Arabic    

كتاب منزل في صقلية - الفصل العاشر- العرّاب


2019-07-14
اعرض في فيس بوك
التصنيف : منزل في صقلية

 
 
 
بيت في صقلية | تأليف: دافني فيليبس | ترجمة أميمة الزبير | الفصل العاشر- العرّاب
**********
بشكل عام يعرف الناس شيئين اثنين عن صقلية- وكلاهما مزعجٌ: جبل إيتنا، والمافيا. والفضول حول الأخيرة شديد و ولم يُشبع أبداً. في أيامي الأولى كان من النادر أن يأتي ذكر ذلك على ألسنة السكان. وأحياناً ينكر المرء وجودها فوراً عندما يُسأل عنها على نحوٍ مباشر. 
وإن ذكرت هذا الأمر أمام الصقليين الآخرين فسيضعون على وجوههم قناعاً من الحكمة ويقولون: " لا يقول ذلك إلا واحد منهم قطعاً!" ولم أجد إجابة أوفى من ذلك إن واتتني الجرأة للسؤال. 
في أحد الأيام حكى لي صديقي فرانكو، وهو طالب قانون، قصة عجيبة. في هذه البلدة الصغيرة، أعلى وادٍ في سفح جبل إيتنا، كانوا يحتفلون بالكرنفال بحماسة كبيرة. كان يتواصل الرقص والاحتفال يتواصلان لثمان وعشرين ليلة قبل حلول العيد. كان الرجال في المنطقة يغارون على شرف زوجاتهم وبناتهم الذي كان يرتبط بشرفهم بشكل لصيق. يعني هذا أنّه لم يكن مسموحاً للسيدات المحترمات بالخروج للرقص مع الرجال، بل كنَّ حبيسات بيوتهن بينما يرفه الرجال عن أنفسهم. كان شحُّ رفيقات الرقص يعوّض جزئياً بالفتية الذين يرتدون ملابس الفتيات (أخبرني فرانكو أنّه خرج في إحدى الليالي متشبهاً بحسناء أسبانية، وقد طلا عينيه وشفتيه بألوان التبرج، وتدلى من أذنيه قرطان، بينما عاد رجلاً في المرة التالية وخرج في زي هرقل بسجادة المدفأة). أما المصدر الرئيسي للرفيقات فكان يتمثل في النساء المأجورات من كاتانيا بثمن معلوم. كان رجال البلدة يبرمون الاتفاقات مسبقاً. وتساءلت عما إذا كانت الكاتانيات يحصلن على المال مقابل الرقص فقط؟ ربما لا، لقد كنت أميل إلى ذلك الاعتقاد، فإن كانت الغيرة في صقلية على تلك الحال، لابد أنَّ الأزواج في كاتانيا كانوا يراقبون في حرص سير المسألة. أيعقل أن يوصموا بالقوادة كلهم؟
في هذه السنة أخبرني فرانكو، أنّ رجال كاتانا تراجعوا عما أبرموه من صفقات، وطالبوا بالمزيد من المال. تم رفض ذلك. وبالتالي افتعلوا الفوضى كل ليلة، بإفساد الحفل والتهديد بتحطيم القاعة. حاول القس تهدئتهم دون جدوى، وبدت الشرطة عاجزة فقد كانوا كثيري العدد. قال أحدهم فجأة، " لم لا تستدعون دون شيكو؟"
لا بد أنّه كان رجلاً خارقاً. لقد هبط من الجبل الذي قطنه، ولم يفعل سوى السير، بذراعين معقودتين، وعينين مفتوحتين، بدون أن يصدر أي صوت عدا صوت خطواته، ليختفي كل مثيري الشغب، ويبدأ الرقص من جديد.
سألت وأنا ذاهلة عمن يكون هذا القوي؟ 
" إنّه زعيم المافيا في هذه الأنحاء."
بالطبع أردت أن أعرف أكثر. وبدا فرانكو متعاوناً، على عكس الآخرين. في تلك الأيام كان لديَّ رأي ساذج حول "المجتمع الشريف". لقد تصورته مثل روبن هود، يأخذ من الأغنياء ليعطي الفقراء، وبشكل عام يحمي الضعفاء في الوقت ذاته، بينما يعملون على تحسين أحوالهم. كان هذا قبل أن يتطور ذلك المجتمع إلى منظمة عالمية تفتقر إلى الرحمة، أعضاؤها من أصحاب الملايين مروجي المخدرات.
قال فرانكو فجأة سعيداً بما أثاره فيّ من اهتمام: " هل تودين مقابلته؟"
" في الحقيقة يتحتم عليَّ ذلك، ولكن كيف أستطيع؟"
" سوف أحضره لزيارتك."
كنت متأكدة من أنّه يتباهى. كيف يتسنى لطالب قانون صغير أن يحضر رجلاً كهذا لزيارتي؟
بعد بضعة أسابيع، وبعد أن حل المساء، سمعت طرقات على نافذة حجرة الدرس الفرنسية خاصتي. فتحتها. كان فرانكو هناك.
" هل انت بمفردك؟"
"لا"
"كم شخصاً معك؟"
"لِمَ تسأل؟"
"لأنني أحضرت دون شيكو معي وبه شيء من الحياء- فهو لم يشذب شعره اليوم."
لا يبدو أنّ حياءه هو السبب، مثله مثل جميع الرجال الصقليين. كان معي بعض الأصدقاء: الزوج كان كولونيلا مسؤولاً عن التعليم في جيش الاحتلال البريطاني في النمسا، وزوجته كانت رئيسة كلية في كامبردج، وروائية ناجحة.
دلف دون شيكو مطمئناً، تزداد رمشات عينيه عندما يواجه الضوء. لقد كان رجلاً ضئل الحجم لا يخلو من قوة، سريع الحركة، ذا سحنة مسمرّة من أثر الشمس، يكاد هندامه يتسم بالرثاثة، وفويق أحد حاجبيه ندبة، وله جفن مرتخٍ يضطر معه إلى رفع رأسه وإمالته إلى الخلف، مما يضفي على ملامحه انطباعاً بالغطرسة والجهل. كان يرتدي قميص عمل بسيط كأيّ فلاح، ولكنّ الشعور بقوته كان حاضراً ومنذ أول لحظة. سمعنا الكولونيل في وقت لاحق وهو يقول إنّه لم يقابل شخصاً أكثر منه وعياً بفوقيته على أي مجموعة يجد نفسه وسطها. 
جلس دون شيكو على أريكة بجانب المدفأة التي كان المرة تلو الأخرى يبصق فيها في قوة يتقن السيطرة عليها. 
اخذت مكاني بحرص شديد قربه وسألته ماذا يريد أن يشرب، وكنت أعي إلى حد مؤلم حدود إمكانيات قبوي الصغير من النبيذ العادي جداً. (كنا لا نزال نعيش على علاوة السائح في فترة ما بعد الحرب.) أخبرني فرانكو أنَّ ضيفه يصنع نبيذه الخاص الذي يقوم ببيعه لدعم العلامات التجارية الأدنى بهدف التصدير. وبشيء من الفتور قبل احتساء كأس واحد. أخبرني فرانكو، مما أثار دهشتي، بأَّنَّ في إمكاني سؤاله عما أحببت. فسألته بجرأة كيف انضم للمافيا.
شرع في الإجابة بغطرسة بابوية، متجاهلاً السؤال: " إيطاليا بلادنا La nostra Italia- لا أعرف إن كان أيٌّ منكما قد سبق له رؤيتها على أطلس الجغرافيا؟" (كنا جميعاً ما عداه من خريجي الجامعة.)
هنا بدأ فرانكو يترجم بلغة فرنسية ممضة. فصفعه دون شيكو بغضب صائحاً " اصمت. أنت لا تعرف شيئاً عن ذلك. اصمت!"
أما فرانكو فكان يردد بصوت أقرب إلى الهمس "Scusi, scusi، المعذرة، لم أكن أقصد سوى المساعدة." 
" سوف أتحدث حتى أصل إلى موضع مناسب ثم أقف، وعندما تترجم أنت للسنيورة. ابق صامتاً!"
عاد فرانكو في شجاعة: " عليك التحدث باللغة الإيطالية (أي ليس بالصقلية). " “Parlo tecnicamente italiano,” . ولكن كان من الواضح أنّه أكثر سعادة في لغته المعتادة، وهي اللهجة المختلفة جداً التي لم تتوقف زلاته بها.
لقد استأنف الحديث مجدداً، "إيطاليا بلادنا تشبه ساقاً"، وقبض على أقرب ساق إليه- كانت ساقي. لا أعتقد أنّه كان مدركاً بأنّي كنت على الطرف الآخر منها. كان ممسكاً بها بقوة بإحدى كفيه، وبالأخرى كان يشرح وجهات نظره. 
" هنا قبل الأصبع نوجد نحن الصقليين، وعلى الأصبع الريجو، ثم النابوليين، ثم روما، ثم فلورنسا."
وكان في كل مدينة يقبض على الرجل بيد من فولاذ. وكنت أتساءل عما كان سيحدث إن وصل إلى جنوا...
ولكنه توقف مشكوراً في فلورنسا وغيّر الأداة. لقد منعني قلقي المتصاعد من تخمين مناورته التالية. ولكن عندما توقف سألته كيف قام بترسيخ رئاسته على غيره من رجال المنطقة، فتناول السؤال بظاهره قائلاً.
" ببساطة، عندما كنت شاباً صغيراً، كنت أكسب كل معركة توجب عليّ الدخول فيها. وإن كان هنالك جبلٌ يُصعد، كنت أصل إلى أعلاه أولاً، وكذلك في مباريات السباحة، وهكذا. وإن أردتِ يا سيدتي أن أقيم لك عرضاً لقدراتي، فليس عليكم سوى أن تنبطحوا أرضاً وسأجعل نفسي صلباً كجثة هامدة، والجثة هي شيء ثقيل جداً، وسوف أضع رباطاً على وسطك- وبأسناني سوف أرفعك حتى مستوى ارتفاع أكتافي!"
كانت أسنانه برّاقة وكثيرة العدد، تبدو أكثر عدداً مما لدى الإنسان العادي، كما قال الكولونيل لاحقاً. كان جزءٌ مني يود أن يفعل ذلك، والجزء الآخر يعرف أنني كنت أثقل مما أبدو وأنَّ الأمر سيغدو بداية غير جيدة لصداقتنا إن لم يستطع رفعي لأكثر من بوصة أو اثنتين من على الأرض. (لاحقاً وعندما كان يشرب معي في إحدى الحانات الصغيرة، اضطر إلى الإمساك بكرسيّ ثقيل بأسنانه ولوّح به حتى ضربت أرجله السقف مما تسبب في انهيار أجزاء من الجصّ. كان شيئاً غريباً ألا يحتج المالك.)
غيرت الموضوع، هل كان يعرف خالي السيد كيتسون؟ لقد تعلمت الآن أن أنطقه بعدة طرق قبل التعرف عليه، لكن أيٌّ منها لم يجد صدىً عنده. 
حاولت مرة أخرى: " كان يدعى لاغريغيو- الوسيم." 
"أبداً."
"أو دون روبيرتو؟"
"آها، روبيرتي، لقد كان صديقاً عزيزاً لي. لقد كان في حمايتي: أحدهم كان يزعجه. ولم يكن على روبيرتي سوى أن يسير معي متأبطاً ذراعي على الطريق العام لحل تلك المشكلة. لم تعد هنالك أية مشاكل، لأنّه كان تحت حمايتي، وكان يستطيع القيادة في صقلية بطولها وعرضها ليلاً أو نهاراً بسيارته المفتوحة ولا يستطيع أي قاطع طريق أن يمسه بأصبع حتى."
أتمنى فقط لو كانت أمي، أخته، تعرف، لوفرت القلق حيال أسفاره بالسيارة المفتوحة في أنحاء الجزيرة التي لم يعرف عنها سوى امتلائها بقُطَّاع الطرق الذين لا يطمعون إلا في اعتراض طريق ثري أجنبي. 
قوبلت مخاوفها واحتجاجاتها بالتجاهل، وبدون توضيح الأسباب. ربما لم يكن شيئاً مشرفاً أن يخضع لحماية المافيا حتى في تلك الأيام السحيقة؟
لقد سألت عن عائلة دون شيكو. عندما كان في الشهر الثامن عشر من عمره ذهبت والدته إلى الولايات المتحدة ولم تعد، تاركة إياه خلفها مع جدته التي اضطلعت بمهام تربيته. وهو يعيش الآن مع "خالته" (قلت لنفسي، مثل كثير من الكهنة).
" كانت والدتي امرأة جميلة جداً- شقراء. لم أرها مذ تركتني،" تنهد. " على الرغم من أنَّ كل النساء الذين أردتهن كن رهن إشارتي. لم أتزوج لأنني أردتها أن تختار لي زوجتي. سأذهب يوماً إلى نيوي يوركي، وأراها مرة أخرى. لديها عدد من الاطفال. 
أحدهم بطل في الملاكمة في القوات البحرية. يجب أن تأتي إلى منزلي يا سيدتي، وتخبريني ماذا أرسلوا لي. إنّها آلة كهربائية، ولكنك عندما تشغلينها لا يحدث شيء".
"كيف تبدو"
" لديها وجه مثل الساعة، وعين سحرية، ولكنك عندما تشغلينها لا يحدث شيء"
أعتقد أنّها ربما كانت تلفازاً. ربما لا تعرف مدينة نيويورك أنَّ التلفاز لم يصل بعد إلى صقلية.
"لا!" صرخ ثائراً. 
"مذياع؟"
مرة أخرى "لا"
"هل سألت كهربائياً؟"
"إنّه لا يعرف عنها شيئا."
"إذا لماذا تعتقد أنني سأستطيع مساعدتك؟" 
"لأنَّ هنالك كلمات مكتوبة باللغة الإنجليزية، وربما استطعتِ قراءتها"
وعدت بأنني سوف أزوره في يوم ما.
ثم نهض ليغادر، انحنى، وقبّل كفي وقال في كبرياء واضح، " سيدتي، إنّي أضع نفسي بالكامل رهن إشارتك. إن تسبب أي شخص في إزعاجك، فقط أخطريني ,...." قام بإشارة قوية تنم عن المسح بذراعيه مصحبوتين بشخير إزدراء. 
"أي شخص؟ أجنبي؟ أمريكي؟"
كان هنالك شخص متعب للغاية في ذلك الوقت، وسيكون من الجميل لو دفعه أحدهم على الخروج من تورمينا. تسابقت الصور في مخيلتي، هل سيحمي منزلي من اللصوص؟ هل سيستطيع أن يساعدني في الحصول على الأسبقية لشراء سيارة جديدة عندما تعطب سيارتي التي تضررت جراء الحرب؟ تسوية خلاف الحدود التي أخفق في تحقيقها المحامون؟ لقد فكرت أنّه من الأفضل العودة إلى الأمريكي غير المرغوب فيه. 
"نعم لدينا اتصالات ممتازة مع نيوي يوركي."
"دون شيكو، أنت في غاية اللطف، ولكن كيف لي أن اتصل بك عندما أحتاجك؟"
"بسيطة، اتصلي بالخط المركزي لقريتي، وسوف آتي على الفور"
لم يكن هنالك أي خط هاتف آخر يوفر المزيد من الخصوصية لتلك القرية النائية الجبلية من القرون الوسطى. 
غاب عن الشرفة الفرنسية بتلويحة وداع لضيوفي لا تخلو من غطرسة، وفرانكو في إثره. 
سهرت في تلك الليلة وأنا أفكر في الاحتمالات. هل سيستطيع إيقاف المضايقات اللانهائية من قبل الشباب، أم بابا غالي الذي أفسد علينا نزهاتنا في المدينة؟ إنّه على الأرجح سيفعل- ولكن كيف؟ كنت أستطيع تخيل المُدى تُشهر، وأراني معلقة من ذراع واحدة محاولة سحبه إلى الوراء، وهو يهزني: " دعي لي هذا الأمر. هذا ليس من عمل النساء." وتقطع الرقاب. للأسف قررت أنني سوف لن أخاطر باستدعائه. 
بعد ذلك بأيام قليلة، ظهر فرانكو مرة أخرى وهو في حال من الانفعال: " أرجوك، عليك الاتصال بدون شيكو."
"ولكني لا أحتاج لذلك؟ لم علينا الاتصال به؟"
"لاني أريد أن أعرف لماذا تم استدعاؤه على عجل من قبل الأميرة كامبوبيلو دي فشيرا لمسألة مهمة جداً. إنّه لم يخبرني لكني متأكد من أنّه سيخبرك."
"لِمَ بحق السماء؟"
"لأني سألته عندما غادرنا منزلك تلك الليلة، عن رأيه في السيدة، فأجاب " ألم تسمع ما قلته لها؟ أنا لا أضع نفسي رهن إشارة أي امرأة"."
 
على الرغم من شعوري بالإطراء الذي كان ممزوجاً بالفضول تجاه علاقة دون شيكو الغريبة بالارستقراط، رفضت بحسم الاتصال بالخط المركزي- الشيء الذي أغضب فرانكو. عليه فنحن لا نعرف مطلقا ماهية المشكلة التي واجهتها الأميرة. 
بعد مرور الوقت، أتى دون شيكو لزيارتي مرة أخرى. أتى في الصباح الباكر ووجدني في الحديقة. بدون إبطاء شرح لي أنّ عليه الحضور إلى تورمينا لدفع ضرائبه (وتثير هذه الخصلة فيه كمواطن ملتزم بالقانون الدهشة). قال إنّه كان في حاجة إلى 10.000 ليرة وطلب مني إقراضه إياها- بالطبع سوف يقوم بسدادها في المستقبل القريب. ترددت بسبب أوضاعي المتأزمة: فإما أن يكون هذا استثماراً رشيداً سيضمن مساعدته الفورية إن احتجته، أو أنّه سيزيد من مشاكلي المالية الراهنة. ذهبت إلى المنزل وأنا أفكر بالأمر، وكان هو إلى جانبي. 
كلٌ من المنزل والحديقة في سعة وجمال يجعلان الناس- خاصة الصقليين- يعتبرونني سيدة غنية جداً (وهو شيء صحيح فعلاً باعتبار الأصول)، ولكن هذا المنزل يستنزف الكثير من الموارد، وكان علي توخي الحذر دائماً حيال من يحاولون الاقتراض مني. كانت العشرة آلاف ليرة جزءاً مقدراً من دخلي. ودفع مبلغ كهذا على سبيل القرض كان قراراً صعباً. ربما كان الأمر غريباً من حيث مصير المال، وأمنية لاختبار نوايا دون شيكو النبلة، أو ربما خوف من رفه؟ كل هذا جعلني أسلمه المال. لقد بينت له بشكل واضح أنَّ هذا المبلغ كان كبيراً بالنسبة لي، وأنني لا أفعل هذا إلا مع صديق عزيز. 
تلقاه بامتنان حميم، ثم رفع صوته وتحدث بثقة كبيرة، شارعاً في تقديم سيل من النصائح: " سيدتي، إني أعرف هذا العالم. عليك ألا تضعي ثقتك في أي شخص، ولا حتى أخيك، ولا أختك، ولا والدك، ولا عمتك. فقط أمك التي تستحق الثقة- فهي من لحمك ودمك، ينبغي أن تظلي على ظهر الجواد حتى نهاية الرحلة وسيفك في يدك."
شيء غريب وأمه كانت أول من يخذله؟
تركت بعض الأسابيع تمر قبل أن أقرر زيارة دون شيكو في مخبئه الجبلي. اتصلت بفرانكو وطلبت منه تدبير موعد لي مع اثنين من أصدقائي – جوسلين بروك، الشاعرة والروائية، وأحد الضيوف السويديين- لمقابلة دون شيكو في منزله حتى نستطيع البت في أمر الآلة الكهربائية! وعما إذا كان سيود أن يكون دليلنا ومرافقنا؟ أبدى فرانكو سروره- وأحب كثيراً أن يُرى مع الأجانب، الذين قل عددهم في هذه الأيام. لقد أصر على أنْ نأتي أولاً لتناول وجبة الغداء معه ووالدته في بلدة صغيرة كانت تحتفل بأحد الكرنفالات البهيجة. 
وصلنا إلى قصر كبير يعود إلى منتصف القرن التاسع عشر في الشارع الرئيسي، لم يكن أثاثه جميلاً، وزادته الستائر الكثيفة كآبة فوق ما به. قليلاً ما كان الصقليون في تلك الأيام يحتفلون في منازلهم، واعتبرنا أمر دعوتنا من قبيل الشرف، إذ أنّهم كانوا دائماً يرغبون في حفظ ماء وجوهم أمام الأجانب، وقد تكلفت والدة فرانكو الحيية الكثير في هذه الزيارة. بدأنا باحتساء نبيذ الفيرموت شديد الحلاوة مع البسكويت الحلو. كان الوقت عقب الظهيرة بقليل. ثم جلسنا حول طاولة كبيرة من الصنوبر، وقُدم لنا الطعام طبقاً بعد طبق، بواسطة خادم بعيد عن الأناقة كل البعد وربما كان قليل الأجر إلى حد كبير، ويعمل لساعات أطول من اللازم. اعتذر فرانكو نيابة عنها، أنَّ هذا هو منزلهم الريفي، وعليهم الاعتذار عن أي تقصير. (إني أشك جداً أنّ لهم منزلًا غيره.) لم يكن التقصير دون شك في ما يخص الشراب أو الطعام. لقد توالت أطباق المائدة واحداً بعد الآخر. على الرغم من احتجاجنا فقد تكدست أطباقنا مرة بعد الأخرى وسرعان ما أفرغناها، كانت كأسات النبيذ تعبأ دون أن ننتبه لذلك في الغالب. يحب الصقليون تقدير الطعام، ويجدون من الصعب تصديق أنَّ قول "لا شكراً" بحسم للمرة الثانية أو الثالثة يعني عدم الرغبة في المزيد. 
وفي زمني أكلت وجبات بطولية بسبب التآخي. لم يكن أصدقائي يفعلون الشيء نفسه. لم تكن مضيفاتنا يتحدثن الإنجليزية، واثنان من ضيوفها لم يعرفا سوى بضع كلمات بالإيطالية، عليه صار الأكل والشرب بديلاً عن الحوار. 
لقد شققنا طريقنا وسط أكوام المعكرونة، ثم السمك، واللحوم، والخضروات، والجبن الذي تتبعه كعكات الكريمة والفاكهة. كان كل شيء شهياً. بعدها يأتي دور المارسالا الجميلة. وكان من رحمة الله وجود فناجيل القهوة الاسبرسو الصغيرة، عندما نصل أخيراً إلى خاتمة المطاف. 
عندئذٍ نكون قد أمضينا ما يقارب الساعات الثلاث في الأكل والشرب دون توقف. أعلن فارنكو أنَّ دون شيكو سيكون بانتظارنا وأنَّ علينا الذهاب. كانت القهوة قد ساعدتني على قيادة سيارتي الصغيرة الجديدة لمسافة عشرة كيلومترات حتى قرية موتا. صعدنا في طريق متعرج ضيق من منعطف إلى آخر خلال الريف الرائع على قمم الهضاب. واستطعنا أن نرى فوقنا على ارتفاع كبير قرية تشبه قرى العصور الوسطى، تشرف على صخرة ناتئة. أخبرني فرانكو أن أتوقف. وقف في العربة ووضع يديه إلى فمه، واطلق صفيراً طويلاً وحاداً. وعلى الفور كانت هنالك صيحة استجابة من الجانب الآخر وراء الصخرة من فوقنا، وظهر دون شيكو. شبحاً تحت السماء. لوّح لنا ثم بدأ يركض، ويقفز ويثب هبوطاً من جانب الهضبة شديدة الانحدار، في سرعة تُضاهي سرعة الماعز الجبلي، وكان شيئاً مذهلاً أن يُرى من رجلٍ في عمره، لابد أنّه كان في حوالي الخمسين من العمر. 
"أهلا بك سيدتي" قال بينما كان يقبّل كفي، ويشد على أكف أصدقائي.
كان دون شيكو هذه المرة مختلفاً جداً عن ذاك الذي كان في زيارتي المرة الأولى. 
لقد كان اليوم حليقاً بشكل ممتاز، وكان يرتدي بذلة أنيقة تناسب المدينة أكثر من الريف، وقد ارتدى تحتها قميصاً ملائماً من الحرير الأبيض الخالص المفصّل خصيصاً كما هو واضح. 
" يجب أن تأتي وتري أرضي أولاً ثم منزلي بعدها."
لقد بدأت أضع المفارش والمعاطف في صندوق السيارة. " لا حاجة لذلك"، قال باقتضاب. 
في أيام التقشف تلك وبعد الحرب كانت الملابس الجديدة والمفارش صعبة المنال بشكل ما. 
فاعترضت بجرأة: " ولكن يا دون شيكو لا يعرف الناس أننا ضيوفك: الناس فقراء وهذه الملابس ستكون مغرية."
بدون كلمة أخرى وضع قبعته مقلوبة على غطاء محرك السيارة وقال. " اتبعوني." اختلست نظرة إلى القبعة لقد كانت عادية ولم يكن عليها اسم أو علامة مميزة. ولكن ظلت متعلقاتنا هناك طيلة الجزء الأفضل من الساعات الثلاث التي قضيناها في الطريق، فقط نصف كيلومتر من القرية التي ضرب الفقر عليها أطنابه ولم يمسها أو السيارة أحد بأذى.
ونحن ما زلنا نشعر بالخمول بعد الوجبة الهائلة التي تناولناها، وشعرنا بالراحة الكبيرة عندما قادنا إلى أعلى الصخرة حيث رأيناها أول مرة عبر طريق أكثر سهولة ورحمة من الطريق الذي سلكه هبوطاً. وبينما كان واقفاً على القمة تماماً، في مواجهة السماء، وفي عظمة ملوكية طفق يمسح بعينيه الأرض المحيطة، أشار بكل فخر إلى مزرعته النائية في أدنى الوادي. كانت خضراء وتظهر عليها سيماء الرعاية بجمال، بأشجار الزيتون واللوز، والكروم، والأرض شوك والبقول. 
ثم أشار إلى أرض أخرى قائلاً: " تلك المزرعة هناك، لا نحتاج إلى المزيد من الأدلة على طيبة قلبه، لقد أعطاها للفقراء". (الجانب الروبن هودي من شخصيته- ولكن دليل؟) " تلك الأخرى- مشيراً في اتجاه آخر- " إنّه صعب وعلينا أن نلحَّ قليلاً."
استأنفنا المسير إلى القرية. وفجأة وبكل هدوء، لم أسمع شيئاً سوى قوله، " قُتل رجل في هذه البقعة." (على يده؟ من يدري؟)
وصلنا إلى القرية البدائية، متشبثين بحافة الصخور المنحدرة التي تعود للعصر الجليدي: الكنيسة في الوسط وعلى جدرانها علامات واضحة النقش تدل على بنّائيها، 
تتسع الشوارع بالكاد لمرور عربة واحدة، وقد حُفرت على صخور الدروب الأصغر خطوات من ساروا في مسالكها. ونادرا ما تصل الشمس إلى معظم المنازل إلا في ذروة فصل الصيف. وفي واحدة من أضيقها توقف دون شيكو وسحب مفتاحاً كبيراً ودعانا إلى دخول منزله مرحِباً حيث قال إنّه كان يعيش مع خالته. ولم تكن هنالك لتستقبلنا. كان المنزل غاية في البساطة. كانت الجدر الحجرية عارية من الطلاء، وكانت السلالم مصنوعة من الخشب الخشن غير المغطى، والطابق الأرضي يحتوي على غرفة واحدة كانت تستخدم للتخزين، وكان السقف منخفضا، ولكنه مناسب للصقليين. 
أما الشماليون الأطول قامة فيتعين عليهم الانحناء. وسوى صنبور واحد في إحدى الزوايا لم يكن هنالك أي أثر لمرافق الصرف. كان بالغرفة التي يفتح عليها الدرج موقد وأسطوانة غاز. لقد كانت هذه البيئة غريبة بالنسبة لمضيفنا المهندم في أناقة. تبعناه إلى الغرفة الصغيرة الأخرى حيث لم نجد من الأثاث سوى سرير ضيق يحتل مساحة بطول الحائط الملاصق وطاولة صغيرة مستديرة، وبعض الأطباق والكؤوس عليها، وخمسة من الكراسيّ الخشبية العادية جداً منسوجة مقاعدها بالدوبارة. 
كان الشيء الوحيد المميز في المنزل الريفي هو الآلة الكهربائية القابعة على رفٍ في الحائط. والتي أُنزلت بشيء من الازدراء. أوصلها بالكهرباء، ولم يحدث شىء. اتفق جميعنا على أنّها كانت جهازاً كريستالياً قديماً جداً وعديم الجدوى. لقد نقلت رأيي هذا بلطف إلى دون شيكو. لابد أنّ نيويورك قد تخلصت من هذا الجهاز القديم بإرساله إلى الأخ غير الشقيق الصقلّي المتخلف الذي يعيش في ركن قصيّ من العالم. 
قبل بحكمي على مضض، واستياء ثم التفت إلى صورة عتيقة جداً ذات إطار، لأمه وخالته. لم تكن أي منهما حسنة المظهر بحسب طريقة تفكيري، ولكنّه قال: " كما ترين، كانت أمي جميلة جداً وشقراء."
لم تكن بالجميلة ولا بالشقراء، ولكني أعجبت بحماستها، الشيء الذي سره. 
" لابد أن أذهب في يوم ما إلى نيوي يوركي، وأقابلها، وتختار لي زوجة."
وقد بدا لي أنّه سيكون لقاءً قاسياً مع ربة منزل بدينة وشعثاء من بروكلين. 
وكم سأكون سعيدة من أجله إن استطاع المحافظة على هذا الحلم. 
لم يُلح على معرفة رأيي لحسن الحظ، لقد كان الطعام أكثر أهمية في ذلك الوقت. 
قام مضيفنا أولاً بسحب زجاجة نبيذ أحمر من تحت السرير، كان قد صنعها من أعناب مزرعته. لقد سحب سدادة القنينة وهتف في سرور لدى ظهور المادة الغريبة الشبيهة بالعفن: لقد بدت أكثر شبهاً بدودة سمينة بيضاء مجعدة على الحافة وحولها بحيث وارتها تماما. 
لقد أزالها بأصابعه قبل أن يملاً كؤوسنا. وعلى الرغم من إبطائنا في احتساء المزيد من النبيذ، لكنا أدركنا ضرورة قبول عرضه. ثم انحنى مرة أخرى وجذب من تحت السرير رغيفاً ضخماً من أثقل أنواع الرغيف المصنوع منزلياً، تلاه برميل من ثمار الزيتون تسبح في أقوى الزيوت نكهة. ثم لوح كبير من جبن البيكورينو- وهو أبعد ما يكون عما أفضله. وأخيراً قطعة كبيرة من أسمن قديد مدخن رأيته على الإطلاق. كنا جميعاً على وعي بالتخمة التي تعانيها معدة كل منا بالفعل، ونحن نراقب التحضيرات في حذر. ومرة أخرى تم تكديس الطعام على أطباقنا. قام دون شيكو بتقسيم الرغيف باستخدام سكين حاد على صدره، ثم وضعت شريحة سميكة من القديد على كل قطعة. كنا نتوسل طلباً للرحمة باستماتة، ونحن نخبره بما اضطررنا لأكله وقبل فترة قريبة جداً. لمعت عينا دون شيكو، إنَّ الضيافة الصقلية على المحك. لقد اعتاد على الطاعة. ولن يقبل بغيرها. لقد مررت بتجربة مماثلة من قبل، وأصبت بعسر هضم شديد فقط لحسن الحظ، ولكن أصدقائي المساكين لم يفعلوا. لقد كانوا يتعلمون أنّ على المرء ألا يسيء إلى الضيافة الصقلية المتجاوزة للحدود على أية حال. وكنت أغمغم من جانب فمي، " كلوا، كلوا على شرف إنجلترا."
وفعلنا، تحت عين مضيفنا المتوهجة، فقط قطعة أو أثنتين اختلستا طريقهما إلى الحقيبة أو الجب. ساعدنا النبيذ القوي على إنزال كل شيء إلى المعدة. وأصبح وجه مضيفنا مشعاً إذ استطاع ترويضنا. 
سُمح لنا أخيراً بالذهاب، أخذنا نترنح نزولاً عبر الدرج، والعتبات، ونتهاوى عبر الطرق الضيقة، ممتنين للنسمة العليلة، وبضع مئات من الأمتار سيراً حتى العربة. رفع دون شيكو قبعته من العربة، ووضعها على رأسه، وشدّ على أيدي الرجال مصافحاً، قبّل كفّي وكفّ صديقتي السويدية. متخمة كما كانت بالطعام الدسم، وما زالت ترى هذا "الرجل الخارق" ساحراً، وهي لا تدري أنّه همس إلي: " إنها جميلة ولكن عمرها كبير جداً" لم يكن عمرها كبيراً، ولكن شعرها كان جميل البياض- والذي ربما حصلت عليه أي امرأة صقلية إن أخطأت في اختيار الصبغة- وهو يحف بعينيها الزرقاوين اللامعتين. 
أخبرني دون شيكو الذي لم يكن سائقاً كيف وأين أقوم بتغيير اتجاه السيارة. وهنا كنت أطيعه في كل ما قول وبدون إبداء أي رأي من جانبي، سوى قلقي الشديد ورغبتي في وصول الجميع إلى المنزل بأمان. 
أمضى رفيقاي اليوم التالي والذي يليه في العناية بكبديهما وأخذ جرعات من الماء فقط في الفراش. وقد نجوت أنا بخبرتي ولكن فقط...
كان لقاؤنا التالي صدفة محضة بعد شهور، وربما أكثر من عام. كان عالم النبات الشهير كولينغوود إنغرام قد جاءني يحمل خطاباً. لقد تلقى تأكيداً- تساءلت ممن؟- بأنني سأكون في صقلية وسأريه الأماكن التي تحتوي على غرائب الزهور البرية. كانت زوجته في رفقته، وهي امرأة صامتة مزمنة الشقاء، وقد جاءا في عربة صالون قديمة جداً من نوع اوستن. كان من الصعب، إن لم يكن من المستحيل، شراء سيارات جديدة، وقد زارت هذه السيارة بلدانًا بعيدة وتبدو كما لو أنّها سلكت الكثير من الطرق الوعرة وغير الممهدة. 
كان كولينغوود إنغرام يتسم بشيء من الديكتاتورية، وقد اعتاد على التصرف بطريقته الخاصة. لقد صمم على ضرورة أن أقضي يوماً معه. اقترحت صعود وادي الكانتارا، وحذرته من أنه كان قفراً وليس من مقهى أو مطعم هناك، وأنّ علينا أن نأخذ نزهة. لا، لم يرد ذلك، ولم يرد أيضا البدء مبكراً حتى نعود في الوقت المناسب لتناول وجبة غداء متأخرة. 
انطلقنا، لكن مر وقت ليس بالقصير قبل أن يجد شيئاً يثير اهتمامه حقاً. ثم " يجب أن نستمر. بالتأكيد يوجد مكان ما حيث نستطيع تناول الطعام."
ظلت زوجته جالسة على المقعد الخلفي تمارس الحياكة باستمرار، في صمت، كما كانت تفعل بدون شك أثناء جولاتهما في الصين، وافغانستان، وأمريكا الجنوبة بحثاً عن الأزهار.
" لقد أخبرتك أنّه لا يوجد مكان. علينا العودة أو احتمال الجوع."
فجأة رأيت دون شيكو في وسط مجموعة من الرجال الأشداء. " هل أنت مستعد للأكل مع زعيم المافيا؟" سألته. " إنّه هناك، وإن كان هنالك شخص قادر على تدبير أمر إطعامنا فلن يكون غيره."كان كولينغوود مبهوراً، وهز رأسه أن لا. توجهت ناحية المجموعة. قبّل دون شيكو كفّي، ورحب بي بحرارة. تفرق رفاقه بعيداً. 
" بالطبع أستطيع تأمين الطعام- هناك في ذلك المنزل."
غادرنا السيارة، وتبعناه إلى منزل ريفي بسيط حيث بدا واضحاً أنَّ دون شيكو كان ضيفاً مرحباً به. كانت سيدة المنزل رابطة الجأش لم يخيفها الحضور المفاجيء لثلاثة من الأجانب غير المعروفين، وبدأت في إعداد وجبة شهية من الخبز والمعكرونة والبيض والطماطم. 
جلسنا على مقاعد صلبة في الغرفة الخالية. كان كولينغوود منبهراً. واستمرت الحياكة. 
" إنّه مذهل. هل سيسمح لي برسمه، أم سيعتبر ذلك إساءة؟"
"أعتقد أنّه سيكون مسروراً ويشعر بالإطراء."
وافق دون شيكو واتخذ وضعية متعجرفة في الحال، مميلاً رأسه إلى الخلف وقد تعلقت إحدى ذراعيه بظهر المقعد. قام كولينغود برسمه بسرعة وطلب دون شيكو رؤية الرسم. 
" ليس مكتملاً بعد- مسكين جداً" قال مؤكداً. 
فعدلت الترجمة من جُبني. 
لحسن الحظ وصل الطعام في هذه اللحظة. كان كل شيء معداً بإتقان وطيب المذاق. 
التهمنا طعامنا بشهية واحتسينا النبيذ الصقلي القوي. في ختام الوجبة حاولت الدفع بلباقة. 
إلا أنّ دون شيكو رفض ملوّحاً بيده بحسم. لم أراه من قبل يقدم أي مال، ولكن مضيفتنا كانت مسرورة. ربما كان يشرفها أن تكرم أصدقاء دون شيكو؟ ولكنها لم تبد كما لو أنّها كانت قادرة على ذلك. 
عدنا إلى السيارة، ثم اندهشت لسماع دون شيكو وهو يقول إنّه آتٍ معنا. 
اتخذ مقعده إلى جانب السيدة المشغولة بالحياكة على المقعد الخلفي من السيارة. 
" انطلق" قال وهو يلوّح بذراعيه باتجاه السائق. وانصاع كولينغوود إنغرام لأمره في صمت، متفاجئاً مثلي تماماً. 
بعد كيلومترات قليلة في الوادي العظيم على سفح جبل إيتنا الذي يشمخ خلفنا، أشرت إلى ضرورة التوقف والبحث عن الأزهار. وعلى نحو ما- لم أدر كيف- استولى دون شيكو على مدية عالم النبات. في البداية لم ينتبه كولينغوود إنغرام، كان اهتمامه مركّزاً على نبتة معنة. ما كان لون الأزهار؟ لم أرها وهي مزهرة، عليه سألت دون شيكو إن كان يعرف. 
بلا تردد قال: "أزرق!"
" أمتأكد؟" سألته وأنا لا أريد أن يحصل المتحف الوطني على معلومات نباتية خاطئة. قام ببصق الكلمات وهو يقول: " وماذا يهم؟ هذا عبث أطفال."
نظر كولينغوود إلى النبتة مرة أخرى بتمعن، وقال إنه سيأخذ واحدة من جذورها. ثم اكتشف أنّه لم يحضر مديته. سحبها دون شيكو وفي لمح البصر قام بغرسها في التربة وأحضر جذراً مقطوعاً. 
في تلك اللحظة صرخ عالم النبات الذي كان يقفز غضباً: " دافني، ابعدي تلك السكين عن ذلك المجنون!"
تمكنت بطريقة ما من إجابة طلبه. وجثا كولينغوود إنغرام على ركبتيه، وتناول إحدى النبتات وفي هذه المرة كانت كاملة. 
عدنا مرة أخرى إلى السيارة، حيث كانت إبر الحياكة ما تزال تصطفق. 
"انطلق!" مرة أخرى هتف دون شيكو، ومرة أخرى أطاعه كولينغوود إنغرام. وبعد خمسة كيلومترات جاء أمر التوقف " قف!" من المقعد الخلفي في نبرة حازمة، ومرة أخرى قوبل الأمر بالطاعة- ويبدو أنّها أصبحت ردة عكسية. وضعت فلاحة رائعة الحسن ذات عينين لامعتين سوداوين رأسها عبر النافذة التي خفضها دون شيكو. ثم دار حديث طويل باللغة الصقلية. كنت أرى كولينغوود إنغرام يفقد صبره، ولكنه لم يقل شيئاً. 
أخيراً قام دون شيكو برفع زجاج النافذة. وصدرت الصرخة "انطلق!" من المقعد الخلفي. 
ازداد قلق كولينغوود إنغرام هذه المرة. لم يحب القيادة في الظلام، وكانت تورمينا على بعد ثلاثين كيلومتراً. جاء الأمر بالتوقف من الخلف مرة أخرى وكان. خرج دون شيكو وتقدم إلى عربة تجرها الجياد مطلية بلون زاه تقف على جانب الطريق. لم يظهر مالكها للعيان. أخذ دون شيكو السوط وفرقعه ثلاث مرات. ظهر رجل في الحال من وراء ستار. تعانق الرجلان وشرعا في حوار طويل، باللغة الصقلية مجدداً. يبدو أنَّ العمل كان مهماً. مرت دقائق، ولم تكن هنالك أية إشارة لنهاية النقاش. شعرت بأنّ علي التدخل لتجنب الإساءات الصريحة، أو حتى الاشتباك بالأيدي بين عالم النبات ورجل المافيا، فتوجهت في خوف إلى الاثنين وقلت لهما إنّ السيد دوتوري لم يكن شاباً وينبغي أن يعود. أخبرني دون شيكو بكل لطف بأن نتقدم. 
" ولكن كيف ستعود؟ 
" لدي طرق أخرى."
ولم تبد على السهل وسيلة أخرى سوى العربة. ولم يبد أنّها ستعيده إلى منزله الجبلي. ولكنه لوّح لنا بيده وظل. لم يكن يومنا ناجحاً في ما يخص مهام علم النبات، ولكن حصل كولينغوود إنغرام على الأقل على صورة رائعة لجزئية مهمة من فن التزيين بأجزاء النبات. شجرتا سرو نبتتا جنباً إلى جنب استخدمتا في نحت قطعة تشبه ملكتنا البريطانية ماري: نصفها العلوي، وقبعتها، وكل شيء. 
لقد مرّت من قبل بذاك الطريق عندما كانت تقيم مع دوقة برونتي، ثم عمّ الدوق. قال توريدو مرة، " لديك الآن ملكة حقيقية،" كما شعر بذلك الكثير من الصقليين. 
لم يضع اليوم بكامله. كانت الصورة قد كُبرت فملأت صفحة كاملة من صحيفة لندن الرسومية Illustrated London News. كان المحرر شقيق كولينغوود إنغرام.
كثيراً ما كان دون شيكو يقول لي في زياراته القصيرة إنّه يريدني أن أخرج معه في نزهة في الربيع ( Schittichiata). لقد أراد أن يأخذني لرؤية الطيبين. وكان الأمر يبدو فاتناً ولكنه مقلقاً أيضاً. لقد طمأنني أنّهم أشخاص مميزون، وقد تصورت نفسي وأصدقائي الذين اقترحت ضرورة اصطحابهم معي بسرعة، حيث يتم استقبالي بحفاوة في وكر المافيا ذاتها. وكان مريحاً جداً أن أعلم مجيء فرانكو معنا. لم يبد دون شيكو أية ممانعة في أن تقود السيارة التي يستقلها امرأة، الشيء الذي أثار استغرابي. 
قدنا صعوداً إلى الأعلى على طريق متعرج ساحر الجمال وقد ظهر الربيع الصقلي في أبهى صوره. وصلنا إلى إحدى القرى الأعلى ارتفاعاً في صقلية، حيث يذوب الجليد في الصباح فقط. وبدلاً عن الصعوبة التي توقعتها كان في استقبالنا خاله وخالته، زوجان مسنان، وكان عمه بذراع واحدة (فقد الأخرى في الحرب العالمية الأولى)، كانت زوجته محترمة وحنونة. كان العناق جميلاً. ويبدو أنّها قدمت الكثير لمساعدة الطفل غير الشرعي المسكين الذي هجرته أختها قبل زمن طويل. لقد كانا فخورين بنجاحه العالمي- ولكن ما مدى ما يعلمانه حقاً؟ كنا نراقب مفتونين بينا نرى دون شيكو يقوم بدور الابن المطيع، وليس هنالك سوى ندبة واحدة فوق عينه تشير إلى ما في حياته من عنف. 
أمضينا صباحاً مملاً وطويلا وجائعاً مع حفيدتها وخطيبها، وهو فتىً متعفف كان مديراً لمدرسة ابتدائية على وعي كبير بأهميته في هذه القرية النائية المتخلفة. لقد تفحصنا جهاز عرسها وأعجبنا به، كما عبرنا عن إعجابنا بجمال ملاءة فراش الزوجية المرسوم عليها أطفالٌ يطفون على غيوم شاحبة الزرقة، لقد أذهلنا مرأى المفارش يدوية التطريز التي كانت تجمعها منذ الطفولة. وقد تسبب وجودنا كأجانب في احتشاد جمهور قليل من القرويين أمام المنزل. لم يزر القرية سوى القليل من الأجانب ما عدا أثناء الحرب، ولابد أنّهم لم يروا سيدة تقود سيارة. 
وأخيراً، حوالي الساعة الثالثة، جلسنا لتناول طبق رائع من الاسباغيتي، كان شهياً بمعنى الكلمة، وكنا في غاية الجوع. وقد فاجأني أنَّ زعيم المافيا كان يهتم بخدمة الجميع في تواضع، وكان آخر من جلس ليتناول طعامه. توقف الحديث مرة أخرى، واقتصر تعبير أصدقائي على الابتسامات والإيماءات. 
بعد الوجبة، أخليت الغرفة من أجل الموسيقى والرقص بمساعدة جهاز غرامافون قديم. استمر دون شيكو في مفاجأتي. كان أول صقلي أراه لا يتقن الرقص. لم يكن إيقاعه منضبطاً، ولم يتحكم بقددميه بشكل جيد، وهو الشيء الذي جعله يطأ على قدمي بشدة. بدا معظم الصقليين وكأنهم ولدوا وهم يتقنون الرقص، ماعداه هو الذي كان غاية في الرشاقة على الجبال. 
حتى إنّه عبر عن ندمه ولكنه غاب ليظهر بعد دقائق قليلة ليقول: " desso che mi so

      بيت في صقلية | تأليف: دافني فيليبس | ترجمة أميمة الزبير | الفصل العاشر- العرّاب ********** بشكل عام يعرف الناس شيئين اثنين عن صقلية- وكلاهما مزعجٌ: جبل إيتنا، والمافيا. والفضول حول الأخيرة شديد و ولم يُشبع أبداً. في أيامي الأولى كان من النادر أن يأتي ذكر ذلك على ألسنة السكان. وأحياناً ينكر المرء وجودها فوراً عندما يُسأل عنها على نحوٍ مباشر.  وإن ذكرت هذا الأمر أمام الصقليين الآخرين فسيضعون على وجوههم قناعاً من الحكمة ويقولون: " لا يقول ذلك إلا واحد منهم قطعاً!" ولم أجد إجابة أوفى من ذلك إن واتتني الجرأة للسؤال.  في أحد الأيام حكى لي صديقي فرانكو، وهو طالب قانون، قصة عجيبة. في هذه البلدة الصغيرة، أعلى وادٍ في سفح جبل إيتنا، كانوا يحتفلون بالكرنفال بحماسة كبيرة. كان يتواصل الرقص والاحتفال يتواصلان لثمان وعشرين ليلة قبل حلول العيد. كان الرجال في المنطقة يغارون على شرف زوجاتهم وبناتهم الذي كان يرتبط بشرفهم بشكل لصيق. يعني هذا أنّه لم يكن مسموحاً للسيدات المحترمات بالخروج للرقص مع الرجال، بل كنَّ حبيسات بيوتهن بينما يرفه الرجال عن أنفسهم. كان شحُّ رفيقات الرقص يعوّض جزئياً بالفتية الذين يرتدون ملابس الفتيات (أخبرني فرانكو أنّه خرج في إحدى الليالي متشبهاً بحسناء أسبانية، وقد طلا عينيه وشفتيه بألوان التبرج، وتدلى من أذنيه قرطان، بينما عاد رجلاً في المرة التالية وخرج في زي هرقل بسجادة المدفأة). أما المصدر الرئيسي للرفيقات فكان يتمثل في النساء المأجورات من كاتانيا بثمن معلوم. كان رجال البلدة يبرمون الاتفاقات مسبقاً. وتساءلت عما إذا كانت الكاتانيات يحصلن على المال مقابل الرقص فقط؟ ربما لا، لقد كنت أميل إلى ذلك الاعتقاد، فإن كانت الغيرة في صقلية على تلك الحال، لابد أنَّ الأزواج في كاتانيا كانوا يراقبون في حرص سير المسألة. أيعقل أن يوصموا بالقوادة كلهم؟ في هذه السنة أخبرني فرانكو، أنّ رجال كاتانا تراجعوا عما أبرموه من صفقات، وطالبوا بالمزيد من المال. تم رفض ذلك. وبالتالي افتعلوا الفوضى كل ليلة، بإفساد الحفل والتهديد بتحطيم القاعة. حاول القس تهدئتهم دون جدوى، وبدت الشرطة عاجزة فقد كانوا كثيري العدد. قال أحدهم فجأة، " لم لا تستدعون دون شيكو؟" لا بد أنّه كان رجلاً خارقاً. لقد هبط من الجبل الذي قطنه، ولم يفعل سوى السير، بذراعين معقودتين، وعينين مفتوحتين، بدون أن يصدر أي صوت عدا صوت خطواته، ليختفي كل مثيري الشغب، ويبدأ الرقص من جديد. سألت وأنا ذاهلة عمن يكون هذا القوي؟  " إنّه زعيم المافيا في هذه الأنحاء." بالطبع أردت أن أعرف أكثر. وبدا فرانكو متعاوناً، على عكس الآخرين. في تلك الأيام كان لديَّ رأي ساذج حول "المجتمع الشريف". لقد تصورته مثل روبن هود، يأخذ من الأغنياء ليعطي الفقراء، وبشكل عام يحمي الضعفاء في الوقت ذاته، بينما يعملون على تحسين أحوالهم. كان هذا قبل أن يتطور ذلك المجتمع إلى منظمة عالمية تفتقر إلى الرحمة، أعضاؤها من أصحاب الملايين مروجي المخدرات. قال فرانكو فجأة سعيداً بما أثاره فيّ من اهتمام: " هل تودين مقابلته؟" " في الحقيقة يتحتم عليَّ ذلك، ولكن كيف أستطيع؟" " سوف أحضره لزيارتك." كنت متأكدة من أنّه يتباهى. كيف يتسنى لطالب قانون صغير أن يحضر رجلاً كهذا لزيارتي؟ بعد بضعة أسابيع، وبعد أن حل المساء، سمعت طرقات على نافذة حجرة الدرس الفرنسية خاصتي. فتحتها. كان فرانكو هناك. " هل انت بمفردك؟" "لا" "كم شخصاً معك؟" "لِمَ تسأل؟" "لأنني أحضرت دون شيكو معي وبه شيء من الحياء- فهو لم يشذب شعره اليوم." لا يبدو أنّ حياءه هو السبب، مثله مثل جميع الرجال الصقليين. كان معي بعض الأصدقاء: الزوج كان كولونيلا مسؤولاً عن التعليم في جيش الاحتلال البريطاني في النمسا، وزوجته كانت رئيسة كلية في كامبردج، وروائية ناجحة. دلف دون شيكو مطمئناً، تزداد رمشات عينيه عندما يواجه الضوء. لقد كان رجلاً ضئل الحجم لا يخلو من قوة، سريع الحركة، ذا سحنة مسمرّة من أثر الشمس، يكاد هندامه يتسم بالرثاثة، وفويق أحد حاجبيه ندبة، وله جفن مرتخٍ يضطر معه إلى رفع رأسه وإمالته إلى الخلف، مما يضفي على ملامحه انطباعاً بالغطرسة والجهل. كان يرتدي قميص عمل بسيط كأيّ فلاح، ولكنّ الشعور بقوته كان حاضراً ومنذ أول لحظة. سمعنا الكولونيل في وقت لاحق وهو يقول إنّه لم يقابل شخصاً أكثر منه وعياً بفوقيته على أي مجموعة يجد نفسه وسطها.  جلس دون شيكو على أريكة بجانب المدفأة التي كان المرة تلو الأخرى يبصق فيها في قوة يتقن السيطرة عليها.  اخذت مكاني بحرص شديد قربه وسألته ماذا يريد أن يشرب، وكنت أعي إلى حد مؤلم حدود إمكانيات قبوي الصغير من النبيذ العادي جداً. (كنا لا نزال نعيش على علاوة السائح في فترة ما بعد الحرب.) أخبرني فرانكو أنَّ ضيفه يصنع نبيذه الخاص الذي يقوم ببيعه لدعم العلامات التجارية الأدنى بهدف التصدير. وبشيء من الفتور قبل احتساء كأس واحد. أخبرني فرانكو، مما أثار دهشتي، بأَّنَّ في إمكاني سؤاله عما أحببت. فسألته بجرأة كيف انضم للمافيا. شرع في الإجابة بغطرسة بابوية، متجاهلاً السؤال: " إيطاليا بلادنا La nostra Italia- لا أعرف إن كان أيٌّ منكما قد سبق له رؤيتها على أطلس الجغرافيا؟" (كنا جميعاً ما عداه من خريجي الجامعة.) هنا بدأ فرانكو يترجم بلغة فرنسية ممضة. فصفعه دون شيكو بغضب صائحاً " اصمت. أنت لا تعرف شيئاً عن ذلك. اصمت!" أما فرانكو فكان يردد بصوت أقرب إلى الهمس "Scusi, scusi، المعذرة، لم أكن أقصد سوى المساعدة."  " سوف أتحدث حتى أصل إلى موضع مناسب ثم أقف، وعندما تترجم أنت للسنيورة. ابق صامتاً!" عاد فرانكو في شجاعة: " عليك التحدث باللغة الإيطالية (أي ليس بالصقلية). " “Parlo tecnicamente italiano,” . ولكن كان من الواضح أنّه أكثر سعادة في لغته المعتادة، وهي اللهجة المختلفة جداً التي لم تتوقف زلاته بها. لقد استأنف الحديث مجدداً، "إيطاليا بلادنا تشبه ساقاً"، وقبض على أقرب ساق إليه- كانت ساقي. لا أعتقد أنّه كان مدركاً بأنّي كنت على الطرف الآخر منها. كان ممسكاً بها بقوة بإحدى كفيه، وبالأخرى كان يشرح وجهات نظره.  " هنا قبل الأصبع نوجد نحن الصقليين، وعلى الأصبع الريجو، ثم النابوليين، ثم روما، ثم فلورنسا." وكان في كل مدينة يقبض على الرجل بيد من فولاذ. وكنت أتساءل عما كان سيحدث إن وصل إلى جنوا... ولكنه توقف مشكوراً في فلورنسا وغيّر الأداة. لقد منعني قلقي المتصاعد من تخمين مناورته التالية. ولكن عندما توقف سألته كيف قام بترسيخ رئاسته على غيره من رجال المنطقة، فتناول السؤال بظاهره قائلاً. " ببساطة، عندما كنت شاباً صغيراً، كنت أكسب كل معركة توجب عليّ الدخول فيها. وإن كان هنالك جبلٌ يُصعد، كنت أصل إلى أعلاه أولاً، وكذلك في مباريات السباحة، وهكذا. وإن أردتِ يا سيدتي أن أقيم لك عرضاً لقدراتي، فليس عليكم سوى أن تنبطحوا أرضاً وسأجعل نفسي صلباً كجثة هامدة، والجثة هي شيء ثقيل جداً، وسوف أضع رباطاً على وسطك- وبأسناني سوف أرفعك حتى مستوى ارتفاع أكتافي!" كانت أسنانه برّاقة وكثيرة العدد، تبدو أكثر عدداً مما لدى الإنسان العادي، كما قال الكولونيل لاحقاً. كان جزءٌ مني يود أن يفعل ذلك، والجزء الآخر يعرف أنني كنت أثقل مما أبدو وأنَّ الأمر سيغدو بداية غير جيدة لصداقتنا إن لم يستطع رفعي لأكثر من بوصة أو اثنتين من على الأرض. (لاحقاً وعندما كان يشرب معي في إحدى الحانات الصغيرة، اضطر إلى الإمساك بكرسيّ ثقيل بأسنانه ولوّح به حتى ضربت أرجله السقف مما تسبب في انهيار أجزاء من الجصّ. كان شيئاً غريباً ألا يحتج المالك.) غيرت الموضوع، هل كان يعرف خالي السيد كيتسون؟ لقد تعلمت الآن أن أنطقه بعدة طرق قبل التعرف عليه، لكن أيٌّ منها لم يجد صدىً عنده.  حاولت مرة أخرى: " كان يدعى لاغريغيو- الوسيم."  "أبداً." "أو دون روبيرتو؟" "آها، روبيرتي، لقد كان صديقاً عزيزاً لي. لقد كان في حمايتي: أحدهم كان يزعجه. ولم يكن على روبيرتي سوى أن يسير معي متأبطاً ذراعي على الطريق العام لحل تلك المشكلة. لم تعد هنالك أية مشاكل، لأنّه كان تحت حمايتي، وكان يستطيع القيادة في صقلية بطولها وعرضها ليلاً أو نهاراً بسيارته المفتوحة ولا يستطيع أي قاطع طريق أن يمسه بأصبع حتى." أتمنى فقط لو كانت أمي، أخته، تعرف، لوفرت القلق حيال أسفاره بالسيارة المفتوحة في أنحاء الجزيرة التي لم يعرف عنها سوى امتلائها بقُطَّاع الطرق الذين لا يطمعون إلا في اعتراض طريق ثري أجنبي.  قوبلت مخاوفها واحتجاجاتها بالتجاهل، وبدون توضيح الأسباب. ربما لم يكن شيئاً مشرفاً أن يخضع لحماية المافيا حتى في تلك الأيام السحيقة؟ لقد سألت عن عائلة دون شيكو. عندما كان في الشهر الثامن عشر من عمره ذهبت والدته إلى الولايات المتحدة ولم تعد، تاركة إياه خلفها مع جدته التي اضطلعت بمهام تربيته. وهو يعيش الآن مع "خالته" (قلت لنفسي، مثل كثير من الكهنة). " كانت والدتي امرأة جميلة جداً- شقراء. لم أرها مذ تركتني،" تنهد. " على الرغم من أنَّ كل النساء الذين أردتهن كن رهن إشارتي. لم أتزوج لأنني أردتها أن تختار لي زوجتي. سأذهب يوماً إلى نيوي يوركي، وأراها مرة أخرى. لديها عدد من الاطفال.  أحدهم بطل في الملاكمة في القوات البحرية. يجب أن تأتي إلى منزلي يا سيدتي، وتخبريني ماذا أرسلوا لي. إنّها آلة كهربائية، ولكنك عندما تشغلينها لا يحدث شيء". "كيف تبدو" " لديها وجه مثل الساعة، وعين سحرية، ولكنك عندما تشغلينها لا يحدث شيء" أعتقد أنّها ربما كانت تلفازاً. ربما لا تعرف مدينة نيويورك أنَّ التلفاز لم يصل بعد إلى صقلية. "لا!" صرخ ثائراً.  "مذياع؟" مرة أخرى "لا" "هل سألت كهربائياً؟" "إنّه لا يعرف عنها شيئا." "إذا لماذا تعتقد أنني سأستطيع مساعدتك؟"  "لأنَّ هنالك كلمات مكتوبة باللغة الإنجليزية، وربما استطعتِ قراءتها" وعدت بأنني سوف أزوره في يوم ما. ثم نهض ليغادر، انحنى، وقبّل كفي وقال في كبرياء واضح، " سيدتي، إنّي أضع نفسي بالكامل رهن إشارتك. إن تسبب أي شخص في إزعاجك، فقط أخطريني ,...." قام بإشارة قوية تنم عن المسح بذراعيه مصحبوتين بشخير إزدراء.  "أي شخص؟ أجنبي؟ أمريكي؟" كان هنالك شخص متعب للغاية في ذلك الوقت، وسيكون من الجميل لو دفعه أحدهم على الخروج من تورمينا. تسابقت الصور في مخيلتي، هل سيحمي منزلي من اللصوص؟ هل سيستطيع أن يساعدني في الحصول على الأسبقية لشراء سيارة جديدة عندما تعطب سيارتي التي تضررت جراء الحرب؟ تسوية خلاف الحدود التي أخفق في تحقيقها المحامون؟ لقد فكرت أنّه من الأفضل العودة إلى الأمريكي غير المرغوب فيه.  "نعم لدينا اتصالات ممتازة مع نيوي يوركي." "دون شيكو، أنت في غاية اللطف، ولكن كيف لي أن اتصل بك عندما أحتاجك؟" "بسيطة، اتصلي بالخط المركزي لقريتي، وسوف آتي على الفور" لم يكن هنالك أي خط هاتف آخر يوفر المزيد من الخصوصية لتلك القرية النائية الجبلية من القرون الوسطى.  غاب عن الشرفة الفرنسية بتلويحة وداع لضيوفي لا تخلو من غطرسة، وفرانكو في إثره.  سهرت في تلك الليلة وأنا أفكر في الاحتمالات. هل سيستطيع إيقاف المضايقات اللانهائية من قبل الشباب، أم بابا غالي الذي أفسد علينا نزهاتنا في المدينة؟ إنّه على الأرجح سيفعل- ولكن كيف؟ كنت أستطيع تخيل المُدى تُشهر، وأراني معلقة من ذراع واحدة محاولة سحبه إلى الوراء، وهو يهزني: " دعي لي هذا الأمر. هذا ليس من عمل النساء." وتقطع الرقاب. للأسف قررت أنني سوف لن أخاطر باستدعائه.  بعد ذلك بأيام قليلة، ظهر فرانكو مرة أخرى وهو في حال من الانفعال: " أرجوك، عليك الاتصال بدون شيكو." "ولكني لا أحتاج لذلك؟ لم علينا الاتصال به؟" "لاني أريد أن أعرف لماذا تم استدعاؤه على عجل من قبل الأميرة كامبوبيلو دي فشيرا لمسألة مهمة جداً. إنّه لم يخبرني لكني متأكد من أنّه سيخبرك." "لِمَ بحق السماء؟" "لأني سألته عندما غادرنا منزلك تلك الليلة، عن رأيه في السيدة، فأجاب " ألم تسمع ما قلته لها؟ أنا لا أضع نفسي رهن إشارة أي امرأة"."   على الرغم من شعوري بالإطراء الذي كان ممزوجاً بالفضول تجاه علاقة دون شيكو الغريبة بالارستقراط، رفضت بحسم الاتصال بالخط المركزي- الشيء الذي أغضب فرانكو. عليه فنحن لا نعرف مطلقا ماهية المشكلة التي واجهتها الأميرة.  بعد مرور الوقت، أتى دون شيكو لزيارتي مرة أخرى. أتى في الصباح الباكر ووجدني في الحديقة. بدون إبطاء شرح لي أنّ عليه الحضور إلى تورمينا لدفع ضرائبه (وتثير هذه الخصلة فيه كمواطن ملتزم بالقانون الدهشة). قال إنّه كان في حاجة إلى 10.000 ليرة وطلب مني إقراضه إياها- بالطبع سوف يقوم بسدادها في المستقبل القريب. ترددت بسبب أوضاعي المتأزمة: فإما أن يكون هذا استثماراً رشيداً سيضمن مساعدته الفورية إن احتجته، أو أنّه سيزيد من مشاكلي المالية الراهنة. ذهبت إلى المنزل وأنا أفكر بالأمر، وكان هو إلى جانبي.  كلٌ من المنزل والحديقة في سعة وجمال يجعلان الناس- خاصة الصقليين- يعتبرونني سيدة غنية جداً (وهو شيء صحيح فعلاً باعتبار الأصول)، ولكن هذا المنزل يستنزف الكثير من الموارد، وكان علي توخي الحذر دائماً حيال من يحاولون الاقتراض مني. كانت العشرة آلاف ليرة جزءاً مقدراً من دخلي. ودفع مبلغ كهذا على سبيل القرض كان قراراً صعباً. ربما كان الأمر غريباً من حيث مصير المال، وأمنية لاختبار نوايا دون شيكو النبلة، أو ربما خوف من رفه؟ كل هذا جعلني أسلمه المال. لقد بينت له بشكل واضح أنَّ هذا المبلغ كان كبيراً بالنسبة لي، وأنني لا أفعل هذا إلا مع صديق عزيز.  تلقاه بامتنان حميم، ثم رفع صوته وتحدث بثقة كبيرة، شارعاً في تقديم سيل من النصائح: " سيدتي، إني أعرف هذا العالم. عليك ألا تضعي ثقتك في أي شخص، ولا حتى أخيك، ولا أختك، ولا والدك، ولا عمتك. فقط أمك التي تستحق الثقة- فهي من لحمك ودمك، ينبغي أن تظلي على ظهر الجواد حتى نهاية الرحلة وسيفك في يدك." شيء غريب وأمه كانت أول من يخذله؟ تركت بعض الأسابيع تمر قبل أن أقرر زيارة دون شيكو في مخبئه الجبلي. اتصلت بفرانكو وطلبت منه تدبير موعد لي مع اثنين من أصدقائي – جوسلين بروك، الشاعرة والروائية، وأحد الضيوف السويديين- لمقابلة دون شيكو في منزله حتى نستطيع البت في أمر الآلة الكهربائية! وعما إذا كان سيود أن يكون دليلنا ومرافقنا؟ أبدى فرانكو سروره- وأحب كثيراً أن يُرى مع الأجانب، الذين قل عددهم في هذه الأيام. لقد أصر على أنْ نأتي أولاً لتناول وجبة الغداء معه ووالدته في بلدة صغيرة كانت تحتفل بأحد الكرنفالات البهيجة.  وصلنا إلى قصر كبير يعود إلى منتصف القرن التاسع عشر في الشارع الرئيسي، لم يكن أثاثه جميلاً، وزادته الستائر الكثيفة كآبة فوق ما به. قليلاً ما كان الصقليون في تلك الأيام يحتفلون في منازلهم، واعتبرنا أمر دعوتنا من قبيل الشرف، إذ أنّهم كانوا دائماً يرغبون في حفظ ماء وجوهم أمام الأجانب، وقد تكلفت والدة فرانكو الحيية الكثير في هذه الزيارة. بدأنا باحتساء نبيذ الفيرموت شديد الحلاوة مع البسكويت الحلو. كان الوقت عقب الظهيرة بقليل. ثم جلسنا حول طاولة كبيرة من الصنوبر، وقُدم لنا الطعام طبقاً بعد طبق، بواسطة خادم بعيد عن الأناقة كل البعد وربما كان قليل الأجر إلى حد كبير، ويعمل لساعات أطول من اللازم. اعتذر فرانكو نيابة عنها، أنَّ هذا هو منزلهم الريفي، وعليهم الاعتذار عن أي تقصير. (إني أشك جداً أنّ لهم منزلًا غيره.) لم يكن التقصير دون شك في ما يخص الشراب أو الطعام. لقد توالت أطباق المائدة واحداً بعد الآخر. على الرغم من احتجاجنا فقد تكدست أطباقنا مرة بعد الأخرى وسرعان ما أفرغناها، كانت كأسات النبيذ تعبأ دون أن ننتبه لذلك في الغالب. يحب الصقليون تقدير الطعام، ويجدون من الصعب تصديق أنَّ قول "لا شكراً" بحسم للمرة الثانية أو الثالثة يعني عدم الرغبة في المزيد.  وفي زمني أكلت وجبات بطولية بسبب التآخي. لم يكن أصدقائي يفعلون الشيء نفسه. لم تكن مضيفاتنا يتحدثن الإنجليزية، واثنان من ضيوفها لم يعرفا سوى بضع كلمات بالإيطالية، عليه صار الأكل والشرب بديلاً عن الحوار.  لقد شققنا طريقنا وسط أكوام المعكرونة، ثم السمك، واللحوم، والخضروات، والجبن الذي تتبعه كعكات الكريمة والفاكهة. كان كل شيء شهياً. بعدها يأتي دور المارسالا الجميلة. وكان من رحمة الله وجود فناجيل القهوة الاسبرسو الصغيرة، عندما نصل أخيراً إلى خاتمة المطاف.  عندئذٍ نكون قد أمضينا ما يقارب الساعات الثلاث في الأكل والشرب دون توقف. أعلن فارنكو أنَّ دون شيكو سيكون بانتظارنا وأنَّ علينا الذهاب. كانت القهوة قد ساعدتني على قيادة سيارتي الصغيرة الجديدة لمسافة عشرة كيلومترات حتى قرية موتا. صعدنا في طريق متعرج ضيق من منعطف إلى آخر خلال الريف الرائع على قمم الهضاب. واستطعنا أن نرى فوقنا على ارتفاع كبير قرية تشبه قرى العصور الوسطى، تشرف على صخرة ناتئة. أخبرني فرانكو أن أتوقف. وقف في العربة ووضع يديه إلى فمه، واطلق صفيراً طويلاً وحاداً. وعلى الفور كانت هنالك صيحة استجابة من الجانب الآخر وراء الصخرة من فوقنا، وظهر دون شيكو. شبحاً تحت السماء. لوّح لنا ثم بدأ يركض، ويقفز ويثب هبوطاً من جانب الهضبة شديدة الانحدار، في سرعة تُضاهي سرعة الماعز الجبلي، وكان شيئاً مذهلاً أن يُرى من رجلٍ في عمره، لابد أنّه كان في حوالي الخمسين من العمر.  "أهلا بك سيدتي" قال بينما كان يقبّل كفي، ويشد على أكف أصدقائي. كان دون شيكو هذه المرة مختلفاً جداً عن ذاك الذي كان في زيارتي المرة الأولى.  لقد كان اليوم حليقاً بشكل ممتاز، وكان يرتدي بذلة أنيقة تناسب المدينة أكثر من الريف، وقد ارتدى تحتها قميصاً ملائماً من الحرير الأبيض الخالص المفصّل خصيصاً كما هو واضح.  " يجب أن تأتي وتري أرضي أولاً ثم منزلي بعدها." لقد بدأت أضع المفارش والمعاطف في صندوق السيارة. " لا حاجة لذلك"، قال باقتضاب.  في أيام التقشف تلك وبعد الحرب كانت الملابس الجديدة والمفارش صعبة المنال بشكل ما.  فاعترضت بجرأة: " ولكن يا دون شيكو لا يعرف الناس أننا ضيوفك: الناس فقراء وهذه الملابس ستكون مغرية." بدون كلمة أخرى وضع قبعته مقلوبة على غطاء محرك السيارة وقال. " اتبعوني." اختلست نظرة إلى القبعة لقد كانت عادية ولم يكن عليها اسم أو علامة مميزة. ولكن ظلت متعلقاتنا هناك طيلة الجزء الأفضل من الساعات الثلاث التي قضيناها في الطريق، فقط نصف كيلومتر من القرية التي ضرب الفقر عليها أطنابه ولم يمسها أو السيارة أحد بأذى. ونحن ما زلنا نشعر بالخمول بعد الوجبة الهائلة التي تناولناها، وشعرنا بالراحة الكبيرة عندما قادنا إلى أعلى الصخرة حيث رأيناها أول مرة عبر طريق أكثر سهولة ورحمة من الطريق الذي سلكه هبوطاً. وبينما كان واقفاً على القمة تماماً، في مواجهة السماء، وفي عظمة ملوكية طفق يمسح بعينيه الأرض المحيطة، أشار بكل فخر إلى مزرعته النائية في أدنى الوادي. كانت خضراء وتظهر عليها سيماء الرعاية بجمال، بأشجار الزيتون واللوز، والكروم، والأرض شوك والبقول.  ثم أشار إلى أرض أخرى قائلاً: " تلك المزرعة هناك، لا نحتاج إلى المزيد من الأدلة على طيبة قلبه، لقد أعطاها للفقراء". (الجانب الروبن هودي من شخصيته- ولكن دليل؟) " تلك الأخرى- مشيراً في اتجاه آخر- " إنّه صعب وعلينا أن نلحَّ قليلاً." استأنفنا المسير إلى القرية. وفجأة وبكل هدوء، لم أسمع شيئاً سوى قوله، " قُتل رجل في هذه البقعة." (على يده؟ من يدري؟) وصلنا إلى القرية البدائية، متشبثين بحافة الصخور المنحدرة التي تعود للعصر الجليدي: الكنيسة في الوسط وعلى جدرانها علامات واضحة النقش تدل على بنّائيها،  تتسع الشوارع بالكاد لمرور عربة واحدة، وقد حُفرت على صخور الدروب الأصغر خطوات من ساروا في مسالكها. ونادرا ما تصل الشمس إلى معظم المنازل إلا في ذروة فصل الصيف. وفي واحدة من أضيقها توقف دون شيكو وسحب مفتاحاً كبيراً ودعانا إلى دخول منزله مرحِباً حيث قال إنّه كان يعيش مع خالته. ولم تكن هنالك لتستقبلنا. كان المنزل غاية في البساطة. كانت الجدر الحجرية عارية من الطلاء، وكانت السلالم مصنوعة من الخشب الخشن غير المغطى، والطابق الأرضي يحتوي على غرفة واحدة كانت تستخدم للتخزين، وكان السقف منخفضا، ولكنه مناسب للصقليين.  أما الشماليون الأطول قامة فيتعين عليهم الانحناء. وسوى صنبور واحد في إحدى الزوايا لم يكن هنالك أي أثر لمرافق الصرف. كان بالغرفة التي يفتح عليها الدرج موقد وأسطوانة غاز. لقد كانت هذه البيئة غريبة بالنسبة لمضيفنا المهندم في أناقة. تبعناه إلى الغرفة الصغيرة الأخرى حيث لم نجد من الأثاث سوى سرير ضيق يحتل مساحة بطول الحائط الملاصق وطاولة صغيرة مستديرة، وبعض الأطباق والكؤوس عليها، وخمسة من الكراسيّ الخشبية العادية جداً منسوجة مقاعدها بالدوبارة.  كان الشيء الوحيد المميز في المنزل الريفي هو الآلة الكهربائية القابعة على رفٍ في الحائط. والتي أُنزلت بشيء من الازدراء. أوصلها بالكهرباء، ولم يحدث شىء. اتفق جميعنا على أنّها كانت جهازاً كريستالياً قديماً جداً وعديم الجدوى. لقد نقلت رأيي هذا بلطف إلى دون شيكو. لابد أنّ نيويورك قد تخلصت من هذا الجهاز القديم بإرساله إلى الأخ غير الشقيق الصقلّي المتخلف الذي يعيش في ركن قصيّ من العالم.  قبل بحكمي على مضض، واستياء ثم التفت إلى صورة عتيقة جداً ذات إطار، لأمه وخالته. لم تكن أي منهما حسنة المظهر بحسب طريقة تفكيري، ولكنّه قال: " كما ترين، كانت أمي جميلة جداً وشقراء." لم تكن بالجميلة ولا بالشقراء، ولكني أعجبت بحماستها، الشيء الذي سره.  " لابد أن أذهب في يوم ما إلى نيوي يوركي، وأقابلها، وتختار لي زوجة." وقد بدا لي أنّه سيكون لقاءً قاسياً مع ربة منزل بدينة وشعثاء من بروكلين.  وكم سأكون سعيدة من أجله إن استطاع المحافظة على هذا الحلم.  لم يُلح على معرفة رأيي لحسن الحظ، لقد كان الطعام أكثر أهمية في ذلك الوقت.  قام مضيفنا أولاً بسحب زجاجة نبيذ أحمر من تحت السرير، كان قد صنعها من أعناب مزرعته. لقد سحب سدادة القنينة وهتف في سرور لدى ظهور المادة الغريبة الشبيهة بالعفن: لقد بدت أكثر شبهاً بدودة سمينة بيضاء مجعدة على الحافة وحولها بحيث وارتها تماما.  لقد أزالها بأصابعه قبل أن يملاً كؤوسنا. وعلى الرغم من إبطائنا في احتساء المزيد من النبيذ، لكنا أدركنا ضرورة قبول عرضه. ثم انحنى مرة أخرى وجذب من تحت السرير رغيفاً ضخماً من أثقل أنواع الرغيف المصنوع منزلياً، تلاه برميل من ثمار الزيتون تسبح في أقوى الزيوت نكهة. ثم لوح كبير من جبن البيكورينو- وهو أبعد ما يكون عما أفضله. وأخيراً قطعة كبيرة من أسمن قديد مدخن رأيته على الإطلاق. كنا جميعاً على وعي بالتخمة التي تعانيها معدة كل منا بالفعل، ونحن نراقب التحضيرات في حذر. ومرة أخرى تم تكديس الطعام على أطباقنا. قام دون شيكو بتقسيم الرغيف باستخدام سكين حاد على صدره، ثم وضعت شريحة سميكة من القديد على كل قطعة. كنا نتوسل طلباً للرحمة باستماتة، ونحن نخبره بما اضطررنا لأكله وقبل فترة قريبة جداً. لمعت عينا دون شيكو، إنَّ الضيافة الصقلية على المحك. لقد اعتاد على الطاعة. ولن يقبل بغيرها. لقد مررت بتجربة مماثلة من قبل، وأصبت بعسر هضم شديد فقط لحسن الحظ، ولكن أصدقائي المساكين لم يفعلوا. لقد كانوا يتعلمون أنّ على المرء ألا يسيء إلى الضيافة الصقلية المتجاوزة للحدود على أية حال. وكنت أغمغم من جانب فمي، " كلوا، كلوا على شرف إنجلترا." وفعلنا، تحت عين مضيفنا المتوهجة، فقط قطعة أو أثنتين اختلستا طريقهما إلى الحقيبة أو الجب. ساعدنا النبيذ القوي على إنزال كل شيء إلى المعدة. وأصبح وجه مضيفنا مشعاً إذ استطاع ترويضنا.  سُمح لنا أخيراً بالذهاب، أخذنا نترنح نزولاً عبر الدرج، والعتبات، ونتهاوى عبر الطرق الضيقة، ممتنين للنسمة العليلة، وبضع مئات من الأمتار سيراً حتى العربة. رفع دون شيكو قبعته من العربة، ووضعها على رأسه، وشدّ على أيدي الرجال مصافحاً، قبّل كفّي وكفّ صديقتي السويدية. متخمة كما كانت بالطعام الدسم، وما زالت ترى هذا "الرجل الخارق" ساحراً، وهي لا تدري أنّه همس إلي: " إنها جميلة ولكن عمرها كبير جداً" لم يكن عمرها كبيراً، ولكن شعرها كان جميل البياض- والذي ربما حصلت عليه أي امرأة صقلية إن أخطأت في اختيار الصبغة- وهو يحف بعينيها الزرقاوين اللامعتين.  أخبرني دون شيكو الذي لم يكن سائقاً كيف وأين أقوم بتغيير اتجاه السيارة. وهنا كنت أطيعه في كل ما قول وبدون إبداء أي رأي من جانبي، سوى قلقي الشديد ورغبتي في وصول الجميع إلى المنزل بأمان.  أمضى رفيقاي اليوم التالي والذي يليه في العناية بكبديهما وأخذ جرعات من الماء فقط في الفراش. وقد نجوت أنا بخبرتي ولكن فقط... كان لقاؤنا التالي صدفة محضة بعد شهور، وربما أكثر من عام. كان عالم النبات الشهير كولينغوود إنغرام قد جاءني يحمل خطاباً. لقد تلقى تأكيداً- تساءلت ممن؟- بأنني سأكون في صقلية وسأريه الأماكن التي تحتوي على غرائب الزهور البرية. كانت زوجته في رفقته، وهي امرأة صامتة مزمنة الشقاء، وقد جاءا في عربة صالون قديمة جداً من نوع اوستن. كان من الصعب، إن لم يكن من المستحيل، شراء سيارات جديدة، وقد زارت هذه السيارة بلدانًا بعيدة وتبدو كما لو أنّها سلكت الكثير من الطرق الوعرة وغير الممهدة.  كان كولينغوود إنغرام يتسم بشيء من الديكتاتورية، وقد اعتاد على التصرف بطريقته الخاصة. لقد صمم على ضرورة أن أقضي يوماً معه. اقترحت صعود وادي الكانتارا، وحذرته من أنه كان قفراً وليس من مقهى أو مطعم هناك، وأنّ علينا أن نأخذ نزهة. لا، لم يرد ذلك، ولم يرد أيضا البدء مبكراً حتى نعود في الوقت المناسب لتناول وجبة غداء متأخرة.  انطلقنا، لكن مر وقت ليس بالقصير قبل أن يجد شيئاً يثير اهتمامه حقاً. ثم " يجب أن نستمر. بالتأكيد يوجد مكان ما حيث نستطيع تناول الطعام." ظلت زوجته جالسة على المقعد الخلفي تمارس الحياكة باستمرار، في صمت، كما كانت تفعل بدون شك أثناء جولاتهما في الصين، وافغانستان، وأمريكا الجنوبة بحثاً عن الأزهار. " لقد أخبرتك أنّه لا يوجد مكان. علينا العودة أو احتمال الجوع." فجأة رأيت دون شيكو في وسط مجموعة من الرجال الأشداء. " هل أنت مستعد للأكل مع زعيم المافيا؟" سألته. " إنّه هناك، وإن كان هنالك شخص قادر على تدبير أمر إطعامنا فلن يكون غيره."كان كولينغوود مبهوراً، وهز رأسه أن لا. توجهت ناحية المجموعة. قبّل دون شيكو كفّي، ورحب بي بحرارة. تفرق رفاقه بعيداً.  " بالطبع أستطيع تأمين الطعام- هناك في ذلك المنزل." غادرنا السيارة، وتبعناه إلى منزل ريفي بسيط حيث بدا واضحاً أنَّ دون شيكو كان ضيفاً مرحباً به. كانت سيدة المنزل رابطة الجأش لم يخيفها الحضور المفاجيء لثلاثة من الأجانب غير المعروفين، وبدأت في إعداد وجبة شهية من الخبز والمعكرونة والبيض والطماطم.  جلسنا على مقاعد صلبة في الغرفة الخالية. كان كولينغوود منبهراً. واستمرت الحياكة.  " إنّه مذهل. هل سيسمح لي برسمه، أم سيعتبر ذلك إساءة؟" "أعتقد أنّه سيكون مسروراً ويشعر بالإطراء." وافق دون شيكو واتخذ وضعية متعجرفة في الحال، مميلاً رأسه إلى الخلف وقد تعلقت إحدى ذراعيه بظهر المقعد. قام كولينغود برسمه بسرعة وطلب دون شيكو رؤية الرسم.  " ليس مكتملاً بعد- مسكين جداً" قال مؤكداً.  فعدلت الترجمة من جُبني.  لحسن الحظ وصل الطعام في هذه اللحظة. كان كل شيء معداً بإتقان وطيب المذاق.  التهمنا طعامنا بشهية واحتسينا النبيذ الصقلي القوي. في ختام الوجبة حاولت الدفع بلباقة.  إلا أنّ دون شيكو رفض ملوّحاً بيده بحسم. لم أراه من قبل يقدم أي مال، ولكن مضيفتنا كانت مسرورة. ربما كان يشرفها أن تكرم أصدقاء دون شيكو؟ ولكنها لم تبد كما لو أنّها كانت قادرة على ذلك.  عدنا إلى السيارة، ثم اندهشت لسماع دون شيكو وهو يقول إنّه آتٍ معنا.  اتخذ مقعده إلى جانب السيدة المشغولة بالحياكة على المقعد الخلفي من السيارة.  " انطلق" قال وهو يلوّح بذراعيه باتجاه السائق. وانصاع كولينغوود إنغرام لأمره في صمت، متفاجئاً مثلي تماماً.  بعد كيلومترات قليلة في الوادي العظيم على سفح جبل إيتنا الذي يشمخ خلفنا، أشرت إلى ضرورة التوقف والبحث عن الأزهار. وعلى نحو ما- لم أدر كيف- استولى دون شيكو على مدية عالم النبات. في البداية لم ينتبه كولينغوود إنغرام، كان اهتمامه مركّزاً على نبتة معنة. ما كان لون الأزهار؟ لم أرها وهي مزهرة، عليه سألت دون شيكو إن كان يعرف.  بلا تردد قال: "أزرق!" " أمتأكد؟" سألته وأنا لا أريد أن يحصل المتحف الوطني على معلومات نباتية خاطئة. قام ببصق الكلمات وهو يقول: " وماذا يهم؟ هذا عبث أطفال." نظر كولينغوود إلى النبتة مرة أخرى بتمعن، وقال إنه سيأخذ واحدة من جذورها. ثم اكتشف أنّه لم يحضر مديته. سحبها دون شيكو وفي لمح البصر قام بغرسها في التربة وأحضر جذراً مقطوعاً.  في تلك اللحظة صرخ عالم النبات الذي كان يقفز غضباً: " دافني، ابعدي تلك السكين عن ذلك المجنون!" تمكنت بطريقة ما من إجابة طلبه. وجثا كولينغوود إنغرام على ركبتيه، وتناول إحدى النبتات وفي هذه المرة كانت كاملة.  عدنا مرة أخرى إلى السيارة، حيث كانت إبر الحياكة ما تزال تصطفق.  "انطلق!" مرة أخرى هتف دون شيكو، ومرة أخرى أطاعه كولينغوود إنغرام. وبعد خمسة كيلومترات جاء أمر التوقف " قف!" من المقعد الخلفي في نبرة حازمة، ومرة أخرى قوبل الأمر بالطاعة- ويبدو أنّها أصبحت ردة عكسية. وضعت فلاحة رائعة الحسن ذات عينين لامعتين سوداوين رأسها عبر النافذة التي خفضها دون شيكو. ثم دار حديث طويل باللغة الصقلية. كنت أرى كولينغوود إنغرام يفقد صبره، ولكنه لم يقل شيئاً.  أخيراً قام دون شيكو برفع زجاج النافذة. وصدرت الصرخة "انطلق!" من المقعد الخلفي.  ازداد قلق كولينغوود إنغرام هذه المرة. لم يحب القيادة في الظلام، وكانت تورمينا على بعد ثلاثين كيلومتراً. جاء الأمر بالتوقف من الخلف مرة أخرى وكان. خرج دون شيكو وتقدم إلى عربة تجرها الجياد مطلية بلون زاه تقف على جانب الطريق. لم يظهر مالكها للعيان. أخذ دون شيكو السوط وفرقعه ثلاث مرات. ظهر رجل في الحال من وراء ستار. تعانق الرجلان وشرعا في حوار طويل، باللغة الصقلية مجدداً. يبدو أنَّ العمل كان مهماً. مرت دقائق، ولم تكن هنالك أية إشارة لنهاية النقاش. شعرت بأنّ علي التدخل لتجنب الإساءات الصريحة، أو حتى الاشتباك بالأيدي بين عالم النبات ورجل المافيا، فتوجهت في خوف إلى الاثنين وقلت لهما إنّ السيد دوتوري لم يكن شاباً وينبغي أن يعود. أخبرني دون شيكو بكل لطف بأن نتقدم.  " ولكن كيف ستعود؟  " لدي طرق أخرى." ولم تبد على السهل وسيلة أخرى سوى العربة. ولم يبد أنّها ستعيده إلى منزله الجبلي. ولكنه لوّح لنا بيده وظل. لم يكن يومنا ناجحاً في ما يخص مهام علم النبات، ولكن حصل كولينغوود إنغرام على الأقل على صورة رائعة لجزئية مهمة من فن التزيين بأجزاء النبات. شجرتا سرو نبتتا جنباً إلى جنب استخدمتا في نحت قطعة تشبه ملكتنا البريطانية ماري: نصفها العلوي، وقبعتها، وكل شيء.  لقد مرّت من قبل بذاك الطريق عندما كانت تقيم مع دوقة برونتي، ثم عمّ الدوق. قال توريدو مرة، " لديك الآن ملكة حقيقية،" كما شعر بذلك الكثير من الصقليين.  لم يضع اليوم بكامله. كانت الصورة قد كُبرت فملأت صفحة كاملة من صحيفة لندن الرسومية Illustrated London News. كان المحرر شقيق كولينغوود إنغرام. كثيراً ما كان دون شيكو يقول لي في زياراته القصيرة إنّه يريدني أن أخرج معه في نزهة في الربيع ( Schittichiata). لقد أراد أن يأخذني لرؤية الطيبين. وكان الأمر يبدو فاتناً ولكنه مقلقاً أيضاً. لقد طمأنني أنّهم أشخاص مميزون، وقد تصورت نفسي وأصدقائي الذين اقترحت ضرورة اصطحابهم معي بسرعة، حيث يتم استقبالي بحفاوة في وكر المافيا ذاتها. وكان مريحاً جداً أن أعلم مجيء فرانكو معنا. لم يبد دون شيكو أية ممانعة في أن تقود السيارة التي يستقلها امرأة، الشيء الذي أثار استغرابي.  قدنا صعوداً إلى الأعلى على طريق متعرج ساحر الجمال وقد ظهر الربيع الصقلي في أبهى صوره. وصلنا إلى إحدى القرى الأعلى ارتفاعاً في صقلية، حيث يذوب الجليد في الصباح فقط. وبدلاً عن الصعوبة التي توقعتها كان في استقبالنا خاله وخالته، زوجان مسنان، وكان عمه بذراع واحدة (فقد الأخرى في الحرب العالمية الأولى)، كانت زوجته محترمة وحنونة. كان العناق جميلاً. ويبدو أنّها قدمت الكثير لمساعدة الطفل غير الشرعي المسكين الذي هجرته أختها قبل زمن طويل. لقد كانا فخورين بنجاحه العالمي- ولكن ما مدى ما يعلمانه حقاً؟ كنا نراقب مفتونين بينا نرى دون شيكو يقوم بدور الابن المطيع، وليس هنالك سوى ندبة واحدة فوق عينه تشير إلى ما في حياته من عنف.  أمضينا صباحاً مملاً وطويلا وجائعاً مع حفيدتها وخطيبها، وهو فتىً متعفف كان مديراً لمدرسة ابتدائية على وعي كبير بأهميته في هذه القرية النائية المتخلفة. لقد تفحصنا جهاز عرسها وأعجبنا به، كما عبرنا عن إعجابنا بجمال ملاءة فراش الزوجية المرسوم عليها أطفالٌ يطفون على غيوم شاحبة الزرقة، لقد أذهلنا مرأى المفارش يدوية التطريز التي كانت تجمعها منذ الطفولة. وقد تسبب وجودنا كأجانب في احتشاد جمهور قليل من القرويين أمام المنزل. لم يزر القرية سوى القليل من الأجانب ما عدا أثناء الحرب، ولابد أنّهم لم يروا سيدة تقود سيارة.  وأخيراً، حوالي الساعة الثالثة، جلسنا لتناول طبق رائع من الاسباغيتي، كان شهياً بمعنى الكلمة، وكنا في غاية الجوع. وقد فاجأني أنَّ زعيم المافيا كان يهتم بخدمة الجميع في تواضع، وكان آخر من جلس ليتناول طعامه. توقف الحديث مرة أخرى، واقتصر تعبير أصدقائي على الابتسامات والإيماءات.  بعد الوجبة، أخليت الغرفة من أجل الموسيقى والرقص بمساعدة جهاز غرامافون قديم. استمر دون شيكو في مفاجأتي. كان أول صقلي أراه لا يتقن الرقص. لم يكن إيقاعه منضبطاً، ولم يتحكم بقددميه بشكل جيد، وهو الشيء الذي جعله يطأ على قدمي بشدة. بدا معظم الصقليين وكأنهم ولدوا وهم يتقنون الرقص، ماعداه هو الذي كان غاية في الرشاقة على الجبال.  حتى إنّه عبر عن ندمه ولكنه غاب ليظهر بعد دقائق قليلة ليقول: " desso che mi so , Electronic Village, His excellency mohammed ahmed khalifa al suwaidi, Arabic Poetry, Arabic Knowledge, arabic articles, astrology, science museum, art museum,goethe museum, alwaraq, arab poet, arabic poems, Arabic Books,Arabic Quiz, القرية الإلكترونية , محمد أحمد خليفة السويدي , محمد أحمد السويدي , محمد السويدي , محمد سويدي , mohammed al suwaidi, mohammed al sowaidi,mohammed suwaidi, mohammed sowaidi, mohammad alsuwaidi, mohammad alsowaidi, mohammed ahmed alsuwaidi, محمد السويدي , محمد أحمد السويدي , muhammed alsuwaidi,muhammed suwaidi,,

Related Articles

كتاب منزل في صقلية - الفصل الثالث عشر- عرَّابة الدمى المتحركة
كتاب منزل في صقلية - الفصل الثاني عشر- الآثار
صور توثيقية من كتاب منزل في صقلية
كتاب منزل في صقلية - الفصل الحادي عشر- العمل الاجتماعي في صقلية
كتاب منزل في صقلية - الفصل العاشر- العرّاب
كتاب منزل في صقلية - الفصل التاسع - السيد ديلان توماس
كتاب منزل في صقلية - الفصل الثامن - كونستا


Visa_MasterCard

Privacy Policy   Cookie Policy   Terms and Conditions