Arabic    

السفر بين العوالم - الألمان والبطاطا (2-1) - برلين أواخر 2006


2019-09-09
View In Facebook
Application : Horizon Pioneers
Category : Horizon Pioneers (Books)

 
 
"السفر بين العوالم" الكتاب الفائز بجائزة ابن بطوطة لأدب اليوميات 2007
للكاتب حسين شاويش
 
الألمان والبطاطا (2-1)
 
برلين أواخر 2006
زائر ألمانيا لا بد أن يأتيه يوم يكره فيه البطاطا! على الموائد سلطة البطاطا وحساء البطاطا و"بوريه" البطاطا، وهي البطاطا إياها بعد أن تسلق ثم تسحق، وقطع البطاطا مسلوقة أو مقلية تقدم مع كل شيء تقريبا. ناهيك عن الشبس بأنواعه. هذا كله بطاطا مرئية، لكن هناك "بطاطا غير مرئية" تقطر منها المشروبات الكحولية وتدخل في تركيب الكثير جدا من المأكولات الجاهزة وما يتلهى به الأطفال من بونبون وسواه. حتى إنهم يصنعون منها نوعا طريا من الخبز يسمى "خبز البطاطا...
سألت مرة صديقا ألمانيا عن هذه الظاهرة العجيبة، فقال لي إن البطاطا أنقذت الألمان من الجوع خلال الحروب وبعدها بقليل عندما كان كل شيء شحيحا والناس ليس لديها ما تشتري به غذاءها.
فالبطاطا رخيصة والأرض الألمانية مناسبة جدا لزراعتها (ألمانيا هي السادسة في العالم في انتاجها، رغم أنها ليست بلدا زراعيا)، بل إن أكثر الناس في تلك الأيام البخيلة لم يكن يأكل سواها لأنه لم يكن يستطع أن يحصل على غيرها.. وهنا أدركت غبائي، فقد كان يجب أن أفكر بالحرب آليا كلما استغربت أمرا في هذا البلد العجيب. فلا يمكن أن تفهم العقد الألمانية بالتعامل مع إسرائيل أو مع الأمريكان أو مع بولونيا أو غيرها من الجيران إلا إذا فهمت قصة ألمانيا مع الحروب، وخاصة حربي القرن العشرين..
ولنعد إلى البطاطا، التي أصبحت شيئا ألمانيا بامتياز رغم أنها في الواقع شيء وافد على أوربا أصلا. فهذه الثمرة المفلطحة عجيبة الأشكال والتي من الصعب أن تعثر على قطعتين منها بالشكل نفسه نقلها الإسبان من أمريكا اللاتينية في القرن السادس عشر، ولم تكن قيمتها الغذائية هي التي لفتت نظر نبلاء إسبانيا وملكها، بل جمال زهرتها التي ما لبثت أن تحولت إلى زينة لباروكاتهم. أما الألمان فلم يتعرفوا عليها إلا في القرن التالي وظلوا قرنا كاملا يقفون منها موقفا متشككا، إلى أن اقتنع قيصر بروسيا فريدرك الثاني بأهميتها في الحرب ضد الجوع فأصدر مرسوما بتخصيص عشرة بالمائة من الأرض لزراعتها وكان ذلك قبل مائتين وخمسين سنة بالضبط من الآن. لكن مرسوم القيصر لم يستطع أن يتغلب على حذر الفلاحين من هذه الدرنة العجيبة، وخاصة أن الكنيسة حذرتهم منها باعتبارها "درنة الشيطان"، كونها جاءت من بلاد الوثنيين وأنها لا تنمو إلا في الظلام. ولم يستطع القيصر البروسي أن يقنع فلاحيه بتطبيق مرسومه إلا بالحيلة. فقد زرع أرضا له بالبطاطا وأمر عساكره بحراستها. وهكذا بدأ الفضول يدفع الفلاحين إلى تجريب هذه النبتة التي يحرسها جند السلطان بأنفسهم!.. ولم يمض وقت طويل حتى أصبحت طعام الفقراء الأساسي.
ورغم أن الاهمية الاقتصادية والغذائية للبطاطا لم تعد موضع شك منذ وقت طويل إلا أن موقف السكان منها متناقض نوعا ما، فهم رغم "انسجامهم البطني" الكامل معها ما زالت "صداقتهم العقلية" معها تعاني من الشكوك والاتهامات. فواحد ممن يعد من أكثر الفلاسفة والتربويين الألمان واسمه شتيرنر (مؤسس ما يسمى المذهب الانثروبوسوفي الذي مازال كثير جدا من مدارس الأطفال الخاصة في ألمانيا تسير على تعليماته في كل شيء تقريبا) كان قد حذّر مرة الأمهات من الإكثار من البطاطا في إطعام اطفالهن، بدعوى أنها مما ينمو في باطن الأرض بعيدا عن النور وهو ما لا يمكن الركون إليه! كما أن سميّة تلك البراعم الخضراء النامية عليها والجزء الفوق أرضي منها هي شيء لا يجادل في صحته أحد.
أخيرا فإن الصحافة الألمانية والبولونية مشغولة هذه الأيام بقصة يمكن أن تدل على المكانة الرمزية المؤسفة التي تحتلها تلك النبته المسكينة والمعطاءة فعلا في المخيال الجماعي. (وللحديث بقيّة)....

    "السفر بين العوالم" الكتاب الفائز بجائزة ابن بطوطة لأدب اليوميات 2007 للكاتب حسين شاويش   الألمان والبطاطا (2-1)   برلين أواخر 2006 زائر ألمانيا لا بد أن يأتيه يوم يكره فيه البطاطا! على الموائد سلطة البطاطا وحساء البطاطا و"بوريه" البطاطا، وهي البطاطا إياها بعد أن تسلق ثم تسحق، وقطع البطاطا مسلوقة أو مقلية تقدم مع كل شيء تقريبا. ناهيك عن الشبس بأنواعه. هذا كله بطاطا مرئية، لكن هناك "بطاطا غير مرئية" تقطر منها المشروبات الكحولية وتدخل في تركيب الكثير جدا من المأكولات الجاهزة وما يتلهى به الأطفال من بونبون وسواه. حتى إنهم يصنعون منها نوعا طريا من الخبز يسمى "خبز البطاطا... سألت مرة صديقا ألمانيا عن هذه الظاهرة العجيبة، فقال لي إن البطاطا أنقذت الألمان من الجوع خلال الحروب وبعدها بقليل عندما كان كل شيء شحيحا والناس ليس لديها ما تشتري به غذاءها. فالبطاطا رخيصة والأرض الألمانية مناسبة جدا لزراعتها (ألمانيا هي السادسة في العالم في انتاجها، رغم أنها ليست بلدا زراعيا)، بل إن أكثر الناس في تلك الأيام البخيلة لم يكن يأكل سواها لأنه لم يكن يستطع أن يحصل على غيرها.. وهنا أدركت غبائي، فقد كان يجب أن أفكر بالحرب آليا كلما استغربت أمرا في هذا البلد العجيب. فلا يمكن أن تفهم العقد الألمانية بالتعامل مع إسرائيل أو مع الأمريكان أو مع بولونيا أو غيرها من الجيران إلا إذا فهمت قصة ألمانيا مع الحروب، وخاصة حربي القرن العشرين.. ولنعد إلى البطاطا، التي أصبحت شيئا ألمانيا بامتياز رغم أنها في الواقع شيء وافد على أوربا أصلا. فهذه الثمرة المفلطحة عجيبة الأشكال والتي من الصعب أن تعثر على قطعتين منها بالشكل نفسه نقلها الإسبان من أمريكا اللاتينية في القرن السادس عشر، ولم تكن قيمتها الغذائية هي التي لفتت نظر نبلاء إسبانيا وملكها، بل جمال زهرتها التي ما لبثت أن تحولت إلى زينة لباروكاتهم. أما الألمان فلم يتعرفوا عليها إلا في القرن التالي وظلوا قرنا كاملا يقفون منها موقفا متشككا، إلى أن اقتنع قيصر بروسيا فريدرك الثاني بأهميتها في الحرب ضد الجوع فأصدر مرسوما بتخصيص عشرة بالمائة من الأرض لزراعتها وكان ذلك قبل مائتين وخمسين سنة بالضبط من الآن. لكن مرسوم القيصر لم يستطع أن يتغلب على حذر الفلاحين من هذه الدرنة العجيبة، وخاصة أن الكنيسة حذرتهم منها باعتبارها "درنة الشيطان"، كونها جاءت من بلاد الوثنيين وأنها لا تنمو إلا في الظلام. ولم يستطع القيصر البروسي أن يقنع فلاحيه بتطبيق مرسومه إلا بالحيلة. فقد زرع أرضا له بالبطاطا وأمر عساكره بحراستها. وهكذا بدأ الفضول يدفع الفلاحين إلى تجريب هذه النبتة التي يحرسها جند السلطان بأنفسهم!.. ولم يمض وقت طويل حتى أصبحت طعام الفقراء الأساسي. ورغم أن الاهمية الاقتصادية والغذائية للبطاطا لم تعد موضع شك منذ وقت طويل إلا أن موقف السكان منها متناقض نوعا ما، فهم رغم "انسجامهم البطني" الكامل معها ما زالت "صداقتهم العقلية" معها تعاني من الشكوك والاتهامات. فواحد ممن يعد من أكثر الفلاسفة والتربويين الألمان واسمه شتيرنر (مؤسس ما يسمى المذهب الانثروبوسوفي الذي مازال كثير جدا من مدارس الأطفال الخاصة في ألمانيا تسير على تعليماته في كل شيء تقريبا) كان قد حذّر مرة الأمهات من الإكثار من البطاطا في إطعام اطفالهن، بدعوى أنها مما ينمو في باطن الأرض بعيدا عن النور وهو ما لا يمكن الركون إليه! كما أن سميّة تلك البراعم الخضراء النامية عليها والجزء الفوق أرضي منها هي شيء لا يجادل في صحته أحد. أخيرا فإن الصحافة الألمانية والبولونية مشغولة هذه الأيام بقصة يمكن أن تدل على المكانة الرمزية المؤسفة التي تحتلها تلك النبته المسكينة والمعطاءة فعلا في المخيال الجماعي. (وللحديث بقيّة).... , Electronic Village, His excellency mohammed ahmed khalifa al suwaidi, Arabic Poetry, Arabic Knowledge, arabic articles, astrology, science museum, art museum,goethe museum, alwaraq, arab poet, arabic poems, Arabic Books,Arabic Quiz, القرية الإلكترونية , محمد أحمد خليفة السويدي , محمد أحمد السويدي , محمد السويدي , محمد سويدي , mohammed al suwaidi, mohammed al sowaidi,mohammed suwaidi, mohammed sowaidi, mohammad alsuwaidi, mohammad alsowaidi, mohammed ahmed alsuwaidi, محمد السويدي , محمد أحمد السويدي , muhammed alsuwaidi,muhammed suwaidi,,

Related Articles

بيان للإعلام جائزة ابن بطوطة لأدب الرحلة 2023 - 2022 الدورة الواحدة والعشرون
نبارك للمكتبة العربية هذه النخبة الجديدة من الكتب الفائزة بجائزة ابن بطوطة لأدب الرحلة 2023
بمناسبة احتفالية مرور 20 عاما على تأسيس دارة السويدي الثقافية
كان كل واحد منا غريبا عن الآخر
من ندوة جائزة ابن بطوطة للأدب الجغرافي اليوم بمعرض الرباط الدولي للكتاب بالمملكة المغربية
الكتب الجديدة من جائزة ابن بطوطة
الفائزون - صور التكريم


Visa_MasterCard

Privacy Policy   Cookie Policy   Terms and Conditions