Arabic    

زهرة الموريلا الصفراء رحلة مغربية في قوارب الموت


2020-02-08
اعرض في فيس بوك
التطبيقات : ارتياد الآفاق
التصنيف : إرتياد الآفاق (كتب)

 
 
زهرة الموريلا الصفراء رحلة مغربية في قوارب الموت (Almasalik المسالك)
تذكرة سفر من الفقيه بن صالح إلى ميلانو
#مختارات_من_أدب_الرحلة
ينتقيها ويعتني بها الشاعر الإماراتي محمد أحمد السويدي راعي ومؤسس #جائزة_ابن_بطوطة لأدب الرحلة
———————
لعبت يد عابثة بالعلامة الكيلو مترية التي تحمل اسم الفقيه بن صالح وكتبت بدله "ميلانو" وتحتها رقما لم تضبطه.
لا شيء في الطريق يثير اهتمامك، لذا استسلمت لخدر ألفة لا تركبها دهشة مصطنعة، الطريق تعرفه جيدا منذ أن فرضت عليك الدراسة والدواء والأصدقاء الضيق وجهة العاصمة.
النهر العجوز، الذي يمنعه الكبرياء وحده في الصيف من الاستقالة، يدحرج بمرارة ظاهرة شريطا هزيلا من الوحل. شمس غشت الخانقة تترقرق بإبهار في الحصيدات كعين تغالب دمعا. أشجار الزيتون المتضائلة تحت سربل الغبار والصهد. بهائم متراخية ولاهثة تحت الظلال الفقيرة. بدو على حافة الطريق يحضنون حاجياتهم ويلوحون حتى للسراب. والطريق نفسها تقيحت من فرط الصهد. من شهور خلت كان هنا مهندسون وجرافات ودكاكات وشاحنات وعمال يحملون بلا مبالاة أعلاما حمراء وعلامات تقول لك: "انتبه أشغال"، ما يشبه شركة، وما يشبه مشهدا متقنا من فيلم سينمائي عن عملية إصلاح غربية، وما أن جمع التقنيون وبددت العجلات الزلط حتى ذوبت الشمس الزفت وصار الطريق نهرا قارا تعبره السيارة متأرجحة ومحفوفة بشنشنة تحاكي صوت فلفل رمي في زيت ساخن. يا ما رأيت سيارات وشاحنات مقلوبة بعد أن حادث عن طريق الموت. يا ما رأيت أجسادا ميتة أو تصارع الموت في انتظار إسعاف عرقوبي، والمشهد الأيدي في الطرقات الوطنية رايته اليوم أيضا، كلاب بلدية بقرها، أو فسخها بأس الحديد، لم تتوارث المسكينة بعد غريزة الحذر والتريث. وكانت هناك، تأملتها هذه المرة، كثيفة، مصممة، كتومة. الآن فقط يمكن الحديث عن دينامية سديدة لغزو منظم، فقد احتلت حافة الطريق، وامتدت لتلتف حول الأشجار، تخلى لها الفلاحون مكرهين عن بعض أراضيهم، وطاولت كالشدير جدران البيوت، حتى الخضرة اليانعة لحقول الذرة والفصة ونوارة الشمس بدت متسترة على هشاشة مكينة أمام الزحف الأكيد والحاسم الذي يجمع قواه في الحواشي. تاريخ من التنوع النباتي يتهاوي أمام أنانية وقهر النبتة الغازية. عبثا حاولوا اجتثاثها لكنها وبوقاحة ظاهرة تتحدى المبيدات والمناجل والفؤوس واللعنات. الموريلا الصفراء أو الشويكة كما يسميها الناس هنا. في يدك يكون للنبتة ذلك العنف الأخرس والوقائي المتمترس وراء درع من الأشواك الضهباء الناعمة لحماية النفس. يقولون إن بذورها جاءت في بطون خراف استوردت من الجزائر، وأن أطر وزارة الفلاحة رفعوا راية الاستسلام امام زحفها، وأن الأهالي الذين تفاقم عجزهم وذهولهم أمام الكارثة استعادوا سذاجتهم وأقدارهم من مراكز الاستثمار الفلاحي وجهزوا أبناءهم العائدين إلى أوربا بكميات من بذور الموريلا، سيلقونها في أراضي الغربة، ويقعدون بمكر بدوي مقطر ينتظرون نموها وتكاثرها الفاحش، ثم تهب مراكز البحث والمختبرات الحقة وليس الهباء الوطني لاكتشاف مبيد خلاص ستتكلف العولمة والسوق الموحدة وحرية نقل البضائع بجلبه حتى أبواب بيوتهم، يا للمكر.. الطاكسيات الكبيرة تسابق بعضها بانتحارية شديدة في حرب التقاط الزبائن والوصول إلى المحطة، وحصان دخل الطريق وشل حركة السير قرب سوق أحد البرداية العامر. لم يكن ثقل "الكارو" المليء بصناديق فارغة هو الذي يمنعه من الحركة لذا استشاط صاحبه غضبا وبدأ يهوي على رأسه بعضا، عنف تذكيه جوقة منبهات السيارات والشحنات المحتجة وسباب وحماسة أصحابها، لكن الحصان وبعناد وإصرار بطوليين بقي ثابتا في عصيانه المدني، بل إنه حاول الاستدارة نحو السوق.
تبينتم ممرا سالكا على حافة الطريق عبرتم منه وتركتم الجلبة والحصان المستميت، لكنك لم تنقطع عن التفكير فيه، خصوصا حين كنت ترى أسرابا من الكاروات تتهادي وسط غلالة من الغبار، وبعض جيادها يسير بغنج كأنه يحمل ملكة بريطانيا. لعل سهم صبابة أدمي قلبه في فندق البهائم بالسوق، ولا يدأب في الطريق إلا على الانقياد لشرع العاشقين المتيمين: إذا سرت يممت نحوها..
 
الفضيحة
تريد أن تفهم، الفهم فقط. قرأت هذا الصباح في الجريدة عن غرق آخر لأحد المراكب في مضيق الموت. كان نصيب المدينة من الكارثة واحد وعشرين شابا. ستستلم مرة أخرى لاجترار مشهد تلك الصورة الفظة لشاب ملقى فوق صخور الشاطئ الحادة، وكما لو أن الرأس ضاعت في القرار المكين الذي يفصل عالمين غريبين لتهب الجثة الغفل كل كثافة مجاز دقيق لأسراب المخفقين في اجتياز هوة الاختيار الحاسم. وحدها قبضة الشاب المنتصبة كانت تنضح حياة. لقد أرادت في فزعة الموت الأخيرة أن تتمسك بشيء ما فخانها البحر والليل والإعراض القاسي، فانتصبت هكذا، متصلبة، عنيفة، كنص إدانة بين عالمين اتفقا على نسيان الرحمة. كان ميلان كونديرا قد انتبه في روايته "الديمومة" إلى ضرورة عدم اعتبار الإشارة خاصية فرد ولا هي من إبداعه (لا أحد بإمكانه خلق إشارة خاصة، أصيلة بشكل كلي ولا يمتلكها أحد) بل ولا هي حتى أداته، والعكس صحيح: الإشارات هي التي تستعملنا، إننا أدواتها، كراكيزها، تجسيداتها. ومثلما يدأب المقاومون والرياضيون والساسة والعاهرات والمتأهبون لصراع ما على التلويح بقبضاتهم دلالة النصر أو الصمود أو التحدي، ولدت حركة الشاب بين الصخور وزبد البحر المحايد وبوابة أوروبا الموصدة كما تولد الإدانة والخذلان في أعين الشهداء لتلوح بنهاية الرحلة.
(لن تصر اليد التي تعنفها الريح وبلل الماء على مقبض سيف نقدي يفل دروع الفاقة
لن تصر على ما يشبه العمر وبدد الأحلام
كان نائما...
مثلما تستريح حصاة في غربة الماء..)
قرأوا الخبر وطووا الجريدة وعادوا لترهاتهم، وشمروا على سواعدهم وجابهوا شريعة تحديهم اليومية: الكلمات المتقاطعة الوجوه ذاتها، البؤس ذاته، النصر الصغير ذاته على الشبكة الذكية، ذكاء دجاجة. هي ذي القدرة الوطنية الأسطورية على استبطان أشد الكوارث وجعلها تجري مجرى العادة، هي ذي عبقرية خلق زمن سياسي حكيم وصبور ومتمرس، لا يكترث بنزق الحقائق الاجتماعية المرة. "العادة" صاح بروست بتعجب حصيف "إنها مجبر ماهر ولكنه بطئ جدا".
لكن في اليد المنتصبة أيضا ما يشبه الكلام:
(أبلغ عني
إن الراحل قد يهلك
لكن الرحلة تبقي) "مريد البرغوثي"
شبان يسيرون واجمين منكسرين وراء نعوش أقرانهم وأعينهم هم أيضا على البحر. أمهات هدتهن لوعة الراحلين يجهزن بتفان وقدرية مؤمن فرعوني قرابين أخرى للبحر. ناجون أخطئهم الموت يعدون العدة لاقتحام جديد. أسماء. مصائر مجهولة تلامي يهربون حلم الرحيل إلى محافظهم. زوجات يطلبن الطلاق ليلتحقن بميلانو حبيبتهن. أمهات ينتظرن رغم إحساس الأم الذي لا يخطئ ورغم الهمس المفضوح ابنا لن يعود أبدا. آباء غضاب باردون لا يريدون من أجل نزواتهم الصغيرة المتأخرة إلى الحوالة، ولو هلكت في سبيلها ذريتهم وهلك العالم.
عجزة يلملمون فلول قواهم ويفكرون هم أيضا جديا في الرحيل.
أطفال حددوا مصائرهم في زمن الرضاعة والحبو:
"إيطاليا".. أي ذنب ارتكبته هذه الأرض في حقهم؟ حين تقع الكارثة تحس بصمت وخجل ا لعار يخنق بعض الأوساط الإعلامية والسياسية المجبولة على الثرثرة والاستعراضات الخطابية. عتاة المدافعين عن العالم القروي والذين حولوه إلى حائط مبكى يفضلون الحديث عن تفاهات لا عن الانتحارات الجماعية واليأس العام والهوة السحيقة التي تفصل الساسة عن الهموم الملحة لساكنة الدواوير الضائعة.. لكن في اليد المنتصبة أيضا شيء من كبرياء، هشاشة، إقدام، اندحار، تألق، وأفول الكائن التراجيدي. لعل الشاب هو أيضا من الفقيه بن صالح..
لنتمعن قليلا في هذه القدرة الخارقة على المخاطرة بالموت التي تفجرت في منطقة عرفت في زمن الاحتلال بما يشبه الاستكانة والطواعية، وعاشت سنوات الاستقلال وكأن لا مطالب لأهلها، في عصاب الرحيل الجماعي العاصف هذا، في منطقة يقول التاريخ بأنها عرفت أول تجربة سقوية عصرية في المغرب الحديث، ويطمئننا الجغرافيون بأنها منطقة استقطاب عالية للهجرة المحلية، بل إن البعض في بحبوحة المكاتب المكيفة ما زال يحلو له اجترار سقط متاع البلاغة الإشهارية لعهد الحماية: "كاليفورنيا المغرب" يقولون وعليك أن تتنكر لما تراه ولأسراب الضائعين في لجج البحر.. تريد أن تفهم، الفهم فقط.

    زهرة الموريلا الصفراء رحلة مغربية في قوارب الموت (Almasalik المسالك) تذكرة سفر من الفقيه بن صالح إلى ميلانو #مختارات_من_أدب_الرحلة ينتقيها ويعتني بها الشاعر الإماراتي محمد أحمد السويدي راعي ومؤسس #جائزة_ابن_بطوطة لأدب الرحلة ——————— لعبت يد عابثة بالعلامة الكيلو مترية التي تحمل اسم الفقيه بن صالح وكتبت بدله "ميلانو" وتحتها رقما لم تضبطه. لا شيء في الطريق يثير اهتمامك، لذا استسلمت لخدر ألفة لا تركبها دهشة مصطنعة، الطريق تعرفه جيدا منذ أن فرضت عليك الدراسة والدواء والأصدقاء الضيق وجهة العاصمة. النهر العجوز، الذي يمنعه الكبرياء وحده في الصيف من الاستقالة، يدحرج بمرارة ظاهرة شريطا هزيلا من الوحل. شمس غشت الخانقة تترقرق بإبهار في الحصيدات كعين تغالب دمعا. أشجار الزيتون المتضائلة تحت سربل الغبار والصهد. بهائم متراخية ولاهثة تحت الظلال الفقيرة. بدو على حافة الطريق يحضنون حاجياتهم ويلوحون حتى للسراب. والطريق نفسها تقيحت من فرط الصهد. من شهور خلت كان هنا مهندسون وجرافات ودكاكات وشاحنات وعمال يحملون بلا مبالاة أعلاما حمراء وعلامات تقول لك: "انتبه أشغال"، ما يشبه شركة، وما يشبه مشهدا متقنا من فيلم سينمائي عن عملية إصلاح غربية، وما أن جمع التقنيون وبددت العجلات الزلط حتى ذوبت الشمس الزفت وصار الطريق نهرا قارا تعبره السيارة متأرجحة ومحفوفة بشنشنة تحاكي صوت فلفل رمي في زيت ساخن. يا ما رأيت سيارات وشاحنات مقلوبة بعد أن حادث عن طريق الموت. يا ما رأيت أجسادا ميتة أو تصارع الموت في انتظار إسعاف عرقوبي، والمشهد الأيدي في الطرقات الوطنية رايته اليوم أيضا، كلاب بلدية بقرها، أو فسخها بأس الحديد، لم تتوارث المسكينة بعد غريزة الحذر والتريث. وكانت هناك، تأملتها هذه المرة، كثيفة، مصممة، كتومة. الآن فقط يمكن الحديث عن دينامية سديدة لغزو منظم، فقد احتلت حافة الطريق، وامتدت لتلتف حول الأشجار، تخلى لها الفلاحون مكرهين عن بعض أراضيهم، وطاولت كالشدير جدران البيوت، حتى الخضرة اليانعة لحقول الذرة والفصة ونوارة الشمس بدت متسترة على هشاشة مكينة أمام الزحف الأكيد والحاسم الذي يجمع قواه في الحواشي. تاريخ من التنوع النباتي يتهاوي أمام أنانية وقهر النبتة الغازية. عبثا حاولوا اجتثاثها لكنها وبوقاحة ظاهرة تتحدى المبيدات والمناجل والفؤوس واللعنات. الموريلا الصفراء أو الشويكة كما يسميها الناس هنا. في يدك يكون للنبتة ذلك العنف الأخرس والوقائي المتمترس وراء درع من الأشواك الضهباء الناعمة لحماية النفس. يقولون إن بذورها جاءت في بطون خراف استوردت من الجزائر، وأن أطر وزارة الفلاحة رفعوا راية الاستسلام امام زحفها، وأن الأهالي الذين تفاقم عجزهم وذهولهم أمام الكارثة استعادوا سذاجتهم وأقدارهم من مراكز الاستثمار الفلاحي وجهزوا أبناءهم العائدين إلى أوربا بكميات من بذور الموريلا، سيلقونها في أراضي الغربة، ويقعدون بمكر بدوي مقطر ينتظرون نموها وتكاثرها الفاحش، ثم تهب مراكز البحث والمختبرات الحقة وليس الهباء الوطني لاكتشاف مبيد خلاص ستتكلف العولمة والسوق الموحدة وحرية نقل البضائع بجلبه حتى أبواب بيوتهم، يا للمكر.. الطاكسيات الكبيرة تسابق بعضها بانتحارية شديدة في حرب التقاط الزبائن والوصول إلى المحطة، وحصان دخل الطريق وشل حركة السير قرب سوق أحد البرداية العامر. لم يكن ثقل "الكارو" المليء بصناديق فارغة هو الذي يمنعه من الحركة لذا استشاط صاحبه غضبا وبدأ يهوي على رأسه بعضا، عنف تذكيه جوقة منبهات السيارات والشحنات المحتجة وسباب وحماسة أصحابها، لكن الحصان وبعناد وإصرار بطوليين بقي ثابتا في عصيانه المدني، بل إنه حاول الاستدارة نحو السوق. تبينتم ممرا سالكا على حافة الطريق عبرتم منه وتركتم الجلبة والحصان المستميت، لكنك لم تنقطع عن التفكير فيه، خصوصا حين كنت ترى أسرابا من الكاروات تتهادي وسط غلالة من الغبار، وبعض جيادها يسير بغنج كأنه يحمل ملكة بريطانيا. لعل سهم صبابة أدمي قلبه في فندق البهائم بالسوق، ولا يدأب في الطريق إلا على الانقياد لشرع العاشقين المتيمين: إذا سرت يممت نحوها..   الفضيحة تريد أن تفهم، الفهم فقط. قرأت هذا الصباح في الجريدة عن غرق آخر لأحد المراكب في مضيق الموت. كان نصيب المدينة من الكارثة واحد وعشرين شابا. ستستلم مرة أخرى لاجترار مشهد تلك الصورة الفظة لشاب ملقى فوق صخور الشاطئ الحادة، وكما لو أن الرأس ضاعت في القرار المكين الذي يفصل عالمين غريبين لتهب الجثة الغفل كل كثافة مجاز دقيق لأسراب المخفقين في اجتياز هوة الاختيار الحاسم. وحدها قبضة الشاب المنتصبة كانت تنضح حياة. لقد أرادت في فزعة الموت الأخيرة أن تتمسك بشيء ما فخانها البحر والليل والإعراض القاسي، فانتصبت هكذا، متصلبة، عنيفة، كنص إدانة بين عالمين اتفقا على نسيان الرحمة. كان ميلان كونديرا قد انتبه في روايته "الديمومة" إلى ضرورة عدم اعتبار الإشارة خاصية فرد ولا هي من إبداعه (لا أحد بإمكانه خلق إشارة خاصة، أصيلة بشكل كلي ولا يمتلكها أحد) بل ولا هي حتى أداته، والعكس صحيح: الإشارات هي التي تستعملنا، إننا أدواتها، كراكيزها، تجسيداتها. ومثلما يدأب المقاومون والرياضيون والساسة والعاهرات والمتأهبون لصراع ما على التلويح بقبضاتهم دلالة النصر أو الصمود أو التحدي، ولدت حركة الشاب بين الصخور وزبد البحر المحايد وبوابة أوروبا الموصدة كما تولد الإدانة والخذلان في أعين الشهداء لتلوح بنهاية الرحلة. (لن تصر اليد التي تعنفها الريح وبلل الماء على مقبض سيف نقدي يفل دروع الفاقة لن تصر على ما يشبه العمر وبدد الأحلام كان نائما... مثلما تستريح حصاة في غربة الماء..) قرأوا الخبر وطووا الجريدة وعادوا لترهاتهم، وشمروا على سواعدهم وجابهوا شريعة تحديهم اليومية: الكلمات المتقاطعة الوجوه ذاتها، البؤس ذاته، النصر الصغير ذاته على الشبكة الذكية، ذكاء دجاجة. هي ذي القدرة الوطنية الأسطورية على استبطان أشد الكوارث وجعلها تجري مجرى العادة، هي ذي عبقرية خلق زمن سياسي حكيم وصبور ومتمرس، لا يكترث بنزق الحقائق الاجتماعية المرة. "العادة" صاح بروست بتعجب حصيف "إنها مجبر ماهر ولكنه بطئ جدا". لكن في اليد المنتصبة أيضا ما يشبه الكلام: (أبلغ عني إن الراحل قد يهلك لكن الرحلة تبقي) "مريد البرغوثي" شبان يسيرون واجمين منكسرين وراء نعوش أقرانهم وأعينهم هم أيضا على البحر. أمهات هدتهن لوعة الراحلين يجهزن بتفان وقدرية مؤمن فرعوني قرابين أخرى للبحر. ناجون أخطئهم الموت يعدون العدة لاقتحام جديد. أسماء. مصائر مجهولة تلامي يهربون حلم الرحيل إلى محافظهم. زوجات يطلبن الطلاق ليلتحقن بميلانو حبيبتهن. أمهات ينتظرن رغم إحساس الأم الذي لا يخطئ ورغم الهمس المفضوح ابنا لن يعود أبدا. آباء غضاب باردون لا يريدون من أجل نزواتهم الصغيرة المتأخرة إلى الحوالة، ولو هلكت في سبيلها ذريتهم وهلك العالم. عجزة يلملمون فلول قواهم ويفكرون هم أيضا جديا في الرحيل. أطفال حددوا مصائرهم في زمن الرضاعة والحبو: "إيطاليا".. أي ذنب ارتكبته هذه الأرض في حقهم؟ حين تقع الكارثة تحس بصمت وخجل ا لعار يخنق بعض الأوساط الإعلامية والسياسية المجبولة على الثرثرة والاستعراضات الخطابية. عتاة المدافعين عن العالم القروي والذين حولوه إلى حائط مبكى يفضلون الحديث عن تفاهات لا عن الانتحارات الجماعية واليأس العام والهوة السحيقة التي تفصل الساسة عن الهموم الملحة لساكنة الدواوير الضائعة.. لكن في اليد المنتصبة أيضا شيء من كبرياء، هشاشة، إقدام، اندحار، تألق، وأفول الكائن التراجيدي. لعل الشاب هو أيضا من الفقيه بن صالح.. لنتمعن قليلا في هذه القدرة الخارقة على المخاطرة بالموت التي تفجرت في منطقة عرفت في زمن الاحتلال بما يشبه الاستكانة والطواعية، وعاشت سنوات الاستقلال وكأن لا مطالب لأهلها، في عصاب الرحيل الجماعي العاصف هذا، في منطقة يقول التاريخ بأنها عرفت أول تجربة سقوية عصرية في المغرب الحديث، ويطمئننا الجغرافيون بأنها منطقة استقطاب عالية للهجرة المحلية، بل إن البعض في بحبوحة المكاتب المكيفة ما زال يحلو له اجترار سقط متاع البلاغة الإشهارية لعهد الحماية: "كاليفورنيا المغرب" يقولون وعليك أن تتنكر لما تراه ولأسراب الضائعين في لجج البحر.. تريد أن تفهم، الفهم فقط. , Electronic Village, His excellency mohammed ahmed khalifa al suwaidi, Arabic Poetry, Arabic Knowledge, arabic articles, astrology, science museum, art museum,goethe museum, alwaraq, arab poet, arabic poems, Arabic Books,Arabic Quiz, القرية الإلكترونية , محمد أحمد خليفة السويدي , محمد أحمد السويدي , محمد السويدي , محمد سويدي , mohammed al suwaidi, mohammed al sowaidi,mohammed suwaidi, mohammed sowaidi, mohammad alsuwaidi, mohammad alsowaidi, mohammed ahmed alsuwaidi, محمد السويدي , محمد أحمد السويدي , muhammed alsuwaidi,muhammed suwaidi,,

Related Articles

زيارة النبـيً الجبلي أوً الذهاب إلى ميخائيل نعيمة
حفل توزيع جوائز ابن بطوطة لأدب الرحلة 2020 بحضور الفائزين وأعضاء لجنة التحكيم
الفائزون بجائزة ابن بطوطة 2020 في أدب الرحلة
كلمة معالي الوزير الحسن عبيابة بمناسبة الاحتفاء بجائزة ابن بطوطة 2020
كلمة الشاعر نوري الجراح - مدير عام جائزة ابن بطوطة
كلمة الشاعر الإماراتي محمد أحمد السويدي بمناسبة الاحتفاء بجائزة ابن بطوطة 2020
الأعمال الفائزة بجائزة ابن بطوطة 2020