Arabic    

العودة إلى الجبل - المشروب الشعبي (2-1)


2019-09-11
اعرض في فيس بوك
التطبيقات : ارتياد الآفاق
التصنيف : إرتياد الآفاق (كتب)

 
 
العودة إلى الجبل/ خلود شرف
الكتاب الحائز على جائزة ابن بطوطة للرحلة المعاصرة 2019
#مختارات_من_أدب_الرحلة
ينتقيها ويعتني بها الشاعر الإماراتي محمد أحمد السويدي راعي ومؤسس #جائزة_ابن_بطوطة لأدب الرحلة
المشروب الشعبي (2-1)
 
القهوة روح الرائحة القديمة الحاضرة في ذاكرة البشرية منذ القرن الخامس عشر ميلادي في سهول الحبشة، لاحظها راعي الغنم الخالدي، أثناء رعي العنز وهي تأكل من العشب فيصيبها فرط بالنشاط. أخذ الراعي النبتة ومضغها، ثم غلاها وشربها، فأكسبته النشاط، أخذها التجار اليمنيون إلى اليمن؛ ومن ثم إلى مكة عبر قوافل التجارة، ومن مكة ذهبت إلى المدارس الدينية والجوامع بالأزهر عن طريق طلاب العلم اليمنين وطلاب الحجاز. استخدمت بحلقات الذكر كمشروب ديني لقيام الليل وكانت تسمى الكاوا والتى تعني الخمر، أو القهوة وهي الشراب المانع للنوم، وكانت تشرب بأماكن خاصة وبطقوس خاصة. قام بعض العلماء الذين اجتهدوا بتحريم القهوة معتبرينها خمراً بالشكوى لقائم مقام السلطان بأن المشروب حرام. وصل تعميم السلطان لدمشق بأنه محرم والتي كانت تشرب هذا المشروب أيضا، ثم أباحها بعد إقناعه من علماء الدين بأنها ليست محرّمة. العرب فضلوا القهوة ذات القشر الأخضر والتي تقلىى على النار الموقدة بانتظار الزائر.
القهوة العربية رسولة سمراء كريمة لضيفها، من الحمس إلى الدقّ ثم تحضير الدلال والماء والخميرة فالمزج والتلقيم؛ تُفرّغ وتُصفى من دلّة إلى دلّة وتوضع في المصب. تسحن في جرن خشبي منقوش بمهارة يمتاز بالثقل يبدو أنه من خشب السنديان، له يد طويلة تسمى الهاون. مع ضربات الهاون على جدار الجرن يتم ترقيص الأصابع فيخرج صوت موسيقي عذب تتشربه القهوة وتصحو من سباتها، لا تتسع روحها بالصنع إلا لواحد. كان جدي يصنعها وأنا أختلس التأمل لهذا الطقس الذي اقترن مع رائحة البن والعباءة بصورة جدي، مرقّصًا الخشب في جوف الخشب على جسد البن، وما أن تشتد بالماء وتغلي وتصب بالمصب، تجمع القاصي والداني على شربها، متغزلين بسمرتها وبحكاياتها وبأمثالها.
في كل محفل ومناسبة فرح تمرّ القهوة المرّة على الجمع، ضمن تراتبية طقوسية فصاحب المضافة يشرب الفنجان الأول على مرأى الجميع؛ فإن برد مما يتسرب من هواء يلامس السطح يكون من نصيبه، ثم يصب الفنجان الثاني للضيف ويبدأ بالحاضرين من اليمين دون تمييز وطبقاً للمثل القائل أول القهوة خص وثانيها قص، المقصود بها ما يخص بالفنجان الأول لصاحب المضافة.
يوضع في الفنجان ما يملأ قعره بالقهوة؛ ويقدّم باليد اليمنى، ويهزٌ من قبل الشاربين علامة الاكتفاء، وإذا امتنع الضيف عن تناول القهوة فمعنى ذلك أن له حاجة ولا يشربها إلا إذا أخذ وعدًا بقضائها، أما الامتناع عن شرب القهوة بلا سبب فهو نذير شر وعداء.
منذ أن توفي جدي لم أعد أسمع ولا مرة رنة الجرن الخشبي، ولا شممت رائحة القهوة الأصيلة، باتت تحضّر وتقدّم دون أن نلاحظ ذلك فقط رائحتها الشهية وهي تغلي من يشي بحضورها.
ليست القهوة حكر على المنطقة والتي غالبا تبدو كطقس خاص بالرجال، بل هناك المتّة وهي المشروب السائد حالياً كمشروب شعبي، وتمتاز النساء بشربه غالباً. طقس يلغي الوقت الدائر في أحاديث من نوع الثرثرة كتسلية، تحتسى بكوب واحد عبر مصاصة واحدة تمرّ على الجميع، ثمّة عناية خاصة بهذا الطقس، حيث تقدم صينية عليها علب زجاجية غالبًا، إحداها للسكر، والأخرى للمتّة وهي نبتة عشبية خضراء مفرومة بشكل ناعم، معبّأة في الأرجنتين، وتمتاز هذه المنطقة بشربها الببوريه حصراً، أي تفضّل النوع الناعم منها في علبتها الورقية الحمراء، وهناك صحن فارغ لغسل المصاصة والتى تسمى "بمبيجه" باللغة الدراجة، مع قطعة ليمون لتنظيف رأسها، وإبريق يسخّن من خلال غاز صغير خاص غالبًا ما يكون عليه رداء صوفي محاك بتطريز يدوي .
يكثر سكان هذه المنطقة من التأهيل والترحيب، ويوصفون بكرمهم، فكلما دخلت منزلاً أول ما يقدم هذا المشروب، وفق طقسه المعتاد، مضافاً له طبق من المكسرات والبسكويت والمقرمشات، التي يتراوح نوعها حسب الإمكانية المادية للمضيفين، ثم عند الانتهاء من المتّة إن كانت زيارة عادية، لا موعد للطعام حينها، تقام الأطباق وتقدّم صحون الفواكه؛ وعند الانتهاء منها، تقدم القهوة، حينئذ يكون موعد الضيوف قد أذن بالرحيل، والذين غالباً يأتون دون موعد. بسبب الحميمية المفرطة السائدة فى علاقات أهل المكان، والخجل الاجتماعي الفطري من الضيوف.

    العودة إلى الجبل/ خلود شرف الكتاب الحائز على جائزة ابن بطوطة للرحلة المعاصرة 2019 #مختارات_من_أدب_الرحلة ينتقيها ويعتني بها الشاعر الإماراتي محمد أحمد السويدي راعي ومؤسس #جائزة_ابن_بطوطة لأدب الرحلة المشروب الشعبي (2-1)   القهوة روح الرائحة القديمة الحاضرة في ذاكرة البشرية منذ القرن الخامس عشر ميلادي في سهول الحبشة، لاحظها راعي الغنم الخالدي، أثناء رعي العنز وهي تأكل من العشب فيصيبها فرط بالنشاط. أخذ الراعي النبتة ومضغها، ثم غلاها وشربها، فأكسبته النشاط، أخذها التجار اليمنيون إلى اليمن؛ ومن ثم إلى مكة عبر قوافل التجارة، ومن مكة ذهبت إلى المدارس الدينية والجوامع بالأزهر عن طريق طلاب العلم اليمنين وطلاب الحجاز. استخدمت بحلقات الذكر كمشروب ديني لقيام الليل وكانت تسمى الكاوا والتى تعني الخمر، أو القهوة وهي الشراب المانع للنوم، وكانت تشرب بأماكن خاصة وبطقوس خاصة. قام بعض العلماء الذين اجتهدوا بتحريم القهوة معتبرينها خمراً بالشكوى لقائم مقام السلطان بأن المشروب حرام. وصل تعميم السلطان لدمشق بأنه محرم والتي كانت تشرب هذا المشروب أيضا، ثم أباحها بعد إقناعه من علماء الدين بأنها ليست محرّمة. العرب فضلوا القهوة ذات القشر الأخضر والتي تقلىى على النار الموقدة بانتظار الزائر. القهوة العربية رسولة سمراء كريمة لضيفها، من الحمس إلى الدقّ ثم تحضير الدلال والماء والخميرة فالمزج والتلقيم؛ تُفرّغ وتُصفى من دلّة إلى دلّة وتوضع في المصب. تسحن في جرن خشبي منقوش بمهارة يمتاز بالثقل يبدو أنه من خشب السنديان، له يد طويلة تسمى الهاون. مع ضربات الهاون على جدار الجرن يتم ترقيص الأصابع فيخرج صوت موسيقي عذب تتشربه القهوة وتصحو من سباتها، لا تتسع روحها بالصنع إلا لواحد. كان جدي يصنعها وأنا أختلس التأمل لهذا الطقس الذي اقترن مع رائحة البن والعباءة بصورة جدي، مرقّصًا الخشب في جوف الخشب على جسد البن، وما أن تشتد بالماء وتغلي وتصب بالمصب، تجمع القاصي والداني على شربها، متغزلين بسمرتها وبحكاياتها وبأمثالها. في كل محفل ومناسبة فرح تمرّ القهوة المرّة على الجمع، ضمن تراتبية طقوسية فصاحب المضافة يشرب الفنجان الأول على مرأى الجميع؛ فإن برد مما يتسرب من هواء يلامس السطح يكون من نصيبه، ثم يصب الفنجان الثاني للضيف ويبدأ بالحاضرين من اليمين دون تمييز وطبقاً للمثل القائل أول القهوة خص وثانيها قص، المقصود بها ما يخص بالفنجان الأول لصاحب المضافة. يوضع في الفنجان ما يملأ قعره بالقهوة؛ ويقدّم باليد اليمنى، ويهزٌ من قبل الشاربين علامة الاكتفاء، وإذا امتنع الضيف عن تناول القهوة فمعنى ذلك أن له حاجة ولا يشربها إلا إذا أخذ وعدًا بقضائها، أما الامتناع عن شرب القهوة بلا سبب فهو نذير شر وعداء. منذ أن توفي جدي لم أعد أسمع ولا مرة رنة الجرن الخشبي، ولا شممت رائحة القهوة الأصيلة، باتت تحضّر وتقدّم دون أن نلاحظ ذلك فقط رائحتها الشهية وهي تغلي من يشي بحضورها. ليست القهوة حكر على المنطقة والتي غالبا تبدو كطقس خاص بالرجال، بل هناك المتّة وهي المشروب السائد حالياً كمشروب شعبي، وتمتاز النساء بشربه غالباً. طقس يلغي الوقت الدائر في أحاديث من نوع الثرثرة كتسلية، تحتسى بكوب واحد عبر مصاصة واحدة تمرّ على الجميع، ثمّة عناية خاصة بهذا الطقس، حيث تقدم صينية عليها علب زجاجية غالبًا، إحداها للسكر، والأخرى للمتّة وهي نبتة عشبية خضراء مفرومة بشكل ناعم، معبّأة في الأرجنتين، وتمتاز هذه المنطقة بشربها الببوريه حصراً، أي تفضّل النوع الناعم منها في علبتها الورقية الحمراء، وهناك صحن فارغ لغسل المصاصة والتى تسمى "بمبيجه" باللغة الدراجة، مع قطعة ليمون لتنظيف رأسها، وإبريق يسخّن من خلال غاز صغير خاص غالبًا ما يكون عليه رداء صوفي محاك بتطريز يدوي . يكثر سكان هذه المنطقة من التأهيل والترحيب، ويوصفون بكرمهم، فكلما دخلت منزلاً أول ما يقدم هذا المشروب، وفق طقسه المعتاد، مضافاً له طبق من المكسرات والبسكويت والمقرمشات، التي يتراوح نوعها حسب الإمكانية المادية للمضيفين، ثم عند الانتهاء من المتّة إن كانت زيارة عادية، لا موعد للطعام حينها، تقام الأطباق وتقدّم صحون الفواكه؛ وعند الانتهاء منها، تقدم القهوة، حينئذ يكون موعد الضيوف قد أذن بالرحيل، والذين غالباً يأتون دون موعد. بسبب الحميمية المفرطة السائدة فى علاقات أهل المكان، والخجل الاجتماعي الفطري من الضيوف. , Electronic Village, His excellency mohammed ahmed khalifa al suwaidi, Arabic Poetry, Arabic Knowledge, arabic articles, astrology, science museum, art museum,goethe museum, alwaraq, arab poet, arabic poems, Arabic Books,Arabic Quiz, القرية الإلكترونية , محمد أحمد خليفة السويدي , محمد أحمد السويدي , محمد السويدي , محمد سويدي , mohammed al suwaidi, mohammed al sowaidi,mohammed suwaidi, mohammed sowaidi, mohammad alsuwaidi, mohammad alsowaidi, mohammed ahmed alsuwaidi, محمد السويدي , محمد أحمد السويدي , muhammed alsuwaidi,muhammed suwaidi,,

Related Articles

غوته - رحلة إيطالية - يوميات شاعر القرنين بين الأدب والفنون
الخروج من ليوا - في الطريق إلى "العين" (2-2)
الخروج من ليوا - في الطريق إلى "العين" (2-1)
واحد - صفر للقتيل لكمال رياحي (2-2)
واحد - صفر للقتيل لكمال رياحي (2-1)
من دمشق إلى حيفا - الحرب تترك المخفر الأممي في سلام
كتاب من دمشق إلى حيفا - مخفر كودنه على الجبل