Arabic    

كتاب من دمشق إلى حيفا - مخفر كودنه على الجبل


2019-09-16
اعرض في فيس بوك
التطبيقات : ارتياد الآفاق
التصنيف : إرتياد الآفاق (كتب)

 
 
"من دمشق إلى حيفا" لـ"خيري الذهبي"
الكتاب الفائز بجائزة ابن بطوطة لأدب اليوميات 2019
#مختارات_من_أدب_الرحلة
ينتقيها ويعتني بها الشاعر الإماراتي محمد أحمد السويدي راعي ومؤسس #جائزة_ابن_بطوطة لأدب الرحلة
مخفر كودنه على الجبل
 
فيما بعد قرية جملة ستكون لي سعادة أن أعرف قرى كثيرة أخرى كنت أتطفل عليها بزيارة، أو أن يتكرم القائمون عليها بدعوتي للزيارة، وكان من تلك القرى واحدة كانت تقع إلى الشرق من الطريق المؤدي إلى المخفر وإلى الغرب من الأرض السورية مدينة تدعى نوى، وقريبة من معلم أساسي في رسم حدود الهزيمة والنصر بين سوريا وإسرائيل هو تل الفرس.
كان المشهد الجولاني في أبهى صوره. حقول على مد البصر متماوجة الإزهار بين شقائق النعمان الحمراء، والبابونج الصفراء، وزهور العيصلان البيض تعلو كل تلة، أو مرتفع صغير ربما كان قبراً في يوم ما، وربما دفن فيه شهيد ما، فحيوه بهذه الزنابق التي اصطلحوا على تسميتها بالعيصلان وقد كرّمها الريفيون بمصاحبة موتاهم في رحلتهم الأخيرة، أو في رحلة تآكل أجسادهم في القبور، فوضعوا عند رأس كل قبر حوضاً صغيراً يزرعون فيه زهور العيصلان..
لم أستطع الاكتفاء بالفرجة عن بعد، فخرجت من المعسكر طارقاً دروباً أخفتها الزهور محاولة ابتلاعها، كنت حريصاً أشد الحرص على ألا أدوس على الزهور حين رأيت غيمة بيضاء بجانب عيني تندفع، ثم تختفي بين البابونج والشقائق، وركضت محاولاً معرفة كنه الغيمة البيضاء، وبرز السؤال عند العجز عن معرفة ماهية الغيمة المندفعة. ترى أهو الوهم؟ أم أني رأيت الغيمة البيضاء التي يدعي الكثيرون رؤيتها والقبض عليها، ولكن برهانهم الوحيد على القبض عليها هو كلمتهم. ودون أن أشعر وجدتني أغرق في غيمات الأحمر والأبيض باحثاً ومقلبا غيمات الزهر دون فائدة، وأخيراً غلبت عليّ الواقعية الصخرية، فليس من غيمة. وحين استدرت كي أعود إلى المخفر مرت الغيمة البيضاء من أمامي، فأجبرتني على إغماض عيني بل أقسم إني سمعت حفيف جناحيها، وتوقفت أجادل. حفيف جناحين؟ لعلها ليست غيمة. طيب فإن لم تكن غيمة، فما هذا الذي أجبرني على إغلاق عينيّ خوفا عليهما إذن؟
ولم أبحث بل استدرت متجهاً إلى المخفر. وفجأة خطر لي أن أنظر إلى الحقل مودعاً، فلعل الغيمة تعود. ورأيتها هذه المرة. نعم رأيتها، كانت طيراً أبيض يحوم في دوران، ولكن للطيور حفيفاً مسموعاً مؤكداً، وليس لهذه من حفيف، كما أن لها سرعة ليست للطيور، وبهدوء عدت إلى الحقل، ولكن ما وثقت أنه طير أبيض اختفى، فأخذت في تحريش ما يمكن أن يكون مختفياً بين العشب، وبينما كنت أحرش وأصرخ لإخافته اندفع فجأة من أمامي دون أن يلطمني بجناحه، وتابعته يبتعد، وبهدوء خطر لي أنه ربما كان يدافع عن عشه، واهتممت بالبحث عن العش حتى وجدته، تماماً، تحت المكان الذي كان ينطلق منه لإخافتي.
انحنيت على العش، فوجدت صغار الفراخ وكانت تصيء وتزقو، فانحنيت عليها، وإذا بلطمة قاسية تصرفني إلى اللاطم، ونظرت إلى الطائر الأبيض المبتعد طائراً يحوم من فوقي عاليا: يا إلهي.. يا إلهي.
إنها ليست طيراً عادياً، بل بومة نهارية بيضاء.. وسمعت صوتاً يناديني، فالتفتّ لآرى الضابط الكندي الذي أصر على تغيير اسمي بدعوتي كايرو بدلا من خيري الصعبة كما يبدو عليه كان يلوّح لي ويشير إلى رسغه أن الوقت قد تأخر، ويجب العودة إلى المخفر.
اختفى سحر الغروب، واختفت مطاردة الغيمة الرهيف، وانكشفا كلاهما عن بومة بيضاء، وربما ليست بومة رغم منقارها الأعقف وخفة جناحيها في الاندفاع المرفرف، فليس من المألوف وجود بومة بيضاء نهارية في الجولان..
لا أعلم ولكن سحر الجولان الخفي ما لبث أن مسّني، وبدأ بالانتشار في عروقي، فبت كالمحموم الذي هوس بجمال تلك الطبيعة وفرادتها، تلك التلال والأودية البكر التي لا تبعد عن دمشق إلا ساعة تكاد تكون في عالم آخر من السحر والجمال.

    "من دمشق إلى حيفا" لـ"خيري الذهبي" الكتاب الفائز بجائزة ابن بطوطة لأدب اليوميات 2019 #مختارات_من_أدب_الرحلة ينتقيها ويعتني بها الشاعر الإماراتي محمد أحمد السويدي راعي ومؤسس #جائزة_ابن_بطوطة لأدب الرحلة مخفر كودنه على الجبل   فيما بعد قرية جملة ستكون لي سعادة أن أعرف قرى كثيرة أخرى كنت أتطفل عليها بزيارة، أو أن يتكرم القائمون عليها بدعوتي للزيارة، وكان من تلك القرى واحدة كانت تقع إلى الشرق من الطريق المؤدي إلى المخفر وإلى الغرب من الأرض السورية مدينة تدعى نوى، وقريبة من معلم أساسي في رسم حدود الهزيمة والنصر بين سوريا وإسرائيل هو تل الفرس. كان المشهد الجولاني في أبهى صوره. حقول على مد البصر متماوجة الإزهار بين شقائق النعمان الحمراء، والبابونج الصفراء، وزهور العيصلان البيض تعلو كل تلة، أو مرتفع صغير ربما كان قبراً في يوم ما، وربما دفن فيه شهيد ما، فحيوه بهذه الزنابق التي اصطلحوا على تسميتها بالعيصلان وقد كرّمها الريفيون بمصاحبة موتاهم في رحلتهم الأخيرة، أو في رحلة تآكل أجسادهم في القبور، فوضعوا عند رأس كل قبر حوضاً صغيراً يزرعون فيه زهور العيصلان.. لم أستطع الاكتفاء بالفرجة عن بعد، فخرجت من المعسكر طارقاً دروباً أخفتها الزهور محاولة ابتلاعها، كنت حريصاً أشد الحرص على ألا أدوس على الزهور حين رأيت غيمة بيضاء بجانب عيني تندفع، ثم تختفي بين البابونج والشقائق، وركضت محاولاً معرفة كنه الغيمة البيضاء، وبرز السؤال عند العجز عن معرفة ماهية الغيمة المندفعة. ترى أهو الوهم؟ أم أني رأيت الغيمة البيضاء التي يدعي الكثيرون رؤيتها والقبض عليها، ولكن برهانهم الوحيد على القبض عليها هو كلمتهم. ودون أن أشعر وجدتني أغرق في غيمات الأحمر والأبيض باحثاً ومقلبا غيمات الزهر دون فائدة، وأخيراً غلبت عليّ الواقعية الصخرية، فليس من غيمة. وحين استدرت كي أعود إلى المخفر مرت الغيمة البيضاء من أمامي، فأجبرتني على إغماض عيني بل أقسم إني سمعت حفيف جناحيها، وتوقفت أجادل. حفيف جناحين؟ لعلها ليست غيمة. طيب فإن لم تكن غيمة، فما هذا الذي أجبرني على إغلاق عينيّ خوفا عليهما إذن؟ ولم أبحث بل استدرت متجهاً إلى المخفر. وفجأة خطر لي أن أنظر إلى الحقل مودعاً، فلعل الغيمة تعود. ورأيتها هذه المرة. نعم رأيتها، كانت طيراً أبيض يحوم في دوران، ولكن للطيور حفيفاً مسموعاً مؤكداً، وليس لهذه من حفيف، كما أن لها سرعة ليست للطيور، وبهدوء عدت إلى الحقل، ولكن ما وثقت أنه طير أبيض اختفى، فأخذت في تحريش ما يمكن أن يكون مختفياً بين العشب، وبينما كنت أحرش وأصرخ لإخافته اندفع فجأة من أمامي دون أن يلطمني بجناحه، وتابعته يبتعد، وبهدوء خطر لي أنه ربما كان يدافع عن عشه، واهتممت بالبحث عن العش حتى وجدته، تماماً، تحت المكان الذي كان ينطلق منه لإخافتي. انحنيت على العش، فوجدت صغار الفراخ وكانت تصيء وتزقو، فانحنيت عليها، وإذا بلطمة قاسية تصرفني إلى اللاطم، ونظرت إلى الطائر الأبيض المبتعد طائراً يحوم من فوقي عاليا: يا إلهي.. يا إلهي. إنها ليست طيراً عادياً، بل بومة نهارية بيضاء.. وسمعت صوتاً يناديني، فالتفتّ لآرى الضابط الكندي الذي أصر على تغيير اسمي بدعوتي كايرو بدلا من خيري الصعبة كما يبدو عليه كان يلوّح لي ويشير إلى رسغه أن الوقت قد تأخر، ويجب العودة إلى المخفر. اختفى سحر الغروب، واختفت مطاردة الغيمة الرهيف، وانكشفا كلاهما عن بومة بيضاء، وربما ليست بومة رغم منقارها الأعقف وخفة جناحيها في الاندفاع المرفرف، فليس من المألوف وجود بومة بيضاء نهارية في الجولان.. لا أعلم ولكن سحر الجولان الخفي ما لبث أن مسّني، وبدأ بالانتشار في عروقي، فبت كالمحموم الذي هوس بجمال تلك الطبيعة وفرادتها، تلك التلال والأودية البكر التي لا تبعد عن دمشق إلا ساعة تكاد تكون في عالم آخر من السحر والجمال. , Electronic Village, His excellency mohammed ahmed khalifa al suwaidi, Arabic Poetry, Arabic Knowledge, arabic articles, astrology, science museum, art museum,goethe museum, alwaraq, arab poet, arabic poems, Arabic Books,Arabic Quiz, القرية الإلكترونية , محمد أحمد خليفة السويدي , محمد أحمد السويدي , محمد السويدي , محمد سويدي , mohammed al suwaidi, mohammed al sowaidi,mohammed suwaidi, mohammed sowaidi, mohammad alsuwaidi, mohammad alsowaidi, mohammed ahmed alsuwaidi, محمد السويدي , محمد أحمد السويدي , muhammed alsuwaidi,muhammed suwaidi,,

Related Articles

مهدى مبارك الصحفى المصرى الحاصل على جائزة أبن بطوطة
الرسو بميناء سيراكوزة بصقلية ووصف الجزيرة - رحلة المكناسي
المعرض الدولي للنشر والكتاب يتوج الفائزين بجائزة ابن بطوطة لأدب الرحلة
سعوديان ضمن 9 فائزين بجائزة ابن بطوطة لأدب الرحلة
الحفل الثقافي والأكاديمي لجائزة ابن بطوطة - واحد من أهم المواعيد الثقافية العربية
تغطية القناة الأولى لحفلات توزيع جائزة ابن بطوطة للأدب الجغرافي - الدورة الماضية
الدكتورة رشا الخطيب - إضاءات على الفائزين