Arabic    

واحد - صفر للقتيل لكمال رياحي (2-2)


2019-09-18
اعرض في فيس بوك
التطبيقات : ارتياد الآفاق
التصنيف : إرتياد الآفاق (كتب)

 
 
واحد - صفر للقتيل لكمال رياحي (2-2)
الكتاب الحائز على جائزة ابن بطوطة لليوميات 2017- 2018
#مختارات_من_أدب_الرحلة
ينتقيها ويعتني بها الشاعر الإماراتي محمد أحمد السويدي راعي ومؤسس #جائزة_ابن_بطوطة لأدب الرحلة
أربعة أشهر من النوم على خشبة، أحلم بتلك الثريا الفارسية الضخمة، التي أهدوها لنا، وثبّتوها في السقف، وقد سقطت عليّ. كنتُ أرى كلّ ليلة دمائي تتفجّر، لتلحق وجهي. لم يكن هناك مكان آخر أنام فيه إلا تحت تلك الثريا. فالأرائك ممنوعة. أربعة أشهر أشعرتْني، وبشكل نهائي، أنني راحل عن هذا البيت. لم أكن أعتقد أنني سأقف من جديد على قَدَمي.
الأطبّاء كلّهم فشلوا في تشخيص حالتي. وفشلت المضادّات الحيوية في تخفيف الألم. كنتُ أشعر طوال الوقت أنني نائم، لكنني أتألّم.
اليوم وأنا أتأمّل هذا السقف، رأيتُ ذلك المصباح الصغير المحروق يتعاظم، ليصبح بالونة ضخمة من زجاج تنفجر، وتُسقط عليّ شظاياها، لتخرق جثّتي النحيلة.
كيف سأبحث عن مكان هنا ولا مال ولا أصدقاء؟ الذين أعرفهم كلّهم هنا تبخّروا. مُجرّد كائنات رَقْمية. حتّى في هذه الفضاءات لم أعد أراها.
أقربهم سألني بكلّ برود: "لماذا تأتي إلى الجزائر أصلاً؟" وكأنني أتيتُ سياحة لا هاربًا من بشاعة واقع ونظام باحثًا عن حليب لذلك الطفل الذي ظلّ يأكلني بعينَيْه 18 شهرًا.
كنتُ أفرّ منه إلى حديقة قريبة آخر الليل، لأجلس إلى الظلام أبكي كأيّ قرويّ خشن. لا يعلم أهل المدُن كيف يبكي أهل الريف. بكاء الرجل الريفيّ في العتمة تتشقّق له البنايات الشاهقة، وتنفجر لساعه مخازن الصّداع، ويُجهِض الأجنّة في الأرحام.
لم أعرفْ ذلك البكاء إلا مع مجيء الطفل. ومن حظّي العاثر لم يكن يبكي عندما يجوع. كان فقط ينظر إليّ في مواساة. لا لوم في عينه أبدًا وكأنه يقول لي: لا تحزنْ أكثر، فقد أتيتُ، لكي أراكَ، فلا أحد يراكَ في هذا الحزن وأنتَ تبتسم طوال الوقت.
مازال هناك وقت، سأبحث عن جحر جديد.
 
27 ديسمبر
 
الحياة بعد السادسة في الجزائر العاصمة مستحيلة. عرفتُ ذلك منذ سنوات عندما كنتُ أزورها ضيفًا. لا شيء تغيّر في الحقيقة. كنتُ أعتقد أن تونس مَنْ تنام باكرًا. الجزائر لا تصل إلى الليل. تنام الجزائر قبل أن يُغيّر سائقو التاكسي في تونس أسعار عدّاداتهم. ذلك كلّه مؤشّر على أن استتباب الأمن خرافة لهذا الشعب، لم أجدها في القصص التي نترجمها في المعهد. لا يمكن أن نقيم أمن شعب، أغلق على نفسه أبواب البيوت الساعة السادسة أو السابعة. بعدها يصبح تعرّضكَ لأيّ مشكل مشكلتكَ الشخصية. ماذا تفعل في الشارع؟ لذلك ترى الناس وهم يعودون إلى بيوتهم أو يلاحقون النقل العمومي كالهاربين من القصف. هناك على وجوههم ذُعر. هم يعلمون ألا شيء سيحدث، لكنهم يستشعرون دائمًا بخوف قديم أن أمورًا كثيرة قد تحدث لهم. المغامرون واللصوص والمجانين فقط مَنْ يتجوّلون ليلاً بالعاصمة بهدوء. إن جعتَ وأنتَ بعد السادسة في الجزائر، عليكَ أن تصبر أو تأكل أطرافكَ. مع السادسة، هناك صوت واحد مُفزِع تسمعه في الشوارع؛ صوت غَلْق الأبواب الحديدية. ستائر من حديد تضرب الأرض، لتجد نفسكَ محاصرًا بأسوار القصدير.
في الطريق، يتبادل سائقو الباصات والسّيّارات العبارة نفسها: مغلوقة قاع. فزحام الهاربين من الظلام بلا حدود. مع ذلك، هناك ملائكة ناعمة قدر الإمكان تخرج في سيّارات الشوفرولي تتفقّد هذا الشّابّ المسكين الذي يكره كرة القَدَم في حُفرته تحت الأرض. وهو بدوره، يردّ الجميل، ويتحمّل بعض العَرَق، أو عشب العانة.
هنا يتحوّل الغريب إلى مأوى، تُهرِّب إليه النساءُ أحزانهنّ. لذلك لا ينتبهنَ إلى ضرورة أن تتزيَّنَّ له. يعلم الغريب جيّدًا أنه مجرد مَهْرب. وتعلم النساء أنه مُجرّد غريب، وأنه مُجرّد وقت.
بعد أن عدتُ من العاصمة، جلستُ أمام النافذة التي تطلّ عى درج سحيق، لا أحد يخطو عليه، أنتظر. حتّى سقط الدرج في الظلام. خرجتُ أتمشّى في الرواق، علّ صوت خطواتي تُنبّه أحدًا، أو تُزعِج أحدًا. رأيتُ منذ يومَينْ فتاة تدخل الشّقّة المجاورة. ربّما تخيّلتُها. تكثر على الوحيد في عزلته استيهاماتٌ، تجعله يرى أشياء غريبة.
البارحة رأيتني قد خرجتُ واشتريتُ تفّاحًا من السوق. بحثتُ اليوم عن التّفّاح في كلّ مكان. لم أعثرْ له على أثر. الغريب أنني مازلتُ أشمّ رائحته.

    واحد - صفر للقتيل لكمال رياحي (2-2) الكتاب الحائز على جائزة ابن بطوطة لليوميات 2017- 2018 #مختارات_من_أدب_الرحلة ينتقيها ويعتني بها الشاعر الإماراتي محمد أحمد السويدي راعي ومؤسس #جائزة_ابن_بطوطة لأدب الرحلة أربعة أشهر من النوم على خشبة، أحلم بتلك الثريا الفارسية الضخمة، التي أهدوها لنا، وثبّتوها في السقف، وقد سقطت عليّ. كنتُ أرى كلّ ليلة دمائي تتفجّر، لتلحق وجهي. لم يكن هناك مكان آخر أنام فيه إلا تحت تلك الثريا. فالأرائك ممنوعة. أربعة أشهر أشعرتْني، وبشكل نهائي، أنني راحل عن هذا البيت. لم أكن أعتقد أنني سأقف من جديد على قَدَمي. الأطبّاء كلّهم فشلوا في تشخيص حالتي. وفشلت المضادّات الحيوية في تخفيف الألم. كنتُ أشعر طوال الوقت أنني نائم، لكنني أتألّم. اليوم وأنا أتأمّل هذا السقف، رأيتُ ذلك المصباح الصغير المحروق يتعاظم، ليصبح بالونة ضخمة من زجاج تنفجر، وتُسقط عليّ شظاياها، لتخرق جثّتي النحيلة. كيف سأبحث عن مكان هنا ولا مال ولا أصدقاء؟ الذين أعرفهم كلّهم هنا تبخّروا. مُجرّد كائنات رَقْمية. حتّى في هذه الفضاءات لم أعد أراها. أقربهم سألني بكلّ برود: "لماذا تأتي إلى الجزائر أصلاً؟" وكأنني أتيتُ سياحة لا هاربًا من بشاعة واقع ونظام باحثًا عن حليب لذلك الطفل الذي ظلّ يأكلني بعينَيْه 18 شهرًا. كنتُ أفرّ منه إلى حديقة قريبة آخر الليل، لأجلس إلى الظلام أبكي كأيّ قرويّ خشن. لا يعلم أهل المدُن كيف يبكي أهل الريف. بكاء الرجل الريفيّ في العتمة تتشقّق له البنايات الشاهقة، وتنفجر لساعه مخازن الصّداع، ويُجهِض الأجنّة في الأرحام. لم أعرفْ ذلك البكاء إلا مع مجيء الطفل. ومن حظّي العاثر لم يكن يبكي عندما يجوع. كان فقط ينظر إليّ في مواساة. لا لوم في عينه أبدًا وكأنه يقول لي: لا تحزنْ أكثر، فقد أتيتُ، لكي أراكَ، فلا أحد يراكَ في هذا الحزن وأنتَ تبتسم طوال الوقت. مازال هناك وقت، سأبحث عن جحر جديد.   27 ديسمبر   الحياة بعد السادسة في الجزائر العاصمة مستحيلة. عرفتُ ذلك منذ سنوات عندما كنتُ أزورها ضيفًا. لا شيء تغيّر في الحقيقة. كنتُ أعتقد أن تونس مَنْ تنام باكرًا. الجزائر لا تصل إلى الليل. تنام الجزائر قبل أن يُغيّر سائقو التاكسي في تونس أسعار عدّاداتهم. ذلك كلّه مؤشّر على أن استتباب الأمن خرافة لهذا الشعب، لم أجدها في القصص التي نترجمها في المعهد. لا يمكن أن نقيم أمن شعب، أغلق على نفسه أبواب البيوت الساعة السادسة أو السابعة. بعدها يصبح تعرّضكَ لأيّ مشكل مشكلتكَ الشخصية. ماذا تفعل في الشارع؟ لذلك ترى الناس وهم يعودون إلى بيوتهم أو يلاحقون النقل العمومي كالهاربين من القصف. هناك على وجوههم ذُعر. هم يعلمون ألا شيء سيحدث، لكنهم يستشعرون دائمًا بخوف قديم أن أمورًا كثيرة قد تحدث لهم. المغامرون واللصوص والمجانين فقط مَنْ يتجوّلون ليلاً بالعاصمة بهدوء. إن جعتَ وأنتَ بعد السادسة في الجزائر، عليكَ أن تصبر أو تأكل أطرافكَ. مع السادسة، هناك صوت واحد مُفزِع تسمعه في الشوارع؛ صوت غَلْق الأبواب الحديدية. ستائر من حديد تضرب الأرض، لتجد نفسكَ محاصرًا بأسوار القصدير. في الطريق، يتبادل سائقو الباصات والسّيّارات العبارة نفسها: مغلوقة قاع. فزحام الهاربين من الظلام بلا حدود. مع ذلك، هناك ملائكة ناعمة قدر الإمكان تخرج في سيّارات الشوفرولي تتفقّد هذا الشّابّ المسكين الذي يكره كرة القَدَم في حُفرته تحت الأرض. وهو بدوره، يردّ الجميل، ويتحمّل بعض العَرَق، أو عشب العانة. هنا يتحوّل الغريب إلى مأوى، تُهرِّب إليه النساءُ أحزانهنّ. لذلك لا ينتبهنَ إلى ضرورة أن تتزيَّنَّ له. يعلم الغريب جيّدًا أنه مجرد مَهْرب. وتعلم النساء أنه مُجرّد غريب، وأنه مُجرّد وقت. بعد أن عدتُ من العاصمة، جلستُ أمام النافذة التي تطلّ عى درج سحيق، لا أحد يخطو عليه، أنتظر. حتّى سقط الدرج في الظلام. خرجتُ أتمشّى في الرواق، علّ صوت خطواتي تُنبّه أحدًا، أو تُزعِج أحدًا. رأيتُ منذ يومَينْ فتاة تدخل الشّقّة المجاورة. ربّما تخيّلتُها. تكثر على الوحيد في عزلته استيهاماتٌ، تجعله يرى أشياء غريبة. البارحة رأيتني قد خرجتُ واشتريتُ تفّاحًا من السوق. بحثتُ اليوم عن التّفّاح في كلّ مكان. لم أعثرْ له على أثر. الغريب أنني مازلتُ أشمّ رائحته. , Electronic Village, His excellency mohammed ahmed khalifa al suwaidi, Arabic Poetry, Arabic Knowledge, arabic articles, astrology, science museum, art museum,goethe museum, alwaraq, arab poet, arabic poems, Arabic Books,Arabic Quiz, القرية الإلكترونية , محمد أحمد خليفة السويدي , محمد أحمد السويدي , محمد السويدي , محمد سويدي , mohammed al suwaidi, mohammed al sowaidi,mohammed suwaidi, mohammed sowaidi, mohammad alsuwaidi, mohammad alsowaidi, mohammed ahmed alsuwaidi, محمد السويدي , محمد أحمد السويدي , muhammed alsuwaidi,muhammed suwaidi,,

Related Articles

مهدى مبارك الصحفى المصرى الحاصل على جائزة أبن بطوطة
الرسو بميناء سيراكوزة بصقلية ووصف الجزيرة - رحلة المكناسي
المعرض الدولي للنشر والكتاب يتوج الفائزين بجائزة ابن بطوطة لأدب الرحلة
سعوديان ضمن 9 فائزين بجائزة ابن بطوطة لأدب الرحلة
الحفل الثقافي والأكاديمي لجائزة ابن بطوطة - واحد من أهم المواعيد الثقافية العربية
تغطية القناة الأولى لحفلات توزيع جائزة ابن بطوطة للأدب الجغرافي - الدورة الماضية
الدكتورة رشا الخطيب - إضاءات على الفائزين