Arabic    

جنائن الشّرق الملتهبة - من البلقان .. إلى الميدان (3-1)


2019-09-09
اعرض في فيس بوك
التطبيقات : ارتياد الآفاق
التصنيف : إرتياد الآفاق (كتب)

 
 
جنائن الشّرق الملتهبة / للكاتب سعيد خطيبي
الكتاب الحائز على جائزة ابن بطوطة للرحلة المعاصرة 2015
#مختارات_من_أدب_الرحلة
ينتقيها ويعتني بها الشاعر الإماراتي محمد أحمد السويدي راعي ومؤسس #جائزة_ابن_بطوطة لأدب الرحلة
 
من البلقان .. إلى الميدان (3-1)
 
وحدها الصّدفة قادتني إلى بلاد الصّقالبة.
من بحيرات سلوفينيا إلى سهول كرواتيا، ومن أزقة البوسنة والهرسك العتيقة إلى ساحات صربيا، تجوّلت بالسيّارة برًا في أرض الصّقالبة (المسمَّوْن بالسُّلاف)، وعبرت الحدود بحثا عن الملامح الحقيقية
لدول تجمع بينها الجغرافيا، وتفرّقها الصّدامات الدّينيّة والإثنيّة، ثم طرت إلى أوكرانيا، أيام ثورة الميدان، وعشت، من الدّاخل، يوميّات متقلّبة، حيث التّاريخ لا يملّ من تكرار نفسه، وبالطّرق نفسها: بالنّار والدّم.
عدّة سفري كانت جد بسيطة: حقيبة ظهر صغيرة، وضعت فيها بعض الملابس الضروريّة، كاميرا رقميّة، دفتر ملاحظات، خرائط حديثة للطّرقات ومواقع محطات البنزين، وقواميس جيب للمحادثة السّريعة بلغات الدّول التي زرتها، والتي وجدت لاحقا أنّها تشترك مع بعضها بعضا في كثير من المصطلحات. كلمة "دوبردان" (dober dan) مثلا تعني "صباح الخير أو مرحبا" تُقا ل في الصّبح وبعد الظّهر، في كل يوغسلافيا سابقا، وتصير دوبردين بالأوكرانية، "لاخكو نوتش" (lahko noč) « تعني "ليلة سعيدة" في كل بقاع الصّقالبة، فأصل اللّغات السُّلافية واحد، ترجع كلها إلى المنشأ الهندو- أوربي، واللّغة تمثل عنصرا محوريًا في المكوّن الهوياتي لكل واحدة من الدّول التي شملتها الرّحلة،
الدّفاع عنها هو دفاع عن الأرض والتاريخ والحقّ في الاستمرار. أما عدّتي المعنويّة فكانت أثقل من الماديّة قليلا، خصوصا القراءات التي قمت بها، قبل الرّحلة وأثناءها وبعدها، لأهم كتّاب البلقان وأوكرانيا، المترجمين إلى الفرنسية، مع الاطلاع على بعض ما كتبه فرنسيون وعرب عن منطقة السّلاف. وكان لا بدّ لي من عودة إلى رسالة ابن فضلان (كتبها عام 921)، وما ذكره الرّحالة المقدسي في كتابه "أن المسلمين كانوا يجلبون كثيرا من السلع من جنوبي روسيا والبلاد الأوروبية الشمالية، عد
منها الجلود والفراء والشمع والقلانس والعسل والسيوف، وقال إنهم كانوا يستجلبون الرقيق من الصّقالبة. والصّقالبة في عرفهم كانت تشمل السّلافيين والجرمان وبعض سكان أوروبا".
منذ بداية القرن العشرين، لم تعرف أرض الصّقالبة (شرقي وجنوب شرقي أوروبا) معنى الطّمأنينة، وعاشت سلسلة من الصّراعات الدّاميّة؛
بدءا من الحروب البلقانية (1912- 1913)، ثم الحربين العالميتين، الأولى والثانية، التي جُنّد فيها عرب أيضا، وأخيرًا النزاعات والانشقاقات والمناوشات المسلّحة التي تلت سقوط يوغسلافيا، بداية التسعينات من القرن الماضي. وتتقاطع بلاد الصّقالبة مع بلاد العرب تاريخيًا في خضوعها للدوّلة العثمانيّة، التي وصلت إلى المنطقة نفسها، مع نهاية القرن الرابع عشر، عقب معركة كوسوفو (قوصوة) الشهيرة ((1389، التي واجه فيها العثمانيون تحالف أمراء البلقان المسيحيين (أمير الصرب لازار
هيربيليانوفيتش، ملك البوسنة ستيفان تورتكو الأول وأمير ألبانيا غريجي الثاني بالشا)، والتي توسعت أيضا في شبه جزيرة القرم، جنوبي أوكرانيا، وما يزال الأثر العثماني ظاهرًا إلى غاية اليوم في المنطقة كلّها، نجده مثلا في بعض مصطلحات اللّغة، أسماء شوارع وحارات، في الطّبخ والملبس، وحتى على التلفزيون، فالمسلسلات التركيّة لم تسلب فقط عقل المشاهد العربي بل أيضا البلقاني، دونما أن ننسى المكوّن الدّ يني الإسلامي الذي ترسّخ مع وصول العثمانيين، وما يزال مستمرا.
رغم ما يفصل بلاد الصّقالبة عن بلاد العرب من اختلافات ثقافيّة، فإن ميزات مشتركة تجمع بينهما، وهو ما لاحظته مع تقدمي في الرّحلة، والتي حاولت أن أختصرها في هذا الكتاب، كما أني اكتشفت، بعد ثلاثة أسابيع من الترحال، أن السّفر لا يُقاس فقط بالمسافات، وإنما أيضًا بالحالات النفسيّة التي يستشعرها الفرد، والتي تختلف بالانتقال من مكان إلى آخر، سواء كان قريبًا أو بعيدًا، فالسّفر الأكبر ليس سفرًا في الجغرافيا، بل هو سفر يعيدنا إلى ذواتنا. "نحن نسافر لتغيير الأفكار، لا لتغيير المكان"،
هكذا كتب الفيلسوف الفرنسي إيبوليت تاين. وللحديث بقيّة...

    جنائن الشّرق الملتهبة / للكاتب سعيد خطيبي الكتاب الحائز على جائزة ابن بطوطة للرحلة المعاصرة 2015 #مختارات_من_أدب_الرحلة ينتقيها ويعتني بها الشاعر الإماراتي محمد أحمد السويدي راعي ومؤسس #جائزة_ابن_بطوطة لأدب الرحلة   من البلقان .. إلى الميدان (3-1)   وحدها الصّدفة قادتني إلى بلاد الصّقالبة. من بحيرات سلوفينيا إلى سهول كرواتيا، ومن أزقة البوسنة والهرسك العتيقة إلى ساحات صربيا، تجوّلت بالسيّارة برًا في أرض الصّقالبة (المسمَّوْن بالسُّلاف)، وعبرت الحدود بحثا عن الملامح الحقيقية لدول تجمع بينها الجغرافيا، وتفرّقها الصّدامات الدّينيّة والإثنيّة، ثم طرت إلى أوكرانيا، أيام ثورة الميدان، وعشت، من الدّاخل، يوميّات متقلّبة، حيث التّاريخ لا يملّ من تكرار نفسه، وبالطّرق نفسها: بالنّار والدّم. عدّة سفري كانت جد بسيطة: حقيبة ظهر صغيرة، وضعت فيها بعض الملابس الضروريّة، كاميرا رقميّة، دفتر ملاحظات، خرائط حديثة للطّرقات ومواقع محطات البنزين، وقواميس جيب للمحادثة السّريعة بلغات الدّول التي زرتها، والتي وجدت لاحقا أنّها تشترك مع بعضها بعضا في كثير من المصطلحات. كلمة "دوبردان" (dober dan) مثلا تعني "صباح الخير أو مرحبا" تُقا ل في الصّبح وبعد الظّهر، في كل يوغسلافيا سابقا، وتصير دوبردين بالأوكرانية، "لاخكو نوتش" (lahko noč) « تعني "ليلة سعيدة" في كل بقاع الصّقالبة، فأصل اللّغات السُّلافية واحد، ترجع كلها إلى المنشأ الهندو- أوربي، واللّغة تمثل عنصرا محوريًا في المكوّن الهوياتي لكل واحدة من الدّول التي شملتها الرّحلة، الدّفاع عنها هو دفاع عن الأرض والتاريخ والحقّ في الاستمرار. أما عدّتي المعنويّة فكانت أثقل من الماديّة قليلا، خصوصا القراءات التي قمت بها، قبل الرّحلة وأثناءها وبعدها، لأهم كتّاب البلقان وأوكرانيا، المترجمين إلى الفرنسية، مع الاطلاع على بعض ما كتبه فرنسيون وعرب عن منطقة السّلاف. وكان لا بدّ لي من عودة إلى رسالة ابن فضلان (كتبها عام 921)، وما ذكره الرّحالة المقدسي في كتابه "أن المسلمين كانوا يجلبون كثيرا من السلع من جنوبي روسيا والبلاد الأوروبية الشمالية، عد منها الجلود والفراء والشمع والقلانس والعسل والسيوف، وقال إنهم كانوا يستجلبون الرقيق من الصّقالبة. والصّقالبة في عرفهم كانت تشمل السّلافيين والجرمان وبعض سكان أوروبا". منذ بداية القرن العشرين، لم تعرف أرض الصّقالبة (شرقي وجنوب شرقي أوروبا) معنى الطّمأنينة، وعاشت سلسلة من الصّراعات الدّاميّة؛ بدءا من الحروب البلقانية (1912- 1913)، ثم الحربين العالميتين، الأولى والثانية، التي جُنّد فيها عرب أيضا، وأخيرًا النزاعات والانشقاقات والمناوشات المسلّحة التي تلت سقوط يوغسلافيا، بداية التسعينات من القرن الماضي. وتتقاطع بلاد الصّقالبة مع بلاد العرب تاريخيًا في خضوعها للدوّلة العثمانيّة، التي وصلت إلى المنطقة نفسها، مع نهاية القرن الرابع عشر، عقب معركة كوسوفو (قوصوة) الشهيرة ((1389، التي واجه فيها العثمانيون تحالف أمراء البلقان المسيحيين (أمير الصرب لازار هيربيليانوفيتش، ملك البوسنة ستيفان تورتكو الأول وأمير ألبانيا غريجي الثاني بالشا)، والتي توسعت أيضا في شبه جزيرة القرم، جنوبي أوكرانيا، وما يزال الأثر العثماني ظاهرًا إلى غاية اليوم في المنطقة كلّها، نجده مثلا في بعض مصطلحات اللّغة، أسماء شوارع وحارات، في الطّبخ والملبس، وحتى على التلفزيون، فالمسلسلات التركيّة لم تسلب فقط عقل المشاهد العربي بل أيضا البلقاني، دونما أن ننسى المكوّن الدّ يني الإسلامي الذي ترسّخ مع وصول العثمانيين، وما يزال مستمرا. رغم ما يفصل بلاد الصّقالبة عن بلاد العرب من اختلافات ثقافيّة، فإن ميزات مشتركة تجمع بينهما، وهو ما لاحظته مع تقدمي في الرّحلة، والتي حاولت أن أختصرها في هذا الكتاب، كما أني اكتشفت، بعد ثلاثة أسابيع من الترحال، أن السّفر لا يُقاس فقط بالمسافات، وإنما أيضًا بالحالات النفسيّة التي يستشعرها الفرد، والتي تختلف بالانتقال من مكان إلى آخر، سواء كان قريبًا أو بعيدًا، فالسّفر الأكبر ليس سفرًا في الجغرافيا، بل هو سفر يعيدنا إلى ذواتنا. "نحن نسافر لتغيير الأفكار، لا لتغيير المكان"، هكذا كتب الفيلسوف الفرنسي إيبوليت تاين. وللحديث بقيّة... , Electronic Village, His excellency mohammed ahmed khalifa al suwaidi, Arabic Poetry, Arabic Knowledge, arabic articles, astrology, science museum, art museum,goethe museum, alwaraq, arab poet, arabic poems, Arabic Books,Arabic Quiz, القرية الإلكترونية , محمد أحمد خليفة السويدي , محمد أحمد السويدي , محمد السويدي , محمد سويدي , mohammed al suwaidi, mohammed al sowaidi,mohammed suwaidi, mohammed sowaidi, mohammad alsuwaidi, mohammad alsowaidi, mohammed ahmed alsuwaidi, محمد السويدي , محمد أحمد السويدي , muhammed alsuwaidi,muhammed suwaidi,,

Related Articles

غوته - رحلة إيطالية - يوميات شاعر القرنين بين الأدب والفنون
الخروج من ليوا - في الطريق إلى "العين" (2-2)
الخروج من ليوا - في الطريق إلى "العين" (2-1)
واحد - صفر للقتيل لكمال رياحي (2-2)
واحد - صفر للقتيل لكمال رياحي (2-1)
من دمشق إلى حيفا - الحرب تترك المخفر الأممي في سلام
كتاب من دمشق إلى حيفا - مخفر كودنه على الجبل