Arabic    

لحية جبل روتان - من كتاب الهندوس يصعدون إلى السماء


2019-09-04
اعرض في فيس بوك
التطبيقات : ارتياد الآفاق
التصنيف : إرتياد الآفاق (كتب)

 
 
نص من كتاب "الهندوس يصعدون إلى السماء" للكاتب وارد بدر السالم
الحائز على جائزة ابن بطوطة للرحلة المعاصرة 2008- 2009
 
لحية جبل روتان
في منطقة الصفر المئوي تغير الجو كلياً. البرد لاذع لكنه ساحر. المطر تغير إلى وفر وامتلأت عيون الجميع ببياضٍ فاقع كأننا دخلنا إلى بحرٍ معلق. توقف راكيش في نقطة كان فيها الزحام كبيراً، حيث كانت أرتال السيارات تغلق الطريق الصاعد إلى قمة روتانا. ولكي نكسب الوقت
كالآخرين تركنا راكيش مع سيارته وصعدنا مع الصاعدين من النساء والرجال والأطفال والشباب والشيوخ ملبين نداء: روتان، جبل الثلج الساحر بأناقته ووفره وطريقته الرائعة في احتضان المئات من المهاجرين إليه؛ فغريزة هذا الجبل تدرك أي مسافات قطعها الجميع للوصول إليه والتبرك بوجهه الناصع والنوم بين غيومه التي تلتصق به تماماً.
ابني ينط غير مصدق أنه يطأ أرضاً من ثلج وجبلاً مكللاً بالوفر، وداعيكم رجعت له روح الشباب هو الآخر وهو يضيع في خبصة السياح في صعود إلى القمة حسبته سيكلف نصف ساعة لكن الأمر غير ذلك.
نداء بيئاس يلح بقوة وأسطورته تملأ رأسي بالجمال والكاهن القديم يدعوني إلى أثره القديم ولا أدري كيف عطشت حواء هنا في احتفالية الثلج والوفر والغيوم؟
كنت دائم التحذير لابني من الانزلاقات المفاجئة، ونحن نصعد، لأن المتدحرجين الذين أراهم تنال منهم رؤوس الصخور أحياناً، والوفر الهاطل يراكم المسطحات الثلجية التي وجدها الصغار ميداناً للتزلج والتدحرج. حتى الكبار نسوا أنهم كبار، وفقدت النساء الكثير من اعتدالهن أمام الغرباء فهنا كل شيء مباح والجميع مثل الجميع وروتان بلحيته البيضاء أبٌ قديم، يتواضع أمام الآخرين ويكشف عن أسراره كلما كان الصعود مضنياً وشاقاً. 
جلست على غيمة أتأمل نفسي في هذا الخضم الهائل من الجمال وابني يسبقني كالأرنب الماهر.. انتهت ساعة بكاملها وبدا الإرهاق يشل مفاصلي وتكاثف الوفر بشكل غير طبيعي، ومع كل شوط من الصعود تتبدل القمة ويحل فيها طقسٍ آخر، وأرى الناس تتدثر بالوفر والفرو والغيوم تمر من فوق الرؤوس أو بين الأقدام..
خبأت في جيبي ثلاث غيمات لذكرى روتان وابني الذي يسبقني دائماً يتعارك مع ثلاثين غيمة هبطت عليه بوفر صبغ بدلته الحمراء ودفن جزءاً منه.
بدا كل شيء يختلط ببعضه في بياض داكن فهنا، قبل الوصول إلى القمة الأخيرة صار الهواء أشد برودة وملامح عاصفة ثلجية بدت أنها ستتشكل، فمهما كان روتان طيباً بلحيته الكثة، لابد وأن له نزواته، وهذا الشيخ الوقور قد يغضب في أية لحظة ولا يمكن أن تفهم مزاجه.
خامرني شعور بالورطة، وعندما نظرت إلى الأسفل باحثاً عن سيارة راكيش كان كل شيء بحجم الشخاطة حتى صارت أرتال السيارات وكأنها قطار ألعاب للصغار. وأعترف أن شيئاً من الارتياب أصابني وأنا أنظر إلى ابني النطاط الذي ما أن يصل إلى مرتفع حتى يأتيني متزحلقاً دافعاً بقدميه كتلاً ناعمة من الثلج كأنها شلال صغير يركض أمامه: ابن الكلب وين تعرف هالسوالف؟ وين شايف ثلج؟
كان عزائي هو سعادة ابني في أول لحظاته السعيدة وكنت دائماً أستريح على غيمة أتأمل المكان وطوابير الناس الصاعدة، ونداء بيئاس يمنحني الصبر ويشد من عزيمتي لبلوغ منبعه العجيب، وابني يصيح: بابا صورني ويقذف بنفسه ويأتيني متدحرجاً ككرة حمراء ملطخة بالبياض، وما
كنت دائماً قادراً على التصوير بسبب الوفر والبلل الذي يتراكم على عدسة الكاميرا فقد يسبب عطلاً فيها، وهي رفيقتنا التي لا يمكن الاستغناء عنها في هذه الرحلة التي لن تتكرر أبد ا.
 
جبل فيو
 
وجبة طعام سريعة في مطعم يخفي وراءه هديراً لنهر بيئاس الأسطوري. ومطر يتقطع ورذاذ يتطافر والنهر يشق صخور الوادي العريض ويترك في المكانة هفيف رياح خضراء ويمضي إلى ثغور وممرات عميقة وغائرة في أجواف الجبال.
قرأ راكيش ما يجول بخاطري فبادرني:
سنمشي مع بيئاس إلى باندوهدام ومن ثم إلى منالي.
وكم بقي من الوقت؟
على الأكثر أربع ساعات.
يعني الوصول في المساء.
قبل المساء بقليل إذا لم نتوقف في باندوهدام.
مغادرة كولّو هو الصعود نحو جبل (فيو) الخرافي بتضاريسه الصخرية القاسية وطريقه الملتوي الذي يرسم حدود طبيعة باردة يجملها الرذاذ وانبثاق الشلالات المتدفقة بجنون صاخب ليجمع حشود السياح من حوله فيزيد من إبهارهم مع الصور الفيديوية وصور الديجيتال التي تأخر العالم كثيراً في صناعتها.
بسبب الوقت لم نستطع زيارة حديقة الهيمالايا الوطنية الكبرى، وهي أكبر محمية في هيمتشال براديش وتكونت نتيجة تفتت أجزاء من سلسلة جبال كولّو العالية وتشتهر بتربية الماعز الجبلي المتوحش الذي يسمونه " البهارال" والنمر الثلجي والدب البني المفترس.
كل الأماكن آمنة. كل القرى والقصبات والمدن الصغيرة والكبيرة. لم نرَ مظاهر للشرطة والجيش والعسس والبيشمركة، فدار الهند مأمونة ببركات الإله كريشنا، فهو وأولاده وأحفاده الفيلة يحرسون الهيمالايا منذ عصور بعيدة.

    نص من كتاب "الهندوس يصعدون إلى السماء" للكاتب وارد بدر السالم الحائز على جائزة ابن بطوطة للرحلة المعاصرة 2008- 2009   لحية جبل روتان في منطقة الصفر المئوي تغير الجو كلياً. البرد لاذع لكنه ساحر. المطر تغير إلى وفر وامتلأت عيون الجميع ببياضٍ فاقع كأننا دخلنا إلى بحرٍ معلق. توقف راكيش في نقطة كان فيها الزحام كبيراً، حيث كانت أرتال السيارات تغلق الطريق الصاعد إلى قمة روتانا. ولكي نكسب الوقت كالآخرين تركنا راكيش مع سيارته وصعدنا مع الصاعدين من النساء والرجال والأطفال والشباب والشيوخ ملبين نداء: روتان، جبل الثلج الساحر بأناقته ووفره وطريقته الرائعة في احتضان المئات من المهاجرين إليه؛ فغريزة هذا الجبل تدرك أي مسافات قطعها الجميع للوصول إليه والتبرك بوجهه الناصع والنوم بين غيومه التي تلتصق به تماماً. ابني ينط غير مصدق أنه يطأ أرضاً من ثلج وجبلاً مكللاً بالوفر، وداعيكم رجعت له روح الشباب هو الآخر وهو يضيع في خبصة السياح في صعود إلى القمة حسبته سيكلف نصف ساعة لكن الأمر غير ذلك. نداء بيئاس يلح بقوة وأسطورته تملأ رأسي بالجمال والكاهن القديم يدعوني إلى أثره القديم ولا أدري كيف عطشت حواء هنا في احتفالية الثلج والوفر والغيوم؟ كنت دائم التحذير لابني من الانزلاقات المفاجئة، ونحن نصعد، لأن المتدحرجين الذين أراهم تنال منهم رؤوس الصخور أحياناً، والوفر الهاطل يراكم المسطحات الثلجية التي وجدها الصغار ميداناً للتزلج والتدحرج. حتى الكبار نسوا أنهم كبار، وفقدت النساء الكثير من اعتدالهن أمام الغرباء فهنا كل شيء مباح والجميع مثل الجميع وروتان بلحيته البيضاء أبٌ قديم، يتواضع أمام الآخرين ويكشف عن أسراره كلما كان الصعود مضنياً وشاقاً.  جلست على غيمة أتأمل نفسي في هذا الخضم الهائل من الجمال وابني يسبقني كالأرنب الماهر.. انتهت ساعة بكاملها وبدا الإرهاق يشل مفاصلي وتكاثف الوفر بشكل غير طبيعي، ومع كل شوط من الصعود تتبدل القمة ويحل فيها طقسٍ آخر، وأرى الناس تتدثر بالوفر والفرو والغيوم تمر من فوق الرؤوس أو بين الأقدام.. خبأت في جيبي ثلاث غيمات لذكرى روتان وابني الذي يسبقني دائماً يتعارك مع ثلاثين غيمة هبطت عليه بوفر صبغ بدلته الحمراء ودفن جزءاً منه. بدا كل شيء يختلط ببعضه في بياض داكن فهنا، قبل الوصول إلى القمة الأخيرة صار الهواء أشد برودة وملامح عاصفة ثلجية بدت أنها ستتشكل، فمهما كان روتان طيباً بلحيته الكثة، لابد وأن له نزواته، وهذا الشيخ الوقور قد يغضب في أية لحظة ولا يمكن أن تفهم مزاجه. خامرني شعور بالورطة، وعندما نظرت إلى الأسفل باحثاً عن سيارة راكيش كان كل شيء بحجم الشخاطة حتى صارت أرتال السيارات وكأنها قطار ألعاب للصغار. وأعترف أن شيئاً من الارتياب أصابني وأنا أنظر إلى ابني النطاط الذي ما أن يصل إلى مرتفع حتى يأتيني متزحلقاً دافعاً بقدميه كتلاً ناعمة من الثلج كأنها شلال صغير يركض أمامه: ابن الكلب وين تعرف هالسوالف؟ وين شايف ثلج؟ كان عزائي هو سعادة ابني في أول لحظاته السعيدة وكنت دائماً أستريح على غيمة أتأمل المكان وطوابير الناس الصاعدة، ونداء بيئاس يمنحني الصبر ويشد من عزيمتي لبلوغ منبعه العجيب، وابني يصيح: بابا صورني ويقذف بنفسه ويأتيني متدحرجاً ككرة حمراء ملطخة بالبياض، وما كنت دائماً قادراً على التصوير بسبب الوفر والبلل الذي يتراكم على عدسة الكاميرا فقد يسبب عطلاً فيها، وهي رفيقتنا التي لا يمكن الاستغناء عنها في هذه الرحلة التي لن تتكرر أبد ا.   جبل فيو   وجبة طعام سريعة في مطعم يخفي وراءه هديراً لنهر بيئاس الأسطوري. ومطر يتقطع ورذاذ يتطافر والنهر يشق صخور الوادي العريض ويترك في المكانة هفيف رياح خضراء ويمضي إلى ثغور وممرات عميقة وغائرة في أجواف الجبال. قرأ راكيش ما يجول بخاطري فبادرني: سنمشي مع بيئاس إلى باندوهدام ومن ثم إلى منالي. وكم بقي من الوقت؟ على الأكثر أربع ساعات. يعني الوصول في المساء. قبل المساء بقليل إذا لم نتوقف في باندوهدام. مغادرة كولّو هو الصعود نحو جبل (فيو) الخرافي بتضاريسه الصخرية القاسية وطريقه الملتوي الذي يرسم حدود طبيعة باردة يجملها الرذاذ وانبثاق الشلالات المتدفقة بجنون صاخب ليجمع حشود السياح من حوله فيزيد من إبهارهم مع الصور الفيديوية وصور الديجيتال التي تأخر العالم كثيراً في صناعتها. بسبب الوقت لم نستطع زيارة حديقة الهيمالايا الوطنية الكبرى، وهي أكبر محمية في هيمتشال براديش وتكونت نتيجة تفتت أجزاء من سلسلة جبال كولّو العالية وتشتهر بتربية الماعز الجبلي المتوحش الذي يسمونه " البهارال" والنمر الثلجي والدب البني المفترس. كل الأماكن آمنة. كل القرى والقصبات والمدن الصغيرة والكبيرة. لم نرَ مظاهر للشرطة والجيش والعسس والبيشمركة، فدار الهند مأمونة ببركات الإله كريشنا، فهو وأولاده وأحفاده الفيلة يحرسون الهيمالايا منذ عصور بعيدة. , Electronic Village, His excellency mohammed ahmed khalifa al suwaidi, Arabic Poetry, Arabic Knowledge, arabic articles, astrology, science museum, art museum,goethe museum, alwaraq, arab poet, arabic poems, Arabic Books,Arabic Quiz, القرية الإلكترونية , محمد أحمد خليفة السويدي , محمد أحمد السويدي , محمد السويدي , محمد سويدي , mohammed al suwaidi, mohammed al sowaidi,mohammed suwaidi, mohammed sowaidi, mohammad alsuwaidi, mohammad alsowaidi, mohammed ahmed alsuwaidi, محمد السويدي , محمد أحمد السويدي , muhammed alsuwaidi,muhammed suwaidi,,

Related Articles

غوته - رحلة إيطالية - يوميات شاعر القرنين بين الأدب والفنون
الخروج من ليوا - في الطريق إلى "العين" (2-2)
الخروج من ليوا - في الطريق إلى "العين" (2-1)
واحد - صفر للقتيل لكمال رياحي (2-2)
واحد - صفر للقتيل لكمال رياحي (2-1)
من دمشق إلى حيفا - الحرب تترك المخفر الأممي في سلام
كتاب من دمشق إلى حيفا - مخفر كودنه على الجبل