Arabic    

جنائن الشّرق الملتهبة - الزعيم يقرا شعرًا (3-2)


2019-09-10
اعرض في فيس بوك
التطبيقات : ارتياد الآفاق
التصنيف : إرتياد الآفاق (كتب)

 
 
جنائن الشّرق الملتهبة / للكاتب سعيد خطيبي
االكتاب الحائز على جائزة ابن بطوطة للرحلة المعاصرة 2015
#مختارات_من_أدب_الرحلة
ينتقيها ويعتني بها الشاعر الإماراتي محمد أحمد السويدي راعي ومؤسس #جائزة_ابن_بطوطة لأدب الرحلة
 
الزعيم يقرا شعرًا (3-2)
 
من غراد الهادئة إلى بلغراد، العاصمة الصربية المضطربة، مسافة 700كلم، وتاريخ مشترك يمتد على طول نصف قرن، وزعيم واحد، بطل ونظير. بطل يُدعى تيتو (1980- 1982). بين المدينة الأولى (بمعنى قلعة) والثانية (المدينة البيضاء) عاش الرّجل سنوات الصّعود والسّقوط، من مناضل شيوعي عادي إلى رئيس واحدة من أكبر دول العالم الثالث، ليتحول في النهاية إلى مجرد فنتازم سياسي ورمز للتناقضات. في المدينة الأولى خطَّط، ونظَّر، واستقبل أهم قادة العالم الثالث (عرب، أفارقة، وآسيويون) وفي المدينة الثانية دُفن ودُفنت معه بعض أسرار نشأة بلاد اليوغسلاف وتفتتها.
في قصر غراد زُرت جزءا من حياته الحميمة، خصوصًا مكتبته الشخصية. يذكر المؤرخون أن زعيم يوغسلافيا كان كلما سمع عن كتاب أو أحبَّ كاتبًا أمر بترجمته إلى اللغة الصربو- الكرواتية، لغته الأم، ولغة البلقان سابقا.
على مدخل القصر، نزعت حذائي ولبست جوربا بلاستيكيا استجابة للتعليمات، وطفت على مخيلتي أسئلة كثيرة، وعلامات استفهام عن طبيعة مقتنيات تيتو الشخصية، مظاهر الترف والبذخ في حياة زعيم عاش ثلاثة
عقود كاملة بلا معارضة فعليّة، وبملايين من الأتباع والمريدين. في البداية، خيّل إليّ أنني سأدخل بيتًا من ذهب وفضّة، يشبه بيوت واحد من الديكتاتوريين السابقين، في أميركا اللاتينيّة، أو في بعض دو ل الرّبيع العربي. بيتًا من حرير وجواهر وأحجار كريمة. ولكن، بمجرد دخول البهو تغيّرت الانطباعات الذاتيّة، وتلاشت الصّور المسبقة والكليشيهات. قصر أشهر زعماء العالم الثالث، خصم ستالين، وعرّاب حركة عدم الانحياز (رفقة نهرو، وجمال عبدالناصر) لم يكن مكوَّنًا سوى من طابقين: أرضي خاص بالنشاطات الرسميّة، وعلوي شخصي، يطغى عليه البعد المعماري السّلافي، غير المبالغ في تزيين الجدران وفرش الأرضية، بقاعات فسيحة، ومطبخ صغير نسبيًا، حيث علقت صورة تيتو رفقة ثلاثة أطفال. في كل القاعات كانت تصطفّ لوحات أشهر الفنانين اليوغسلاف، خصوصًا، منهم فنانو الموجة الواقعية، مثل إيفانا كوبيلاتشا (1861- 1926) وبورتريهات نيكولا ناشكوفيتش. من بين كل اللوحات التي تزيّن الطّابق الأرضي، لوحة واحدة بعثت نفسي على التساؤل: لوحة بورتريه موليير، المعلّقة على مدخل قاعة الاجتماعات، التي تضم أيضًا شاشة حائطية كبيرة لمشاهدة الأفلام والفيديوهات. لوحة وجه موليير، بملامح المتأمل، نصف العابس ونصف المبتسم، وبشعره الكثيف المتدلّي، كانت تعكس علاقة الرئيس الأوتوقراطي السابق (اسمه الحقيقي جوزيف بروز) بالمسرح والفن والإبداع إجمالًا.
***
في فترة حكم تيتو، بلغ المسرح اليوغسلافي، الخارج لتوِّه من جلباب المسرح السوفيتي، ذروته، خصوصًا بعد تشييد مبنى "مسرح يوغسلافيا" الشهير بالعاصمة بلغراد، والذي عرض كلاسيكيات الفن الرابع، بعض أعمال موليير وشكسبير ولوركا وخصوصا أعمال المسرحيين القوميين في البلد. كان مسرحًا موجَّهًا، مسيَّسًا، يصبّ في خدمة الزعيم والنظام الحاكم وقتها. الشوفينية كانت ماركة ثقافية والرقابة على حريّة الإبداع كانت سببًا في إشعال فتيل ما اصطلح على تسميته "ربيع كرواتيا" (1971)، لما قامت مجموعة من الشعراء والكتّاب بصياغة بيان حاد النبرة للتنديد بممارسات بعض السياسيين والمطالبة بحرية التعبير، واعتماد اللغة الكرواتية كلغة رسمية. بيان تبنَّته عامة الشعب الكرواتي، وخرج الآلاف منهم في حركة احتجاجية واسعة، وجدت في مواجهتها رشاشات الشرطة وعصيها..
ضمن هذا المناخ الثقافي المتقلّب، الذي ساد عشرية السبعينات من القرن الماضي، كان تيتو، صاحب الملمح الصلب المتجهّم، يجلس، من حين إلى آخر، في مكتبته الخاصة، بالطابق العلوي من القصر، والتي تتعدى مساحتها 60 مترًا مربعًا (يمنع فيها التصوير)،..وللحديث بقيّة...
 

    جنائن الشّرق الملتهبة / للكاتب سعيد خطيبي االكتاب الحائز على جائزة ابن بطوطة للرحلة المعاصرة 2015 #مختارات_من_أدب_الرحلة ينتقيها ويعتني بها الشاعر الإماراتي محمد أحمد السويدي راعي ومؤسس #جائزة_ابن_بطوطة لأدب الرحلة   الزعيم يقرا شعرًا (3-2)   من غراد الهادئة إلى بلغراد، العاصمة الصربية المضطربة، مسافة 700كلم، وتاريخ مشترك يمتد على طول نصف قرن، وزعيم واحد، بطل ونظير. بطل يُدعى تيتو (1980- 1982). بين المدينة الأولى (بمعنى قلعة) والثانية (المدينة البيضاء) عاش الرّجل سنوات الصّعود والسّقوط، من مناضل شيوعي عادي إلى رئيس واحدة من أكبر دول العالم الثالث، ليتحول في النهاية إلى مجرد فنتازم سياسي ورمز للتناقضات. في المدينة الأولى خطَّط، ونظَّر، واستقبل أهم قادة العالم الثالث (عرب، أفارقة، وآسيويون) وفي المدينة الثانية دُفن ودُفنت معه بعض أسرار نشأة بلاد اليوغسلاف وتفتتها. في قصر غراد زُرت جزءا من حياته الحميمة، خصوصًا مكتبته الشخصية. يذكر المؤرخون أن زعيم يوغسلافيا كان كلما سمع عن كتاب أو أحبَّ كاتبًا أمر بترجمته إلى اللغة الصربو- الكرواتية، لغته الأم، ولغة البلقان سابقا. على مدخل القصر، نزعت حذائي ولبست جوربا بلاستيكيا استجابة للتعليمات، وطفت على مخيلتي أسئلة كثيرة، وعلامات استفهام عن طبيعة مقتنيات تيتو الشخصية، مظاهر الترف والبذخ في حياة زعيم عاش ثلاثة عقود كاملة بلا معارضة فعليّة، وبملايين من الأتباع والمريدين. في البداية، خيّل إليّ أنني سأدخل بيتًا من ذهب وفضّة، يشبه بيوت واحد من الديكتاتوريين السابقين، في أميركا اللاتينيّة، أو في بعض دو ل الرّبيع العربي. بيتًا من حرير وجواهر وأحجار كريمة. ولكن، بمجرد دخول البهو تغيّرت الانطباعات الذاتيّة، وتلاشت الصّور المسبقة والكليشيهات. قصر أشهر زعماء العالم الثالث، خصم ستالين، وعرّاب حركة عدم الانحياز (رفقة نهرو، وجمال عبدالناصر) لم يكن مكوَّنًا سوى من طابقين: أرضي خاص بالنشاطات الرسميّة، وعلوي شخصي، يطغى عليه البعد المعماري السّلافي، غير المبالغ في تزيين الجدران وفرش الأرضية، بقاعات فسيحة، ومطبخ صغير نسبيًا، حيث علقت صورة تيتو رفقة ثلاثة أطفال. في كل القاعات كانت تصطفّ لوحات أشهر الفنانين اليوغسلاف، خصوصًا، منهم فنانو الموجة الواقعية، مثل إيفانا كوبيلاتشا (1861- 1926) وبورتريهات نيكولا ناشكوفيتش. من بين كل اللوحات التي تزيّن الطّابق الأرضي، لوحة واحدة بعثت نفسي على التساؤل: لوحة بورتريه موليير، المعلّقة على مدخل قاعة الاجتماعات، التي تضم أيضًا شاشة حائطية كبيرة لمشاهدة الأفلام والفيديوهات. لوحة وجه موليير، بملامح المتأمل، نصف العابس ونصف المبتسم، وبشعره الكثيف المتدلّي، كانت تعكس علاقة الرئيس الأوتوقراطي السابق (اسمه الحقيقي جوزيف بروز) بالمسرح والفن والإبداع إجمالًا. *** في فترة حكم تيتو، بلغ المسرح اليوغسلافي، الخارج لتوِّه من جلباب المسرح السوفيتي، ذروته، خصوصًا بعد تشييد مبنى "مسرح يوغسلافيا" الشهير بالعاصمة بلغراد، والذي عرض كلاسيكيات الفن الرابع، بعض أعمال موليير وشكسبير ولوركا وخصوصا أعمال المسرحيين القوميين في البلد. كان مسرحًا موجَّهًا، مسيَّسًا، يصبّ في خدمة الزعيم والنظام الحاكم وقتها. الشوفينية كانت ماركة ثقافية والرقابة على حريّة الإبداع كانت سببًا في إشعال فتيل ما اصطلح على تسميته "ربيع كرواتيا" (1971)، لما قامت مجموعة من الشعراء والكتّاب بصياغة بيان حاد النبرة للتنديد بممارسات بعض السياسيين والمطالبة بحرية التعبير، واعتماد اللغة الكرواتية كلغة رسمية. بيان تبنَّته عامة الشعب الكرواتي، وخرج الآلاف منهم في حركة احتجاجية واسعة، وجدت في مواجهتها رشاشات الشرطة وعصيها.. ضمن هذا المناخ الثقافي المتقلّب، الذي ساد عشرية السبعينات من القرن الماضي، كان تيتو، صاحب الملمح الصلب المتجهّم، يجلس، من حين إلى آخر، في مكتبته الخاصة، بالطابق العلوي من القصر، والتي تتعدى مساحتها 60 مترًا مربعًا (يمنع فيها التصوير)،..وللحديث بقيّة...   , Electronic Village, His excellency mohammed ahmed khalifa al suwaidi, Arabic Poetry, Arabic Knowledge, arabic articles, astrology, science museum, art museum,goethe museum, alwaraq, arab poet, arabic poems, Arabic Books,Arabic Quiz, القرية الإلكترونية , محمد أحمد خليفة السويدي , محمد أحمد السويدي , محمد السويدي , محمد سويدي , mohammed al suwaidi, mohammed al sowaidi,mohammed suwaidi, mohammed sowaidi, mohammad alsuwaidi, mohammad alsowaidi, mohammed ahmed alsuwaidi, محمد السويدي , محمد أحمد السويدي , muhammed alsuwaidi,muhammed suwaidi,,

Related Articles

غوته - رحلة إيطالية - يوميات شاعر القرنين بين الأدب والفنون
الخروج من ليوا - في الطريق إلى "العين" (2-2)
الخروج من ليوا - في الطريق إلى "العين" (2-1)
واحد - صفر للقتيل لكمال رياحي (2-2)
واحد - صفر للقتيل لكمال رياحي (2-1)
من دمشق إلى حيفا - الحرب تترك المخفر الأممي في سلام
كتاب من دمشق إلى حيفا - مخفر كودنه على الجبل