محمد أحمد خليفة السويدي - القرية الإلكترونية - Spreading Knowledge - محمد أحمد السويدي - محمد السويدي
Arabic    

قصة سان ميشيل لأكسِل مونتي - الحلقة رقم 4 - طبيب من أحدث طراز


2019-06-15
اعرض في فيس بوك
التصنيف : قصة سان ميشيل

 

 

 

قصة سان ميشيل لأكسِل مونتي
                                       ترجمة:  علي كنعان
الحلقة رقم (4)
IV
طبيب من أحدث طراز 
   
كان لي دعوة دائمة للعشاء في الفندق بضاحية سان جيرمان كل أحد. كان الكونت قد سحب منذ عهد بعيد اعتراضاته على الأطباء، وكان في الحقيقة ساحراً لي. عشاء عائلي، لم يكن فيه إلا مسيو لابيه( 1) وابن عم الكونتيسة، الفيكونت موريس في المناسبات، الذي كان يعاملني بما يشبه الوقاحة ودون اكتراث. وأنا كرهته من أول مرة رأيته فيها، وسرعان ما تبين لي أني لم أكن الوحيد. وكان واضحا أن الكونت وهو قلما يتحدث أحدهما إلى الآخر. كان اللابيه راهبا من المدرسة القديمة ورجلاً خبر العالم، وهو يعرف عن الحياة وطبيعة البشر أكثر مني بكثير. في البداية كان متحفظاً جدًّا تجاهي، وغالباً ما كنت أشعر أنه يعرف عن القولنج أكثر مني، كلما لمحتُ عينيه الثاقبتين مصوبتين نحوي. كنت أشعر بشيء من الخجل أمام هذا الرجل الكهل، وكم وددت أن أتحدث إليه بصراحة وألقي بأوراقي على الطاولة. لكن لم يتيسر ذلك أبدا، ولم تتح لي الفرصة أن أراه على حدة. وفي أحد الأيام، وأنا أدخل غرفة طعامي لأتناول على عجل غداء خفيفا قبل بدء استشاراتي، فوجئت بوجوده هناك في انتظاري. قال إنه جاء باختياره، وبصفته صديقا قديما للعائلة، ويتمنى ألا أذكر زيارته لأحد.
وبدأ حديثه: "كنتَ ناجحا مع الكونتيسة بشكل رائع، ونحن جميعاً في غاية الامتنان لك. كما يجب أن أثني عليك من أجل المركيزة. أنا الآن قادم من عندها، فأنا كاهن اعترافها، وما يدهشني أن أراها كل يوم في حالة أفضل. لكني أتيت اليوم لأتحدث إليك من أجل الكونت، إني قلق عليه كثيراً، وأنا متأكد أن حالته ستزداد سوءاً( 2). فهو لا يكاد يغادر البيت أبداً، ويمضي معظم أيامه في غرفته يدخن سيجاره الغليظ، وينام طوال ساعات بعد الغداء، وغالباً ما وجدته نائماً في كرسيه في أي وقت من النهار وسيجاره في فمه. وهو في الريف رجل مختلف تماماً، فهو في كل يوم بعد القداس يتجول راكباً، نشيطاً ومشرقاً ويولي اهتماماً فائقاً في إدارة عزبته الكبيرة. أمنيته الوحيدة أن يذهب إلى قصره في تورين، وإذا لم تكن الكونتيسة مقتنعة بمغادرة باريس، وهي الحالة التي أخشاها، فقد توصلتُ مكرهاً إلى الاعتقاد أن عليه أن يذهب وحده. إن له ثقة كبيرة بك وإذا أخبرته أن من الضروري لصحته أن يغادر باريس، فهو سيفعل ذلك. وهذا بالضبط ما جئت من أجله طالباً إليك أن تؤديه".
"آسف، مسيو لابيه، لكني لا أستطيع".
نظر إلي باندهاش سافر، وبما يشبه الارتياب.
"هل لي أن أسألك عن سبب رفضك؟"
"الكونتيسة لا تستطيع أن تغادر باريس الآن، ومن الطبيعي تماماً أن عليها أن ترافق الكونت".
"ألا يمكن معالجة قولنجها في الريف، وهناك طبيب جيد ومأمون في القلعة، وغالباً ما كان يعتني بها من قبل، حين كانت تعاني من التهاب الزائدة".
"وماذا كانت النتيجة؟"
لم يجب.
قلت: "أيمكن أن أسألك بدوري هذا السؤال؟ لنفترض أن الكونتيسة تماثلت للشفاء فجأة من القولنج، هل باستطاعتك أن تقنعها بمغادرة باريس؟"
لنتكلم بصدق: "لا. ولكن، لمَ هذا الافتراض، وأنا أفهم أن هذه العلة طويلة الأمد ومن الصعب أن تشفى؟"
"بإمكاني أن أشفي الكونتيسة من القولنج في يوم واحد".
تطلع إلي بنظرة ذاهلة.
"ولم لا تفعل، باسم جميع القديسين؟ أنت تجلب على نفسك مسؤولية هائلة".
"لست خائفا من المسؤولية، وإلا ما كنت هنا. ولكن دعني أتحدث بصراحة. نعم، بإمكاني أن أشفي الكونتيسة في يوم واحد، فليس عندها قولنج أكثر مني أو منك، ولم تُصَب إطلاقاً بالتهاب الزائدة. إن كل شيء في رأسها، في أعصابها. فلو أبعدت القولنج عنها بسرعة أكثر من اللازم، فمن المحتمل أن تفقد توازنها كليًّا، أو تجنح لشيء أسوأ بكثير، ولنقل:  مورفين، أو عشيق. فالكونتيسة ستبقى تحت نظري ما دمت قادرا على أن أقدم لها أي شيء مفيد. وسيكون خطأ نفسانيا أن أطلب إلى الكونتيسة أن تغادر باريس الآن. من المحتمل أن ترفض، وإذا تجرأت أن تعصيني مرة واحدة، فإن ثقتها بي ستنتهي. أعطني أسبوعين وسوف تغادر باريس برغبتها ذاتها – أو على الأقل ستعتقد ذلك. كل ما في الأمر مسألة تكتيك. إنه سيكون خطأ من نوع آخر أن تجعل الكونت يمضي وحده، وأنت تعرف هذا، مسيو لابيه، كما أعرفه". 
 تأملني بانتباه لكنه لم يفُه بكلمة.
"أما بشأن المركيزة، فقد كان لطفاً منك أن تثني علي بما يكفي لما قدمته لها، وأنا تقبلت الثناء. ولأتحدث من الزاوية الطبية، فأنا لم أفعل شيئاً ولا أي إنسان آخر قادر أن يفعل شيئاً. الناس الصم يعانون إلى أبعد حد من العزلة المفروضة عليهم من الآخرين، ولا سيما أولئك الذين لا يتمتعون بأي ذخيرة عقلية خاصة بهم، وهم الأغلبية. والشيء الوحيد الذي يمكن أن نسعفهم به هو أن نصرف انتباههم بعيدا عن بليتهم. أفكار المركيزة منشغلة بالقولنج بدل الصمم، وأنت رأيت النتيجة بنفسك. وأنا بذاتي بدأت أشعر بما يكفي تماما من القولنج، وبما أن المركيزة ستذهب إلى الريف، فقد استبدلت به كلب الحضن، فهو أكثر ملاءمة لحياة الريف".
وفي حين كان اللابيه يمضي مبتعداً، التفت من الباب وتطلع إليَّ باهتمام.
"كم عمرك؟"
"ست وعشرون".
"لقد ذهبت بعيداً، يا بني! ذهبت بعيداً".
وفكرت: "نعم، إني ماضٍ بعيداً، بعيداً جدًّا عن هذه الحياة المذلة من الدجل والخداع، وعن كل هؤلاء الناس المزيفين، راجع إلى تلك الجزيرة الساحرة، راجع إلى ماريا حاملة الرسائل، إلى السيد فنسينزو وجوكندا، لأغسل روحي في ذلك البيت الصغير الأبيض الجاثم عالياً في أوج الجرف الصخري. كم من الوقت المتطاول سوف أهدر في هذه البلدة الرهيبة؟ ومتى سينجز سانت أنطونيو معجزته؟"
ثمة رسالة وداع من المركيزة استقرت على طاولتي، لم تكن بالإنجليزية، إنما بالفرنسية، وهي مفعمة بالامتنان والثناء. وكان فيها قطعة نقدية كبيرة. نظرت إلى صورة كابري الباهتة في زاوية غرفتي ووضعت المال في جيبي. ماذا جرى لكل ذلك المال الذي اكتسبته في تلك الأيام من الرخاء والحظ السعيد؟ كنت أتصور أني سوف أوفره كله من أجل بيت السي فنسينزو، لكن الحقيقة ماثلة، فأنا لم أحصل أبدا على مال لأوفره. عاقبة الخطيئة؟ ربما، ولكن إن كان الأمر كذلك، فإن الكلية جمعاء كان ينبغي أن تصبح مفلسة، لأننا كنا جميعاً في المركب نفسه، الأساتذة كزملائي تماماً، مع النوع ذاته من الزبائن مثلي. ولحسن حظي كان لدي مرضى آخرون أيضا، كثير منهم وبما يكفي ليعصمني من أن أصبح مشعوذاً تماماً. وكان المختصون في تلك الأيام أقل بكثير مما هم اليوم. كان مفترضا أن أعرف كل شيء، حتى الجراحة. لقد أخذت مني سنتين حتى تأكدت أني لا أصلح أن أكون جراحا، وأخشى أن تكون قد أخذت من مرضاي وقتا أقل. ومع أن المفترض أن أكون طبيب أعصاب، فقد قمت بكل شيء مطلوب من الطبيب أن يعمله، حتى التوليد، كان الله في عون الأم والطفل. وفي الحقيقة، كان مدهشاً كم رفع معظم مرضاي من مستوى معالجتي. حين كان نابلون يلمح بعينه حادة البصر لائحة الضباط المقترحين للترفيع إلى جنرالات، اعتاد أن يخربش على هامش اسم ما: "هل هو محظوظ؟" وأنا كان حظي مدهشاً، ويكاد يكون حظاً خارقاً بكل شيء لمسته يداي، ومع كل مريض رأيته. لم أكن طبيباً جيداً، كانت دراساتي أسرع مما ينبغي، وتدريبي في المشفى أقصر من اللازم، لكن لم يكن ثمة أدنى شك بأني طبيب ناجح. ما سر النجاح، يا ترى؟ أن توحي بالثقة. وما الثقة؟ من أين تنبع، من العقل أم من القلب؟ هل تنشأ من الأطوار العليا لعقليتنا، أم أنها شجرة راسخة من معرفة الخير والشر وجذورها تنبثق من أعماق كياننا ذاته؟ وعبر أي القنوات تتواصل مع الآخرين؟ أهي مرئية في العين، أهي مسموعة في الكلمة المنطوقة؟ لا أدري، وكل ما أعرفه أنها لا يمكن إحرازها من قراءة الكتب، ولا من مجاورة أسرة المرضى. إنها موهبة سحرية تمنح بفضل امتياز المولد لإنسان ما وتحجب عن آخر. الطبيب الذي يمتلك هذه الموهبة يوشك أن يحيي الموتى. وعلى الطبيب الذي لا يمتلكها أن يلجأ لاستدعاء زميل للاستشارة في حالة حصبة. وسرعان ما اكتشفت أن هذه الموهبة النفيسة قد أنعمت علي ولم أكن جديرا بها. لقد اكتشفتها في اللحظة الحاسمة، لأن الغرور بدأ يخامرني وكنت مسرورا جدًّا بذلك. لقد جعلني أدرك مدى ضآلة ما أعرف، وجعلني ألجأ أكثر فأكثر إلى الطبيعة الأم، الممرضة العجوز الحكيمة، طلباً للنصيحة والمساعدة. ولعل هذا ما كان يساعدني لأغدو طبيبا جيدا في النهاية، لو ثابرت على عملي في المشفى والعناية بمرضاي الفقراء. لكني فقدت فرصي كلها، لأني أصبحت بالمقابل طبيبا من أحدث طراز. وإذا صادفت طبيبا من هذا الطراز، راقبه بعناية من مسافة آمنة قبل أن تناوله يدك. ربما كان طبيبا جيدا، ولكنه في حالات كثيرة جدًّا ليس كذلك. أولا، وهذه هي القاعدة، لأنه مشغول جدًّا وهو أبعد ما يكون من الاستماع بصبر لقصتك الطويلة. ثانيا، لأنه عرضة بصورة حتمية لأن يغدو متعجرفا، إذا لم يكن كذلك في السابق، فيدع الكونتيسة تدخل قبلك، ويعاين كبد الكونت باهتمام أكبر من خادمه، ويذهب إلى حفلة الحديقة في السفارة البريطانية بدلاً من طفلك الأخير الذي ازداد سعاله الديكي سوءاً. ثالثاً، ما لم يكن قلبه سليما جدًّا فسرعان ما تظهر عليه أعراض واضحة للتصلب المبكر في ذلك العضو؛ فهو سيغدو لامبالياً وعديم الإحساس بآلام الآخرين، كالناس الباحثين عن المتعة حوله. لا يمكن أن تكون طبيباً بلا رحمة.
 
مع أنني كنت مهتماً بعلم النفس، فغالباً ما كنت أسأل نفسي بعد أن أنتهي من عمل يوم طويل:  لِمَ يقعد كل هؤلاء الناس الأغبياء بانتظاري لساعات في غرفة الاستشارة؟ لماذا كلهم يطيعونني؟ وكيف أستطيع أن أجعلهم يشعرون في أغلب الأحيان بحالة أفضل، حتى بمجرد لمسة من يدي؟ ولماذا يصبحون مسالمين وهادئين جدًّا حين أضع يدي على جبينهم، حتى بعد أن تذهب سلطة الكلام ويتلاشى رعب الموت من عيونهم؟ ولماذا يصبح المجانين في جناح القديسة آن، وهم يزبدون غضباً ويزعقون كحيوانات ضارية، هادئين وطيعين حين أرخي ستراتهم المكبلة وأضع يدهم في يدي؟ كانت حيلة مبتذلة مني عرفها كل الحراس والعديد من رفقائي، وحتى البروفيسور اعتاد أن يقول عني: "هذا الولد فيه عفريت!"( 3) كان لدي دائما محبة خفية للمجانين، وقد اعتدت أن أتجول باطمئنان في صالة المهتاجين وكأني بين أصدقاء. لقد حذروني أكثر من مرة أن الأمر قد ينتهي بالأذى، لكني كنت أعرف أكثر بطبيعة الحال. وفي أحد الأيام، ضربني واحد من أعز أصدقائي على قفا رأسي بمطرقة وصلت إلى يده بطريقة غير قابلة للتعليل، وحُملت إلى المشفى فاقد الوعي. كانت ضربة فظيعة، وصديقي كان في السابق حدادا يعرف شغله. ظنوا في البداية أن لدي كسرا في الجمجمة. لا، ليس أنا! لم يكن إلا تشوش الانتباه وقد جلبت لي مغامرتي إطراء مداهنا من مدير المشفى: "هذا السويدي الملعون له رأس يابس، وكان من المكن أن يكسر المطرقة!"
ولما عادت حالتي العقلية إلى العمل بعد ثمان وأربعين ساعة من التوقف التام، قلت لنفسي: "على أية حال، لتكن بالرأس ولا باليد". وبينما كنت مستلقيا في المشفى أسبوعا كاملا وكيس من  الجليد على قحفي،"رأس الدب"، ولا من زوار ولا كتب تلازم صحبتي. بدأت أفكر بفظاعة الموضوع، وحتى مطرقة الحداد لم تستطع أن تجعلني أتخلى عن نظريتي أن المشكلة كلها باليد.
 
كيف تمكنت من وضع يدي بين قضبان قفص النمر الأسود في معرض بيزون للوحوش، وإذا لم يقترب منه أحد ليستثيره، جعلت الهر الكبير يتقلب على ظهره، وينخر نحوي بلطف، ويدي بين مخالبه وهو يتثاءب وقد فتح فمه على مداه؟ وكيف استطعت أن أشق خرَّاج قدم اللبوة وأستخرج  شظية الخشب التي جعلت ليوني لا تستقر وهي تسير بألم مبرح على ثلاث قوائم طوال أسبوع؟ لقد فشل المخدر المحلي، وراحت اللبوة المسكينة تئن مثل طفل لما ضغطت لإخراج القيح من كفها. ولم يظهر عليها شيء من القلق إلا حين طهرت الجرح، ولم يكن ثمة أي غضب في هدير صوتها المكتوم، ولم تشعر بخيبة الأمل إلا لأني لم أسمح لها أن تلعقه بلسانها الحاد. حين انتهت العملية وغادرت معرض الوحوش وتحت ذراعي بابون صغير قدمه لي مسيو بيزون كأجرة، قال لي مروض الأسود الشهير: 
"سيدي الدكتور لديك نقص في اختصاصك، ينبغي أن تكون مروض حيوانات!"
وإيفان، الدب القطبي في حديقة الحيون، ألم يخرج من حوض الماء حالما رآني، ليأتي إلى قضبان حبسه منتصباً على رجليه الخلفيتين، فيضع أنفه أمام أنفي تماماً ويأخذ السمكة من يدي بطريقة ودية مثلى؟ قال القيِّم إنه لم يفعل ذلك مع أي شخص آخر، ولا ريب أنه تطلع إلي كنوع من أبناء بلده. لا تقل إنها السمكة وليست اليد، لأنه حين لم يكن معي ما أقدمه له، ظل واقفاً هناك في الوضع نفسه طوال مكوثي، يحدق إلي بعينيه السوداوين البراقتين تحت أهدابهما البيضاء ويتشمم يدي. ومن الطبيعي أننا تحدثنا بالسويدية، وبطريقة ذات لكنة قطبية التقطتها منه. كان يفهم بالتأكيد كل كلمة قلتها حين أخبرته بصوت رتيب خفيض كم كنت آسفاً من أجله وذلك أني رأيت، وأنا صبي، اثنين من أقربائه على مقربة من مركبنا بين كتل الجليد العائمة في أرض مولدنا.
جاك المسكين، الغوريلا المشهور في حديقة الحيوان، كان الوحيد من فصيلته لمدة طويلة، وقد أخذوه أسيرا وجاؤوا به إلى أرض أعدائه التي لا شمس فيها! ألم يضع بثقة كفه الخشنة في يدي حالما رآني؟ ألم يرغب في أن أربت بلطف على ظهره؟ كان يود أن يقعد هادئاً تماماً لدقائق ممسكاً بيدي دون أن يقول أي شيء. وغالباً ما كان يتطلع في راحة يدي بانتباه كبير وكأنه كان يعرف شيئاً ما عن قراءة الكف، وكان يثني أصابعي، واحدة بعد أخرى وكأنه يرى كيف تعمل المفاصل، ثم يفلت يدي وينظر بانتباه مماثل إلى كفه بضحكة خافتة، وكأنه يقول إنه لم يرَ فرقاً كبيراً بين الاثنتين؛ وكان مصيباً تماماً في ذلك. وقد اعتاد في معظم الوقت أن يجلس ساكناً تماماً وأصبعه تعبث بقشة، في الزاوية نفسها من قفصه حيث لا يمكن أن يراه الزوار، ومن النادر أن يستخدم الأرجوحة التي أعدت له على أمل أخرق أن يتخذها بدلاً من التأرجح على غصن شجرة الجميز حيث اعتاد أن يأخذ قيلولته في أيام حريته. لقد اعتاد أن ينام على أريكة مصنوعة من الخيزران، تشبه سرير العرب، لكنه كان ينهض باكراً ولم أره في سريره أبدا حتى أخذوه مريضا. لقد علمه القيِّم أن يتناول وجبة منتصف النهار وهو جالس إلى طاولة واطئة، ومنديل مثبت تحت ذقنه. وقد تم تزويده حتى بسكين وشوكة من الخشب الصلب، لكنه لم يتكيف معهما، وكان الأفضل له أن يأكل بأصابعه، كما كان أجدادنا يفعلون حتى قبل مئتي سنة وما زالت غالبية الجنس البشري تفعل ذلك. لكنه كان يشرب حليبه باستمتاع من كوبه الخاص وكذلك قهوته الصباحية مع كثير من السكر. صحيح أنه ينظف أنفه بأصابعه، لكن هذا ما كانت تفعله لورا( 4) (معشوقة) بترارك، وماري ملكة سكوتلاندا، والملك الشمس. يا لجاك المسكين! لقد دامت صداقتنا حتى النهاية. ولقد وقع مريضاً منذ عيد الميلاد، لونه صار رمادياً شاحباً، وجنتاه منكمشتان، وعيناه غاصتا عميقاً، عميقاً في محجريهما. صار قلقاً ومشاكساً، وكان يضعف جسمه بسرعة، وسرعان ما اعتراه سعال جاف ينذر بسوء حالته. كنت آخذ حرارته مرات عدة، لكني كنت حذراً جدًّا لأنه، كالأطفال، كان مستعدًّا لكسر ميزان الحرارة ليرى ماذا يتحرك في داخله. في أحد الأيام كان وهو جالس في حضني ممسكاً بيدي، أخذته نوبة عنيفة من السعال ونفث من رئتيه قليلا من الدم. ولقد أفزعه منظر الدم كما هو الأمر مع معظم الناس. وغالباً ما لاحظت أثناء الحرب كيف أن أشجع الجنود الذين كانوا يبدون لا مبالين بجروحهم المفتوحة، كانت وجوههم تشحب لدى مرأى بضع قطرات من دم طري. لقد فقد الكثير والكثير من شهيته، ولم يكن بالإمكان إغراؤه بتناول ثمرة موز أو تين إلا بصعوبة بالغة. وفي أحد الصباحات، وجدته مستلقياً في سريره وقد سحب البطانية على رأسه كما اعتاد المرضى أن يستلقوا تماماً في قاعة  القديسة كلير، عندما يكونون في حالة إعياء حتى الموت وهم مشمئزون من كل شيء. لا بد أنه أحس بقدومي لأنه مد يده من تحت الحِرام وأمسك بيدي. لم أشأ أن أزعجه، فجلست هناك مدة طويلة ويده في يدي، وأنا أصغي إلى تنفسه الثقيل المضطرب وإلى البلغم يغرغر في حلقه. وفي الحال رجت جسده كله نوبة حادة من السعال. جلس في سريره منتصباً ووضع كلتا يديه على صدغيه في وضع يائس. لقد تغير تعبير وجهه كليًّا. تخلى عن قناعه الحيواني واستحال  إلى كائن بشري يموت. لقد صار قريباً مني إلى درجة أنه بدا محروماً من الامتياز الوحيد الذي منحه الله العظيم للحيوانات في التعويض عن الآلام التي بلاهم بها الإنسان – وهو الموت السهل. كانت آلام موته رهيبة، فقد مات ببطء مخنوقاً من قبل الجلاد ذاته الذي غالباً ما رأيته يقوم بعمله في قاعة القديسة كلير. لقد ميزته جيدا من خلال قبضة يده البطيئة.
وماذا بعد؟ ماذا جرى لصديقي جاك؟ كنت على دراية تامة أن جسمه الذي نال حريته مضى إلى معهد التشريح وأن هيكله العظمي، بما فيه وعاء رأسه الكبير، ما يزال منتصباً في متحف دوبويترن. ولكن، هل هذا كل شيء؟
 
 
 
-------------------------
( 1)  l’Abbé:  رئيس الدير.
( 2) Il file un mauvais coton :  هو يغزل قطنا رديئا، هذا هو المعنى الحرفي للعبارة.
( 3)  Ce garçon-là le diable au corps! :  عبارة ذات مغزى مجازي، ولا علاقة لها بالشيطان المذكور فيها.
( 4)  Laura de Noves:  رآها بترارك في الكنيسة فأحبها وتغنى بها في قصائده الوجدانية.
 
 
--------------------
 
هذه الملحمة الإنسانية  لاكسيل مونتي يصعب أن نَفيها حقها في مقالة موجزة، خاصة وهو يعبر بعمق وألم عن المعركة الدائرة بين الموت والحياة... فالمعركة منظمة في أدق تفاصيلها وفق قانون من التوازن بين الحياة والموت لا يقبل التغيير... لذا أترك للقارئ متعة قراءتها، كما استمتعت. محمد أحمد السويدي
بتكليف ورعاية من الشاعر الإماراتي محمد أحمد السويدي، وبدافع من حب المعرفة والسعي لنشرها قامت القرية الإلكترونية بتوفير هذه النسخة من قصة سان ميشيل مترجمة باللغة العربية – ترجمها علي كنعان. (جميع الحقوق محفوظة)
صفحتنا الرسمية في فيس بوك :
منصتنا في جوجل بلس لمتابعة باقي مشروعاتنا 
https://plus.google.com/+HisExcellencyMohammedAhmedAlSuwaidi?hl=ar
 

      قصة سان ميشيل لأكسِل مونتي                                        ترجمة:  علي كنعان الحلقة رقم (4) IV طبيب من أحدث طراز      كان لي دعوة دائمة للعشاء في الفندق بضاحية سان جيرمان كل أحد. كان الكونت قد سحب منذ عهد بعيد اعتراضاته على الأطباء، وكان في الحقيقة ساحراً لي. عشاء عائلي، لم يكن فيه إلا مسيو لابيه( 1) وابن عم الكونتيسة، الفيكونت موريس في المناسبات، الذي كان يعاملني بما يشبه الوقاحة ودون اكتراث. وأنا كرهته من أول مرة رأيته فيها، وسرعان ما تبين لي أني لم أكن الوحيد. وكان واضحا أن الكونت وهو قلما يتحدث أحدهما إلى الآخر. كان اللابيه راهبا من المدرسة القديمة ورجلاً خبر العالم، وهو يعرف عن الحياة وطبيعة البشر أكثر مني بكثير. في البداية كان متحفظاً جدًّا تجاهي، وغالباً ما كنت أشعر أنه يعرف عن القولنج أكثر مني، كلما لمحتُ عينيه الثاقبتين مصوبتين نحوي. كنت أشعر بشيء من الخجل أمام هذا الرجل الكهل، وكم وددت أن أتحدث إليه بصراحة وألقي بأوراقي على الطاولة. لكن لم يتيسر ذلك أبدا، ولم تتح لي الفرصة أن أراه على حدة. وفي أحد الأيام، وأنا أدخل غرفة طعامي لأتناول على عجل غداء خفيفا قبل بدء استشاراتي، فوجئت بوجوده هناك في انتظاري. قال إنه جاء باختياره، وبصفته صديقا قديما للعائلة، ويتمنى ألا أذكر زيارته لأحد. وبدأ حديثه: "كنتَ ناجحا مع الكونتيسة بشكل رائع، ونحن جميعاً في غاية الامتنان لك. كما يجب أن أثني عليك من أجل المركيزة. أنا الآن قادم من عندها، فأنا كاهن اعترافها، وما يدهشني أن أراها كل يوم في حالة أفضل. لكني أتيت اليوم لأتحدث إليك من أجل الكونت، إني قلق عليه كثيراً، وأنا متأكد أن حالته ستزداد سوءاً( 2). فهو لا يكاد يغادر البيت أبداً، ويمضي معظم أيامه في غرفته يدخن سيجاره الغليظ، وينام طوال ساعات بعد الغداء، وغالباً ما وجدته نائماً في كرسيه في أي وقت من النهار وسيجاره في فمه. وهو في الريف رجل مختلف تماماً، فهو في كل يوم بعد القداس يتجول راكباً، نشيطاً ومشرقاً ويولي اهتماماً فائقاً في إدارة عزبته الكبيرة. أمنيته الوحيدة أن يذهب إلى قصره في تورين، وإذا لم تكن الكونتيسة مقتنعة بمغادرة باريس، وهي الحالة التي أخشاها، فقد توصلتُ مكرهاً إلى الاعتقاد أن عليه أن يذهب وحده. إن له ثقة كبيرة بك وإذا أخبرته أن من الضروري لصحته أن يغادر باريس، فهو سيفعل ذلك. وهذا بالضبط ما جئت من أجله طالباً إليك أن تؤديه". "آسف، مسيو لابيه، لكني لا أستطيع". نظر إلي باندهاش سافر، وبما يشبه الارتياب. "هل لي أن أسألك عن سبب رفضك؟" "الكونتيسة لا تستطيع أن تغادر باريس الآن، ومن الطبيعي تماماً أن عليها أن ترافق الكونت". "ألا يمكن معالجة قولنجها في الريف، وهناك طبيب جيد ومأمون في القلعة، وغالباً ما كان يعتني بها من قبل، حين كانت تعاني من التهاب الزائدة". "وماذا كانت النتيجة؟" لم يجب. قلت: "أيمكن أن أسألك بدوري هذا السؤال؟ لنفترض أن الكونتيسة تماثلت للشفاء فجأة من القولنج، هل باستطاعتك أن تقنعها بمغادرة باريس؟" لنتكلم بصدق: "لا. ولكن، لمَ هذا الافتراض، وأنا أفهم أن هذه العلة طويلة الأمد ومن الصعب أن تشفى؟" "بإمكاني أن أشفي الكونتيسة من القولنج في يوم واحد". تطلع إلي بنظرة ذاهلة. "ولم لا تفعل، باسم جميع القديسين؟ أنت تجلب على نفسك مسؤولية هائلة". "لست خائفا من المسؤولية، وإلا ما كنت هنا. ولكن دعني أتحدث بصراحة. نعم، بإمكاني أن أشفي الكونتيسة في يوم واحد، فليس عندها قولنج أكثر مني أو منك، ولم تُصَب إطلاقاً بالتهاب الزائدة. إن كل شيء في رأسها، في أعصابها. فلو أبعدت القولنج عنها بسرعة أكثر من اللازم، فمن المحتمل أن تفقد توازنها كليًّا، أو تجنح لشيء أسوأ بكثير، ولنقل:  مورفين، أو عشيق. فالكونتيسة ستبقى تحت نظري ما دمت قادرا على أن أقدم لها أي شيء مفيد. وسيكون خطأ نفسانيا أن أطلب إلى الكونتيسة أن تغادر باريس الآن. من المحتمل أن ترفض، وإذا تجرأت أن تعصيني مرة واحدة، فإن ثقتها بي ستنتهي. أعطني أسبوعين وسوف تغادر باريس برغبتها ذاتها – أو على الأقل ستعتقد ذلك. كل ما في الأمر مسألة تكتيك. إنه سيكون خطأ من نوع آخر أن تجعل الكونت يمضي وحده، وأنت تعرف هذا، مسيو لابيه، كما أعرفه".   تأملني بانتباه لكنه لم يفُه بكلمة. "أما بشأن المركيزة، فقد كان لطفاً منك أن تثني علي بما يكفي لما قدمته لها، وأنا تقبلت الثناء. ولأتحدث من الزاوية الطبية، فأنا لم أفعل شيئاً ولا أي إنسان آخر قادر أن يفعل شيئاً. الناس الصم يعانون إلى أبعد حد من العزلة المفروضة عليهم من الآخرين، ولا سيما أولئك الذين لا يتمتعون بأي ذخيرة عقلية خاصة بهم، وهم الأغلبية. والشيء الوحيد الذي يمكن أن نسعفهم به هو أن نصرف انتباههم بعيدا عن بليتهم. أفكار المركيزة منشغلة بالقولنج بدل الصمم، وأنت رأيت النتيجة بنفسك. وأنا بذاتي بدأت أشعر بما يكفي تماما من القولنج، وبما أن المركيزة ستذهب إلى الريف، فقد استبدلت به كلب الحضن، فهو أكثر ملاءمة لحياة الريف". وفي حين كان اللابيه يمضي مبتعداً، التفت من الباب وتطلع إليَّ باهتمام. "كم عمرك؟" "ست وعشرون". "لقد ذهبت بعيداً، يا بني! ذهبت بعيداً". وفكرت: "نعم، إني ماضٍ بعيداً، بعيداً جدًّا عن هذه الحياة المذلة من الدجل والخداع، وعن كل هؤلاء الناس المزيفين، راجع إلى تلك الجزيرة الساحرة، راجع إلى ماريا حاملة الرسائل، إلى السيد فنسينزو وجوكندا، لأغسل روحي في ذلك البيت الصغير الأبيض الجاثم عالياً في أوج الجرف الصخري. كم من الوقت المتطاول سوف أهدر في هذه البلدة الرهيبة؟ ومتى سينجز سانت أنطونيو معجزته؟" ثمة رسالة وداع من المركيزة استقرت على طاولتي، لم تكن بالإنجليزية، إنما بالفرنسية، وهي مفعمة بالامتنان والثناء. وكان فيها قطعة نقدية كبيرة. نظرت إلى صورة كابري الباهتة في زاوية غرفتي ووضعت المال في جيبي. ماذا جرى لكل ذلك المال الذي اكتسبته في تلك الأيام من الرخاء والحظ السعيد؟ كنت أتصور أني سوف أوفره كله من أجل بيت السي فنسينزو، لكن الحقيقة ماثلة، فأنا لم أحصل أبدا على مال لأوفره. عاقبة الخطيئة؟ ربما، ولكن إن كان الأمر كذلك، فإن الكلية جمعاء كان ينبغي أن تصبح مفلسة، لأننا كنا جميعاً في المركب نفسه، الأساتذة كزملائي تماماً، مع النوع ذاته من الزبائن مثلي. ولحسن حظي كان لدي مرضى آخرون أيضا، كثير منهم وبما يكفي ليعصمني من أن أصبح مشعوذاً تماماً. وكان المختصون في تلك الأيام أقل بكثير مما هم اليوم. كان مفترضا أن أعرف كل شيء، حتى الجراحة. لقد أخذت مني سنتين حتى تأكدت أني لا أصلح أن أكون جراحا، وأخشى أن تكون قد أخذت من مرضاي وقتا أقل. ومع أن المفترض أن أكون طبيب أعصاب، فقد قمت بكل شيء مطلوب من الطبيب أن يعمله، حتى التوليد، كان الله في عون الأم والطفل. وفي الحقيقة، كان مدهشاً كم رفع معظم مرضاي من مستوى معالجتي. حين كان نابلون يلمح بعينه حادة البصر لائحة الضباط المقترحين للترفيع إلى جنرالات، اعتاد أن يخربش على هامش اسم ما: "هل هو محظوظ؟" وأنا كان حظي مدهشاً، ويكاد يكون حظاً خارقاً بكل شيء لمسته يداي، ومع كل مريض رأيته. لم أكن طبيباً جيداً، كانت دراساتي أسرع مما ينبغي، وتدريبي في المشفى أقصر من اللازم، لكن لم يكن ثمة أدنى شك بأني طبيب ناجح. ما سر النجاح، يا ترى؟ أن توحي بالثقة. وما الثقة؟ من أين تنبع، من العقل أم من القلب؟ هل تنشأ من الأطوار العليا لعقليتنا، أم أنها شجرة راسخة من معرفة الخير والشر وجذورها تنبثق من أعماق كياننا ذاته؟ وعبر أي القنوات تتواصل مع الآخرين؟ أهي مرئية في العين، أهي مسموعة في الكلمة المنطوقة؟ لا أدري، وكل ما أعرفه أنها لا يمكن إحرازها من قراءة الكتب، ولا من مجاورة أسرة المرضى. إنها موهبة سحرية تمنح بفضل امتياز المولد لإنسان ما وتحجب عن آخر. الطبيب الذي يمتلك هذه الموهبة يوشك أن يحيي الموتى. وعلى الطبيب الذي لا يمتلكها أن يلجأ لاستدعاء زميل للاستشارة في حالة حصبة. وسرعان ما اكتشفت أن هذه الموهبة النفيسة قد أنعمت علي ولم أكن جديرا بها. لقد اكتشفتها في اللحظة الحاسمة، لأن الغرور بدأ يخامرني وكنت مسرورا جدًّا بذلك. لقد جعلني أدرك مدى ضآلة ما أعرف، وجعلني ألجأ أكثر فأكثر إلى الطبيعة الأم، الممرضة العجوز الحكيمة، طلباً للنصيحة والمساعدة. ولعل هذا ما كان يساعدني لأغدو طبيبا جيدا في النهاية، لو ثابرت على عملي في المشفى والعناية بمرضاي الفقراء. لكني فقدت فرصي كلها، لأني أصبحت بالمقابل طبيبا من أحدث طراز. وإذا صادفت طبيبا من هذا الطراز، راقبه بعناية من مسافة آمنة قبل أن تناوله يدك. ربما كان طبيبا جيدا، ولكنه في حالات كثيرة جدًّا ليس كذلك. أولا، وهذه هي القاعدة، لأنه مشغول جدًّا وهو أبعد ما يكون من الاستماع بصبر لقصتك الطويلة. ثانيا، لأنه عرضة بصورة حتمية لأن يغدو متعجرفا، إذا لم يكن كذلك في السابق، فيدع الكونتيسة تدخل قبلك، ويعاين كبد الكونت باهتمام أكبر من خادمه، ويذهب إلى حفلة الحديقة في السفارة البريطانية بدلاً من طفلك الأخير الذي ازداد سعاله الديكي سوءاً. ثالثاً، ما لم يكن قلبه سليما جدًّا فسرعان ما تظهر عليه أعراض واضحة للتصلب المبكر في ذلك العضو؛ فهو سيغدو لامبالياً وعديم الإحساس بآلام الآخرين، كالناس الباحثين عن المتعة حوله. لا يمكن أن تكون طبيباً بلا رحمة.   مع أنني كنت مهتماً بعلم النفس، فغالباً ما كنت أسأل نفسي بعد أن أنتهي من عمل يوم طويل:  لِمَ يقعد كل هؤلاء الناس الأغبياء بانتظاري لساعات في غرفة الاستشارة؟ لماذا كلهم يطيعونني؟ وكيف أستطيع أن أجعلهم يشعرون في أغلب الأحيان بحالة أفضل، حتى بمجرد لمسة من يدي؟ ولماذا يصبحون مسالمين وهادئين جدًّا حين أضع يدي على جبينهم، حتى بعد أن تذهب سلطة الكلام ويتلاشى رعب الموت من عيونهم؟ ولماذا يصبح المجانين في جناح القديسة آن، وهم يزبدون غضباً ويزعقون كحيوانات ضارية، هادئين وطيعين حين أرخي ستراتهم المكبلة وأضع يدهم في يدي؟ كانت حيلة مبتذلة مني عرفها كل الحراس والعديد من رفقائي، وحتى البروفيسور اعتاد أن يقول عني: "هذا الولد فيه عفريت!"( 3) كان لدي دائما محبة خفية للمجانين، وقد اعتدت أن أتجول باطمئنان في صالة المهتاجين وكأني بين أصدقاء. لقد حذروني أكثر من مرة أن الأمر قد ينتهي بالأذى، لكني كنت أعرف أكثر بطبيعة الحال. وفي أحد الأيام، ضربني واحد من أعز أصدقائي على قفا رأسي بمطرقة وصلت إلى يده بطريقة غير قابلة للتعليل، وحُملت إلى المشفى فاقد الوعي. كانت ضربة فظيعة، وصديقي كان في السابق حدادا يعرف شغله. ظنوا في البداية أن لدي كسرا في الجمجمة. لا، ليس أنا! لم يكن إلا تشوش الانتباه وقد جلبت لي مغامرتي إطراء مداهنا من مدير المشفى: "هذا السويدي الملعون له رأس يابس، وكان من المكن أن يكسر المطرقة!" ولما عادت حالتي العقلية إلى العمل بعد ثمان وأربعين ساعة من التوقف التام، قلت لنفسي: "على أية حال، لتكن بالرأس ولا باليد". وبينما كنت مستلقيا في المشفى أسبوعا كاملا وكيس من  الجليد على قحفي،"رأس الدب"، ولا من زوار ولا كتب تلازم صحبتي. بدأت أفكر بفظاعة الموضوع، وحتى مطرقة الحداد لم تستطع أن تجعلني أتخلى عن نظريتي أن المشكلة كلها باليد.   كيف تمكنت من وضع يدي بين قضبان قفص النمر الأسود في معرض بيزون للوحوش، وإذا لم يقترب منه أحد ليستثيره، جعلت الهر الكبير يتقلب على ظهره، وينخر نحوي بلطف، ويدي بين مخالبه وهو يتثاءب وقد فتح فمه على مداه؟ وكيف استطعت أن أشق خرَّاج قدم اللبوة وأستخرج  شظية الخشب التي جعلت ليوني لا تستقر وهي تسير بألم مبرح على ثلاث قوائم طوال أسبوع؟ لقد فشل المخدر المحلي، وراحت اللبوة المسكينة تئن مثل طفل لما ضغطت لإخراج القيح من كفها. ولم يظهر عليها شيء من القلق إلا حين طهرت الجرح، ولم يكن ثمة أي غضب في هدير صوتها المكتوم، ولم تشعر بخيبة الأمل إلا لأني لم أسمح لها أن تلعقه بلسانها الحاد. حين انتهت العملية وغادرت معرض الوحوش وتحت ذراعي بابون صغير قدمه لي مسيو بيزون كأجرة، قال لي مروض الأسود الشهير:  "سيدي الدكتور لديك نقص في اختصاصك، ينبغي أن تكون مروض حيوانات!" وإيفان، الدب القطبي في حديقة الحيون، ألم يخرج من حوض الماء حالما رآني، ليأتي إلى قضبان حبسه منتصباً على رجليه الخلفيتين، فيضع أنفه أمام أنفي تماماً ويأخذ السمكة من يدي بطريقة ودية مثلى؟ قال القيِّم إنه لم يفعل ذلك مع أي شخص آخر، ولا ريب أنه تطلع إلي كنوع من أبناء بلده. لا تقل إنها السمكة وليست اليد، لأنه حين لم يكن معي ما أقدمه له، ظل واقفاً هناك في الوضع نفسه طوال مكوثي، يحدق إلي بعينيه السوداوين البراقتين تحت أهدابهما البيضاء ويتشمم يدي. ومن الطبيعي أننا تحدثنا بالسويدية، وبطريقة ذات لكنة قطبية التقطتها منه. كان يفهم بالتأكيد كل كلمة قلتها حين أخبرته بصوت رتيب خفيض كم كنت آسفاً من أجله وذلك أني رأيت، وأنا صبي، اثنين من أقربائه على مقربة من مركبنا بين كتل الجليد العائمة في أرض مولدنا. جاك المسكين، الغوريلا المشهور في حديقة الحيوان، كان الوحيد من فصيلته لمدة طويلة، وقد أخذوه أسيرا وجاؤوا به إلى أرض أعدائه التي لا شمس فيها! ألم يضع بثقة كفه الخشنة في يدي حالما رآني؟ ألم يرغب في أن أربت بلطف على ظهره؟ كان يود أن يقعد هادئاً تماماً لدقائق ممسكاً بيدي دون أن يقول أي شيء. وغالباً ما كان يتطلع في راحة يدي بانتباه كبير وكأنه كان يعرف شيئاً ما عن قراءة الكف، وكان يثني أصابعي، واحدة بعد أخرى وكأنه يرى كيف تعمل المفاصل، ثم يفلت يدي وينظر بانتباه مماثل إلى كفه بضحكة خافتة، وكأنه يقول إنه لم يرَ فرقاً كبيراً بين الاثنتين؛ وكان مصيباً تماماً في ذلك. وقد اعتاد في معظم الوقت أن يجلس ساكناً تماماً وأصبعه تعبث بقشة، في الزاوية نفسها من قفصه حيث لا يمكن أن يراه الزوار، ومن النادر أن يستخدم الأرجوحة التي أعدت له على أمل أخرق أن يتخذها بدلاً من التأرجح على غصن شجرة الجميز حيث اعتاد أن يأخذ قيلولته في أيام حريته. لقد اعتاد أن ينام على أريكة مصنوعة من الخيزران، تشبه سرير العرب، لكنه كان ينهض باكراً ولم أره في سريره أبدا حتى أخذوه مريضا. لقد علمه القيِّم أن يتناول وجبة منتصف النهار وهو جالس إلى طاولة واطئة، ومنديل مثبت تحت ذقنه. وقد تم تزويده حتى بسكين وشوكة من الخشب الصلب، لكنه لم يتكيف معهما، وكان الأفضل له أن يأكل بأصابعه، كما كان أجدادنا يفعلون حتى قبل مئتي سنة وما زالت غالبية الجنس البشري تفعل ذلك. لكنه كان يشرب حليبه باستمتاع من كوبه الخاص وكذلك قهوته الصباحية مع كثير من السكر. صحيح أنه ينظف أنفه بأصابعه، لكن هذا ما كانت تفعله لورا( 4) (معشوقة) بترارك، وماري ملكة سكوتلاندا، والملك الشمس. يا لجاك المسكين! لقد دامت صداقتنا حتى النهاية. ولقد وقع مريضاً منذ عيد الميلاد، لونه صار رمادياً شاحباً، وجنتاه منكمشتان، وعيناه غاصتا عميقاً، عميقاً في محجريهما. صار قلقاً ومشاكساً، وكان يضعف جسمه بسرعة، وسرعان ما اعتراه سعال جاف ينذر بسوء حالته. كنت آخذ حرارته مرات عدة، لكني كنت حذراً جدًّا لأنه، كالأطفال، كان مستعدًّا لكسر ميزان الحرارة ليرى ماذا يتحرك في داخله. في أحد الأيام كان وهو جالس في حضني ممسكاً بيدي، أخذته نوبة عنيفة من السعال ونفث من رئتيه قليلا من الدم. ولقد أفزعه منظر الدم كما هو الأمر مع معظم الناس. وغالباً ما لاحظت أثناء الحرب كيف أن أشجع الجنود الذين كانوا يبدون لا مبالين بجروحهم المفتوحة، كانت وجوههم تشحب لدى مرأى بضع قطرات من دم طري. لقد فقد الكثير والكثير من شهيته، ولم يكن بالإمكان إغراؤه بتناول ثمرة موز أو تين إلا بصعوبة بالغة. وفي أحد الصباحات، وجدته مستلقياً في سريره وقد سحب البطانية على رأسه كما اعتاد المرضى أن يستلقوا تماماً في قاعة  القديسة كلير، عندما يكونون في حالة إعياء حتى الموت وهم مشمئزون من كل شيء. لا بد أنه أحس بقدومي لأنه مد يده من تحت الحِرام وأمسك بيدي. لم أشأ أن أزعجه، فجلست هناك مدة طويلة ويده في يدي، وأنا أصغي إلى تنفسه الثقيل المضطرب وإلى البلغم يغرغر في حلقه. وفي الحال رجت جسده كله نوبة حادة من السعال. جلس في سريره منتصباً ووضع كلتا يديه على صدغيه في وضع يائس. لقد تغير تعبير وجهه كليًّا. تخلى عن قناعه الحيواني واستحال  إلى كائن بشري يموت. لقد صار قريباً مني إلى درجة أنه بدا محروماً من الامتياز الوحيد الذي منحه الله العظيم للحيوانات في التعويض عن الآلام التي بلاهم بها الإنسان – وهو الموت السهل. كانت آلام موته رهيبة، فقد مات ببطء مخنوقاً من قبل الجلاد ذاته الذي غالباً ما رأيته يقوم بعمله في قاعة القديسة كلير. لقد ميزته جيدا من خلال قبضة يده البطيئة. وماذا بعد؟ ماذا جرى لصديقي جاك؟ كنت على دراية تامة أن جسمه الذي نال حريته مضى إلى معهد التشريح وأن هيكله العظمي، بما فيه وعاء رأسه الكبير، ما يزال منتصباً في متحف دوبويترن. ولكن، هل هذا كل شيء؟       ------------------------- ( 1)  l’Abbé:  رئيس الدير. ( 2) Il file un mauvais coton :  هو يغزل قطنا رديئا، هذا هو المعنى الحرفي للعبارة. ( 3)  Ce garçon-là le diable au corps! :  عبارة ذات مغزى مجازي، ولا علاقة لها بالشيطان المذكور فيها. ( 4)  Laura de Noves:  رآها بترارك في الكنيسة فأحبها وتغنى بها في قصائده الوجدانية.     --------------------   هذه الملحمة الإنسانية  لاكسيل مونتي يصعب أن نَفيها حقها في مقالة موجزة، خاصة وهو يعبر بعمق وألم عن المعركة الدائرة بين الموت والحياة... فالمعركة منظمة في أدق تفاصيلها وفق قانون من التوازن بين الحياة والموت لا يقبل التغيير... لذا أترك للقارئ متعة قراءتها، كما استمتعت. محمد أحمد السويدي بتكليف ورعاية من الشاعر الإماراتي محمد أحمد السويدي، وبدافع من حب المعرفة والسعي لنشرها قامت القرية الإلكترونية بتوفير هذه النسخة من قصة سان ميشيل مترجمة باللغة العربية – ترجمها علي كنعان. (جميع الحقوق محفوظة) صفحتنا الرسمية في فيس بوك : https://www.facebook.com/mohammed.suwaidi.poet/ منصتنا في جوجل بلس لمتابعة باقي مشروعاتنا  https://plus.google.com/+HisExcellencyMohammedAhmedAlSuwaidi?hl=ar   , Electronic Village, His excellency mohammed ahmed khalifa al suwaidi, Arabic Poetry, Arabic Knowledge, arabic articles, astrology, science museum, art museum,goethe museum, alwaraq, arab poet, arabic poems, Arabic Books,Arabic Quiz, القرية الإلكترونية , محمد أحمد خليفة السويدي , محمد أحمد السويدي , محمد السويدي , محمد سويدي , mohammed al suwaidi, mohammed al sowaidi,mohammed suwaidi, mohammed sowaidi, mohammad alsuwaidi, mohammad alsowaidi, mohammed ahmed alsuwaidi, محمد السويدي , محمد أحمد السويدي , muhammed alsuwaidi,muhammed suwaidi,,

Related Articles

سان ميشيل - لأكسِل مونتي - استهلال
قصة سان ميشيل لأكسِل مونتي - الحلقة رقم 1 - الصِّبا
قصة سان ميشيل لأكسِل مونتي - الحلقة رقم 2 - الحي اللاتيني
قصة سان ميشيل لأكسِل مونتي - الحلقة رقم 3 - شارع ڤيليير
قصة سان ميشيل لأكسِل مونتي - الحلقة رقم 4 - طبيب من أحدث طراز
قصة سان ميشيل لأكسِل مونتي - الحلقة رقم 5 - قصر رامو
قصة سان ميشيل لأكسِل مونتي - الحلقة رقم 7 - نابولي