Arabic    

مدن ووجوه - ايفاليك


2019-09-15
اعرض في فيس بوك
التطبيقات : ارتياد الآفاق
التصنيف : إرتياد الآفاق (كتب)

 
مدن ووجوه
لعلي مصباح
الحائز على جائزة ابن بطوطة للرحلة المعاصرة عام 2004
#مختارات_من_أدب_الرحلة
ينتقيها ويعتني بها الشاعر الإماراتي محمد أحمد السويدي راعي ومؤسس #جائزة_ابن_بطوطة لأدب الرحلة
ايفاليك
 
استقرّ رأيي أخيرًا على الإقامة في تلك المدينة - المرفأ الصغيرة المسماة ايفاليك، جبال قوزاق من ورائها والبحر من أمامها.
بدا لي الاسم، منذ البداية، ذا وقع غریب شيئًا ما: أيفاليك! ثم دخلتها فإذا العمارة مختلفة عن الطراز الهندسي لبقية المدن التركية التي عرفتها قبلها، عدا أحياء اليونانيين العتيقة باسطنبول. الأبواب وتصميمات النوافذ، والحجارة ذاتها تهمس بهوية أخرى. ثم لاحت لي الكنيسة العتيقة شامخة، ومن ورائها كنيسة أخرى. للحظة ما، شعرت وكأنني أدخل مدينة صغيرة في البرتغال أوجنوب إسبانيا أو إيطاليا. شيء ما في البنايتين الشامختين جعلني أتسلّل في أول زقاق منفلت من الشارع الرئيسية لأصعد باتجاه الربوة. وجدت تلك الكنيسة محولة إلى جامع. وقفت في الساحة الصغيرة حيث أطفال يلعبون كرة القدم، ولا يهمهم أن ترتطم کرتهم على الدوام بجدران الكنيسة ونوافذها وأبوابها- الجامع! تذكرت الكثير من الكنائس التي حُوِّلَتْ إلى جوامع، وأهمّها كنيسة القديسة صوفيا باسطنبول، التي غدا اسمها آيا صوفيا، أو الحاجّة صوفية كما يحلو للكثير من الأتراك تسميتها. وتذكّرت جامع قرطبة الذي عَمد الإسبان، ضمن حملتهم على المعالم الأندلسية، إلى بناء كنيسة في داخله، فإذا معلمان ونمطان معماریان متنافران يتزاحمان ويضيّقان الواحد على الآخر ويتبادلان التشويه والمسخ. صورة لعقيدتين لا تتحاوران أو تتجادلان بل تدخلان في خصام صاخب، بالتحدّي وإرادة التحدّي المضاد؛ ذلك ماجعل هذا التجاور ضربًا من المهزلة المضحكة عديمة الذوق. هذا المسخ الذي يخدش العين، يلاحظه المرء هنا أيضًا ولكن بشكل أقل عنفًا، فالكنيسة قد احتفظت في هيئتها الخارجية، على الأقل، بشكلها الأصلي، ولم تضف إليها سوى صومعة ثانية، وإذا هي من الخارج - كنيسة ذات صومعتين، واحدة بأبواق والأخرى بصليب وأجراس. هنالك شيء من عدم توازن، أو تناظر مشوش لكنه مقبول إلى حدّ ما، بل لعلّه في بعض الأحيان يوحي بضرب من التجاور المسالم.
من أية جهة ينظر المرء إلى أيفاليك: من جزيرة علي باي المقابلة، أو من فوق الهضاب المجاورة تتراءى تلك الكنيسة الشامخة ومن تحت الزوارق الرأسية في المرفأ وبقية البنايات المتكادسة من حولها، تبدو الكنيسة الجامع مثل طائر ضخم يرقب فراخه المتناثرة هنا وهناك تحت قدميه، والصومعتان مثل جناحين، أو ذراعين مرتفعتين باتجاه السماء؛ واحدة للمسيح وأخرى للإسلام، وفي الوسط بيت الله.
على الساعة السادسة مساء فوجئت باشتغال أجراس الكنيسة. لم تكن الأجراس مجرد بقايا زينة إذًا!
ظل مرفأ أيفاليك وكذلك جزيرة جودا المقابلة (المسمّاة الآن "علي باي") تحت سلطة الدولة اليونانية حتى سنة 1923 ولم يخضع طوال التاريخ لسلطة الدولة التركية أبدًا. وقع إجلاء السكان اليونان من المدينة والجزيرة المقابلة لها أيضًا وترحيلهم غصبًا إلى جزيرة كريتة وليزبوس؛ واستجلب إلى هنا أهالي جدد من الرعايا الأتراك بصربيا وبلغاريا وأساسا من جزيرة ليزبوس المقابلة (وهي جزيرة الشاعرة الإغريقية الشهيرة صافو)، هكذا بمجرد قرار سياسي أخذ داخل مكتب ما ضمن اتفاقية عقدت بين تركيا وبريطانيا واليونان بعيدًا عن المدينة وأزقّتها وبيوتها وحجارتها، وما يسكن بين ثناياها من أنفاس وهمس وحشرجات وحنين. عملية جراحية، تفصل اللحم عن اللحم، تحزّ وترقّع، تجتثّ وتغرس. عمل مخبري صرف، تجريدي لا شأن له بما يخالط الواقع الحي من تمازجات وتفاعلات بين الحجر واللحم والرّوح والذاكرة؛ تلك التفاعلات التي تكون ذلك النسيج الدقيق المسمى ثقافة حينًا، وتاريخًا حينًا آخر، أو كليهما معًا.

  مدن ووجوه لعلي مصباح الحائز على جائزة ابن بطوطة للرحلة المعاصرة عام 2004 #مختارات_من_أدب_الرحلة ينتقيها ويعتني بها الشاعر الإماراتي محمد أحمد السويدي راعي ومؤسس #جائزة_ابن_بطوطة لأدب الرحلة ايفاليك   استقرّ رأيي أخيرًا على الإقامة في تلك المدينة - المرفأ الصغيرة المسماة ايفاليك، جبال قوزاق من ورائها والبحر من أمامها. بدا لي الاسم، منذ البداية، ذا وقع غریب شيئًا ما: أيفاليك! ثم دخلتها فإذا العمارة مختلفة عن الطراز الهندسي لبقية المدن التركية التي عرفتها قبلها، عدا أحياء اليونانيين العتيقة باسطنبول. الأبواب وتصميمات النوافذ، والحجارة ذاتها تهمس بهوية أخرى. ثم لاحت لي الكنيسة العتيقة شامخة، ومن ورائها كنيسة أخرى. للحظة ما، شعرت وكأنني أدخل مدينة صغيرة في البرتغال أوجنوب إسبانيا أو إيطاليا. شيء ما في البنايتين الشامختين جعلني أتسلّل في أول زقاق منفلت من الشارع الرئيسية لأصعد باتجاه الربوة. وجدت تلك الكنيسة محولة إلى جامع. وقفت في الساحة الصغيرة حيث أطفال يلعبون كرة القدم، ولا يهمهم أن ترتطم کرتهم على الدوام بجدران الكنيسة ونوافذها وأبوابها- الجامع! تذكرت الكثير من الكنائس التي حُوِّلَتْ إلى جوامع، وأهمّها كنيسة القديسة صوفيا باسطنبول، التي غدا اسمها آيا صوفيا، أو الحاجّة صوفية كما يحلو للكثير من الأتراك تسميتها. وتذكّرت جامع قرطبة الذي عَمد الإسبان، ضمن حملتهم على المعالم الأندلسية، إلى بناء كنيسة في داخله، فإذا معلمان ونمطان معماریان متنافران يتزاحمان ويضيّقان الواحد على الآخر ويتبادلان التشويه والمسخ. صورة لعقيدتين لا تتحاوران أو تتجادلان بل تدخلان في خصام صاخب، بالتحدّي وإرادة التحدّي المضاد؛ ذلك ماجعل هذا التجاور ضربًا من المهزلة المضحكة عديمة الذوق. هذا المسخ الذي يخدش العين، يلاحظه المرء هنا أيضًا ولكن بشكل أقل عنفًا، فالكنيسة قد احتفظت في هيئتها الخارجية، على الأقل، بشكلها الأصلي، ولم تضف إليها سوى صومعة ثانية، وإذا هي من الخارج - كنيسة ذات صومعتين، واحدة بأبواق والأخرى بصليب وأجراس. هنالك شيء من عدم توازن، أو تناظر مشوش لكنه مقبول إلى حدّ ما، بل لعلّه في بعض الأحيان يوحي بضرب من التجاور المسالم. من أية جهة ينظر المرء إلى أيفاليك: من جزيرة علي باي المقابلة، أو من فوق الهضاب المجاورة تتراءى تلك الكنيسة الشامخة ومن تحت الزوارق الرأسية في المرفأ وبقية البنايات المتكادسة من حولها، تبدو الكنيسة الجامع مثل طائر ضخم يرقب فراخه المتناثرة هنا وهناك تحت قدميه، والصومعتان مثل جناحين، أو ذراعين مرتفعتين باتجاه السماء؛ واحدة للمسيح وأخرى للإسلام، وفي الوسط بيت الله. على الساعة السادسة مساء فوجئت باشتغال أجراس الكنيسة. لم تكن الأجراس مجرد بقايا زينة إذًا! ظل مرفأ أيفاليك وكذلك جزيرة جودا المقابلة (المسمّاة الآن "علي باي") تحت سلطة الدولة اليونانية حتى سنة 1923 ولم يخضع طوال التاريخ لسلطة الدولة التركية أبدًا. وقع إجلاء السكان اليونان من المدينة والجزيرة المقابلة لها أيضًا وترحيلهم غصبًا إلى جزيرة كريتة وليزبوس؛ واستجلب إلى هنا أهالي جدد من الرعايا الأتراك بصربيا وبلغاريا وأساسا من جزيرة ليزبوس المقابلة (وهي جزيرة الشاعرة الإغريقية الشهيرة صافو)، هكذا بمجرد قرار سياسي أخذ داخل مكتب ما ضمن اتفاقية عقدت بين تركيا وبريطانيا واليونان بعيدًا عن المدينة وأزقّتها وبيوتها وحجارتها، وما يسكن بين ثناياها من أنفاس وهمس وحشرجات وحنين. عملية جراحية، تفصل اللحم عن اللحم، تحزّ وترقّع، تجتثّ وتغرس. عمل مخبري صرف، تجريدي لا شأن له بما يخالط الواقع الحي من تمازجات وتفاعلات بين الحجر واللحم والرّوح والذاكرة؛ تلك التفاعلات التي تكون ذلك النسيج الدقيق المسمى ثقافة حينًا، وتاريخًا حينًا آخر، أو كليهما معًا. , Electronic Village, His excellency mohammed ahmed khalifa al suwaidi, Arabic Poetry, Arabic Knowledge, arabic articles, astrology, science museum, art museum,goethe museum, alwaraq, arab poet, arabic poems, Arabic Books,Arabic Quiz, القرية الإلكترونية , محمد أحمد خليفة السويدي , محمد أحمد السويدي , محمد السويدي , محمد سويدي , mohammed al suwaidi, mohammed al sowaidi,mohammed suwaidi, mohammed sowaidi, mohammad alsuwaidi, mohammad alsowaidi, mohammed ahmed alsuwaidi, محمد السويدي , محمد أحمد السويدي , muhammed alsuwaidi,muhammed suwaidi,,

Related Articles

مهدى مبارك الصحفى المصرى الحاصل على جائزة أبن بطوطة
الرسو بميناء سيراكوزة بصقلية ووصف الجزيرة - رحلة المكناسي
المعرض الدولي للنشر والكتاب يتوج الفائزين بجائزة ابن بطوطة لأدب الرحلة
سعوديان ضمن 9 فائزين بجائزة ابن بطوطة لأدب الرحلة
الحفل الثقافي والأكاديمي لجائزة ابن بطوطة - واحد من أهم المواعيد الثقافية العربية
تغطية القناة الأولى لحفلات توزيع جائزة ابن بطوطة للأدب الجغرافي - الدورة الماضية
الدكتورة رشا الخطيب - إضاءات على الفائزين