Arabic    

حكاية كالييسترو الصقّلي (3-2)


2020-04-16
اعرض في فيس بوك
التطبيقات : رحلة إلى إيطاليا

 
#تنويه ننصحكم بقراءة هذه المقالات رغم أنها طويلة نسبياً قررنا نشرها دون حذف أو اختصار ليجد فيها المثقف العربي ومحبي جوته لغة جوته قدر الإمكان.
(محمد أحمد السويدي)
 
 
 
حكاية كالييسترو الصقّلي
13 و14 نيسان (أبريل)
الرحلة الإيطالية 1787
لجوته (3-2)...
 
جاءني الحاجب في اليوم التالي فابدى بعض التحفظات حول القضية. وقال لي: "حتى الآن، تجنبت ان ادع هؤلاء الناس يرون وجهي ثانية، وانني اضطررت الى اللجوء للمرواغة ابتغاء وضع اليد على عقود نكاحهم، ووثائق تعميدهم، وما شاكل. قلت لهم ذات يوم، على نحو عابر، ان هناك شاغراً لمعاش عائلي في مكان ما لعل كابيتومينو الصغير مؤهل لتلقيه، لكن التأكد من حقه في الحصول على ذلك يتطلب اول ما يتطلب وضع شجرة للعائلة. وبعد هذا، بالطبع، يتوقف كل شيء على المفاوضات. وانني سأتولى امرها ان وعدوني بدفع عوض مالي لقاء ذلك.
وافق الناس الطيبون على ذلك بحماسة. تلقيت الوثائق الضرورية، وعملت النسخ اللازمة ورسمت شجرة العائلة، ولكني احرص منذ ذلك الحين على الابتعاد عن طريقهم. قبل اسابيع قلائل التقيت والدة كابيتومينو مصادفة، فكان عذري الوحيد الذي التمسته هو بطء سير المفاوضات في هذه الانحاء."
هذا ما قاله الحاجب، ولما رأى تمسكي بفكرتي، اتفقنا بعد بعض المداولات على ان اقدم نفسي باعتباري انجليزيا، ارسله كالييسترو لتفقد اخبار عائلته، بعد ان اطلق سراحه من الباستيل ووصل الى لندن.
انطلقنا معاً في الساعة الموعودة ـ لابد انها كانت حوالي الثالثة عصراً. كان المنزل يقبع في آخر زقاق ليس بعيداً عن الشارع الرئيسي ايل كاسارو. ارتقينا درجات متآكلة، قادتنا مباشرة الى المطبخ. ثمة امرأة، متوسطة القامة، عريضة المنكبين، قوية، لكنها ليست بدينة، تغسل الاطباق. كان فستانها نظيفاً، ولما رأتنا ندخل رفعت طرف مئزرها لتخفي الجزء المتسخ من ثوبها. بدت سعيدة برؤية الحاجب وقالت: "سنيور جيوفاني، هل لديك اخبار سارة لنا؟ هل افلحت في تدبير الامور؟"
فأجاب: "لم اكمل المعاملات بعد، ولكن ها هنا اجنبي يحمل لك التحيات من اخيك، ويخبرك باحواله."
ان هذه التحايا التي يفترض ان احملها الى العائلة لم تكن من ضمن الاتفاق، ولكن التعارف جرى على الاقل. فسألت: "هل تعرف اخي؟"
قلت: "كل اوربا تعرفه. اظن انك ستفرحين لدى سماعك انه بخير وامان، لانك لابد كنت قلقة على مصيره."
قالت: "ادخلوا. لن اتأخر عليكم."
هكذا دخلنا، أنا والحاجب، الى الغرفة المجاورة.
يمكن القول عن هذه الغرفة انها ردهة، فهي فسيحة، عالية السقف، إلا انها بدت وكأنها رقعة العيش الكاملة للأسرة كلها. ثمة نافذة واحدة. أما الجدران، التي كانت ذات يوم مدهونة، فمكسوة بصور مسودة لقديسين حشرت في اطر مذهبة. هناك سريران كبيران بلا ستائر متكئان الى احد الجدران، وهناك خزانة صغيرة، على شكل طاولة كتابة، تتكيء على الجدار الآخر. ثمة كراسي موزعة في الجوار، ذات مقاعد وظهور بالية، وذات اذرع واطر كانت ذات يوم ملمعة بالدهان؛ أما بلاط الارضية فمتآكل في بعض المواضع، إلا ان كل شيء كان نظيفاً للغاية. اقتربنا الآن من العائلة المجتمعة في الطرف الاقصى من الغرفة قرب النافذة. وبينما اخذ الحاجب يشرح سبب زيارتي لوالدة بالسامو العجوز ـ كانت العجوز ثقيلة السمع للغاية ـ اغتنمت الفرصة لالقي نظرة فاحصة على الآخرين. تقف الى جوار النافذة فتاة في السادسة عشر من العمر، ذات قوام جميل، إلا ان وجهها مجدور؛ ويقف بجانبها شاب ذو وجه مجدور هو الآخر، إلا انه كان لطيف المحيا. وهناك يجلس، أو يتهالك، على الكرسي ذي اليدين جوار النافذة، شخص قبيح للغاية بدا وكأنه مصاب بداء السبات.
لما فرغ الحاجب من كلامه، دعتنا العائلة الى الجلوس. سألت العجوز اسئلة عديدة بلهجة صقلية، كان ينبغي ترجمتها لي، لأني لم افقه منها كلمة واحدة. كانت لطيفة المحيا؛ وان خطوط وجهها النظامية تعبر عن ذلك الهدوء والصفاء الذي يلاحظه المرء على قسمات الصمّ، أما صوتها فكان عذباً، رقيقاً.
اجبت عن كل اسئلتها، فكان يتوجب ترجمتها هي ايضا. اعطاني بطء الحوار الفرصة لوزن كلماتي بعناية. قلت لها ان فرنسا اخلت سبيل ابنها وانه الآن في انجلترا حيث يلقى الترحاب. اقترنت السعادة التي طغت على صوتها لدى سماع هذا الخبر بامارات ورع عميق. ولما اخذت الآن تتحدث بنبرة اعلى، وتلفظ الكلمات بتؤدة، بت افهم كلامها على نحو افضل. (وللحديث بقيّة)

  #تنويه ننصحكم بقراءة هذه المقالات رغم أنها طويلة نسبياً قررنا نشرها دون حذف أو اختصار ليجد فيها المثقف العربي ومحبي جوته لغة جوته قدر الإمكان. (محمد أحمد السويدي)       حكاية كالييسترو الصقّلي 13 و14 نيسان (أبريل) الرحلة الإيطالية 1787 لجوته (3-2)...   جاءني الحاجب في اليوم التالي فابدى بعض التحفظات حول القضية. وقال لي: "حتى الآن، تجنبت ان ادع هؤلاء الناس يرون وجهي ثانية، وانني اضطررت الى اللجوء للمرواغة ابتغاء وضع اليد على عقود نكاحهم، ووثائق تعميدهم، وما شاكل. قلت لهم ذات يوم، على نحو عابر، ان هناك شاغراً لمعاش عائلي في مكان ما لعل كابيتومينو الصغير مؤهل لتلقيه، لكن التأكد من حقه في الحصول على ذلك يتطلب اول ما يتطلب وضع شجرة للعائلة. وبعد هذا، بالطبع، يتوقف كل شيء على المفاوضات. وانني سأتولى امرها ان وعدوني بدفع عوض مالي لقاء ذلك. وافق الناس الطيبون على ذلك بحماسة. تلقيت الوثائق الضرورية، وعملت النسخ اللازمة ورسمت شجرة العائلة، ولكني احرص منذ ذلك الحين على الابتعاد عن طريقهم. قبل اسابيع قلائل التقيت والدة كابيتومينو مصادفة، فكان عذري الوحيد الذي التمسته هو بطء سير المفاوضات في هذه الانحاء." هذا ما قاله الحاجب، ولما رأى تمسكي بفكرتي، اتفقنا بعد بعض المداولات على ان اقدم نفسي باعتباري انجليزيا، ارسله كالييسترو لتفقد اخبار عائلته، بعد ان اطلق سراحه من الباستيل ووصل الى لندن. انطلقنا معاً في الساعة الموعودة ـ لابد انها كانت حوالي الثالثة عصراً. كان المنزل يقبع في آخر زقاق ليس بعيداً عن الشارع الرئيسي ايل كاسارو. ارتقينا درجات متآكلة، قادتنا مباشرة الى المطبخ. ثمة امرأة، متوسطة القامة، عريضة المنكبين، قوية، لكنها ليست بدينة، تغسل الاطباق. كان فستانها نظيفاً، ولما رأتنا ندخل رفعت طرف مئزرها لتخفي الجزء المتسخ من ثوبها. بدت سعيدة برؤية الحاجب وقالت: "سنيور جيوفاني، هل لديك اخبار سارة لنا؟ هل افلحت في تدبير الامور؟" فأجاب: "لم اكمل المعاملات بعد، ولكن ها هنا اجنبي يحمل لك التحيات من اخيك، ويخبرك باحواله." ان هذه التحايا التي يفترض ان احملها الى العائلة لم تكن من ضمن الاتفاق، ولكن التعارف جرى على الاقل. فسألت: "هل تعرف اخي؟" قلت: "كل اوربا تعرفه. اظن انك ستفرحين لدى سماعك انه بخير وامان، لانك لابد كنت قلقة على مصيره." قالت: "ادخلوا. لن اتأخر عليكم." هكذا دخلنا، أنا والحاجب، الى الغرفة المجاورة. يمكن القول عن هذه الغرفة انها ردهة، فهي فسيحة، عالية السقف، إلا انها بدت وكأنها رقعة العيش الكاملة للأسرة كلها. ثمة نافذة واحدة. أما الجدران، التي كانت ذات يوم مدهونة، فمكسوة بصور مسودة لقديسين حشرت في اطر مذهبة. هناك سريران كبيران بلا ستائر متكئان الى احد الجدران، وهناك خزانة صغيرة، على شكل طاولة كتابة، تتكيء على الجدار الآخر. ثمة كراسي موزعة في الجوار، ذات مقاعد وظهور بالية، وذات اذرع واطر كانت ذات يوم ملمعة بالدهان؛ أما بلاط الارضية فمتآكل في بعض المواضع، إلا ان كل شيء كان نظيفاً للغاية. اقتربنا الآن من العائلة المجتمعة في الطرف الاقصى من الغرفة قرب النافذة. وبينما اخذ الحاجب يشرح سبب زيارتي لوالدة بالسامو العجوز ـ كانت العجوز ثقيلة السمع للغاية ـ اغتنمت الفرصة لالقي نظرة فاحصة على الآخرين. تقف الى جوار النافذة فتاة في السادسة عشر من العمر، ذات قوام جميل، إلا ان وجهها مجدور؛ ويقف بجانبها شاب ذو وجه مجدور هو الآخر، إلا انه كان لطيف المحيا. وهناك يجلس، أو يتهالك، على الكرسي ذي اليدين جوار النافذة، شخص قبيح للغاية بدا وكأنه مصاب بداء السبات. لما فرغ الحاجب من كلامه، دعتنا العائلة الى الجلوس. سألت العجوز اسئلة عديدة بلهجة صقلية، كان ينبغي ترجمتها لي، لأني لم افقه منها كلمة واحدة. كانت لطيفة المحيا؛ وان خطوط وجهها النظامية تعبر عن ذلك الهدوء والصفاء الذي يلاحظه المرء على قسمات الصمّ، أما صوتها فكان عذباً، رقيقاً. اجبت عن كل اسئلتها، فكان يتوجب ترجمتها هي ايضا. اعطاني بطء الحوار الفرصة لوزن كلماتي بعناية. قلت لها ان فرنسا اخلت سبيل ابنها وانه الآن في انجلترا حيث يلقى الترحاب. اقترنت السعادة التي طغت على صوتها لدى سماع هذا الخبر بامارات ورع عميق. ولما اخذت الآن تتحدث بنبرة اعلى، وتلفظ الكلمات بتؤدة، بت افهم كلامها على نحو افضل. (وللحديث بقيّة) , Electronic Village, His excellency mohammed ahmed khalifa al suwaidi, Arabic Poetry, Arabic Knowledge, arabic articles, astrology, science museum, art museum,goethe museum, alwaraq, arab poet, arabic poems, Arabic Books,Arabic Quiz, القرية الإلكترونية , محمد أحمد خليفة السويدي , محمد أحمد السويدي , محمد السويدي , محمد سويدي , mohammed al suwaidi, mohammed al sowaidi,mohammed suwaidi, mohammed sowaidi, mohammad alsuwaidi, mohammad alsowaidi, mohammed ahmed alsuwaidi, محمد السويدي , محمد أحمد السويدي , muhammed alsuwaidi,muhammed suwaidi,,

Related Articles

حكاية كالييسترو الصقّلي (3-3)
حكاية كالييسترو الصقّلي (3-1)
معرض كولونا
نجوم إيطاليا - الرحلة الإيطالية
جيرجينتي - الرحلة الإيطالية
أميرتي الطائشة - الرحلة الإيطالية
Messina - The Italian Journey