محمد أحمد خليفة السويدي - القرية الإلكترونية - Spreading Knowledge - محمد أحمد السويدي - محمد السويدي
Arabic    

قصة سان ميشيل لأكسِل مونتي - الحلقة رقم 3 - شارع ڤيليير


2019-06-14
اعرض في فيس بوك
التصنيف : قصة سان ميشيل

 

 

 

 

قصة سان ميشيل لأكسِل مونتي
                                       ترجمة:  علي كنعان
الحلقة رقم (3)
 
III
 
شارع ڤيليير
 
شارع ڤيليير. الدكتور مونتيه من 2 حتى 3. جرس الباب يواصل الرنين والرسائل تأتي ليل نهار، إلى جانب مكاتيب ملحة ودعوات. الهاتف، ذلك السلاح القاتل في أيدي نسوة خرقاوات( 1)، لم يكن قد بدأ بعد حملته المرهقة للأعصاب ضد كل ساعة استراحة مكتسبة. غرفة المراجعة امتلأت على عجل بالمرضى من جميع الأنواع والأوصاف، معظمها حالات عصبية، ومعظمهم من الجنس اللطيف. كثير منهم كانوا مرضى، في حالة خطرة. أصغيت بجد إلى ما كان عليهم أن  يقولوا وفحصتهم بعناية قدر المستطاع، وأنا متأكد تماما أني قادر على مساعدتهم، مهما كان الأمر. لا أشعر بميل للتحدث عن هذه الحالات هنا. ولعل يوما يجيء حين يكون لدي ما أقوله عنها. كثير منهم لم يكونوا مرضى إطلاقا، ومن المحتمل ألا يصبحوا كذلك أبدا، لو لم يكن عليهم استشارتي. كثير منهم تصوروا أنهم مرضى. وكان لديهم أطول حكاية ليسردوها، فتحدثوا عن جدتهم، خالتهم أو زوجة أبيهم، أو أخرجوا قصاصة ورق من جيوبهم وأخذوا يقرؤون لائحة مملة من الأعراض والشكاوى- إنهم مرضى الورقة الصغيرة، كما اعتاد شاركو أن يقول. هذا كله كان جديدا علي، فأنا لا خبرة لي خارج المشافي، حيث لا وقت لأي كلام فارغ، ولقد وقعت في أخطاء فاحشة كثيرة. وبعد ذلك، لمّا بدأت أعرف عن الطبيعة البشرية أكثر، تعلمت أن أعامل هؤلاء المرضى بصورة أفضل، لكننا لم ننسجم معا تماما. كانوا ينزعجون جدًّا حين أخبرهم أنهم يبدون في حالة حسنة إلى حد ما ومظهرهم العام جيد، لكنهم يستردون قوتهم بسرعة حين أضيف أن لسانهم يبدو سيئاً نوعاً ما- وكأن هذه هي الحالة بشكل عام. كان تشخيصي، في معظم هذه الحالات، إفراطا في الأكل، عددا أكثر من اللازم من الكعك أو الحلوى أثناء النهار أو عشاء أثقل من المعتاد ليلاً. وكان من المحتمل أنه أدق تشخيص أجريته في تلك الأيام، لكنه لم يجلب لي أي نجاح. ما من أحد أراد أن يسمع أي شيء إضافي عن ذلك، لا أحد أعجبه. التهاب الزائدة الدودية هو الشيء الوحيد الذي كانوا جميعا يرغبون به. كان التهاب الزائدة في ذلك الوقت رائجاً كثيراً في أوساط الطبقة العليا من الناس، وذلك تجنباً للشكوى. جميع السيدات العصبيات كانت لديهن على الدماغ، إن لم تكن في البطن، وقد ازداد بذلك جمالهن ازدهاراً، كما ازدهر مستشاروهن من الأطباء. لذلك انجرفت شيئاً فشيئاً في التهاب الزائدة وعالجت عدداً كبيراً من تلك الحالات بنجاح متباين. لكن حين أخذت الإشاعة تدور أن الجراحين الأميركان بدأوا بحملة لاستئصال كل زائدة في الولايات المتحدة، فإن حالات التهاب الزائدة التي أعالجها بدأت تتضاءل بطريقة مفزعة. يا للهول: "أزل الزائدة! زائدتي!" قالت السيدات المتأنقات، متشبثات بعملية الزائدة كما تتشبث الأم برضيعها."ماذا سأعمل بدونها!"
"أزل زائداتهن، زائداتي!" قال الأطباء، وهم يراجعون باكتئاب لائحة مرضاهم."لم أسمع أبدا مثل هذا الهراء! لماذا، ليس ثمة أي اشتباه في زائداتهن، كان من المتوقع أن أعرف، أنا الذي كنت ملزما أن أفحصهن مرتين في الأسبوع. إني ضد ذلك بالمطلق!"
وسرعان ما صار واضحا أن الزائدة كانت في مرحلتها الأخيرة، وأن شكوى جديدة كانت في طريق الاكتشاف لتواجه الطلب العام. كانت الكلية مستعدة للإشارة، علة جديدة طرحت في السوق، وسُكَّت كلمة جديدة، عملة ذهبية حقاً، القولنج! كانت شكوى أنيقة، في مأمن من مبضع الجراح، ودائما في متناول اليد وحسب الطلب، وهي مناسبة لمذاق كل شخص. لا أحد كان على علم متى ظهرت، ولا أحد كان يدري متى تزول. لقد علمت أن كثيرا من زملائي بعيدي النظر حاولوا في السابق علاج مرضاهم بنجاح كبير، لكن حظي كان ضدي إلى أبعد حد.( 2)
واحدة من الحالات الأخيرة في معالجتي لالتهاب الزائدة كانت، على ما أظن، الكونتيسة التي جاءت لاستشارتي بتوصية من شاركو، كما قالت. لقد اعتاد أن يرسل لي مرضى بين حين وآخر، وكنت حريصاً أن أبذل أفضل ما أستطيع من أجلها، وإن لم تكن بمثل ذلك الجمال الذي تحظى به. تطلعت إلى وسيط الوحي الشاب بخيبة نصف مخبوءة في عينيها الفاترتين، وقالت إنها ترغب في أن تتكلم مع"السيد الدكتور بذاته" وليس مع مساعده، وهي تحية كنت معتادا عليها من مريض جديد. في البداية، لم تكن تعرف أن الزائدة لديها ملتهبة، ولا السيد الدكتور بذاته كان يعلم، لكنها سرعان ما كانت واثقة أنها لديها، وأنا لا أراها كذلك. ولما أخبرتها بذلك وبطريقة تفتقر للحكمة، أصيبت باضطراب شديد. البروفيسور شاركو أخبرها أني متأكد من معرفة حالتها وأني سأساعدها، وبدلاً من ذلك... انفجرت بالبكاء وشعرت بأسف بالغ من أجلها.
"ما هي مشكلتي؟" همست وهي تنشج، باسطة يديها الفارغتين نحوي بإشارة قنوط.
ـ سأقول لك إذا وعدتني بأن تكوني هادئة.
توقفت عن البكاء فوراً. وقالت بشجاعة وهي تمسح آخر الدموع عن عينيها الواسعتين: 
"أستطيع أن أتحمل أي شيء، وقد تحملت الكثير من قبل، لا تخف، لن تسمعني أبكي. ما هي مشكلتي؟"
ـ القولنج.
ازدادت عيناها اتساعاً أكثر من قبل، مع أني فكرت أن ذلك مستحيل.
"قولنج! ذلك بالضبط ما كنت أفكر فيه دائماً! وأنا متأكدة أنك مصيب! قل لي:  ماهو القولنج؟" كنت حريصاً جدًّا أن أتجنب ذاك السؤال لأني لم أكن أعرفه بحق، ولا أي واحد ملم به في هذه الأيام. لكني أخبرتها أنه يدوم طويلاً ومن الصعب علاجه، وكنت محقاً بذلك. نفحتني الكونتيسة بابتسامة ودية. وقال زوجها إنها الأعصاب لا أكثر! قالت لا وقت لدينا لنضيعه وأرادت أن تباشر العلاج في الحال، وتم الاتفاق أن تأتي إلى شارع ڤيليير مرتين في الأسبوع. لكنها جاءت في اليوم التالي مباشرة، وحتى أنا الذي كنت معتاداً على التغيير المفاجئ لدى مرضاي لم أتمالك أن أكون مأخوذا بظهورها المبهج ووجهها المشرق إلى حد أني سألتها كم عمرها.
كانت في الخامسة والعشرين. ولم تجئ إلا لتسألني إن كان القولنج معدياً.
"نعم، جدا". ولم تكد الكلمة تخرج من فمي حتى اكتشفت أن هذه الصبية أذكى مني بكثير.
ألم يكن من واجبي أن أخبر الكونت أن من الأسلم ألا يناما في غرفة واحدة؟
أكدت لها أن ذلك لن يكون أسلم تماماً، لأني أشعر أنه لن يصيب السيد الكونت، مع أني لم أحظ بشرف معرفته بعد. إنه لا يصيب إلا سريعي التأثر وذوي التوتر الشديد من الناس مثلها.
ما كان ينبغي لي أن أدعوها ذات توتر شديد، لأنها رفضت ذلك، وعيناها الواسعتان تطوفان في أرجاء الغرفة بقلق؟... 
نعم، بلا أدنى ريب.
أليس في وسعي أن أشفيها من ذلك؟
كلا.
 
  عزيزتي آن،
  تصوري، يا صديقتي، أني أصبت بالقولنج! أنا مسرورة جداً... أنت نصحتني بذلك السويدي، أم  لعله شاركو؟ على أية حال، لقد أخبرته أنه شاركو لأتأكد أنه سيمنحني مزيداً من الوقت والعناية. أنت على حق، فهو ذكي جداً، مع أنه لا يبدو عليه ذلك. ولقد زكيته لجميع صديقاتي، وأنا واثقة أن في مقدوره أن يفعل كل خير لأخت زوجي التي لا تزال على ظهرها بعد وقعتها المشينة في حفلتكم الراقصة، ولا شك أنها مصابة بالقولنج! آسفة، يا عزيزتي، لن نلتقي على العشاء عند جوزفين غداً، فقد أخبرتها من قبل بأني مصابة بالقولنج، وربما لا أستطيع أن أجيء. وأتمنى أن يكون في وسعها أن تؤجله إلى ما بعد غد.
  صديقتك المحبة جولييت.
ملاحظة:  خطر لي تماماً أن السويدي ينبغي أن يلقي نظرة على حماتك القلقة جدًّا بسبب صممها، وأنا أعرف طبعاً أن المركيزة لا تريد أن ترى مزيداً من الأطباء، ومن يريد! إلا إذا كان بالإمكان ترتيب الأمر بأن يراها بطريقة ما غير رسمية؟ وأنا لا يمكن أن أستغرب أبداً إن كان أصل المشكلة كلها قولنجا.
ملاحظة ثانية:  أنا لا أتردد في دعوة الدكتور إلى العشاء هنا يوما ما، إذا تمكنت من إقناع المركيز أن يتعشى هنا، في مجلس صغير، طبعا. هل تعرفين أنه اكتشف أني مصابة بالقولنج بمجرد النظر من خلال نظارتيه؟ أردت من زوجي أن يتعرف إليه، مع أنه لا يحب الدكاترة أكثر مما تحبهم حماتك. وأنا واثقة أنه سيحب هذا الطبيب.
 
بعد أسبوع كان لي شرف أن أتلقى دعوة غير متوقعة للعشاء في أوتيل الكونتيسة في ضاحية  سان جيرمان وأن أجلس إلى جانب السيدة (الأرملة) المركيزة، وأنا أراقبها متعجبا بعيني الصقريتين وهي تلتهم طبقاً ضخماً من فطيرة الكبد الدسمة في عزلة مهيبة. لم تقل لي أي كلمة أبداً، ومحاولاتي الخجلى لأفتح معها محادثة انتهت إلى توقف تام حين اكتشفت أنها صماء كالحجر. وبعد العشاء أخذني السيد الكونت إلى حجرة التدخين. كان رجلاً قصير القامة مهذباً وسميناً جداً، وله وجه وديع أقرب إلى الخجل. إنه في ضعف عمر زوجته في أقل تقدير، وهو جنتلمان في كل ذرة منه. قال لي بعاطفة دفاقة، وهو يناولني سيجارة: "لا أستطيع أن أشكرك بما يكفي لأنك عالجت زوجتي من التهاب الزائدة – وهذه الكلمة بذاتها كريهة لدي- وأنا أعترف بصراحة أني كنت أشعر بالنفور من الأطباء. لقد رأيت كثيراً جدًّا منهم ولا يبدو أن أيا منهم قادر حتى الآن أن يقدم أي جدوى لزوجتي، ولا بد أن أضيف أنها لم تمنح أيا منهم أبدا فرصة طيبة قبل أن تنطلق إلى آخر. ومن الخير لي أن أحذرك بأنها ستتصرف معك بالطريقة ذاتها، وأنا متأكد من ذلك".
ـ أنا لست مثلك متأكدا من ذلك.
"هذا أفضل بكثير. من الواضح أن لها ثقة كبيرة بك، وهذه مسألة قوية في صالحك".
ـ وهي كل شيء.
"أعترف بصراحة، وبأقصى قدر من اهتمامي، أني لم أشعر نحوك باستلطاف شديد أول الأمر، لكني الآن، ومنذ أن التقينا، حريص أن أصحح انطباعي الأول"، وأضاف بكياسة: "أعتقد أننا في الدرب نفسه. على فكرة، ما هو القولنج؟"
وتخلصت بفضله من ارتباكاتي إذ أضاف بدعابة طلية: "مهما يكن، لن يكون أسوأ من التهاب الزائدة، وثق بي أنني سأعرف عنه الكثير كما تفعل".
لم يسأل كثيرا عندئذ. لقد راقت لي معاملته الصريحة اللبقة حتى جازفت بالمقابل أن أطرح عليه سؤالا( 3).
أجاب وفي صوته شيء من حرج: "لا، كنت أرجو من الله لو كان لنا ذلك! لقد مر الآن على زواجنا خمس سنوات، ولا من علامة على ذلك حتى الآن. كم أتمنى من الله لو رزقنا ذلك! أنت تعلم أني ولدت في هذا البيت القديم وكذلك أبي، ومقري الريفي في تورين ملك لنا طوال ثلاثة قرون، وأنا الأخير في أسرتي، وهذا أمر شاق جداً، ثم... ألا يمكن فعل أي شيء لهذه الأعصاب المضطربة؟ أليس لديك أي اقتراح؟" 
"أنا متأكد أن هذا الجو الموهن في باريس ليس ملائما للكونتيسة، فلماذا لا تذهبان إلى قصركم في تورين طلبا للتغيير؟"
تهلل وجهه بكامله.
قال الكونت، وهو يمد يديه نحوي: "أنت صديقي فعلا، لا أطلب أفضل من ذلك! أدواتي للصيد هناك، ولدي أملاك واسعة للعناية بها، أحب أن أكون هناك، لكنها تصيب الكونتيسة بالضجر إلى حد قاتل، ومن الطبيعي أن تعاني من الوحشة نوعا ما لأنها تحب أن ترى صديقاتها كل يوم وتذهب إلى الحفلات أو إلى المسرح كل ليلة. ولكن أنَّى لها أن تحوز على الطاقة حتى تستمر في هذه الحالة من شهر إلى شهر، وهي التي تقول إنها دائما مرهقة، وهذا ما لا أستطيع أن أفهمه. وهذا سيقتلني لا محالة. وهي تقول إنها يجب أن تبقى في باريس للعناية بالقولج، ومن قبل كان التهاب الزائدة. لكني لا أريد أن أظن أنها أنانية، بل على العكس إنها تفكر بي دائما حتى إنها تريدني أن أذهب وحدي إلى شاتو( 4) رامو، فهي تعلم كم أكون سعيداً هناك. لكن كيف لي أن أتركها وحيدة في باريس؟ فهي صغيرة وقليلة الخبرة إلى أبعد حد".
"كم عمر الكونتيسة؟"
"تسع وعشرون فقط. وهي تبدو أصغر من ذلك". 
"نعم، إنها تبدو كفتاة صغيرة تقريبا".
لاذ بالسكوت لحظة. "بالمناسبة، متى تنوي أن تأخذ إجازتك؟"
لم آخذ إجازة طوال ثلاث سنوات".
وهذا أهم سبب أن تأخذها هذه السنة. هل تجيد الرمي؟"
أنا لا أقتل الحيوانات، إن أمكنني تجنب ذلك. لِمَ تسألني هذا السؤال؟"
لأن لدينا فسحة رائعة للصيد في شاتو رامو، وأنا متأكد أن أسبوعاً في راحة تامة سيكون مفيداً لك إلى أبعد حد. ذلك ما تقوله زوجتي، وهي تقول إنك مرهق بشكل رهيب، وإلى جانب ذلك تشرف عليها".
 
 
"أنت طيب جدًّا سيدي الكونت، وأنا في حالة جيدة تماما، ولا شيء يهمني إلا أني لا أستطيع النوم".
"النوم! بودي لو أستطيع أن أعطيك بعض نومي! عندي أكثر مما أحتاج إليه، وما أدخر. هل تعلم أني لا أكاد أجد الوقت لأضع رأسي على الوسادة قبل أن أستغرق في النوم بسرعة ولا شيء يقوى على إيقاظي. زوجتي تنهض باكرا، لكني لم أشعر أبدا بنهوضها ولو مرة واحدة، وعلى خادمي الذي يحضر لي قهوتي في التاسعة أن يهزني حتى أصحو. إني أرثي لحالك فعلا. بالمناسبة، ليس لديك معرفة بأي علاج للشخير، على ما أظن؟"
كانت حالة واضحة. انضممنا إلى السيدات في غرفة الضيوف. وقد هيئ لي أن أجلس بجانب المركيزة الموقرة من أجل الاستشارة غير المعلنة التي رتبتها الكونتيسة بمهارة بالغة. وبعد محاولة أخرى لفتح محادثة مع السيدة العجوز، صرخت في نفير أذنها أنها غير مصابة بالقولنج، لكني واثق أنها ستصاب به إذا لم تقلع عن تناول فطيرة الكبد الدسمة.
وهمست لها المركيزة: "أخبرتك بذلك، أليس ذكيا؟"
رغبت المركيزة أن تعرف في الحال كل أعراض القولنج وابتسمت لي بابتهاج، وأنا أقطر السم الخفيف في نفير أذنها. وحين وقفت متأهبة للذهاب، كنت قد فقدت صوتي، لكني حصلت على  مريضة جديدة.
بعد أسبوع، وقفت عربة أنيقة في شارع ڤيليير، واندفع خادم صاعداً الدرج ومعه ملاحظة مخربشة على عجل من الكونتيسة تدعوني أن آتي فورا إلى المركيزة التي أخذوها ليلاً إلى المشفى مع أعراض قولنج واضحة. وهكذا حققت دخولي في مجتمع باريس.
انتشر القولنج كنار عاصفة في أنحاء باريس كلها. وسرعان ما امتلأت غرفة الانتظار إلى درجة أني كنت مضطرا لإعداد غرفة طعامي نوعا من غرفة انتظار إضافية. وكان غامضا لدي دائما كيف استطاع هؤلاء الناس كلهم أن يجدوا الوقت والصبر للجلوس والانتظار طويلا، وفي الغالب لساعات. دأبت الكونتيسة على أن تأتي بانتظام مرتين في الأسبوع، وكانت بين حين وآخر تشعر بالحرج، فتجيء في أيام أخرى كذلك. كان واضحاً أن القولنج مناسب لها أكثر من التهاب الزائدة إلى حد بعيد، وقد تخلص وجهها من شحوب الضنى وعادت عيناها الواسعتان تأتلقان بالصبا.
  وبينما كنت أغادر فندق المركيز، في أحد الأيام، كانت تتهيأ للذهاب إلى الريف. كنت هناك لألقي عليها تحية الوداع، فألفيت الكونتيسة واقفة بجانب عربتي وهي في حديث ودي مع توم الذي كان جالسا على رزمة ضخمة، نصف مختفٍ تحت بساط العربة. كانت الكونتيسة في طريقها إلى مخازن اللوڤر لتشتري هدية صغيرة للمركيزة في عيد ميلادها غداً، ولم تكن تدري ماذا يمكن أن تعطيها. فاقترحت كلباً.
"كلب! يا لها من فكرة رائعة!" وتذكرت أنهم أخذوها في طفولتها لترى المركيزة، وكانت تجدها دائما وفي حضنها بج( 5)، كلب سمين إلى حد أنه لا يكاد يقدر أن يمشي ويغط بشكل مزعج حتى إنك تسمعه في كل أرجاء البيت. ويوم مات، ظلت عمتها تذرف الدمع عليه طوال أسابيع. فكرة رائعة فعلا. مشينا منحدرين في الشارع إلى ناصية شارع كامبون حيث كان المخزن المشهور لبيع الكلاب. وهناك، بين مجموعة من المهجنات من جميع الأصناف والمواصفات، كان يقعد الكلب الذي أريده تماما، بج أرستقراطي صغير، راح يهر علينا بإلحاح ليشد انتباهنا إلى حالته الحزينة ويتوسل إلينا بعينيه المحتقنتين بالدم لنأخذه بعيدا عن هذا المجتمع المختلط الذي ألقاه فيه سوء الطالع المحض ولا ذنب له في ذلك. كاد أن يختنق بالعاطفة حين تأكد بأنه محظوظ وقد وضع في عربة وأرسل إلى الفندق في ضاحية سان جيرمان. كانت الكونتيسة بأية حال ذاهبة إلى مخازن اللوڤر لاختيار قبعة جديدة. قالت إنها تريد أن تذهب سيراً على قدميها. ثم قالت إنها تريد عربة ولقد تطوعت أن آخذها بعربتي. ترددت لحظة – ماذا سيقول الناس إذا رأوني راكبة في عربته؟ - ثم قبلت بطيبة خاطر. ولكن، ألم يكن بعيدا عن طريقي أن آخذها إلى اللوڤر؟ لا أبداً، لأني لم يكن لدي ما أعمله حينئذ. وسألتْ الكونتيسة بفضول أنثوي: "ماذا في تلك الرزمة؟" كنت على وشك أن أخبرها بكذبة أخرى، حين قفز توم إلى مكانه غير المألوف على المقعد بجانبي، وكانت مهمته كحارس وحيد للرزمة النفيسة قد انتهت. انشقت الرزمة واندفع خارجا منها رأس دمية.
"لِمَ تمضي بهذه الدمى في عربتك، بحق السماء، لمن هي؟"
"للأطفال".
لم تكن تعرف أن لي أي أطفال، وبدت شبه مستاءة من تكتمي في شؤوني الخاصة. كم عدد أطفالي؟ حوالي دزينة. لم يكن أمامي أي مهرب، وكان على السر أن ينكشف كاملاً.
قلت بشجاعة: "تعالي معي، وفي طريق العودة سآخذك لتري صديقي جاك، الغوريللا في حديقة النبات. إنها في طريقنا تمامًا". كانت الكونتيسة في ذلك اليوم بوضوح في أحسن مزاج وهي قابلة لأي شيء، قالت إنها مسرورة جدًّا. وبعد أن تجاوزنا غار مونبَرناس، بدأت تفقد الاتجاه وفي الحال لم تعد تعرف أبداً أين هي. مررنا ببعض الأحياء الفقيرة القاتمة، كريهة الرائحة. عشرات من أطفال معفرين كانوا يلعبون في البالوعة الجانبية، مخنوقين بالقذارة والحرمان من كل نوع، وأمام كل باب تقريباً قعدت امرأة ومعها طفل على ثديها وأطفال آخرون إلى جانبها، يحتشدون حول الكانون.
"أهذه باريس؟" سألت الكونتيسة بنظرة شبه مروعة في عينيها.
"نعم، هذه باريس، مدينة النور! وهذه دخلة روسيل"، أضفت ونحن نقف أمام زقاق غير نافذ، رطب ومعتم مثل قاع بير. كانت زوجة سالڤاتور جالسة على كرسي العائلة الوحيد، وطفل محنتها بتروشيو في حضنها، وهي تحرك عصيدة الذرة لعشاء العائلة، وشقيقتا بتروشيو الكبيرتان يرقبانها بلهفة، بينما كان الطفل الأصغر يزحف على الأرض وهو يطارد قطة صغيرة. أخبرت زوجة سلڤاتور أني أحضرت سيدة لطيفة أرادت أن تعطي الأطفال هدية. ومن خجلها، أدركتُ أن الكونتيسة تدخل لأول مرة في حياتها بيت فقراء معدمين. تورد خداها بلون قرمزي وهي تناول الدمية الأولى لأم بتروشيو، لأن بتروشيو نفسه لم يكن قادراً على الإمساك بأي شيء في يديه المشلولتين، فقد كان مشلولاً منذ ولادته. لم يظهر بتروشيو أي أمارة سرور، لأن دماغه كان مخدراً كأطرافه، لكن أمه كانت متأكدة أنه أحب الدمية كثيراً. وتلقت كلتا شقيقتيه دمية بدورهما وانطلقتا مبتعدتين بابتهاج لتختبئا وراء السرير وتلعبا كأمين صغيرتين. متى يمكن لسلڤاتور أن يخرج من المشفى في تقديري؟ لقد مضى عليه اليوم ما يقارب ستة أسابيع منذ أن سقط عن السقالة وكسر ساقه. نعم، لقد رأيته في مشفى لاريبوازيير، كان يبدو في حالة حسنة وأرجو أن يخرج قريبا. كيف تسير أمورها مع مالك البيت الجديد؟ الشكر لله، حسنة جدا، كان طيبا جدا، وقد وعد أن يضع موقدا في الشتاء المقبل. ألم يكن لطفا منه أنه فتح كوة تحت السقف، ألا أتذكر كم كانت الغرفة معتمة من قبل؟
قالت زوجة سلڤاتور: "انظر كم هو مشرق ومبهج هنا الآن، السيامي في الجنة". هل كان صحيحا أن أركانجيلو فوسكو أخبرها أني قلت للمالك القديم، يوم ألقى بها في الشارع واستولى على كل ما تملك:  إن الساعة آتية وإن الله سيعاقبه لقسوته علينا جميعا، نحن الناس الفقراء، وأني شتمته بحدة حتى إنه شنق نفسه بعد ساعتين؟ نعم، كان صحيحا تماما وأنا لا آسف على ما فعلت. وفي حين كنا نمضي بعيداً، رجع صديقي أركانجيلو فوسكو، الذي كان يسكن الغرفة مع عائلة سلڤاتورو، من عمله اليومي ومكنسته على كتفه. كانت حرفته إصلاح المكانس – في تلك الأيام كان معظم كناسي الشوارع في باريس إيطاليين. كنت مسروراً أن أقدمه للكونتيسة، ذلك أقل ما ينبغي أن أفعل في مقابل الخدمة النفيسة التي قام بها من أجلي، حين ذهب معي إلى مخفر البوليس ليثبت براءتي في ما يتعلق بموت المالك القديم. الله يعلم في أي ورطة فظيعة كان يمكن أن أقع لو لم يكن لأركانجيلو فوسكو يد فيها. وحتى في هذه الحال، كانت النجاة بأعجوبة. لقد كنت على وشك الاعتقال بسبب القتل!( 6) أركانجيلو الذي كان يضع وردة فوق أذنه، وهي عادة إيطالية، قدم الوردة بشهامة جنوبية إلى الكونتيسة التي بدت وكأنها لم تتلقَّ أبداً تقديراً لشبابها الجميل ألطف من ذلك. كان الوقت قد تأخر أكثر من اللازم لزيارة حديقة النبات، لذلك أوصلت الكونتيسة مباشرة إلى فندقها. كانت صامتة جدًّا، لذا حاولت أن أبهجها بأن أسرد لها تلك القصة الطريفة عن السيدة اللطيفة التي قرأت، مصادفة، مقالة عن الدمى في"مجلة بلاكوود" وراحت تشتغل دمى بالعشرات للأطفال الفقراء الذين تحدثت عنهم. ألم تلاحظ كيف كانت جميلة بعض الدمى في لباسها؟ نعم، إنها لاحظت ذلك. هل كانت السيدة جميلة؟ نعم، جميلة جدًّا. هل هي في باريس؟ لا، كان علي أن أجعلها تتوقف عن صنع مزيد من الدمى، حين وجدت أن عدد الدمى صار أكثر من المرضى، وقد أرسلت السيدة إلى القديس موريتس لتغيير الجو. وحين وجهت تحية الوداع للكونتيسة أمام فندقها، عبرت عن أسفي لأننا لم يكن لدينا الوقت لزيارة الغوريلا في حديقة النبات، لكني آمل في أية حال ألا تكون آسفة للمجيء معي.
"لست آسفة، بل ممتنة جدا، ولكن، لكن ، لكن... أنا خجلانة للغاية"، وغصت بالبكاء وهي تقفز لتدخل بوابة فندقها. 
 
-----------------------------
( 1) الخرقاء:  من لا عمل لها وهي لا تجيد أي عمل. (م)
( 2) Colitis :  القولنج، التهاب غشاء القولون المخاطي. هذه الكلمة، كما تستعمل اليوم، لم تكن معروفة في تلك الأيام. آثام كثيرة ارتكبها الأطباء والمرضى معا باسم القولنج خلال المرحلة الأولى من مساره الساطع. وحتى اليوم ليس من النادر أن نجد بعض الغموض وعدم الاقتناع بهذا التشخيص.
(3 ) الجواب يوحي بأن السؤال كان عن الحمل والأولاد. (م)
(4 ) Château  :  قصر ريفي، لكني آثرت أن أترك الكلمة مقرونة بالاسم. (م)
(5 )  Pug:  نوع من الكلاب صغير الحجم.
(6 ) كنت أروي هذه القصة الغريبة في كل مكان.
 
 
--------------------
 
هذه الملحمة الإنسانية  لاكسيل مونتي يصعب أن نَفيها حقها في مقالة موجزة، خاصة وهو يعبر بعمق وألم عن المعركة الدائرة بين الموت والحياة... فالمعركة منظمة في أدق تفاصيلها وفق قانون من التوازن بين الحياة والموت لا يقبل التغيير... لذا أترك للقارئ متعة قراءتها، كما استمتعت. محمد أحمد السويدي
بتكليف ورعاية من الشاعر الإماراتي محمد أحمد السويدي، وبدافع من حب المعرفة والسعي لنشرها قامت القرية الإلكترونية بتوفير هذه النسخة من قصة سان ميشيل مترجمة باللغة العربية – ترجمها علي كنعان. (جميع الحقوق محفوظة)
صفحتنا الرسمية في فيس بوك :
منصتنا في جوجل بلس لمتابعة باقي مشروعاتنا 
https://plus.google.com/+HisExcellencyMohammedAhmedAlSuwaidi?hl=ar

        قصة سان ميشيل لأكسِل مونتي                                        ترجمة:  علي كنعان الحلقة رقم (3)   III   شارع ڤيليير   شارع ڤيليير. الدكتور مونتيه من 2 حتى 3. جرس الباب يواصل الرنين والرسائل تأتي ليل نهار، إلى جانب مكاتيب ملحة ودعوات. الهاتف، ذلك السلاح القاتل في أيدي نسوة خرقاوات( 1)، لم يكن قد بدأ بعد حملته المرهقة للأعصاب ضد كل ساعة استراحة مكتسبة. غرفة المراجعة امتلأت على عجل بالمرضى من جميع الأنواع والأوصاف، معظمها حالات عصبية، ومعظمهم من الجنس اللطيف. كثير منهم كانوا مرضى، في حالة خطرة. أصغيت بجد إلى ما كان عليهم أن  يقولوا وفحصتهم بعناية قدر المستطاع، وأنا متأكد تماما أني قادر على مساعدتهم، مهما كان الأمر. لا أشعر بميل للتحدث عن هذه الحالات هنا. ولعل يوما يجيء حين يكون لدي ما أقوله عنها. كثير منهم لم يكونوا مرضى إطلاقا، ومن المحتمل ألا يصبحوا كذلك أبدا، لو لم يكن عليهم استشارتي. كثير منهم تصوروا أنهم مرضى. وكان لديهم أطول حكاية ليسردوها، فتحدثوا عن جدتهم، خالتهم أو زوجة أبيهم، أو أخرجوا قصاصة ورق من جيوبهم وأخذوا يقرؤون لائحة مملة من الأعراض والشكاوى- إنهم مرضى الورقة الصغيرة، كما اعتاد شاركو أن يقول. هذا كله كان جديدا علي، فأنا لا خبرة لي خارج المشافي، حيث لا وقت لأي كلام فارغ، ولقد وقعت في أخطاء فاحشة كثيرة. وبعد ذلك، لمّا بدأت أعرف عن الطبيعة البشرية أكثر، تعلمت أن أعامل هؤلاء المرضى بصورة أفضل، لكننا لم ننسجم معا تماما. كانوا ينزعجون جدًّا حين أخبرهم أنهم يبدون في حالة حسنة إلى حد ما ومظهرهم العام جيد، لكنهم يستردون قوتهم بسرعة حين أضيف أن لسانهم يبدو سيئاً نوعاً ما- وكأن هذه هي الحالة بشكل عام. كان تشخيصي، في معظم هذه الحالات، إفراطا في الأكل، عددا أكثر من اللازم من الكعك أو الحلوى أثناء النهار أو عشاء أثقل من المعتاد ليلاً. وكان من المحتمل أنه أدق تشخيص أجريته في تلك الأيام، لكنه لم يجلب لي أي نجاح. ما من أحد أراد أن يسمع أي شيء إضافي عن ذلك، لا أحد أعجبه. التهاب الزائدة الدودية هو الشيء الوحيد الذي كانوا جميعا يرغبون به. كان التهاب الزائدة في ذلك الوقت رائجاً كثيراً في أوساط الطبقة العليا من الناس، وذلك تجنباً للشكوى. جميع السيدات العصبيات كانت لديهن على الدماغ، إن لم تكن في البطن، وقد ازداد بذلك جمالهن ازدهاراً، كما ازدهر مستشاروهن من الأطباء. لذلك انجرفت شيئاً فشيئاً في التهاب الزائدة وعالجت عدداً كبيراً من تلك الحالات بنجاح متباين. لكن حين أخذت الإشاعة تدور أن الجراحين الأميركان بدأوا بحملة لاستئصال كل زائدة في الولايات المتحدة، فإن حالات التهاب الزائدة التي أعالجها بدأت تتضاءل بطريقة مفزعة. يا للهول: "أزل الزائدة! زائدتي!" قالت السيدات المتأنقات، متشبثات بعملية الزائدة كما تتشبث الأم برضيعها."ماذا سأعمل بدونها!" "أزل زائداتهن، زائداتي!" قال الأطباء، وهم يراجعون باكتئاب لائحة مرضاهم."لم أسمع أبدا مثل هذا الهراء! لماذا، ليس ثمة أي اشتباه في زائداتهن، كان من المتوقع أن أعرف، أنا الذي كنت ملزما أن أفحصهن مرتين في الأسبوع. إني ضد ذلك بالمطلق!" وسرعان ما صار واضحا أن الزائدة كانت في مرحلتها الأخيرة، وأن شكوى جديدة كانت في طريق الاكتشاف لتواجه الطلب العام. كانت الكلية مستعدة للإشارة، علة جديدة طرحت في السوق، وسُكَّت كلمة جديدة، عملة ذهبية حقاً، القولنج! كانت شكوى أنيقة، في مأمن من مبضع الجراح، ودائما في متناول اليد وحسب الطلب، وهي مناسبة لمذاق كل شخص. لا أحد كان على علم متى ظهرت، ولا أحد كان يدري متى تزول. لقد علمت أن كثيرا من زملائي بعيدي النظر حاولوا في السابق علاج مرضاهم بنجاح كبير، لكن حظي كان ضدي إلى أبعد حد.( 2) واحدة من الحالات الأخيرة في معالجتي لالتهاب الزائدة كانت، على ما أظن، الكونتيسة التي جاءت لاستشارتي بتوصية من شاركو، كما قالت. لقد اعتاد أن يرسل لي مرضى بين حين وآخر، وكنت حريصاً أن أبذل أفضل ما أستطيع من أجلها، وإن لم تكن بمثل ذلك الجمال الذي تحظى به. تطلعت إلى وسيط الوحي الشاب بخيبة نصف مخبوءة في عينيها الفاترتين، وقالت إنها ترغب في أن تتكلم مع"السيد الدكتور بذاته" وليس مع مساعده، وهي تحية كنت معتادا عليها من مريض جديد. في البداية، لم تكن تعرف أن الزائدة لديها ملتهبة، ولا السيد الدكتور بذاته كان يعلم، لكنها سرعان ما كانت واثقة أنها لديها، وأنا لا أراها كذلك. ولما أخبرتها بذلك وبطريقة تفتقر للحكمة، أصيبت باضطراب شديد. البروفيسور شاركو أخبرها أني متأكد من معرفة حالتها وأني سأساعدها، وبدلاً من ذلك... انفجرت بالبكاء وشعرت بأسف بالغ من أجلها. "ما هي مشكلتي؟" همست وهي تنشج، باسطة يديها الفارغتين نحوي بإشارة قنوط. ـ سأقول لك إذا وعدتني بأن تكوني هادئة. توقفت عن البكاء فوراً. وقالت بشجاعة وهي تمسح آخر الدموع عن عينيها الواسعتين:  "أستطيع أن أتحمل أي شيء، وقد تحملت الكثير من قبل، لا تخف، لن تسمعني أبكي. ما هي مشكلتي؟" ـ القولنج. ازدادت عيناها اتساعاً أكثر من قبل، مع أني فكرت أن ذلك مستحيل. "قولنج! ذلك بالضبط ما كنت أفكر فيه دائماً! وأنا متأكدة أنك مصيب! قل لي:  ماهو القولنج؟" كنت حريصاً جدًّا أن أتجنب ذاك السؤال لأني لم أكن أعرفه بحق، ولا أي واحد ملم به في هذه الأيام. لكني أخبرتها أنه يدوم طويلاً ومن الصعب علاجه، وكنت محقاً بذلك. نفحتني الكونتيسة بابتسامة ودية. وقال زوجها إنها الأعصاب لا أكثر! قالت لا وقت لدينا لنضيعه وأرادت أن تباشر العلاج في الحال، وتم الاتفاق أن تأتي إلى شارع ڤيليير مرتين في الأسبوع. لكنها جاءت في اليوم التالي مباشرة، وحتى أنا الذي كنت معتاداً على التغيير المفاجئ لدى مرضاي لم أتمالك أن أكون مأخوذا بظهورها المبهج ووجهها المشرق إلى حد أني سألتها كم عمرها. كانت في الخامسة والعشرين. ولم تجئ إلا لتسألني إن كان القولنج معدياً. "نعم، جدا". ولم تكد الكلمة تخرج من فمي حتى اكتشفت أن هذه الصبية أذكى مني بكثير. ألم يكن من واجبي أن أخبر الكونت أن من الأسلم ألا يناما في غرفة واحدة؟ أكدت لها أن ذلك لن يكون أسلم تماماً، لأني أشعر أنه لن يصيب السيد الكونت، مع أني لم أحظ بشرف معرفته بعد. إنه لا يصيب إلا سريعي التأثر وذوي التوتر الشديد من الناس مثلها. ما كان ينبغي لي أن أدعوها ذات توتر شديد، لأنها رفضت ذلك، وعيناها الواسعتان تطوفان في أرجاء الغرفة بقلق؟...  نعم، بلا أدنى ريب. أليس في وسعي أن أشفيها من ذلك؟ كلا.     عزيزتي آن،   تصوري، يا صديقتي، أني أصبت بالقولنج! أنا مسرورة جداً... أنت نصحتني بذلك السويدي، أم  لعله شاركو؟ على أية حال، لقد أخبرته أنه شاركو لأتأكد أنه سيمنحني مزيداً من الوقت والعناية. أنت على حق، فهو ذكي جداً، مع أنه لا يبدو عليه ذلك. ولقد زكيته لجميع صديقاتي، وأنا واثقة أن في مقدوره أن يفعل كل خير لأخت زوجي التي لا تزال على ظهرها بعد وقعتها المشينة في حفلتكم الراقصة، ولا شك أنها مصابة بالقولنج! آسفة، يا عزيزتي، لن نلتقي على العشاء عند جوزفين غداً، فقد أخبرتها من قبل بأني مصابة بالقولنج، وربما لا أستطيع أن أجيء. وأتمنى أن يكون في وسعها أن تؤجله إلى ما بعد غد.   صديقتك المحبة جولييت. ملاحظة:  خطر لي تماماً أن السويدي ينبغي أن يلقي نظرة على حماتك القلقة جدًّا بسبب صممها، وأنا أعرف طبعاً أن المركيزة لا تريد أن ترى مزيداً من الأطباء، ومن يريد! إلا إذا كان بالإمكان ترتيب الأمر بأن يراها بطريقة ما غير رسمية؟ وأنا لا يمكن أن أستغرب أبداً إن كان أصل المشكلة كلها قولنجا. ملاحظة ثانية:  أنا لا أتردد في دعوة الدكتور إلى العشاء هنا يوما ما، إذا تمكنت من إقناع المركيز أن يتعشى هنا، في مجلس صغير، طبعا. هل تعرفين أنه اكتشف أني مصابة بالقولنج بمجرد النظر من خلال نظارتيه؟ أردت من زوجي أن يتعرف إليه، مع أنه لا يحب الدكاترة أكثر مما تحبهم حماتك. وأنا واثقة أنه سيحب هذا الطبيب.   بعد أسبوع كان لي شرف أن أتلقى دعوة غير متوقعة للعشاء في أوتيل الكونتيسة في ضاحية  سان جيرمان وأن أجلس إلى جانب السيدة (الأرملة) المركيزة، وأنا أراقبها متعجبا بعيني الصقريتين وهي تلتهم طبقاً ضخماً من فطيرة الكبد الدسمة في عزلة مهيبة. لم تقل لي أي كلمة أبداً، ومحاولاتي الخجلى لأفتح معها محادثة انتهت إلى توقف تام حين اكتشفت أنها صماء كالحجر. وبعد العشاء أخذني السيد الكونت إلى حجرة التدخين. كان رجلاً قصير القامة مهذباً وسميناً جداً، وله وجه وديع أقرب إلى الخجل. إنه في ضعف عمر زوجته في أقل تقدير، وهو جنتلمان في كل ذرة منه. قال لي بعاطفة دفاقة، وهو يناولني سيجارة: "لا أستطيع أن أشكرك بما يكفي لأنك عالجت زوجتي من التهاب الزائدة – وهذه الكلمة بذاتها كريهة لدي- وأنا أعترف بصراحة أني كنت أشعر بالنفور من الأطباء. لقد رأيت كثيراً جدًّا منهم ولا يبدو أن أيا منهم قادر حتى الآن أن يقدم أي جدوى لزوجتي، ولا بد أن أضيف أنها لم تمنح أيا منهم أبدا فرصة طيبة قبل أن تنطلق إلى آخر. ومن الخير لي أن أحذرك بأنها ستتصرف معك بالطريقة ذاتها، وأنا متأكد من ذلك". ـ أنا لست مثلك متأكدا من ذلك. "هذا أفضل بكثير. من الواضح أن لها ثقة كبيرة بك، وهذه مسألة قوية في صالحك". ـ وهي كل شيء. "أعترف بصراحة، وبأقصى قدر من اهتمامي، أني لم أشعر نحوك باستلطاف شديد أول الأمر، لكني الآن، ومنذ أن التقينا، حريص أن أصحح انطباعي الأول"، وأضاف بكياسة: "أعتقد أننا في الدرب نفسه. على فكرة، ما هو القولنج؟" وتخلصت بفضله من ارتباكاتي إذ أضاف بدعابة طلية: "مهما يكن، لن يكون أسوأ من التهاب الزائدة، وثق بي أنني سأعرف عنه الكثير كما تفعل". لم يسأل كثيرا عندئذ. لقد راقت لي معاملته الصريحة اللبقة حتى جازفت بالمقابل أن أطرح عليه سؤالا( 3). أجاب وفي صوته شيء من حرج: "لا، كنت أرجو من الله لو كان لنا ذلك! لقد مر الآن على زواجنا خمس سنوات، ولا من علامة على ذلك حتى الآن. كم أتمنى من الله لو رزقنا ذلك! أنت تعلم أني ولدت في هذا البيت القديم وكذلك أبي، ومقري الريفي في تورين ملك لنا طوال ثلاثة قرون، وأنا الأخير في أسرتي، وهذا أمر شاق جداً، ثم... ألا يمكن فعل أي شيء لهذه الأعصاب المضطربة؟ أليس لديك أي اقتراح؟"  "أنا متأكد أن هذا الجو الموهن في باريس ليس ملائما للكونتيسة، فلماذا لا تذهبان إلى قصركم في تورين طلبا للتغيير؟" تهلل وجهه بكامله. قال الكونت، وهو يمد يديه نحوي: "أنت صديقي فعلا، لا أطلب أفضل من ذلك! أدواتي للصيد هناك، ولدي أملاك واسعة للعناية بها، أحب أن أكون هناك، لكنها تصيب الكونتيسة بالضجر إلى حد قاتل، ومن الطبيعي أن تعاني من الوحشة نوعا ما لأنها تحب أن ترى صديقاتها كل يوم وتذهب إلى الحفلات أو إلى المسرح كل ليلة. ولكن أنَّى لها أن تحوز على الطاقة حتى تستمر في هذه الحالة من شهر إلى شهر، وهي التي تقول إنها دائما مرهقة، وهذا ما لا أستطيع أن أفهمه. وهذا سيقتلني لا محالة. وهي تقول إنها يجب أن تبقى في باريس للعناية بالقولج، ومن قبل كان التهاب الزائدة. لكني لا أريد أن أظن أنها أنانية، بل على العكس إنها تفكر بي دائما حتى إنها تريدني أن أذهب وحدي إلى شاتو( 4) رامو، فهي تعلم كم أكون سعيداً هناك. لكن كيف لي أن أتركها وحيدة في باريس؟ فهي صغيرة وقليلة الخبرة إلى أبعد حد". "كم عمر الكونتيسة؟" "تسع وعشرون فقط. وهي تبدو أصغر من ذلك".  "نعم، إنها تبدو كفتاة صغيرة تقريبا". لاذ بالسكوت لحظة. "بالمناسبة، متى تنوي أن تأخذ إجازتك؟" لم آخذ إجازة طوال ثلاث سنوات". وهذا أهم سبب أن تأخذها هذه السنة. هل تجيد الرمي؟" أنا لا أقتل الحيوانات، إن أمكنني تجنب ذلك. لِمَ تسألني هذا السؤال؟" لأن لدينا فسحة رائعة للصيد في شاتو رامو، وأنا متأكد أن أسبوعاً في راحة تامة سيكون مفيداً لك إلى أبعد حد. ذلك ما تقوله زوجتي، وهي تقول إنك مرهق بشكل رهيب، وإلى جانب ذلك تشرف عليها".     "أنت طيب جدًّا سيدي الكونت، وأنا في حالة جيدة تماما، ولا شيء يهمني إلا أني لا أستطيع النوم". "النوم! بودي لو أستطيع أن أعطيك بعض نومي! عندي أكثر مما أحتاج إليه، وما أدخر. هل تعلم أني لا أكاد أجد الوقت لأضع رأسي على الوسادة قبل أن أستغرق في النوم بسرعة ولا شيء يقوى على إيقاظي. زوجتي تنهض باكرا، لكني لم أشعر أبدا بنهوضها ولو مرة واحدة، وعلى خادمي الذي يحضر لي قهوتي في التاسعة أن يهزني حتى أصحو. إني أرثي لحالك فعلا. بالمناسبة، ليس لديك معرفة بأي علاج للشخير، على ما أظن؟" كانت حالة واضحة. انضممنا إلى السيدات في غرفة الضيوف. وقد هيئ لي أن أجلس بجانب المركيزة الموقرة من أجل الاستشارة غير المعلنة التي رتبتها الكونتيسة بمهارة بالغة. وبعد محاولة أخرى لفتح محادثة مع السيدة العجوز، صرخت في نفير أذنها أنها غير مصابة بالقولنج، لكني واثق أنها ستصاب به إذا لم تقلع عن تناول فطيرة الكبد الدسمة. وهمست لها المركيزة: "أخبرتك بذلك، أليس ذكيا؟" رغبت المركيزة أن تعرف في الحال كل أعراض القولنج وابتسمت لي بابتهاج، وأنا أقطر السم الخفيف في نفير أذنها. وحين وقفت متأهبة للذهاب، كنت قد فقدت صوتي، لكني حصلت على  مريضة جديدة. بعد أسبوع، وقفت عربة أنيقة في شارع ڤيليير، واندفع خادم صاعداً الدرج ومعه ملاحظة مخربشة على عجل من الكونتيسة تدعوني أن آتي فورا إلى المركيزة التي أخذوها ليلاً إلى المشفى مع أعراض قولنج واضحة. وهكذا حققت دخولي في مجتمع باريس. انتشر القولنج كنار عاصفة في أنحاء باريس كلها. وسرعان ما امتلأت غرفة الانتظار إلى درجة أني كنت مضطرا لإعداد غرفة طعامي نوعا من غرفة انتظار إضافية. وكان غامضا لدي دائما كيف استطاع هؤلاء الناس كلهم أن يجدوا الوقت والصبر للجلوس والانتظار طويلا، وفي الغالب لساعات. دأبت الكونتيسة على أن تأتي بانتظام مرتين في الأسبوع، وكانت بين حين وآخر تشعر بالحرج، فتجيء في أيام أخرى كذلك. كان واضحاً أن القولنج مناسب لها أكثر من التهاب الزائدة إلى حد بعيد، وقد تخلص وجهها من شحوب الضنى وعادت عيناها الواسعتان تأتلقان بالصبا.   وبينما كنت أغادر فندق المركيز، في أحد الأيام، كانت تتهيأ للذهاب إلى الريف. كنت هناك لألقي عليها تحية الوداع، فألفيت الكونتيسة واقفة بجانب عربتي وهي في حديث ودي مع توم الذي كان جالسا على رزمة ضخمة، نصف مختفٍ تحت بساط العربة. كانت الكونتيسة في طريقها إلى مخازن اللوڤر لتشتري هدية صغيرة للمركيزة في عيد ميلادها غداً، ولم تكن تدري ماذا يمكن أن تعطيها. فاقترحت كلباً. "كلب! يا لها من فكرة رائعة!" وتذكرت أنهم أخذوها في طفولتها لترى المركيزة، وكانت تجدها دائما وفي حضنها بج( 5)، كلب سمين إلى حد أنه لا يكاد يقدر أن يمشي ويغط بشكل مزعج حتى إنك تسمعه في كل أرجاء البيت. ويوم مات، ظلت عمتها تذرف الدمع عليه طوال أسابيع. فكرة رائعة فعلا. مشينا منحدرين في الشارع إلى ناصية شارع كامبون حيث كان المخزن المشهور لبيع الكلاب. وهناك، بين مجموعة من المهجنات من جميع الأصناف والمواصفات، كان يقعد الكلب الذي أريده تماما، بج أرستقراطي صغير، راح يهر علينا بإلحاح ليشد انتباهنا إلى حالته الحزينة ويتوسل إلينا بعينيه المحتقنتين بالدم لنأخذه بعيدا عن هذا المجتمع المختلط الذي ألقاه فيه سوء الطالع المحض ولا ذنب له في ذلك. كاد أن يختنق بالعاطفة حين تأكد بأنه محظوظ وقد وضع في عربة وأرسل إلى الفندق في ضاحية سان جيرمان. كانت الكونتيسة بأية حال ذاهبة إلى مخازن اللوڤر لاختيار قبعة جديدة. قالت إنها تريد أن تذهب سيراً على قدميها. ثم قالت إنها تريد عربة ولقد تطوعت أن آخذها بعربتي. ترددت لحظة – ماذا سيقول الناس إذا رأوني راكبة في عربته؟ - ثم قبلت بطيبة خاطر. ولكن، ألم يكن بعيدا عن طريقي أن آخذها إلى اللوڤر؟ لا أبداً، لأني لم يكن لدي ما أعمله حينئذ. وسألتْ الكونتيسة بفضول أنثوي: "ماذا في تلك الرزمة؟" كنت على وشك أن أخبرها بكذبة أخرى، حين قفز توم إلى مكانه غير المألوف على المقعد بجانبي، وكانت مهمته كحارس وحيد للرزمة النفيسة قد انتهت. انشقت الرزمة واندفع خارجا منها رأس دمية. "لِمَ تمضي بهذه الدمى في عربتك، بحق السماء، لمن هي؟" "للأطفال". لم تكن تعرف أن لي أي أطفال، وبدت شبه مستاءة من تكتمي في شؤوني الخاصة. كم عدد أطفالي؟ حوالي دزينة. لم يكن أمامي أي مهرب، وكان على السر أن ينكشف كاملاً. قلت بشجاعة: "تعالي معي، وفي طريق العودة سآخذك لتري صديقي جاك، الغوريللا في حديقة النبات. إنها في طريقنا تمامًا". كانت الكونتيسة في ذلك اليوم بوضوح في أحسن مزاج وهي قابلة لأي شيء، قالت إنها مسرورة جدًّا. وبعد أن تجاوزنا غار مونبَرناس، بدأت تفقد الاتجاه وفي الحال لم تعد تعرف أبداً أين هي. مررنا ببعض الأحياء الفقيرة القاتمة، كريهة الرائحة. عشرات من أطفال معفرين كانوا يلعبون في البالوعة الجانبية، مخنوقين بالقذارة والحرمان من كل نوع، وأمام كل باب تقريباً قعدت امرأة ومعها طفل على ثديها وأطفال آخرون إلى جانبها، يحتشدون حول الكانون. "أهذه باريس؟" سألت الكونتيسة بنظرة شبه مروعة في عينيها. "نعم، هذه باريس، مدينة النور! وهذه دخلة روسيل"، أضفت ونحن نقف أمام زقاق غير نافذ، رطب ومعتم مثل قاع بير. كانت زوجة سالڤاتور جالسة على كرسي العائلة الوحيد، وطفل محنتها بتروشيو في حضنها، وهي تحرك عصيدة الذرة لعشاء العائلة، وشقيقتا بتروشيو الكبيرتان يرقبانها بلهفة، بينما كان الطفل الأصغر يزحف على الأرض وهو يطارد قطة صغيرة. أخبرت زوجة سلڤاتور أني أحضرت سيدة لطيفة أرادت أن تعطي الأطفال هدية. ومن خجلها، أدركتُ أن الكونتيسة تدخل لأول مرة في حياتها بيت فقراء معدمين. تورد خداها بلون قرمزي وهي تناول الدمية الأولى لأم بتروشيو، لأن بتروشيو نفسه لم يكن قادراً على الإمساك بأي شيء في يديه المشلولتين، فقد كان مشلولاً منذ ولادته. لم يظهر بتروشيو أي أمارة سرور، لأن دماغه كان مخدراً كأطرافه، لكن أمه كانت متأكدة أنه أحب الدمية كثيراً. وتلقت كلتا شقيقتيه دمية بدورهما وانطلقتا مبتعدتين بابتهاج لتختبئا وراء السرير وتلعبا كأمين صغيرتين. متى يمكن لسلڤاتور أن يخرج من المشفى في تقديري؟ لقد مضى عليه اليوم ما يقارب ستة أسابيع منذ أن سقط عن السقالة وكسر ساقه. نعم، لقد رأيته في مشفى لاريبوازيير، كان يبدو في حالة حسنة وأرجو أن يخرج قريبا. كيف تسير أمورها مع مالك البيت الجديد؟ الشكر لله، حسنة جدا، كان طيبا جدا، وقد وعد أن يضع موقدا في الشتاء المقبل. ألم يكن لطفا منه أنه فتح كوة تحت السقف، ألا أتذكر كم كانت الغرفة معتمة من قبل؟ قالت زوجة سلڤاتور: "انظر كم هو مشرق ومبهج هنا الآن، السيامي في الجنة". هل كان صحيحا أن أركانجيلو فوسكو أخبرها أني قلت للمالك القديم، يوم ألقى بها في الشارع واستولى على كل ما تملك:  إن الساعة آتية وإن الله سيعاقبه لقسوته علينا جميعا، نحن الناس الفقراء، وأني شتمته بحدة حتى إنه شنق نفسه بعد ساعتين؟ نعم، كان صحيحا تماما وأنا لا آسف على ما فعلت. وفي حين كنا نمضي بعيداً، رجع صديقي أركانجيلو فوسكو، الذي كان يسكن الغرفة مع عائلة سلڤاتورو، من عمله اليومي ومكنسته على كتفه. كانت حرفته إصلاح المكانس – في تلك الأيام كان معظم كناسي الشوارع في باريس إيطاليين. كنت مسروراً أن أقدمه للكونتيسة، ذلك أقل ما ينبغي أن أفعل في مقابل الخدمة النفيسة التي قام بها من أجلي، حين ذهب معي إلى مخفر البوليس ليثبت براءتي في ما يتعلق بموت المالك القديم. الله يعلم في أي ورطة فظيعة كان يمكن أن أقع لو لم يكن لأركانجيلو فوسكو يد فيها. وحتى في هذه الحال، كانت النجاة بأعجوبة. لقد كنت على وشك الاعتقال بسبب القتل!( 6) أركانجيلو الذي كان يضع وردة فوق أذنه، وهي عادة إيطالية، قدم الوردة بشهامة جنوبية إلى الكونتيسة التي بدت وكأنها لم تتلقَّ أبداً تقديراً لشبابها الجميل ألطف من ذلك. كان الوقت قد تأخر أكثر من اللازم لزيارة حديقة النبات، لذلك أوصلت الكونتيسة مباشرة إلى فندقها. كانت صامتة جدًّا، لذا حاولت أن أبهجها بأن أسرد لها تلك القصة الطريفة عن السيدة اللطيفة التي قرأت، مصادفة، مقالة عن الدمى في"مجلة بلاكوود" وراحت تشتغل دمى بالعشرات للأطفال الفقراء الذين تحدثت عنهم. ألم تلاحظ كيف كانت جميلة بعض الدمى في لباسها؟ نعم، إنها لاحظت ذلك. هل كانت السيدة جميلة؟ نعم، جميلة جدًّا. هل هي في باريس؟ لا، كان علي أن أجعلها تتوقف عن صنع مزيد من الدمى، حين وجدت أن عدد الدمى صار أكثر من المرضى، وقد أرسلت السيدة إلى القديس موريتس لتغيير الجو. وحين وجهت تحية الوداع للكونتيسة أمام فندقها، عبرت عن أسفي لأننا لم يكن لدينا الوقت لزيارة الغوريلا في حديقة النبات، لكني آمل في أية حال ألا تكون آسفة للمجيء معي. "لست آسفة، بل ممتنة جدا، ولكن، لكن ، لكن... أنا خجلانة للغاية"، وغصت بالبكاء وهي تقفز لتدخل بوابة فندقها.    ----------------------------- ( 1) الخرقاء:  من لا عمل لها وهي لا تجيد أي عمل. (م) ( 2) Colitis :  القولنج، التهاب غشاء القولون المخاطي. هذه الكلمة، كما تستعمل اليوم، لم تكن معروفة في تلك الأيام. آثام كثيرة ارتكبها الأطباء والمرضى معا باسم القولنج خلال المرحلة الأولى من مساره الساطع. وحتى اليوم ليس من النادر أن نجد بعض الغموض وعدم الاقتناع بهذا التشخيص. (3 ) الجواب يوحي بأن السؤال كان عن الحمل والأولاد. (م) (4 ) Château  :  قصر ريفي، لكني آثرت أن أترك الكلمة مقرونة بالاسم. (م) (5 )  Pug:  نوع من الكلاب صغير الحجم. (6 ) كنت أروي هذه القصة الغريبة في كل مكان.     --------------------   هذه الملحمة الإنسانية  لاكسيل مونتي يصعب أن نَفيها حقها في مقالة موجزة، خاصة وهو يعبر بعمق وألم عن المعركة الدائرة بين الموت والحياة... فالمعركة منظمة في أدق تفاصيلها وفق قانون من التوازن بين الحياة والموت لا يقبل التغيير... لذا أترك للقارئ متعة قراءتها، كما استمتعت. محمد أحمد السويدي بتكليف ورعاية من الشاعر الإماراتي محمد أحمد السويدي، وبدافع من حب المعرفة والسعي لنشرها قامت القرية الإلكترونية بتوفير هذه النسخة من قصة سان ميشيل مترجمة باللغة العربية – ترجمها علي كنعان. (جميع الحقوق محفوظة) صفحتنا الرسمية في فيس بوك : https://www.facebook.com/mohammed.suwaidi.poet/ منصتنا في جوجل بلس لمتابعة باقي مشروعاتنا  https://plus.google.com/+HisExcellencyMohammedAhmedAlSuwaidi?hl=ar , Electronic Village, His excellency mohammed ahmed khalifa al suwaidi, Arabic Poetry, Arabic Knowledge, arabic articles, astrology, science museum, art museum,goethe museum, alwaraq, arab poet, arabic poems, Arabic Books,Arabic Quiz, القرية الإلكترونية , محمد أحمد خليفة السويدي , محمد أحمد السويدي , محمد السويدي , محمد سويدي , mohammed al suwaidi, mohammed al sowaidi,mohammed suwaidi, mohammed sowaidi, mohammad alsuwaidi, mohammad alsowaidi, mohammed ahmed alsuwaidi, محمد السويدي , محمد أحمد السويدي , muhammed alsuwaidi,muhammed suwaidi,,

Related Articles

سان ميشيل - لأكسِل مونتي - استهلال
قصة سان ميشيل لأكسِل مونتي - الحلقة رقم 1 - الصِّبا
قصة سان ميشيل لأكسِل مونتي - الحلقة رقم 2 - الحي اللاتيني
قصة سان ميشيل لأكسِل مونتي - الحلقة رقم 3 - شارع ڤيليير
قصة سان ميشيل لأكسِل مونتي - الحلقة رقم 4 - طبيب من أحدث طراز
قصة سان ميشيل لأكسِل مونتي - الحلقة رقم 5 - قصر رامو
قصة سان ميشيل لأكسِل مونتي - الحلقة رقم 7 - نابولي