كرر على مسامعها كل ما قلته. كانت قد ارتدت مئزراً جديداً، ورتبت شعرها بعناية وغطته بشبكة. لابد انها كانت في الاربعين من العمر. وكلما انعمت النظر فيها وقارنتها بأمها، زاد عجبي لعظم الفارق بينهما. وتعبر شخصية واهاب الابنة عن العزم، والحيوية، والعافية والشهوانية. وهي تجيل الطرف فيما حولها بعينين زرقاوين، ذكيتين وجذلتين، لم الحظ فيهما أي ظل لريبة. جلست على المقعد، منحنية الى الامام قليلاً، وكفاها تسترخيان على ركبتيها، فبدت في مظهر افضل مما كانت تبدو عليه وهي واقفة. وذكرتني ملامحها غير الجادة بملامح اخيها كما نعرفها من صورته المحفورة على الخشب. وجهت إليّ بضعة اسئلة عن رحلتي وعن اسباب زيارتي الى صقلية، واقتنعت باني سأعود لاحتفل معهم بعيد القديسة روزاليا.
كان لدى الجدة اسئلة اخرى تستفسر عنها مني، وبينما كنت اجيب، كانت ابنتها تتحدث الى الحاجب في صوت خفيض. ولما سنحت الفرصة، سألتهما عمّ يتحدثان. قال الحاجب ان السنيورة كابيتومينو اخبرته ان اخاها مايزال مدينا لها باربعة عشر اونصة، اذ كان عليها، لحظة اراد مغادرة باليرمو على عجل، ان تدفع المال لاسترجاع حاجياته من محل الرهنيات. ولم تسمع منه شيئاً منذ ذلك الحين؛ ورغم انها سمعت انه اصاب الآن ثراء كبيراً وانه يعيش مثل اللوردات، فانه لم يسدد لها الدين، ولم يقدم لها أي عون مادي. فهل لي، كما رجت ان اتولى، لدى عودتي الى انجلترا، تذكيره على نحو لطيف بسداد هذا الدين، والحصول على عون لها؟ وهل لي ان احمل رسالة موجهة اليه، على ان اسلمها يداً بيد ان امكن؟
فقلت اني على استعداد لذلك، وعندها سألتني أين اقيم حتى ترسل لي الرسالة. ولما كنت لا ارغب في الكشف عن عنواني، ابديت الاستعداد للعودة مساء اليوم التالي لأخذ الرسالة. راحت بعد ذلك تصف لي مصاعب وضعها. فهي ارملة تعيل ثلاثة اطفال، بينهم فتاة تتلقى التعليم في دير؛ أما الآخران، وهما بنت وولد، فيعيشان معها في الدار ـ وكان الصبي قد توجه الى المدرسة قبل قليل. علاوة على ذلك ينبغي عليها ان تعيل أمها، وان ترعى، من باب الاحسان المسيحي، الشخص الفقير، العليل، الذي رأيته. وهذا الوضع يزيد ثقل الاعباء التي تنوء بها. وان كل ما تعمله لا يكاد يسد الرمق، رمقها ورمق اسرتها. وقالت انها تؤمن ان الله لن يدع اعمال البر التي تقوم بها دون جزاء؛ مع ذلك فانها تنوء بالعبء الذي تحمل اثقاله منذ فترة طويلة.
بدأ الصغار يشاركون في المحادثة الآن، فبات الحديث اشد حيوية. وبينما كنت اتحدث اليهم، سمعت العجوز تسأل ابنتها ان كانت تعتقد انني من المؤمنين بدينها الحنيف. تفادت الابنة السؤال بفطنة بأن قالت لها قدر ما استطعت ان افهم الكلام، ان الاجانب يحملون الخير في القلب، وليس من اللائق الاستفسار من أي كان عن دينه منذ اول لقاء.
وحين فهموا انني اعتزم مغادرة باليرمو قريباً، حثوني من جديد على وجوب العودة، واطروا ايام عيد القديسة روزاليا باعتبارها ايام نعيم. فما من شيء، كما قالوا، يضاهيها متعة وبهجة في العالم كله. أما مرافقي، أي الحاجب، الذي رغب في الانصراف منذ امد بعيد، وكرر الاشارات لي بوجوب المغادرة، فقد انهى الحديث، وكررت وعدي بالعودة في عصر اليوم التالي لأخذ الرسالة. سُعد الحاجب لنجاح الزيارة، وافترقنا ونحن نلقي تعابير الرضى المتبادل.
ولكم ان تتخيلوا الانطباع الذي خلفته في هذه العائلة المسكينة، الورعة، الودودة. لقد اشبعت الزيارة فضولي، لكن ادبهم الجم أثار فيّ اهتماماً راح يتزايد كلما فكرت فيهم. في الوقت ذاته كنت اشعر بالقلق من اليوم التالي. فمن الطبيعي ان زيارتي المفاجئة تدفعهم الآن، بعد ان غادرت، الى التفكير. ولما كان هناك عدة افراد من اسرتهم الكبيرة ما يزالون احياء، كما هو واضح من شجرة العائلة، فلابد انهم سيتصلون بهم وباصدقائهم، لابلاغهم بالاخبار المذهلة التي تناهت اليهم مني. لقد حققت غايتي، وكل ما بقي عليّ هو ان اوصل هذه المغامرة الى برّ الامان باكبر قدر من اللباقة. وبناء عليه، انطلقت في اليوم التالي، بعيد الغداء، الى المنزل لوحدي. ودهشوا لرؤيتي قادماً في هذا الوقت المبكر. وقالوا ان الرسالة لم تجهز بعد. زد على هذا ان هناك عدداً من الاقارب قادمون في ذلك المساء، ويرغبون في التعرف إليّ. قلت لهم ان عليّ المغادرة في وقت مبكر من صباح اليوم التالي، وان لديّ الكثير من الزيارات الاخرى، وحزم الامتعة، لذا قررت المجيء مبكراً خيراً من تعذر القدوم.
في غضون ذلك جاء الحفيد، الذي لم يكن موجوداً بالأمس، حاملاً الرسالة المطلوبة. لقد كتب الرسالة، كما هي العادة الجارية هنا، واحد من العرضحال الذين يجلسون في الساحات. كان هذا الشاب يشبه اخته في الطول والبنية، وهو هاديء الطبع، حزين، ومتواضع. وسألني عن ثروة خاله واسلوب عيشه الموسّر، وقال بنبرة حزينة: "لم نسي عائلته كلياً؟ ما اسعدنا لو انه عاد الى باليرمو." ثم واصل الكلام: "ولكن كيف تسنى له ان يخبرك ان لديه اقارب في باليرمو؟ يقال انه ينتحل صفة رجل نبيل المولد، وينكر أية صلة بنا." كان عليّ ان اجيب عن هذا السؤال الذي تقع مسؤوليته على قلة حصافة الحاجب، واجبت بقدر من الاقناع قائلاً ان لعل لدى خاله اسباب وجيهة لاخفاء بساطة مولده عن الجمهور العام، إلا انه لم يكن يخفي حقيقة منشأه عن اصدقائه.
وشاركت اخته الآن في الحديث، متشجعة بحضور اخيها، أو لربما ايضا، بغياب صديقها الذي كان بالأمس، واخذت تتكلم باسلوب بالغ التهذيب وحيوي. رجاني الاثنان ان اذكرهما عند خالهما، ان كتبت له. كما ألحا عليّ بالعودة للاحتفال معهم بعيد القديسة روزاليا، بعد فراغي من الطواف بالمملكة. وايدتهما امهما في هذه الدعوة. وقالت: "سنيور، رغم انه ليس من اللائق لي حقا مع وجود ابنة بالغة الرشد في البيت، ان ادعو الغرباء للزيارة، لأن على المرء لا ان يحذر من المزالق فحسب، بل وان يتحاشى القيل والقال ايضا، أما انت فعلى الرحب والسعة، تأتي متى شئت، لدى عودتك الى هذه المدينة!"
وقال اطفالها "نعم، نعم سوف نرافقه، ونأخذه الى افضل موقع لمشاهدة احتفالات العيد. ولكم ستعجب بالعربة الكبيرة للقديسة، والاضوية البديعة!"
في هذه الاثناء قرأت جدتهم الرسالة مراراً. وحين سمعت اني موشك على المغادرة، نهضت من كرسيها وسلمتني الورقة المطوية. "بلغ ولدي عن مدى سعادتنا بما جئتنا من اخبار! بلغه انني اضمه الى صدري ـ هكذا." وبهذه الكلمات فتحت ذراعيها على سعتهما، وضمتهما الى صدرها. "بلغه انني اتشفع له في صلاتي كل يوم عند الله والعذراء المبجلة، وانني ارسل له ولزوجته بركاتي، وان امنيتي الوحيدة ان أراه ثانية قبل ان اموت، بعيني هاتين اللتين سفحتا الدموع لأجله."
ان الموسيقى العذبة التي تميز اللغة الايطالية وحدها اضافت الكثير الى الكلمات التي اختارتها بعناية ونسقتها تنسيقاً نبيلاً، مشفوعة بتلك الايماءات الحية، التي تسبغ على حديث الجنوبيين ذلك السحر الفائق. ودعتهم وأنا شديد التأثر. صافحني الجميع، أما الشباب فرافقوني الى باب الدار، وحين نزلت الدرج، ركضوا الى شرفة المطبخ المطلة على الشارع وراحوا يلوحون بايديهم مودعين، وهم يهتفون مراراً بأن لا انسى العودة من كل بد. وحين انعطفت عند زاوية الشارع، كانوا ما يزالون واقفين في الشرفة.
لا حاجة بي للقول ان اهتمامي الشديد بهذه العائلة زاد رغبتي وتوقي لأن افعل شيئاً عملياً لتخفيف ضائقتها. لقد خدعوا مرتين، مرة من حاجب المحامي، ومرة من باحث اوربي شمالي مدقق، وبدا كما لو ان آمالهم بأن يأتيهم العون على حين غرة سوف تتهاوى للمرة الثانية.
تبادر الى ذهني ان ارسل اليهم، قبل المغادرة، الاربع عشرة اونصة التي يدين بها المجرم الطريد اليهم، بذريعة انني اثق في ان كالييسترو سيعيدها إليّ. ولكن ما ان دفعت فاتورة النزل، واجريت تقديراً أولياً لما بقي عندي من مال نقداً أو رسائل اعتماد، حتى ادركت انني ساواجه صعوبات جمة ان مضيت بدافع طيبة القلب، في ازالة الحيف الذي ارتكبه أفاك، خصوصا وان ضعف المواصلات في هذا البلد يجعل المسافات لا نهائية.

  #تنويه ننصحكم بقراءة هذه المقالات رغم أنها طويلة نسبياً قررنا نشرها دون حذف أو اختصار ليجد فيها المثقف العربي ومحبي جوته لغة جوته قدر الإمكان. (محمد أحمد السويدي)         حكاية كالييسترو الصقّلي 13 و14 نيسان (أبريل) الرحلة الإيطالية 1787 لجوته (3-3)......   في غضون ذلك دخلت ابنتها وجلست جوار الحاجب، الذي كرر على مسامعها كل ما قلته. كانت قد ارتدت مئزراً جديداً، ورتبت شعرها بعناية وغطته بشبكة. لابد انها كانت في الاربعين من العمر. وكلما انعمت النظر فيها وقارنتها بأمها، زاد عجبي لعظم الفارق بينهما. وتعبر شخصية واهاب الابنة عن العزم، والحيوية، والعافية والشهوانية. وهي تجيل الطرف فيما حولها بعينين زرقاوين، ذكيتين وجذلتين، لم الحظ فيهما أي ظل لريبة. جلست على المقعد، منحنية الى الامام قليلاً، وكفاها تسترخيان على ركبتيها، فبدت في مظهر افضل مما كانت تبدو عليه وهي واقفة. وذكرتني ملامحها غير الجادة بملامح اخيها كما نعرفها من صورته المحفورة على الخشب. وجهت إليّ بضعة اسئلة عن رحلتي وعن اسباب زيارتي الى صقلية، واقتنعت باني سأعود لاحتفل معهم بعيد القديسة روزاليا. كان لدى الجدة اسئلة اخرى تستفسر عنها مني، وبينما كنت اجيب، كانت ابنتها تتحدث الى الحاجب في صوت خفيض. ولما سنحت الفرصة، سألتهما عمّ يتحدثان. قال الحاجب ان السنيورة كابيتومينو اخبرته ان اخاها مايزال مدينا لها باربعة عشر اونصة، اذ كان عليها، لحظة اراد مغادرة باليرمو على عجل، ان تدفع المال لاسترجاع حاجياته من محل الرهنيات. ولم تسمع منه شيئاً منذ ذلك الحين؛ ورغم انها سمعت انه اصاب الآن ثراء كبيراً وانه يعيش مثل اللوردات، فانه لم يسدد لها الدين، ولم يقدم لها أي عون مادي. فهل لي، كما رجت ان اتولى، لدى عودتي الى انجلترا، تذكيره على نحو لطيف بسداد هذا الدين، والحصول على عون لها؟ وهل لي ان احمل رسالة موجهة اليه، على ان اسلمها يداً بيد ان امكن؟ فقلت اني على استعداد لذلك، وعندها سألتني أين اقيم حتى ترسل لي الرسالة. ولما كنت لا ارغب في الكشف عن عنواني، ابديت الاستعداد للعودة مساء اليوم التالي لأخذ الرسالة. راحت بعد ذلك تصف لي مصاعب وضعها. فهي ارملة تعيل ثلاثة اطفال، بينهم فتاة تتلقى التعليم في دير؛ أما الآخران، وهما بنت وولد، فيعيشان معها في الدار ـ وكان الصبي قد توجه الى المدرسة قبل قليل. علاوة على ذلك ينبغي عليها ان تعيل أمها، وان ترعى، من باب الاحسان المسيحي، الشخص الفقير، العليل، الذي رأيته. وهذا الوضع يزيد ثقل الاعباء التي تنوء بها. وان كل ما تعمله لا يكاد يسد الرمق، رمقها ورمق اسرتها. وقالت انها تؤمن ان الله لن يدع اعمال البر التي تقوم بها دون جزاء؛ مع ذلك فانها تنوء بالعبء الذي تحمل اثقاله منذ فترة طويلة. بدأ الصغار يشاركون في المحادثة الآن، فبات الحديث اشد حيوية. وبينما كنت اتحدث اليهم، سمعت العجوز تسأل ابنتها ان كانت تعتقد انني من المؤمنين بدينها الحنيف. تفادت الابنة السؤال بفطنة بأن قالت لها قدر ما استطعت ان افهم الكلام، ان الاجانب يحملون الخير في القلب، وليس من اللائق الاستفسار من أي كان عن دينه منذ اول لقاء. وحين فهموا انني اعتزم مغادرة باليرمو قريباً، حثوني من جديد على وجوب العودة، واطروا ايام عيد القديسة روزاليا باعتبارها ايام نعيم. فما من شيء، كما قالوا، يضاهيها متعة وبهجة في العالم كله. أما مرافقي، أي الحاجب، الذي رغب في الانصراف منذ امد بعيد، وكرر الاشارات لي بوجوب المغادرة، فقد انهى الحديث، وكررت وعدي بالعودة في عصر اليوم التالي لأخذ الرسالة. سُعد الحاجب لنجاح الزيارة، وافترقنا ونحن نلقي تعابير الرضى المتبادل. ولكم ان تتخيلوا الانطباع الذي خلفته في هذه العائلة المسكينة، الورعة، الودودة. لقد اشبعت الزيارة فضولي، لكن ادبهم الجم أثار فيّ اهتماماً راح يتزايد كلما فكرت فيهم. في الوقت ذاته كنت اشعر بالقلق من اليوم التالي. فمن الطبيعي ان زيارتي المفاجئة تدفعهم الآن، بعد ان غادرت، الى التفكير. ولما كان هناك عدة افراد من اسرتهم الكبيرة ما يزالون احياء، كما هو واضح من شجرة العائلة، فلابد انهم سيتصلون بهم وباصدقائهم، لابلاغهم بالاخبار المذهلة التي تناهت اليهم مني. لقد حققت غايتي، وكل ما بقي عليّ هو ان اوصل هذه المغامرة الى برّ الامان باكبر قدر من اللباقة. وبناء عليه، انطلقت في اليوم التالي، بعيد الغداء، الى المنزل لوحدي. ودهشوا لرؤيتي قادماً في هذا الوقت المبكر. وقالوا ان الرسالة لم تجهز بعد. زد على هذا ان هناك عدداً من الاقارب قادمون في ذلك المساء، ويرغبون في التعرف إليّ. قلت لهم ان عليّ المغادرة في وقت مبكر من صباح اليوم التالي، وان لديّ الكثير من الزيارات الاخرى، وحزم الامتعة، لذا قررت المجيء مبكراً خيراً من تعذر القدوم. في غضون ذلك جاء الحفيد، الذي لم يكن موجوداً بالأمس، حاملاً الرسالة المطلوبة. لقد كتب الرسالة، كما هي العادة الجارية هنا، واحد من العرضحال الذين يجلسون في الساحات. كان هذا الشاب يشبه اخته في الطول والبنية، وهو هاديء الطبع، حزين، ومتواضع. وسألني عن ثروة خاله واسلوب عيشه الموسّر، وقال بنبرة حزينة: "لم نسي عائلته كلياً؟ ما اسعدنا لو انه عاد الى باليرمو." ثم واصل الكلام: "ولكن كيف تسنى له ان يخبرك ان لديه اقارب في باليرمو؟ يقال انه ينتحل صفة رجل نبيل المولد، وينكر أية صلة بنا." كان عليّ ان اجيب عن هذا السؤال الذي تقع مسؤوليته على قلة حصافة الحاجب، واجبت بقدر من الاقناع قائلاً ان لعل لدى خاله اسباب وجيهة لاخفاء بساطة مولده عن الجمهور العام، إلا انه لم يكن يخفي حقيقة منشأه عن اصدقائه. وشاركت اخته الآن في الحديث، متشجعة بحضور اخيها، أو لربما ايضا، بغياب صديقها الذي كان بالأمس، واخذت تتكلم باسلوب بالغ التهذيب وحيوي. رجاني الاثنان ان اذكرهما عند خالهما، ان كتبت له. كما ألحا عليّ بالعودة للاحتفال معهم بعيد القديسة روزاليا، بعد فراغي من الطواف بالمملكة. وايدتهما امهما في هذه الدعوة. وقالت: "سنيور، رغم انه ليس من اللائق لي حقا مع وجود ابنة بالغة الرشد في البيت، ان ادعو الغرباء للزيارة، لأن على المرء لا ان يحذر من المزالق فحسب، بل وان يتحاشى القيل والقال ايضا، أما انت فعلى الرحب والسعة، تأتي متى شئت، لدى عودتك الى هذه المدينة!" وقال اطفالها "نعم، نعم سوف نرافقه، ونأخذه الى افضل موقع لمشاهدة احتفالات العيد. ولكم ستعجب بالعربة الكبيرة للقديسة، والاضوية البديعة!" في هذه الاثناء قرأت جدتهم الرسالة مراراً. وحين سمعت اني موشك على المغادرة، نهضت من كرسيها وسلمتني الورقة المطوية. "بلغ ولدي عن مدى سعادتنا بما جئتنا من اخبار! بلغه انني اضمه الى صدري ـ هكذا." وبهذه الكلمات فتحت ذراعيها على سعتهما، وضمتهما الى صدرها. "بلغه انني اتشفع له في صلاتي كل يوم عند الله والعذراء المبجلة، وانني ارسل له ولزوجته بركاتي، وان امنيتي الوحيدة ان أراه ثانية قبل ان اموت، بعيني هاتين اللتين سفحتا الدموع لأجله." ان الموسيقى العذبة التي تميز اللغة الايطالية وحدها اضافت الكثير الى الكلمات التي اختارتها بعناية ونسقتها تنسيقاً نبيلاً، مشفوعة بتلك الايماءات الحية، التي تسبغ على حديث الجنوبيين ذلك السحر الفائق. ودعتهم وأنا شديد التأثر. صافحني الجميع، أما الشباب فرافقوني الى باب الدار، وحين نزلت الدرج، ركضوا الى شرفة المطبخ المطلة على الشارع وراحوا يلوحون بايديهم مودعين، وهم يهتفون مراراً بأن لا انسى العودة من كل بد. وحين انعطفت عند زاوية الشارع، كانوا ما يزالون واقفين في الشرفة. لا حاجة بي للقول ان اهتمامي الشديد بهذه العائلة زاد رغبتي وتوقي لأن افعل شيئاً عملياً لتخفيف ضائقتها. لقد خدعوا مرتين، مرة من حاجب المحامي، ومرة من باحث اوربي شمالي مدقق، وبدا كما لو ان آمالهم بأن يأتيهم العون على حين غرة سوف تتهاوى للمرة الثانية. تبادر الى ذهني ان ارسل اليهم، قبل المغادرة، الاربع عشرة اونصة التي يدين بها المجرم الطريد اليهم، بذريعة انني اثق في ان كالييسترو سيعيدها إليّ. ولكن ما ان دفعت فاتورة النزل، واجريت تقديراً أولياً لما بقي عندي من مال نقداً أو رسائل اعتماد، حتى ادركت انني ساواجه صعوبات جمة ان مضيت بدافع طيبة القلب، في ازالة الحيف الذي ارتكبه أفاك، خصوصا وان ضعف المواصلات في هذا البلد يجعل المسافات لا نهائية. , Electronic Village, His excellency mohammed ahmed khalifa al suwaidi, Arabic Poetry, Arabic Knowledge, arabic articles, astrology, science museum, art museum,goethe museum, alwaraq, arab poet, arabic poems, Arabic Books,Arabic Quiz, القرية الإلكترونية , محمد أحمد خليفة السويدي , محمد أحمد السويدي , محمد السويدي , محمد سويدي , mohammed al suwaidi, mohammed al sowaidi,mohammed suwaidi, mohammed sowaidi, mohammad alsuwaidi, mohammad alsowaidi, mohammed ahmed alsuwaidi, محمد السويدي , محمد أحمد السويدي , muhammed alsuwaidi,muhammed suwaidi,,

Related Articles

حكاية كالييسترو الصقّلي (3-2)
حكاية كالييسترو الصقّلي (3-1)
معرض كولونا
نجوم إيطاليا - الرحلة الإيطالية
جيرجينتي - الرحلة الإيطالية
أميرتي الطائشة - الرحلة الإيطالية
Messina - The Italian Journey