Arabic    

"كنجز رود" وأصابع سيدة الباروكات


2019-09-12
View In Facebook
Category : Articles of H.E - General

 
 
"كنجز رود" وأصابع سيدة الباروكات
#محمد_أحمد_السويدي_مقالات
 
خرجنا اليوم في نزهة، وعرجنا على "كنجز رود"، فتلامحت على حين غرة ظلالٌ اتخذت هيئة "تولستوي" وهو يحث الخطى في هذه المنطقة قبل ما يزيد على قرن، ولم يكن حينها قد بلغ الشأو الذي صار إليه، ولم تكن "الحرب والسلام" قد خرجت من معطفه بعد. فلقد كان كل ما يصبو إليه أن يلتحق بمدرسة للعلوم الطبيعية.
 
ففاضت في تلك البرهة نظرة من عين "سيلفيا" التي كانت برفقتي واستدعت ذات المكان في الزيارة التي قامت بها ذات مرّة عام 1986، فلقد كانت زهرة في السادسة عشرة من العمر عندما وصلت "لندن" وأقامت فيها نحو ثلاثة أشهر.
وعندما مررنا أمام "بيتر جون"، قالت سيلفيا: إنّها لمحت هذا الباب (وأشارت إليه) وقرأت على واجهته إعلانا عن وظيفة شاغرة، فتقدمت نحوه ودفعته برفق لتجد نفسها بمواجهة رجل يتطلع في هيئتها اليافعة ويقول لها: أنت أصغر من أن تلتحقي بهذا العمل.
ثم توقفت "سيلفيا" لحظة قبل أن تلتفت صوبي وهي تتجمّع خلف كلمات قليلة أطلقتها كما كانت تطلق تنهيدة مكبوتة: لقد مرّ العمر سراعاً كلمح البصر...
وأردفت وهي تحاول أن تلملم أشتات ذاكرتها : لقد زرت المنطقة ثانية عام 1990م وعملت خادمة لسيدة أرستوقراطية تستملك بيتاً واسعاً ما زلت أتذكر جنباته وتفاصيله وكأنه ما زال مشيّدا في ذاكرتي، أَستدعيه فأرى الصالتين على جانبيه، والسلالم القليلة التي تنزلها لتؤدي إلى غرف النوم.
كانت صاحبته مراسلة مرموقة لجريدة أمريكيّة في نحو الستين، وكانت لا تكاد تفارق طابعتها بحروفها التي تهبط على الشريط الحبري مع كل نقرة إصبع، فكانت الأصوات وكأس النبيذ الذي لا يكاد يفارقها يرسمان ملامح يومها.. كنت أنظّف الغرف والصالتين ومرافق البيت الأخرى، وكان في العمل رجلان: أحدهما مدير الخدم، والآخر حارس للعقار. ولم يكن معها سوى كلب، مكثت في العمل شطراً من الزمن. ولم يكن مسموحاً لي دخول غرفتها أوتنظيفها، إلا أنها ذات يوم قالت باقتضاب وهي تهمّ بدخول الصالة: نظّفي الغرفة الرئيسية. كان صوتها شبيه بنقرة إصبع أخيرة على الشريط الحبري؛ فدخلتها، لأجد نفسي في مواجهة مباغتة مع حشد من باروكات الشعر المستعار على رفّ خشبي!. ولم يكن يخطر لي على بال أن هذه المرأة تعتمر باروكة.
شرعت في تنظيف الغرفة وترتيب السرير، ثمّ انتهيت بتنظيف السجّاد، مددت ذراع المكنسة الكهربائية تحت السرير، وإذا به فجأة يلتقط باروكة، فقلت في نفسي: إنه فخّ الباروكات إذن! وشعرت أنني في مواجهة غير منصفة بالفعل، فحاولت تخليصها من فم المكنسة الذي بدا وكأنه ثقب أسود لا يترك ضحيته قبل ابتلاعها في كثافته الهائلة المركّزة، وبدأت الأصوات تتعالى، والدّخان ورائحة الشواط يعبقان الغرفة، فانتابني حرج شديد ضاعفه رئيس الخدم الذي اندفع نحوي وكأنه جرم منفلت من مداره ليبدأ بتوبيخي.. بيد أن الحارس (وكان مثليا) عمل بسرعة على تهدئة الأمر قبل أن تصل المرأة ليكتمل المشهد الدرامي، وما إنْ رأت باروكتها وقد افترسها فم المكنسة وامتلأت الغرفة برائحة شواط الشعر؛ حتى صرخت متفجّعة وكأنها فقدت قسماً من رأسها مع باروكتها المعطوبة، وزاد ذلك من حرجي وإرتباكي، فتوسلت إليها أن تصفح عني وأن تستقطع من راتبي قيمة الأضرار التي لحقت بباروكتها العزيزة. فما كان منها إلا أن عانقتني وهي تردد: "لا بأس لقد حدث ماحدث يا صغيرتي"..!
كان في ذات المنطقة -وعلى مقربة من بيت السيدة- كشك أبتاع لها الجرائد والمطبوعات منه، ويقع أمامه محل لبيع الجلود، عرض عليّ صاحبه العمل لديه، فانتقلت إلى هذا المكان (وأشارت إليه)، ومكثت مواظبة على العمل والإقامة فيه.
وذات يوم صادفتني السيدة، وكانت تلك إحدى المرات القليلة التي أراها وهي لا تحمل كأس النبيذ ولا تنقر بصبرٍ رواقيّ على مفاتيح طابعتها، فعرضت عليّ العودة للعمل لديها وبأجرٍ أعلى، فاعتذرت عن قبول العرض لأنني لم أرد العودة للعمل بوظيفة خادمة، بل طمحت بوظيفة أرقى، ثم وعدتها بالتردد على زيارتها بين حين وآخر.
وذات يوم صادفت الحارس الذي أخبرني أن السيدة توفيت للتوّ، فحضرت جنازتها، وكنّا سبعة أشخاص فحسب، ثم أحرقت جثتها تلبية لرغبتها ونُثر رمادها في نهر "التايمز"،.
 
تذكرتُ وأنا أصغي ل"سيلفيا" ماكتبه "إليوت" الذي لا يبعد بيته كثيراً: (إجر الهوينى أيها التايمز الحبيب..).
لقد جرى "التايمز" برماد السيدة، وبذكرى باروكاتها، ونقرات أصابعها والكأس الذي ظنّت "سيلفيا" أنه لن يفارق أصابعها..

    "كنجز رود" وأصابع سيدة الباروكات #محمد_أحمد_السويدي_مقالات   خرجنا اليوم في نزهة، وعرجنا على "كنجز رود"، فتلامحت على حين غرة ظلالٌ اتخذت هيئة "تولستوي" وهو يحث الخطى في هذه المنطقة قبل ما يزيد على قرن، ولم يكن حينها قد بلغ الشأو الذي صار إليه، ولم تكن "الحرب والسلام" قد خرجت من معطفه بعد. فلقد كان كل ما يصبو إليه أن يلتحق بمدرسة للعلوم الطبيعية.   ففاضت في تلك البرهة نظرة من عين "سيلفيا" التي كانت برفقتي واستدعت ذات المكان في الزيارة التي قامت بها ذات مرّة عام 1986، فلقد كانت زهرة في السادسة عشرة من العمر عندما وصلت "لندن" وأقامت فيها نحو ثلاثة أشهر. وعندما مررنا أمام "بيتر جون"، قالت سيلفيا: إنّها لمحت هذا الباب (وأشارت إليه) وقرأت على واجهته إعلانا عن وظيفة شاغرة، فتقدمت نحوه ودفعته برفق لتجد نفسها بمواجهة رجل يتطلع في هيئتها اليافعة ويقول لها: أنت أصغر من أن تلتحقي بهذا العمل. ثم توقفت "سيلفيا" لحظة قبل أن تلتفت صوبي وهي تتجمّع خلف كلمات قليلة أطلقتها كما كانت تطلق تنهيدة مكبوتة: لقد مرّ العمر سراعاً كلمح البصر... وأردفت وهي تحاول أن تلملم أشتات ذاكرتها : لقد زرت المنطقة ثانية عام 1990م وعملت خادمة لسيدة أرستوقراطية تستملك بيتاً واسعاً ما زلت أتذكر جنباته وتفاصيله وكأنه ما زال مشيّدا في ذاكرتي، أَستدعيه فأرى الصالتين على جانبيه، والسلالم القليلة التي تنزلها لتؤدي إلى غرف النوم. كانت صاحبته مراسلة مرموقة لجريدة أمريكيّة في نحو الستين، وكانت لا تكاد تفارق طابعتها بحروفها التي تهبط على الشريط الحبري مع كل نقرة إصبع، فكانت الأصوات وكأس النبيذ الذي لا يكاد يفارقها يرسمان ملامح يومها.. كنت أنظّف الغرف والصالتين ومرافق البيت الأخرى، وكان في العمل رجلان: أحدهما مدير الخدم، والآخر حارس للعقار. ولم يكن معها سوى كلب، مكثت في العمل شطراً من الزمن. ولم يكن مسموحاً لي دخول غرفتها أوتنظيفها، إلا أنها ذات يوم قالت باقتضاب وهي تهمّ بدخول الصالة: نظّفي الغرفة الرئيسية. كان صوتها شبيه بنقرة إصبع أخيرة على الشريط الحبري؛ فدخلتها، لأجد نفسي في مواجهة مباغتة مع حشد من باروكات الشعر المستعار على رفّ خشبي!. ولم يكن يخطر لي على بال أن هذه المرأة تعتمر باروكة. شرعت في تنظيف الغرفة وترتيب السرير، ثمّ انتهيت بتنظيف السجّاد، مددت ذراع المكنسة الكهربائية تحت السرير، وإذا به فجأة يلتقط باروكة، فقلت في نفسي: إنه فخّ الباروكات إذن! وشعرت أنني في مواجهة غير منصفة بالفعل، فحاولت تخليصها من فم المكنسة الذي بدا وكأنه ثقب أسود لا يترك ضحيته قبل ابتلاعها في كثافته الهائلة المركّزة، وبدأت الأصوات تتعالى، والدّخان ورائحة الشواط يعبقان الغرفة، فانتابني حرج شديد ضاعفه رئيس الخدم الذي اندفع نحوي وكأنه جرم منفلت من مداره ليبدأ بتوبيخي.. بيد أن الحارس (وكان مثليا) عمل بسرعة على تهدئة الأمر قبل أن تصل المرأة ليكتمل المشهد الدرامي، وما إنْ رأت باروكتها وقد افترسها فم المكنسة وامتلأت الغرفة برائحة شواط الشعر؛ حتى صرخت متفجّعة وكأنها فقدت قسماً من رأسها مع باروكتها المعطوبة، وزاد ذلك من حرجي وإرتباكي، فتوسلت إليها أن تصفح عني وأن تستقطع من راتبي قيمة الأضرار التي لحقت بباروكتها العزيزة. فما كان منها إلا أن عانقتني وهي تردد: "لا بأس لقد حدث ماحدث يا صغيرتي"..! كان في ذات المنطقة -وعلى مقربة من بيت السيدة- كشك أبتاع لها الجرائد والمطبوعات منه، ويقع أمامه محل لبيع الجلود، عرض عليّ صاحبه العمل لديه، فانتقلت إلى هذا المكان (وأشارت إليه)، ومكثت مواظبة على العمل والإقامة فيه. وذات يوم صادفتني السيدة، وكانت تلك إحدى المرات القليلة التي أراها وهي لا تحمل كأس النبيذ ولا تنقر بصبرٍ رواقيّ على مفاتيح طابعتها، فعرضت عليّ العودة للعمل لديها وبأجرٍ أعلى، فاعتذرت عن قبول العرض لأنني لم أرد العودة للعمل بوظيفة خادمة، بل طمحت بوظيفة أرقى، ثم وعدتها بالتردد على زيارتها بين حين وآخر. وذات يوم صادفت الحارس الذي أخبرني أن السيدة توفيت للتوّ، فحضرت جنازتها، وكنّا سبعة أشخاص فحسب، ثم أحرقت جثتها تلبية لرغبتها ونُثر رمادها في نهر "التايمز"،.   تذكرتُ وأنا أصغي ل"سيلفيا" ماكتبه "إليوت" الذي لا يبعد بيته كثيراً: (إجر الهوينى أيها التايمز الحبيب..). لقد جرى "التايمز" برماد السيدة، وبذكرى باروكاتها، ونقرات أصابعها والكأس الذي ظنّت "سيلفيا" أنه لن يفارق أصابعها.. , Electronic Village, His excellency mohammed ahmed khalifa al suwaidi, Arabic Poetry, Arabic Knowledge, arabic articles, astrology, science museum, art museum,goethe museum, alwaraq, arab poet, arabic poems, Arabic Books,Arabic Quiz, القرية الإلكترونية , محمد أحمد خليفة السويدي , محمد أحمد السويدي , محمد السويدي , محمد سويدي , mohammed al suwaidi, mohammed al sowaidi,mohammed suwaidi, mohammed sowaidi, mohammad alsuwaidi, mohammad alsowaidi, mohammed ahmed alsuwaidi, محمد السويدي , محمد أحمد السويدي , muhammed alsuwaidi,muhammed suwaidi,,

Related Articles

مونتسكيو | Montesquieu
مقامات المشي على جسر "هانوفر"
زيارة مغارة سرفانتس
السؤال وجوابه.. لماذا "لخولة"؟
خواطر البطّولة
"كنجز رود" وأصابع سيدة الباروكات
الاقتصاد لا يواجه الصعوبات... نماذج الأعمال هي التي تتغير