محمد أحمد خليفة السويدي - القرية الإلكترونية - Spreading Knowledge - محمد أحمد السويدي - محمد السويدي
Arabic    

قصة سان ميشيل لأكسِل مونتي - الحلقة رقم 7 - نابولي


2019-06-17
اعرض في فيس بوك
التصنيف : قصة سان ميشيل

 

 

 

قصة سان ميشيل لأكسِل مونتي
                                       ترجمة:  علي كنعان
الحلقة رقم (7) 
VIII
 
نابولي
 
إذا كان هناك من تعنيه إقامتي في نابولي، فعليه أن يبحث عنها في "رسائل من مدينة جبلية"، إن كان في وسعه أن يحصل على نسخة، وهو أمر غير محتمل، لأن الكتاب الصغير نفد منذ عهد بعيد ولفَّه النسيان. وكنت بنفسي قبل قليل أقرأ باهتمام كبير تماما في "رسائل من نابولي"، كما تسمى في الأصل السويدي. وليس في وسعي أن أكتب اليوم مثل ذلك الكتاب لأنقذ حياتي. في تلك الرسائل كثير من الصخب الصبياني، وفيها كذلك كثير من وعي الذات، ولا أقول الغرور. ومن الجلي أني كنت مسرورا من نفسي نوعا ما لاندفاعي من لابلاند إلى نابولي في تلك  اللحظة حين غادرها كل شخص آخر. وثمة مقدار كبير من الزهو وأنا أطوف ليلَ نهار في الأحياء الفقيرة الموبوءة، مغطى بالقمل، أقتات بالفاكهة الفاسدة، وأنام في نزل قذر. هذا كله صحيح تماما، وليس لدي ما أنكر، إن وصفي لنابولي في زمن الكوليرا هو بدقة كما رأيتها بعيني متحمس.
لكن وصفي لنفسي أقل دقة إلى حد بعيد. وإنها لوقاحة مني أن أدعي في الكتابة أني لم أكن خائفا من الكوليرا، ولا خائفا من الموت. تلك كانت أكذوبة. كنت خائفا إلى حد الرهبة منهما كليهما من البداية حتى النهاية. وصفت في الرسالة الأولى كيف خرجت من القطار الخالي، وأنا دائخ من رائحة الفينول المنتنة، إلى الساحة المقفرة آخر الليل، وكيف مررت في الشوارع بقوافل طويلة من العربات والعربات الكبيرة الملأى بالجثث في الطريق إلى مقبرة الكوليرا، وكيف أمضيت الليل بطوله بين الموتى في أحياء القاع البائسة. ولكن لا يمكن وصف ما قمت به بعد ساعتين من وصولي وكيف رجعت من جديد إلى المحطة لأسأل بلهفة عن أول قطار إلى روما، كالابريا، أبروتسي أو أي مكان، والأبعد هو الأفضل، ولا هم لي إلا الخروج من جهنم هذه. فلو كان ثمة قطار لما كانت أبدا"رسائل من مدينة جبلية". وفي الواقع لم يكن هناك أي قطار حتى ظهيرة اليوم التالي، فالاتصالات مع المدينة الموبوءة كانت شبه مقطوعة. ولم يكن هناك ما أفعله إلا أن أسبح في سانتا لوسيا مع شروق الشمس ثم أعود إلى الأحياء الفقيرة برأس بارد وإن كنت لا أزال أرتعد خوفا. لقد قبلوا بعد الظهر طلبي للخدمة في فريق العمل في مشفى سانتا مادلينا للكوليرا. وبعد يومين اختفيت من المشفى، إذ اكتشفت أن المكان الصحيح لي هو ألا أكون بين الذين يموتون في المشفى، إنما بين الميتين في الأحياء الفقيرة.
وفكرت: كم سيكون الأمر أسهل بكثير لي ولهم، لو أن عذابهم لا يدوم هكذا طويلا، وليس بهذه الفظاعة! كانوا منطرحين هناك لساعات، لأيام في مدرج بارد برودة الجثث، بعيون شاخصة على اتساعها وأفواه فاغرة، في جميع مظاهرهم، ورغم ذلك ما زالوا أحياء. أكانوا يشعرون بأي شيء، أكانوا يدركون أي شيء؟ وكان من الخير الجم لقلة منهم أنها ما زالت قادرة على ابتلاع ملعقة شاي ملأى بصبغة الأفيون التي بادر بها أحد متطوعي الصليب الخالص( 1) إلى سكبها في أفواههم. إنها، على أقل تقدير، ستقضي عليهم قبل أن يجيء ليلا الجنود ودافنو الموتى نصف السكارى ليرموهم في تلك الحفرة الضخمة من مقبرة الكوليرا. كم رموا هناك من أحياء؟ لا بد أن أقول، مئات. كانوا كلهم يبدون متشابهين تماما، وأنا بذاتي كنت في أغلب الأحيان غير قادر أن أقول إن كانوا موتى أو أحياء. ولا وقت لكي تضيعه، فهناك عشرات منهم في كل حي فقير، وكانت الأوامر صارمة:  لا بد من دفنهم جميعا أثناء الليل.
وحين دنا الوباء من ذروته، لم يبق لدي أي سبب للشكوى من أن عذاب احتضارهم طويل جدا. وسرعان ما راحوا يتساقطون في الشوارع وكأن صاعقة ضربتهم، فيلتقطهم البوليس وينقلهم بالعربات إلى مشفى الكوليرا ليموتوا هناك بعد ذلك بساعات. إن سائق العربة الذي أخذني صباحا، وهو في حالة موئسة، إلى سجن المحكومين في جراناتيللو، قرب بورتيتشي، وكان عليه أن يعيدني إلى نابولي، كان منطرحا ميتا في عربته حين جئت لأبحث عنه مساء. لم يشأ أحد أن يعمل له أي شيء في بورتيتشي، ولم يشأ أحد أن يساعدني في إخراجه من العربة. وكان علي أن أصعد إلى صندوق العربة وأعود به إلى نابولي بنفسي. وهناك أيضا لم يشأ أحد أن يعمل له شيئا، وكان علي أن آخذه إلى مقبرة الكوليرا قبل أن أتخلص منه وأنتهي.
وحين رجعت إلى النزل مساء، كنت مرهقا إلى حد أني ألقيت بنفسي على السرير دون أن أخلع ثيابي وحتى دون أن أغسل يدي. ما الجدوى من الاغتسال بهذا الماء القذر ما الجدوى من تطهير نفسي في حين أن جسمي وكل شيء حولي ملوث:  الطعام الذي آكله، الماء الذي أشربه، السرير الذي أنام فيه، وحتى الهواء الذي أتنفسه! وفي الغالب كنت خائفا جدًّا أن أذهب إلى السرير، وخائفا جدًّا أن أكون وحيدا. كان علي أن أندفع خارجا إلى الشارع من جديد، لأمضي بقية الليل في إحدى الكنائس. سانتا ماريا ديل كارمن كانت مأواي الليلي الأثير، أهنأ نوم نعمت به في حياتي، وكان على مقعد في الجانب الأيسر من الجناح في تلك الكنيسة القديمة. وكان ثمة كثير من الكنائس لأنام فيها حين لا أملك الجرأة للذهاب إلى البيت. إن مئات الكنائس ومحاريب الصلاة بالكاتدرائيات كلها في نابولي كانت مفتوحة طوال الليل، متوهجة بشموع النذور ومزدحمة بالناس. وكانت مئاتها من تماثيل العذراء والقديسين منهمكين جميعا، ليلا ونهارا، بزيارة المحتضرين في أحيائهم الخاصة. والويل لهم إذا جازفوا بالظهور في حي أحد منافسيهم! وحتى السيدة العذراء المبجلة، الموكلة بالكوليرا، والتي أنقذت المدينة في وباء 1834 الرهيب ظلت تتأفف عدة أيام من قبل في بيانكي نوڤي.( 2)
لم أكن خائفا من الكوليرا وحدها. كنت مرعوبا كذلك من الجرذان، أولا وأخيرا. كانوا يبدون وكأنهم  بين أهلهم في المستودعات وقاع الأحياء الفقيرة كتلك الكائنات البشرية التعيسة التي كانت تعيش وتموت هناك. وللإنصاف، كانوا بشكل إجمالي جرذانا مسالمين حسان التصرف، مع الأحياء على الأقل، وهم يقومون بمهمة الكناسين التي لم توكل إلا إليهم من عهد الرومان، وهؤلاء وحدهم من أعضاء المجتمع الذين كانوا واثقين من تأمين شبعهم. كانوا أليفين كالقطط وضخاما مثلها تقريبا. صادفت يوما امرأة هرمة، ليست غير جلد وعظم، تستلقي شبه عارية على حشية من القش في شبه كهف معتم. أعلموني أنها الـ"ڤاڤاما"، الجدة. كانت مشلولة وعمياء تماما، وكانت تستلقي هناك منذ سنوات. وكانت بضعة من الجرذان الضخمة تقعي على أرض الكهف القذرة في شكل دائرة حول وجبتهم الصباحية التي نعف عن ذكرها. تطلعوا إلي بهدوء تام، ولم يتحركوا بوصة واحدة. مدت المرأة ذراعها المعروقة وزعقت بصوت مشروخ: "خبز! خبز!"
ولكن حين بدأت المفوضية الصحية محاولتها اليائسة لتطهير المجاري، تغيرت الحالة، وتنامى  خوفي إلى حد الرعب. ملايين الجرذان التي كانت تعيش في المجاري من عهد الرومان بلا أي إزعاج، اجتاحت الجزء المنخفض من المدينة. اندفعت عبر الأحياء الفقيرة مثل كلاب مسعورة وهي سكرى بغازات الكبريت والفينول السامة. ولم تكن مثل أي جرذان رأيتها من قبل قط، بل كانت صلعاء تماما ولها أذناب حمراء طويلة أكثر من المعتاد، وعيون حادة محتقنة بالدم وأسنان سوداء مدببة وطويلة كأسنان ابن عرس( 3). إذا ضربتها بعصاك، فإنها تدور وتتشبث بالعصا مثل بلدغ( 4). ولم أكن في حياتي كلها لأخاف من أي حيوان بقدر خوفي من هذه الجرذان الهائجة لأني متأكد أنها مسعورة جدا. لقد كان حي باسو بورتو كله في حالة رعب. ونُقل ما يزيد عن مئة مصاب بعضة خطرة، من النساء والأطفال، إلى مشفى بيللغريني( 5) في يوم الاجتياح ذاته. إن العديد من الأطفال الصغار تم التهامهم بكل معنى الكلمة. ولن أنسى أبدا ليلة قضيتها في مستودع في فيكولو ديللا دوتشيسا. الغرفة، ولعل المغارة كلمة أدق، كانت شبه معتمة، وهي ليست مضاءة إلا بقنديل زيتي صغير أمام العذراء. كان الأب ميتا من يومين لكن الجثمان ما زال مطروحا هناك تحت كومة من الأسمال البالية، فقد أفلحت الأسرة بإخفائه عن البوليس الباحث عن الموتى لنقلهم إلى المقبرة، وهو عمل شائع في الأحياء الفقيرة. جلست على الأرض بجانب الابنة أطرد الجرذان بعصاي بعيدا. كانت باردة تماما، لكنها ما تزال واعية. وكنت طوال الوقت أسمع الجرذان تجرش بأسنانها لدى جسم الأب. ولقد أثارت أعصابي أخيرا إلى درجة كان علي أن أضعه منتصبا في الزاوية كساعة الحائط( 6). وسرعان ما طفقت الجرذان تلتهم قدميه وساقيه بضراوة. لم أستطع أن أطيق ذلك لحظة إضافية، فاندفعت خارجا وأنا على وشك الإغماء.
كانت صيدلية سان جينارو أيضا ملاذي الأثير الذي أتردد إليه كلما خشيت أن أكون وحدي. وكانت مفتوحة ليلَ نهار. وكان دون بَرتولو على ساقيه دائما، يمزج محاليله المتنوعة ويحضر أدويته العجيبة من جرار فانزا المرصوفة منذ القرن السابع عشر والمنقوشة بكلمات لاتينية عن المخدرات، وهي كلمات لا أعرف معظمها. وثمة قارورتان زجاجيتان كبيرتان فيهما أفاع وجنين بالكحول تزينان الرف. وكان القنديل المكرس للقديس سان جينارو، راعي نابولي، مضاء بجانب مقامه وقد علق، بين بيوت العنكبوت في السقف، هر محنط برأسين. كان اختصاص الصيدلية مزيجا مضادا للكوليرا اشتهر به دون بَرتولو، وقد ألصقت على أحد الجانبين صورة سان جينارو وعلى الجانب الآخر جمجمة وتحتها كلمات: "الموت للكوليرا". كان تركيبه سرا عائليا يلقنه الأب لابنه منذ وباء 1834، حين استطاع أن ينقذ المدينة بالتعاون مع سان جيناروا. وكان للصيدلية خاصية أخرى إذ تمتاز بقارورة غامضة موسومة بقلب يخترقه سهم كيوبيد، ترياق الحب. وكان تركيبه أيضا سرا عائليا، وقد علمت أنه مطلوب جدا. ويبدو أن زبائن دون بَرتولو كانوا يفدون في الغالب من الأديرة والكنائس المنتشرة حول شارعه. وكان ثمة دائما اثنان من القسيسين والرهبان أو الشمامسة، جالسين على الكراسي أمام النضد منهمكين في نقاش جدي عن أحداث اليوم وآخر المعجزات التي قام بها هذا القديس أو ذاك، وعن تأثير السيدة العذراء بمختلف مسمياتها:  السيدة كارمن، السيدة المسعفة، سيدة الموت الرحيم، سيدة الكوليرا، سيدة الأحزان، سيدة مصر القديمة. ولم أسمع ذكر اسم الله إلا نادرا، نادرا جدا، واسم ابنه لم يذكر أبدا. ولقد تجرأت يوما فعبرت عن دهشتي لإغفال المسيح في منقاشاتهم أمام قس عجوز رث اللباس، وكان صديقا حميما لي. فلم يشأ القس العجوز أن يخفي رأيه الخاص عني قائلا إن المسيح مدين بشهرته كلية إلى أن السيدة العذراء أمه. وإلى أقصى حد في علمه، فإن المسيح لم ينقذ أحدا من الكوليرا أبدا. لقد أطفأت أمه المباركة عينيها بكاء من أجله. فماذا فعل لها في المقابل؟ لقد قال: "ما لي ولك، يا امرأة؟" 
ولذلك كانت نهايته فاجعة( 7).
ومع اقتراب يوم السبت راحت أسماء القديسن والعذراء تتناقص أكثر فأكثر من المحادثة. وفي ليلة الجمعة، كانت الصدلية ملأى بالناس وهم منهمكون بنقاش صاخب وإيماءات فظة حول حظوظهم على طاولة اليانصيب غدا.
أربعة وثلاثون، تسعة وستون، ثلاثة وأربعون، سبعة عشر!
حلم دون أنتونيو أن عمته ماتت فجأة وتركت له خمسين الف لير، موت الفجاءة – 49، المال – 70! واستشار دون أونوراتو الأحدب في شارع فورسيللا، وكان واثقا من أرقامه الثلاثة الرابحة – 9، 39، 20! وهرة دون برتولو وضعت سبعة هريرات في الليل – والأرقام 7، 16، 64! وقرأ دون دونيسيو في الـ بونغولو أن عربيدا طعن حلاقا في إماكولاتيللا. الحلاق – 21، السكين – 41! وحصل دون باسكال على أرقامه من حارس المقبرة الذي سمعها بوضوح من قبر – الميت الذي تكلم – 48!
إن تعارفي مع الدكتور فيللاري كان أول مرة في صيدلية سان جينارو. فقد أخبرني دون برتولو أنه قدم إلى نابولي قبل سنتين ليكون مساعدا للدكتور العجوز ريسبو، الطبيب المشهور بين جميع الأديرة والأبرشيات في الحي، والذي أودع ساعة وفاته كل خبرته الواسعة لدى مساعده الشاب. كنت مسرورا دائما أن ألتقي زميلي هذا، وحملت محبة عظيمة له من اللحظة الأولى. كان رجلا وسيما جدًّاوتصرفاته لطيفة هادئة، خلافا لذلك النمط المالوف من أبناء نابولي. ومن خلاله سمعت لأول مرة بدير المدفون حيا( 8)، ذلك المبنى القديم الكالح في زاوية الشارع بنوافذه القوطية الصغيرة وبواباته الحديد الضخمة، وهو معتم وساكن مثل قبر. أصحيح أن الراهبات دخلن خلال هذه البوابات ملفوفات بأكفان الموتى وموضوعات في توابيت، وأنهن لم يستطعن الخروج أبدا ما دمن على قيد الحياة؟
نعم، هذا صحيح تماما، فلم يكن للراهبات أي تواصل مع العالم الخارجي. وهو ذاته أثناء زياراته المهنية النادرة للدير كانت تتقدمه راهبة عجوز وهي تقرع جرسا لتنبه الراهبات حتى يتوارين في زنزاناتهن ويغلقن الأبواب.
وهل صحيح ما كنت قد سمعته من بادري أنسيلمو، كاهن الاعتراف، بأن حديقة الدير كانت ملأى بآثار رخامية قديمة؟
نعم، لقد رأى كثيرا من الشظايا ملقاة هناك، وقد علم أن الدير كان قائما على أطلال معبد إغريقي. 
بدا أن زميلي يحب أن يتحدث معي، وقال إنه ليس له أي صديق في نابولي، وإنه مثل جميع أبناء بلده يكره أبناء نابولي ويحتقرهم. وما شهده منذ تفشي الكوليرا جعله يشمئز منهم أكثر من أي وقت مضى. وكان من الصعب ألا تعتقد أن ما وقع على مدينتهم الفاسدة كان عقابا من الله. إن سدوم وعمورية كانتا لا شيء بالمقارنة مع نابولي. ألم أشهد ما كان يجري في الأحياء الفقيرة، في الشوارع، في البيوت الموبوءة، وحتى في الكنائس في حين كانوا يصلون لقديس ويلعنون آخر؟ كانت تجتاح نابولي كلها نوبة سعار من الشهوة، فالفجور والرذيلة في كل مكان في وجه الموت ذاته. إن اغتصاب النساء غدا شائعا حتى إن المرأة المحتشمة لم تكن لتجرؤ على مغادرة بيتها. 
لم يظهر عليه أنه كان خائفا من الكوليرا، وقال إنه يشعر بالأمان تماما تحت حماية السيدة العذراء. ولكم حسدته على إيمانه! ولقد أراني تعويذتين كانت زوجته قد علقتهما حول عنقه يوم تفشت الكوليرا، كانت إحداهما العذراء كارمن، والأخرى القديسة لوسيا، القديسة الراعية لزوجته، واسم زوجته لوسيا. وكانت تضع تلك التعويذة الصغيرة منذ أن كانت طفلة. وقلت إنني أعرف القديسة لوسيا جيدا، وأعرف أنها القديسة راعية العيون. وغالبا ما كنت أتمنى أن أشعل شمعة أمام ضريحها، أنا الذي عشت طوال سنين في خوف أن أفقد بصري. وقال إنه سيخبر زوجته أن تتذكرني في صلواتها للقديسة لوسيا التي كانت قد فقدت عينيها، لكنها أعادت النور إلى آخرين كثيرين جدا. وأخبرني أنه من اللحظة التي غادر عندها بيته في الصباح، وزوجته جالسة وراء النافذة تتطلع إلى الخارج بانتظار عودته. لم يكن لها أحد غيره في العالم، لأنها تزوجته ضد رغبة والديها، ولقد أراد أن يرسلها بعيدا عن المدينة الموبوءة لكنها رفضت أن تتركه. سألته إن لم يكن خائفا من الموت. قال ليس من أجله ذاته لكن من أجل زوجته. يا ليت الموت من الكوليرا لم يكن بمثل هذه الفظاعة! فأن تنقل حالا إلى المقبرة أفضل من أن تراك العينان اللتان أحبتاك!
قلت: "أنا متأكد أنك ستكون على ما يرام، فأنت لديك من يصلي من أجلك، في أقل تقدير، أما أنا فليس لي أحد".
ومر طيف على وجهه الوسيم.
"عدني، إذا..".
قاطعته وأنا أرتعد: "دعنا لا نتحدث عن الموت". كان "نزل الجزائر" الصغير وراء ميدان السوق مكان استراحتي المفضل. وكان الطعام رديئا لكن النبيذ ممتاز، والليتر بست قطع نقدية(9 )، وكان لدي وفرة منها. وكنت غالبا أمضي نصف ليلتي هناك، حين لا أجرؤ على الذهاب إلى البيت. وسرعان ما صار سيزار، النادل الليلي صديقا حميما لي. وبعد الحالة الثالثة من الكوليرا في نزلي، قمت بالانتقال إلى غرفة خالية في المنزل الذي يعيش فيه. كانت الأحياء الجديدة قذرة كالنزل، لكن سيزار كان مصيبا، لقد كانت أفضل بكثير من سكن الرفقة. كانت زوجته ميتة، لكن ابنته مريوتشيا كانت مفعمة بالحياة. كانت تعتقد أنها في الخامسة عشرة، لكنها كانت في زهوة  تفتحها وهي تبدو، بعينين سوداوين وشفتين ورديتين، مثل فينوس الصغيرة في متحف الكابيتول. كانت تغسل ثيابي، تطهو معكرونتي، وترتب سريري حين لا تنسى ذلك. لم تكن قد رأت غريبا من قبل قط. وكانت تأتي إلى غرفتي دائما بعنقود عنب أو شريحة بطيخ أو طبق من التين. وإذا لم يكن لديها أي شيء آخر لتقدمه، كانت تأخذ الوردة الحمراء من ضفائرها السوداء وتناولني إياها بابتسامة ساحرة لسيرينة( 10) أو بسؤال يشع من عينيها فيما إذا لم أكن راغبا بتناول شفتيها الورديتين أيضا؟ وكانت تغني طوال اليوم من المطبخ بصوتها القوي المثير: "حبي! يا حبي!"
وفي الليل كنت أسمعها وهي تتقلب في سريرها على الجانب الآخر من الجدار الفاصل. قالت إنها لا تستطيع أن تذهب للنوم، وقالت إنها تخاف أن تكون وحدها في الليل، وتخاف أن تنام وحدها. وأنا، ألم أكن خائفا أن أنام وحدي؟
همست من سريرها: "هل نمت يا سنيور؟"
لا، لم أنم. كنت مستيقظا تماما، فلم أكن راغبا بالنوم وحدي أكثر من رغبتها.
أي خوف جديد أخذ يجعل قلبي يدق بصخب شديد ويجعل الدم يندفع في أوردتي بسرعة محمومة؟ ولماذا، حين كنت أقعد نصف نائم في الممر الجانبي من كنيسة القديسة ماريا ديل كارمن، لم أكن أهتم من قبل بكل هؤلاء الفتيات الجميلات بمناديلهن السود وهن راكعات على الأرض الرخام بجانبي يبتسمن لي خلسة وسط صلواتهن وتراتيلهن؟ كيف أمكنني أن أمر كل يوم ولأسابيع من أمام بائعة الفاكهة في زاوية الشارع دون أن أتوقف لأستأنس بالحديث مع نانينا، ابنتها الجميلة، وعلى وجنتيها نفس لون الدراق الذي كانت تبيعه؟ ولمَ لم أكتشف من قبل أن  لبائعة الزهور في ميدان السوق الابسامة الساحرة ذاتها لربيع بوتشيللي( 11)؟ وكيف تأتّي لي أن أمضي كل تلك الأمسيات في "نزل الجزائر"، وأنا غير مدرك أن ما انساب إلى رأسي لم يكن نبيذ غرانيانو، لكنه الألق في عيني كارميلا؟ وكيف أمكنني ألا أسمع إلا أنات المحتضرين وقرع أجراس الكنائس في حين كانت الضحكات وأغاني الحب تتعالى من كل شارع، وتحت كل رواق تقف فتاة هامسة لعاشقها؟
وراح فتى يغني تحت نافذة مريوتشيا: 
 "آه ماري! يا ماري! كم أضعت من نومي بسببك.
 دعيني أنم
 معانقا لك ولو قليلا".
وكان آخر يغني: "آه كارمي! يا كارمي!"
ومن ميدان السوق انبثق صادحا: 
 "أقبل شعرك الأسود".
وتردد في سمعي: "أقبل شعرك السود"، وأنا مستلق في سريري أصغي لأنفاس مريوتشيا نائمة في الجانب الآخر من الجدار الفاصل.
ماذا جرى لي؟ هل خلبت لبي ساحرة؟ هل سكبت إحدى هؤلاء الفتيات في نبيذي بضع قطرات من رائق الحب لدى دون بَرتولو؟ وماذا جرى لكل هؤلاء الناس من حولي؟ هل كانوا سكارى جميعا بالنبيذ الجديد أو أنهم أصيبوا جميعا بسعار الشبق في وجه الموت ذاته؟
الموت للكوليرا، ولتحيَ البهجة.
كنت جالسا إلى طاولتي المعتادة في النزل، نصف نائم أمام زجاجتي من النبيذ. وكان الوقت قد تجاوز منتصف الليل، وتفكرت أن من الأفضل أن أنتظر حيث كنت، لأعود إلى البيت مع سيزار حين ينتهي من عمله. جاء صبي راكضا إلى طاولتي وناولني قصاصة من الورق.
"تعال"، كانت الكلمة مخربشة على الورقة بأحرف توشك أن تكون غير مقروءة. 
 وبعد خمس دقائق توقفنا أمام بوابة الحديد الضخمة لدير "المدفونين أحياء". قادتني راهبة عجوز إلى الداخل وراحت تتقدمني عبر الحديقة المعزولة وهي تقرع جرسا. عبرنا ممرا طويلا هائلا ومقفرا، ورفعت راهبة أخرى فانوسا في وجهي ثم فتحت الباب لأدخل غرفة شبه معتمة. كان الدكتور ڤيلاري مستلقيا في فراش على الأرض. ولم أميزه في أول الأمر إلا بصعوبة. كان الأب أنسيلمو قد انتهى من إعطائه السر المقدس الأخير. كان قد دخل في برودة الموت، وجسمه بارد تماما، لكني استطعت أن ألمح في عينيه أنه ما زال واعيا. نظرت إلى وجهه برعدة، فلم يكن صديقي من أراه، إنما هو الموت، الموت الرهيب الكريه. رفع يده عدة مرات مشيرا إلي، ووجهه الفظيع ينتفض بجهد يائس لكي يتكلم. ومن شفتيه المكشرتين خرجت بوضوح كلمة "مرآة". وعلى مهل أحضرت راهبة مرآة صغيرة، فرفعتها أمام عينيه نصف المغمضتين. هز رأسه عدة مرات، وكانت هذه آخر إشارة حياة جاد بها، وبعد ساعة لف قلبه السكون.
وقفت العربة أمام البوابة لتحمل بعيدا جثماني الراهبيتين اللتين ماتتا أثناء النهار. كنت أعلم أن الأمر يتوقف علي في أنه ينبغي أن يؤخذ بعيدا في الوقت ذاته أو يترك حيث هو حتى مساء الغد. وكانوا سيصدقونني لو قلت لهم إنه لا يزال حيا، فهو يبدو تماما كما كان حين جئت إليه. إنما لم أقل شيئا. وبعد ساعتين كان جسمه مطروحا مع مئات الأجسام الأخرى في قبر مشترك في مقبرة الكوليرا. كنت أدرك لماذا رفع يده وأشار إلي، ولماذا هز رأسه حين وضعت المرآة أمام عينيه. إنه لم يشأ أن ترى زوجته ما رآه في المرآة، وهو يريد مني أن أمضي لأخبرها حين ينتهي كل شيء.
ولما وقفت أمام بيته رأيت وجه امرأة شاحبا، طفلة تقريبا، وراء النافذة. وتراجعت برعب في عينيها وأنا أفتح الباب.
"أنت الطبيب الأجنبي الذي حدثني كثيرا عنه، وهو لم يرجع، كنت أقف لدى النافذة طوال الليل، أين هو؟"   
ألقت شالا على كتفيها واندفعت إلى الباب. 
"خذني إليه حالا، لا بد أن أراه حالا!"
أمسكت بظهرها، وقلت إني لا بد أن أتحدث إليها أولا. قلت لها إنهم أخذوه مريضا إلى دير المدفونين أحياء، والمكان كله موبوء، وليس في مقدورها أن تذهب إلى هناك، وعليها أن تفكر في الطفل الذي سوف تنجبه.
وغصت بالبكاء: "ساعدني لأنزل الدرج، ساعدني لأنزل الدرج! لا بد أن أذهب لأراه حالا، لماذا لا تساعدني؟"
وفجأة أطلقت صرخة حادة وتهاوت على الكرسي وهي على وشك الإغماء.
"ليس صحيحا، فهو لم يمت، لمَ لا تتكلم، أنت كذاب، لا يمكن أن يموت من غير أن أراه".
وقفزت إلى الباب مرة ثانية.
"يجب أن أراه، لا بد أن أراه!"
ومن جديد أمسكت بظهرها.
"لن تستطيعي أن تريه، فهو لم يعد هناك، إنه..".
انقضت علي كحيوان جريح.
وصاحت هائجة بجنون: "ليس من حقك أن تسمح بأن يأخذوه بعيدا قبل أن أراه، إنه نور عيني، وأنت أخذت النور من عيني! أنت كذاب، قاتل! يا لوسيا المقدسة، خذي نور عينيه كما أخذ النور من عيني! انتزعي عينيه كما انتزعت عينيك بنفسك!"
واندفعت في الغرفة امرأة عجوز وقفزت نحوي وهي ترفع يديها وكأنها تريد أن تخمش وجهي.
"يا لوسيا المقدسة، خذي بصره، ابتليه بالعمى!"، زعقت بأعلى صوتها. 
"اجعليه أعمى، خليه أعمى"، كانت تواصل صراخها من العتبة، وأنا أنسحب نازلا الدرج.
اللعنة الرهيبة، أفظع لعنة قذفت بها في حياتي، راحت ترن في أذني طوال الليل. لم أجرؤ على الذهاب إلى البيت، كنت خائفا من الظلام. أمضيت ليلتي في سانتا ماريا ديل كارمن، وحسبت أن النهار لن يطلع أبدا. 
ولما دخلت مترنحا صيدلية سان جينارو في الصباح لأسترد نشاطي كالمعتاد، كان الأب أنسيلمو قد ترك لي رسالة يدعوني فيها للقدوم إلى الدير حالا، وهذه فعالية استثنائية من مزايا الدون برتولو.
كان الدير كله في اضطراب، وهناك ثلاث حالات جديدة من الكوليرا. قال لي الأب أنسيلمو أنه بعد محادثة طويلة بينه وبين رئيسة دير الراهبات، تقرر أن يلتمس مني أن أحل محل زميلي الميت، فما من طبيب آخر موجود. كانت الراهبات المذعورات يركضن جيئة وذهابا عبر الممرات، وأخريات كن يصلين أو ينشدن التعاويذ في الركن الكنسي. كانت الراهبات الثلات مطروحات على حشايا قشية في حجيراتهن. ماتت إحداهن مساء. وفي الصباح، أصيبت  بدورها الراهبة العجوز التي كانت تساعدني. وضعوا محلها راهبة شابة كنت قد لمحتها من قبل أثناء زيارتي الأولى، وكان من الصعب فعلا ألا ألاحظها، لأنها كانت فتية جدًّاوجميلة بشكل صاعق. لكنها لم تتفوه معي بكلمة. وحتى إنها لم تجبني لما سألتها عن اسمها، لكني تبينت من الأب أنسيلو أنها سورا أرسولا. وفي وقت متأخر من ذلك اليوم طلبت أن اتحدث إلى رئيسة الدير، وقد قادتني سورا أرسولا إلى حجيرتها. نظرت الأم العجوز إلي بعينين نفاذتين باردتين، قاسيتين ومتفحصتين كعيني قاض. كان وجهها جامدا ولا حياة فيه كأنه مقدود من رخام، وبدت شفتاها الرقيقتان وكأنهما لم يفترا قط عن ابتسامة. قلت لها إن الدير كله موبوء، والأحوال الصحية مرعبة، والماء في بئر الحديقة ملوث، ولا بد من إخلاء المكان كله أو أنهن سيمتن جميعا بالكوليرا. 
أجابت أن ذلك مستحيل، إنه ضد قوانين رهبنتهن، فما من راهبة دخلت يوما ديرهن وخرجت منه حية. إنهن جميعا سيمكثن حيث يكن، وهن بين يدي السيدة العذراء وسان جينارو.
لم أغادر الدير قط طوال أيام من الرعب لا تنسى، إلا بزيارة عاجلة للصيدلية من أجل جرعة متزايدة باطراد من دواء دون برتولو العجيب لاستعادة النشاط. كان علي أن أخبر الأب أنسيلمو أني يجب أن أحصل على بعض النبيذ، وسرعان ما حصلت على كمية وافرة منه، وربما أكثر مما ينبغي. أما النوم فلم أنل شيئا منه، وبدا أني لم اكن بحاجة إلى أي نوم. ولم أتصور أن في مقدوري أن أنام، حتى لو واتتني الفرصة، فالخوف وما لا يحصى من فناجين القهوة السوداء أيقظا جهازي العقلي كله في حالة استثنائية من الإثارة التي أودت بكل عياء. ولم يكن لي أن أستريح إلا حين يتاح أن أسرق لحظات في حديقة الدير المعزولة حيث أجلس لأدخن سيجارات لا تنتهي على مقعد رخامي تحت أشجار السرو. كانت هناك شظايا من الرخام القديم متناثرة على أرض الحديقة كلها، وحتى خرزة البئر كانت مصنوعة مما كان يوما سيبو(12 )، وهو المذبح الروماني. إنها الآن في ساحة سا ميشيل. وعند قدمي كان خشف مبتور من لقى حمراء ونصف مطمور بين السرو تمثال صغير لإيروس( 13) ما يزال منتصبا على عموده من الرخام الإفريقي. لقد وجدت سورا أرسولا مرتين جالسة على المقعد، قالت إنها خرجت لالتقاط نفس من الهواء الطلق، وإلا فإنها سيغمى عليها من الرائحة النتنة( 14) التي تملأ المبنى كله. ومرة جاءتني بفنجان قهوة ووقفت أمامي تنتظر الفنجان وأنا أرتشف قهوتي بأبطأ ما أمكن لأجعلها تقف هناك وقتا أطول قليلا. بدا لي أنها أصبحت أقل خجلا، وكأنها لا تبالي بأن أكون بطيئا إلى هذا الحد في إرجاع فنجاني الفارغ إليها. بدا أن في نظري إليها راحة لعيني المتعبتين. وسرعان ما صار بهجة، لأنها كانت جميلة جدا. هل فهمت ما قالته عيناي لها، لكن شفتي لم تجرؤا على قوله، وهو أني شاب وأنها جميلة؟ وكانت ثمة لحظات شعرت فيها بشكل تقريبي أنها فهمت ذلك. 
سألتها لماذا جاءت إلى جاءت إلى هنا لتدفن حياتها الفتية في قبر المدفوين أحياء. ألم تكن تعرف أن العالم، خارج هذا المكان من الرعب والموت، جميل كما كان من قبل وأن الحياة كانت مفعمة بالبهجة وليس بالحزن وحسب؟
وقلت لها وأنا أشير إلى إيروس الصغير تحت أشجار السرو: "أتعرفين من هو هذا الصبي؟"
كانت تحسب أنه ملاك.
لا، إنه إله، أعظم من جميع الآلهة وربما أقدم الآلهة كافة. كان يحكم على الأولمب وهو لا يزال يحكم على عالمنا اليوم.
"ديركن هذا أقيم على أطلال معبد قديم، دمر الزمان والإنسان جدرانه فاستحالت إلى رماد. وبقي هذا الصبي وحده حيث كان، وكنانة السهام في يده، جاهزا لتسديد قوسه. وهو لم يدمر لأنه خالد. سماه القدماء إيروس، وهو إله الحب". 
ولما نطقت كلمة الكفر قرعت الأجراس من الكنيسة تدعو الراهبات إلى صلاة المساء. صلبت نفسها وأسرعت خارجة من الحديقة.
وبعد لحظة جاءت راهبة أخرى مندفعة لتأخذني إلى الرئيسة، وقد أصيبت بالإغماء في الكنيسة، ونقلوها توا إلى حجيرتها. تطلعت إلي الرئيسة بعينينها الرهيبتين. رفعت يدها وأشارت إلى الصليب على الجدار، فجلبوا لها السر المقدس الأخير. لم تتماسك ولم تتكلم أبدا، وعمل القلب غدا أضعف فأضعف، كانت تهمد بسرعة. ظلت مستلقية هناك طوال اليوم والصليب على صدرها، ومسبحتها في يدها، عيناها مغمضتان، وجسمها يزداد برودة ببطء. وخيل إلي مرة أو مرتين أني سمعت خفقة واهية للقلب، ثم لم أسمع شيئا. تطلعت إلى وجه الرئيسة الصارم القاسي والذي حتى الموت لم يكن قادرا على أن يمنحه الرقة. كان أمرا شبه منعش لي أن عينيها كانتا مغلقتين إلى الأبد، فقد كان في هاتين العينين شيء ما يرعبني. ونظرت إلى الراهبة الشابة بجانبي.
قلت: "لن أستطيع البقاء هنا لحظة أخرى، أنا لم أنم منذ أن جئت إلى هنا، رأسي دائخ، وأنا لست نفسي، لا أدري ما أفعل، أنا خائف من نفسي، خائف منك، خائف من..".
لم يكن لي الوقت الكافي لأنهي الكلمة، ولم يكن لديها وقت للانسحاب، فقد طوقتها بذراعي، وشعرت بقلبها يخفق بعنف على قلبي.
غمغمت: "الرحمة!" 
وبغتة أشارت إلى السرير وقفزت خارجة من الحجرة بصرخة رعب. كانت عينا الرئيسة تحدقان  مباشرة إلي، وهما شاخصتان على اتساعهما بوعيد رهيب. انحنيت فوقها، وحسبت أني سمعت اختلاجة واهية للقلب. أكانت ميتة أم حية؟ أكان في مقدور هاتين العينين الرهيبتين أن تريا، هل رأتا؟ وهل بوسع هاتين الشفتين أن تتكلما أيضا؟ لم أجرؤ على النظر إلى تينك العينين، سحبت الغطاء فوق وجهها وقفزت من الحجيرة، ومن "المدفونين أحياء"، ولن أعود إلى هناك أبدا.
 
في اليوم التالي أصبت بالإغماء في شارع بِليرو. ولما استعدت وعيي، كنت في عربة شرطة وعلى المقعد المقابل يجلس شرطي مرعوب. كنا في طريقنا إلى سانتا مادالينا، مستشفى الكوليرا.
لقد وصفت في مكان آخر كيف انتهى ذلك المشوار، وكيف انتهت إقامتي في نابولي بعد ثلاثة أسابيع، بإبحار مجيد عبر الخليج في سورينتو، أفضل مركب شراعي، مع دزينة من صيادي السمك في شاطئ كابري، وكيف بقينا يوما كاملا لا ينسى خارج ميناء كابري غير قادرين على الرسو بسبب الحجر الصحي.  
حاولت جهدي ألا أصف في "رسائل من مدينة مفجوعة" ما حدث في دير "المدفونين أحياء"، وهو ما لم أجرؤ أن أخبر به أي إنسان، ولا حتى صديقي المخلص الدكتور نورستروم الذي كان يحتفظ بكراسة تضم بيانا بمعظم مخازي شبابي. إن ذكرى سلوكي المشين ظلت تنتابني سنوات. ماذا جرى لي؟ أي قوة مبهمة كانت تعمل لتجعلني أفقد السيطرة على حواسي، وهي قوية، لكنها أوهى قوة من عقلي بكثير؟ لم أكن حديث المجيء إلى نابولي، فلقد ثرثرت وضحكت من قبل مع أولئك الفتيات الجنوبيات الملتهبات، ورقصت الترنتيلة( 15) معهن في كثير من أمسيات الصيف في كابري. لقد خطفت قبلة أو اثنتين منهن في أسوأ الأحوال، لكني بقيت دائما قبطان السفينة، القادر تماما على قمع أي أمارة عصيان من البحارة. وأثناء دراستي في الحي اللاتيني كنت على وشك الوقوع في حب الأخت فيلومير، الأخت الشابة الجميلة في مدرسة القديسة كلير، وكل ما تجرأت على فعله هو أن أمد يدي بخوف لأقول لها وداعا وأنا أغادر المستشفى نهائيا، لكنها لم تأخذها. أما في نابولي فقد أردت أن أطوق بذراعي كل فتاة تقع عليها عيني، ولا شك أني كنت راغبا أن أقوم بذلك لو لم أصب بالإغماء في شارع بِليرو يوم كنت قد قبلت راهبة أمام  الرئيسة وهي على فراش الموت!
وبعد مرور كل هذه السنين، وأنا أتطلع إلى أيامي في نابولي، ليس في وسعي اليوم أن أصفح عن سلوكي أكثر من مقدرتي عندئذ، لكن ربما أستطيع إيضاحه إلى مدى معين.
لم أكن لأشاهد المعركة بين الموت والحياة خلال كل هذه السنين، بدون أن أجهد لمعرفة شيء ما عن المقاتلين. يوم رأيت الموت منكبا على عمله في أجنحة المستشفى، كان ذلك مجرد جولة  مصارعة بين الخصمين، مجرد تمثيلية أطفال بالمقارنة مع ما شهدت في ما بعد. لقد رأيته في نابولي يقتل أكثر من ألف شخص في اليوم أمام عيني هاتين. ورأيته في مسينا( 16) يدفن ما يزيد عن مئة ألف من الرجال والنساء والأطفال تحت البيوت المنهارة في دقيقة واحدة. ورأيته بعد ذلك في فيردون، وذراعاه محمرتان بالدم حتى المرفقين، ذابحا أربعمئة ألف رجل، ساحقا زهرة جيش بكامله على سهول الفلاندرز والسوم. ولم أفهم شيئا من تكتيكات الحرب إلا بعد أن رأيته يعمل على نطاق كبير. إنها دراسة طريفة، حافلة بالغموض والتناقض. وهي تبدو لأول وهلة فوضى مذهلة، مجزرة عمياء لا معنى لها ملأى بالاضطراب والأخطاء الفاحشة. والحياة لا تلوِّح بسلاح جديد في يدها متقدمة بانتصار في لحظة ما، إلا لتتراجع في اللحظة التالية، مهزومة أمام الموت المظفر. ليس الأمر هكذا. فالمعركة منظمة في أدق تفاصيلها وفق قانون من التوازن بين الحياة والموت لا يقبل التغيير. وحيثما ينقلب هذا التوازن لأمر عرضي ما، وليكن وباء، زلزالا أو حربا، فإن الطبيعة اليقظى تهب للعمل في الحال لتعدل التوازن، فتستدعي كائنات جديدة لتحل محل الهالكين. إن الرجال والنساء، مدفوعين بقوة القانون الطبيعي التي لا تقاوم، يساقط بعضهم في أذرع البعض الآخر بشبق أعمى، غير مدركين أن الموت هو يقرر  وصالهم، وشهوانيته في يد والمخدر في اليد الأخرى. فالموت واهب الحياة، وقاتل الحياة، البداية والنهاية.
 
------------------------
( 1) Croce Bianca:  تعني حرفيا الصليب الأبيض أو الخالي من الكتابة. (م)
) 2 )Bianchi Nuovi :  يبدو أنه اسم مكان, ويعني حرفيا "بيضاء جديدة"، ولعلها مؤسسة خيرية أو دينية.
(3)  Ferret:  ابن مقرض وهو شبيه بابن عرس ومن أكلة القوارض، وقد اخترت (ابن عرس) لأنه معروف.
(4 )  Bull-dog :  نوع من الكلاب الضخمة الشرسة. (م)
(5 )   Pellegrini:  لعل الكلمة مأخوذة من Pelegra:  وهو الخصاف أو داء الذرة، وهو غير معدٍ. (م)
(6 ) Grandfather clock:  ساعة حائط مستندة إلى الأرض مباشرة. (المورد)
 (7 )  Perciò ha finito male:  يقول القس عبارته بالإيطالية، ثم يعيدها بالإنجليزية.
( 8) Sepolte Vive (عبارة إيطالية): Buried alive أي: مدفونون أحياء.
( 9)   Six sousهكذا وردت، وفي ويبستر:  5- centime peice a :  عملة إيطالية قديمة. (م)
( 10) Siren: إحدى الساحرات اللواتي كن يغوين البحارة بعذوبة أصواتهن في الأسطورة الإغريقية. (م)
( 11) Sandro Botticelli (1445 – 1510) من رسامي أوائل عصر النهضة، مدرسة فلورنسا، في إيطاليا. (م)
( 12) Cippo :  تركت الكلمة هكذا كما وردت، مع ترجمتها. (م)
( 13) Eros:  إله الحب الحسي عند الإغريق. (م)
( 14) Strench:  هكذا وردت في النص ولا معنى لها، وأظنها  Stench.
( 15) Tarantella:  رقصة شعبية إيطالية. (المورد)
( 16) ـ الإشارة إلى زلزال 1908 في مسينا. (م)
 
 
--------------------
 
هذه الملحمة الإنسانية  لاكسيل مونتي يصعب أن نَفيها حقها في مقالة موجزة، خاصة وهو يعبر بعمق وألم عن المعركة الدائرة بين الموت والحياة... فالمعركة منظمة في أدق تفاصيلها وفق قانون من التوازن بين الحياة والموت لا يقبل التغيير... لذا أترك للقارئ متعة قراءتها، كما استمتعت. محمد أحمد السويدي
بتكليف ورعاية من الشاعر الإماراتي محمد أحمد السويدي، وبدافع من حب المعرفة والسعي لنشرها قامت القرية الإلكترونية بتوفير هذه النسخة من قصة سان ميشيل مترجمة باللغة العربية – ترجمها علي كنعان. (جميع الحقوق محفوظة)
صفحتنا الرسمية في فيس بوك :
منصتنا في جوجل بلس لمتابعة باقي مشروعاتنا 
https://plus.google.com/+HisExcellencyMohammedAhmedAlSuwaidi?hl=ar

      قصة سان ميشيل لأكسِل مونتي                                        ترجمة:  علي كنعان الحلقة رقم (7)  VIII   نابولي   إذا كان هناك من تعنيه إقامتي في نابولي، فعليه أن يبحث عنها في "رسائل من مدينة جبلية"، إن كان في وسعه أن يحصل على نسخة، وهو أمر غير محتمل، لأن الكتاب الصغير نفد منذ عهد بعيد ولفَّه النسيان. وكنت بنفسي قبل قليل أقرأ باهتمام كبير تماما في "رسائل من نابولي"، كما تسمى في الأصل السويدي. وليس في وسعي أن أكتب اليوم مثل ذلك الكتاب لأنقذ حياتي. في تلك الرسائل كثير من الصخب الصبياني، وفيها كذلك كثير من وعي الذات، ولا أقول الغرور. ومن الجلي أني كنت مسرورا من نفسي نوعا ما لاندفاعي من لابلاند إلى نابولي في تلك  اللحظة حين غادرها كل شخص آخر. وثمة مقدار كبير من الزهو وأنا أطوف ليلَ نهار في الأحياء الفقيرة الموبوءة، مغطى بالقمل، أقتات بالفاكهة الفاسدة، وأنام في نزل قذر. هذا كله صحيح تماما، وليس لدي ما أنكر، إن وصفي لنابولي في زمن الكوليرا هو بدقة كما رأيتها بعيني متحمس. لكن وصفي لنفسي أقل دقة إلى حد بعيد. وإنها لوقاحة مني أن أدعي في الكتابة أني لم أكن خائفا من الكوليرا، ولا خائفا من الموت. تلك كانت أكذوبة. كنت خائفا إلى حد الرهبة منهما كليهما من البداية حتى النهاية. وصفت في الرسالة الأولى كيف خرجت من القطار الخالي، وأنا دائخ من رائحة الفينول المنتنة، إلى الساحة المقفرة آخر الليل، وكيف مررت في الشوارع بقوافل طويلة من العربات والعربات الكبيرة الملأى بالجثث في الطريق إلى مقبرة الكوليرا، وكيف أمضيت الليل بطوله بين الموتى في أحياء القاع البائسة. ولكن لا يمكن وصف ما قمت به بعد ساعتين من وصولي وكيف رجعت من جديد إلى المحطة لأسأل بلهفة عن أول قطار إلى روما، كالابريا، أبروتسي أو أي مكان، والأبعد هو الأفضل، ولا هم لي إلا الخروج من جهنم هذه. فلو كان ثمة قطار لما كانت أبدا"رسائل من مدينة جبلية". وفي الواقع لم يكن هناك أي قطار حتى ظهيرة اليوم التالي، فالاتصالات مع المدينة الموبوءة كانت شبه مقطوعة. ولم يكن هناك ما أفعله إلا أن أسبح في سانتا لوسيا مع شروق الشمس ثم أعود إلى الأحياء الفقيرة برأس بارد وإن كنت لا أزال أرتعد خوفا. لقد قبلوا بعد الظهر طلبي للخدمة في فريق العمل في مشفى سانتا مادلينا للكوليرا. وبعد يومين اختفيت من المشفى، إذ اكتشفت أن المكان الصحيح لي هو ألا أكون بين الذين يموتون في المشفى، إنما بين الميتين في الأحياء الفقيرة. وفكرت: كم سيكون الأمر أسهل بكثير لي ولهم، لو أن عذابهم لا يدوم هكذا طويلا، وليس بهذه الفظاعة! كانوا منطرحين هناك لساعات، لأيام في مدرج بارد برودة الجثث، بعيون شاخصة على اتساعها وأفواه فاغرة، في جميع مظاهرهم، ورغم ذلك ما زالوا أحياء. أكانوا يشعرون بأي شيء، أكانوا يدركون أي شيء؟ وكان من الخير الجم لقلة منهم أنها ما زالت قادرة على ابتلاع ملعقة شاي ملأى بصبغة الأفيون التي بادر بها أحد متطوعي الصليب الخالص( 1) إلى سكبها في أفواههم. إنها، على أقل تقدير، ستقضي عليهم قبل أن يجيء ليلا الجنود ودافنو الموتى نصف السكارى ليرموهم في تلك الحفرة الضخمة من مقبرة الكوليرا. كم رموا هناك من أحياء؟ لا بد أن أقول، مئات. كانوا كلهم يبدون متشابهين تماما، وأنا بذاتي كنت في أغلب الأحيان غير قادر أن أقول إن كانوا موتى أو أحياء. ولا وقت لكي تضيعه، فهناك عشرات منهم في كل حي فقير، وكانت الأوامر صارمة:  لا بد من دفنهم جميعا أثناء الليل. وحين دنا الوباء من ذروته، لم يبق لدي أي سبب للشكوى من أن عذاب احتضارهم طويل جدا. وسرعان ما راحوا يتساقطون في الشوارع وكأن صاعقة ضربتهم، فيلتقطهم البوليس وينقلهم بالعربات إلى مشفى الكوليرا ليموتوا هناك بعد ذلك بساعات. إن سائق العربة الذي أخذني صباحا، وهو في حالة موئسة، إلى سجن المحكومين في جراناتيللو، قرب بورتيتشي، وكان عليه أن يعيدني إلى نابولي، كان منطرحا ميتا في عربته حين جئت لأبحث عنه مساء. لم يشأ أحد أن يعمل له أي شيء في بورتيتشي، ولم يشأ أحد أن يساعدني في إخراجه من العربة. وكان علي أن أصعد إلى صندوق العربة وأعود به إلى نابولي بنفسي. وهناك أيضا لم يشأ أحد أن يعمل له شيئا، وكان علي أن آخذه إلى مقبرة الكوليرا قبل أن أتخلص منه وأنتهي. وحين رجعت إلى النزل مساء، كنت مرهقا إلى حد أني ألقيت بنفسي على السرير دون أن أخلع ثيابي وحتى دون أن أغسل يدي. ما الجدوى من الاغتسال بهذا الماء القذر ما الجدوى من تطهير نفسي في حين أن جسمي وكل شيء حولي ملوث:  الطعام الذي آكله، الماء الذي أشربه، السرير الذي أنام فيه، وحتى الهواء الذي أتنفسه! وفي الغالب كنت خائفا جدًّا أن أذهب إلى السرير، وخائفا جدًّا أن أكون وحيدا. كان علي أن أندفع خارجا إلى الشارع من جديد، لأمضي بقية الليل في إحدى الكنائس. سانتا ماريا ديل كارمن كانت مأواي الليلي الأثير، أهنأ نوم نعمت به في حياتي، وكان على مقعد في الجانب الأيسر من الجناح في تلك الكنيسة القديمة. وكان ثمة كثير من الكنائس لأنام فيها حين لا أملك الجرأة للذهاب إلى البيت. إن مئات الكنائس ومحاريب الصلاة بالكاتدرائيات كلها في نابولي كانت مفتوحة طوال الليل، متوهجة بشموع النذور ومزدحمة بالناس. وكانت مئاتها من تماثيل العذراء والقديسين منهمكين جميعا، ليلا ونهارا، بزيارة المحتضرين في أحيائهم الخاصة. والويل لهم إذا جازفوا بالظهور في حي أحد منافسيهم! وحتى السيدة العذراء المبجلة، الموكلة بالكوليرا، والتي أنقذت المدينة في وباء 1834 الرهيب ظلت تتأفف عدة أيام من قبل في بيانكي نوڤي.( 2) لم أكن خائفا من الكوليرا وحدها. كنت مرعوبا كذلك من الجرذان، أولا وأخيرا. كانوا يبدون وكأنهم  بين أهلهم في المستودعات وقاع الأحياء الفقيرة كتلك الكائنات البشرية التعيسة التي كانت تعيش وتموت هناك. وللإنصاف، كانوا بشكل إجمالي جرذانا مسالمين حسان التصرف، مع الأحياء على الأقل، وهم يقومون بمهمة الكناسين التي لم توكل إلا إليهم من عهد الرومان، وهؤلاء وحدهم من أعضاء المجتمع الذين كانوا واثقين من تأمين شبعهم. كانوا أليفين كالقطط وضخاما مثلها تقريبا. صادفت يوما امرأة هرمة، ليست غير جلد وعظم، تستلقي شبه عارية على حشية من القش في شبه كهف معتم. أعلموني أنها الـ"ڤاڤاما"، الجدة. كانت مشلولة وعمياء تماما، وكانت تستلقي هناك منذ سنوات. وكانت بضعة من الجرذان الضخمة تقعي على أرض الكهف القذرة في شكل دائرة حول وجبتهم الصباحية التي نعف عن ذكرها. تطلعوا إلي بهدوء تام، ولم يتحركوا بوصة واحدة. مدت المرأة ذراعها المعروقة وزعقت بصوت مشروخ: "خبز! خبز!" ولكن حين بدأت المفوضية الصحية محاولتها اليائسة لتطهير المجاري، تغيرت الحالة، وتنامى  خوفي إلى حد الرعب. ملايين الجرذان التي كانت تعيش في المجاري من عهد الرومان بلا أي إزعاج، اجتاحت الجزء المنخفض من المدينة. اندفعت عبر الأحياء الفقيرة مثل كلاب مسعورة وهي سكرى بغازات الكبريت والفينول السامة. ولم تكن مثل أي جرذان رأيتها من قبل قط، بل كانت صلعاء تماما ولها أذناب حمراء طويلة أكثر من المعتاد، وعيون حادة محتقنة بالدم وأسنان سوداء مدببة وطويلة كأسنان ابن عرس( 3). إذا ضربتها بعصاك، فإنها تدور وتتشبث بالعصا مثل بلدغ( 4). ولم أكن في حياتي كلها لأخاف من أي حيوان بقدر خوفي من هذه الجرذان الهائجة لأني متأكد أنها مسعورة جدا. لقد كان حي باسو بورتو كله في حالة رعب. ونُقل ما يزيد عن مئة مصاب بعضة خطرة، من النساء والأطفال، إلى مشفى بيللغريني( 5) في يوم الاجتياح ذاته. إن العديد من الأطفال الصغار تم التهامهم بكل معنى الكلمة. ولن أنسى أبدا ليلة قضيتها في مستودع في فيكولو ديللا دوتشيسا. الغرفة، ولعل المغارة كلمة أدق، كانت شبه معتمة، وهي ليست مضاءة إلا بقنديل زيتي صغير أمام العذراء. كان الأب ميتا من يومين لكن الجثمان ما زال مطروحا هناك تحت كومة من الأسمال البالية، فقد أفلحت الأسرة بإخفائه عن البوليس الباحث عن الموتى لنقلهم إلى المقبرة، وهو عمل شائع في الأحياء الفقيرة. جلست على الأرض بجانب الابنة أطرد الجرذان بعصاي بعيدا. كانت باردة تماما، لكنها ما تزال واعية. وكنت طوال الوقت أسمع الجرذان تجرش بأسنانها لدى جسم الأب. ولقد أثارت أعصابي أخيرا إلى درجة كان علي أن أضعه منتصبا في الزاوية كساعة الحائط( 6). وسرعان ما طفقت الجرذان تلتهم قدميه وساقيه بضراوة. لم أستطع أن أطيق ذلك لحظة إضافية، فاندفعت خارجا وأنا على وشك الإغماء. كانت صيدلية سان جينارو أيضا ملاذي الأثير الذي أتردد إليه كلما خشيت أن أكون وحدي. وكانت مفتوحة ليلَ نهار. وكان دون بَرتولو على ساقيه دائما، يمزج محاليله المتنوعة ويحضر أدويته العجيبة من جرار فانزا المرصوفة منذ القرن السابع عشر والمنقوشة بكلمات لاتينية عن المخدرات، وهي كلمات لا أعرف معظمها. وثمة قارورتان زجاجيتان كبيرتان فيهما أفاع وجنين بالكحول تزينان الرف. وكان القنديل المكرس للقديس سان جينارو، راعي نابولي، مضاء بجانب مقامه وقد علق، بين بيوت العنكبوت في السقف، هر محنط برأسين. كان اختصاص الصيدلية مزيجا مضادا للكوليرا اشتهر به دون بَرتولو، وقد ألصقت على أحد الجانبين صورة سان جينارو وعلى الجانب الآخر جمجمة وتحتها كلمات: "الموت للكوليرا". كان تركيبه سرا عائليا يلقنه الأب لابنه منذ وباء 1834، حين استطاع أن ينقذ المدينة بالتعاون مع سان جيناروا. وكان للصيدلية خاصية أخرى إذ تمتاز بقارورة غامضة موسومة بقلب يخترقه سهم كيوبيد، ترياق الحب. وكان تركيبه أيضا سرا عائليا، وقد علمت أنه مطلوب جدا. ويبدو أن زبائن دون بَرتولو كانوا يفدون في الغالب من الأديرة والكنائس المنتشرة حول شارعه. وكان ثمة دائما اثنان من القسيسين والرهبان أو الشمامسة، جالسين على الكراسي أمام النضد منهمكين في نقاش جدي عن أحداث اليوم وآخر المعجزات التي قام بها هذا القديس أو ذاك، وعن تأثير السيدة العذراء بمختلف مسمياتها:  السيدة كارمن، السيدة المسعفة، سيدة الموت الرحيم، سيدة الكوليرا، سيدة الأحزان، سيدة مصر القديمة. ولم أسمع ذكر اسم الله إلا نادرا، نادرا جدا، واسم ابنه لم يذكر أبدا. ولقد تجرأت يوما فعبرت عن دهشتي لإغفال المسيح في منقاشاتهم أمام قس عجوز رث اللباس، وكان صديقا حميما لي. فلم يشأ القس العجوز أن يخفي رأيه الخاص عني قائلا إن المسيح مدين بشهرته كلية إلى أن السيدة العذراء أمه. وإلى أقصى حد في علمه، فإن المسيح لم ينقذ أحدا من الكوليرا أبدا. لقد أطفأت أمه المباركة عينيها بكاء من أجله. فماذا فعل لها في المقابل؟ لقد قال: "ما لي ولك، يا امرأة؟"  ولذلك كانت نهايته فاجعة( 7). ومع اقتراب يوم السبت راحت أسماء القديسن والعذراء تتناقص أكثر فأكثر من المحادثة. وفي ليلة الجمعة، كانت الصدلية ملأى بالناس وهم منهمكون بنقاش صاخب وإيماءات فظة حول حظوظهم على طاولة اليانصيب غدا. أربعة وثلاثون، تسعة وستون، ثلاثة وأربعون، سبعة عشر! حلم دون أنتونيو أن عمته ماتت فجأة وتركت له خمسين الف لير، موت الفجاءة – 49، المال – 70! واستشار دون أونوراتو الأحدب في شارع فورسيللا، وكان واثقا من أرقامه الثلاثة الرابحة – 9، 39، 20! وهرة دون برتولو وضعت سبعة هريرات في الليل – والأرقام 7، 16، 64! وقرأ دون دونيسيو في الـ بونغولو أن عربيدا طعن حلاقا في إماكولاتيللا. الحلاق – 21، السكين – 41! وحصل دون باسكال على أرقامه من حارس المقبرة الذي سمعها بوضوح من قبر – الميت الذي تكلم – 48! إن تعارفي مع الدكتور فيللاري كان أول مرة في صيدلية سان جينارو. فقد أخبرني دون برتولو أنه قدم إلى نابولي قبل سنتين ليكون مساعدا للدكتور العجوز ريسبو، الطبيب المشهور بين جميع الأديرة والأبرشيات في الحي، والذي أودع ساعة وفاته كل خبرته الواسعة لدى مساعده الشاب. كنت مسرورا دائما أن ألتقي زميلي هذا، وحملت محبة عظيمة له من اللحظة الأولى. كان رجلا وسيما جدًّاوتصرفاته لطيفة هادئة، خلافا لذلك النمط المالوف من أبناء نابولي. ومن خلاله سمعت لأول مرة بدير المدفون حيا( 8)، ذلك المبنى القديم الكالح في زاوية الشارع بنوافذه القوطية الصغيرة وبواباته الحديد الضخمة، وهو معتم وساكن مثل قبر. أصحيح أن الراهبات دخلن خلال هذه البوابات ملفوفات بأكفان الموتى وموضوعات في توابيت، وأنهن لم يستطعن الخروج أبدا ما دمن على قيد الحياة؟ نعم، هذا صحيح تماما، فلم يكن للراهبات أي تواصل مع العالم الخارجي. وهو ذاته أثناء زياراته المهنية النادرة للدير كانت تتقدمه راهبة عجوز وهي تقرع جرسا لتنبه الراهبات حتى يتوارين في زنزاناتهن ويغلقن الأبواب. وهل صحيح ما كنت قد سمعته من بادري أنسيلمو، كاهن الاعتراف، بأن حديقة الدير كانت ملأى بآثار رخامية قديمة؟ نعم، لقد رأى كثيرا من الشظايا ملقاة هناك، وقد علم أن الدير كان قائما على أطلال معبد إغريقي.  بدا أن زميلي يحب أن يتحدث معي، وقال إنه ليس له أي صديق في نابولي، وإنه مثل جميع أبناء بلده يكره أبناء نابولي ويحتقرهم. وما شهده منذ تفشي الكوليرا جعله يشمئز منهم أكثر من أي وقت مضى. وكان من الصعب ألا تعتقد أن ما وقع على مدينتهم الفاسدة كان عقابا من الله. إن سدوم وعمورية كانتا لا شيء بالمقارنة مع نابولي. ألم أشهد ما كان يجري في الأحياء الفقيرة، في الشوارع، في البيوت الموبوءة، وحتى في الكنائس في حين كانوا يصلون لقديس ويلعنون آخر؟ كانت تجتاح نابولي كلها نوبة سعار من الشهوة، فالفجور والرذيلة في كل مكان في وجه الموت ذاته. إن اغتصاب النساء غدا شائعا حتى إن المرأة المحتشمة لم تكن لتجرؤ على مغادرة بيتها.  لم يظهر عليه أنه كان خائفا من الكوليرا، وقال إنه يشعر بالأمان تماما تحت حماية السيدة العذراء. ولكم حسدته على إيمانه! ولقد أراني تعويذتين كانت زوجته قد علقتهما حول عنقه يوم تفشت الكوليرا، كانت إحداهما العذراء كارمن، والأخرى القديسة لوسيا، القديسة الراعية لزوجته، واسم زوجته لوسيا. وكانت تضع تلك التعويذة الصغيرة منذ أن كانت طفلة. وقلت إنني أعرف القديسة لوسيا جيدا، وأعرف أنها القديسة راعية العيون. وغالبا ما كنت أتمنى أن أشعل شمعة أمام ضريحها، أنا الذي عشت طوال سنين في خوف أن أفقد بصري. وقال إنه سيخبر زوجته أن تتذكرني في صلواتها للقديسة لوسيا التي كانت قد فقدت عينيها، لكنها أعادت النور إلى آخرين كثيرين جدا. وأخبرني أنه من اللحظة التي غادر عندها بيته في الصباح، وزوجته جالسة وراء النافذة تتطلع إلى الخارج بانتظار عودته. لم يكن لها أحد غيره في العالم، لأنها تزوجته ضد رغبة والديها، ولقد أراد أن يرسلها بعيدا عن المدينة الموبوءة لكنها رفضت أن تتركه. سألته إن لم يكن خائفا من الموت. قال ليس من أجله ذاته لكن من أجل زوجته. يا ليت الموت من الكوليرا لم يكن بمثل هذه الفظاعة! فأن تنقل حالا إلى المقبرة أفضل من أن تراك العينان اللتان أحبتاك! قلت: "أنا متأكد أنك ستكون على ما يرام، فأنت لديك من يصلي من أجلك، في أقل تقدير، أما أنا فليس لي أحد". ومر طيف على وجهه الوسيم. "عدني، إذا..". قاطعته وأنا أرتعد: "دعنا لا نتحدث عن الموت". كان "نزل الجزائر" الصغير وراء ميدان السوق مكان استراحتي المفضل. وكان الطعام رديئا لكن النبيذ ممتاز، والليتر بست قطع نقدية(9 )، وكان لدي وفرة منها. وكنت غالبا أمضي نصف ليلتي هناك، حين لا أجرؤ على الذهاب إلى البيت. وسرعان ما صار سيزار، النادل الليلي صديقا حميما لي. وبعد الحالة الثالثة من الكوليرا في نزلي، قمت بالانتقال إلى غرفة خالية في المنزل الذي يعيش فيه. كانت الأحياء الجديدة قذرة كالنزل، لكن سيزار كان مصيبا، لقد كانت أفضل بكثير من سكن الرفقة. كانت زوجته ميتة، لكن ابنته مريوتشيا كانت مفعمة بالحياة. كانت تعتقد أنها في الخامسة عشرة، لكنها كانت في زهوة  تفتحها وهي تبدو، بعينين سوداوين وشفتين ورديتين، مثل فينوس الصغيرة في متحف الكابيتول. كانت تغسل ثيابي، تطهو معكرونتي، وترتب سريري حين لا تنسى ذلك. لم تكن قد رأت غريبا من قبل قط. وكانت تأتي إلى غرفتي دائما بعنقود عنب أو شريحة بطيخ أو طبق من التين. وإذا لم يكن لديها أي شيء آخر لتقدمه، كانت تأخذ الوردة الحمراء من ضفائرها السوداء وتناولني إياها بابتسامة ساحرة لسيرينة( 10) أو بسؤال يشع من عينيها فيما إذا لم أكن راغبا بتناول شفتيها الورديتين أيضا؟ وكانت تغني طوال اليوم من المطبخ بصوتها القوي المثير: "حبي! يا حبي!" وفي الليل كنت أسمعها وهي تتقلب في سريرها على الجانب الآخر من الجدار الفاصل. قالت إنها لا تستطيع أن تذهب للنوم، وقالت إنها تخاف أن تكون وحدها في الليل، وتخاف أن تنام وحدها. وأنا، ألم أكن خائفا أن أنام وحدي؟ همست من سريرها: "هل نمت يا سنيور؟" لا، لم أنم. كنت مستيقظا تماما، فلم أكن راغبا بالنوم وحدي أكثر من رغبتها. أي خوف جديد أخذ يجعل قلبي يدق بصخب شديد ويجعل الدم يندفع في أوردتي بسرعة محمومة؟ ولماذا، حين كنت أقعد نصف نائم في الممر الجانبي من كنيسة القديسة ماريا ديل كارمن، لم أكن أهتم من قبل بكل هؤلاء الفتيات الجميلات بمناديلهن السود وهن راكعات على الأرض الرخام بجانبي يبتسمن لي خلسة وسط صلواتهن وتراتيلهن؟ كيف أمكنني أن أمر كل يوم ولأسابيع من أمام بائعة الفاكهة في زاوية الشارع دون أن أتوقف لأستأنس بالحديث مع نانينا، ابنتها الجميلة، وعلى وجنتيها نفس لون الدراق الذي كانت تبيعه؟ ولمَ لم أكتشف من قبل أن  لبائعة الزهور في ميدان السوق الابسامة الساحرة ذاتها لربيع بوتشيللي( 11)؟ وكيف تأتّي لي أن أمضي كل تلك الأمسيات في "نزل الجزائر"، وأنا غير مدرك أن ما انساب إلى رأسي لم يكن نبيذ غرانيانو، لكنه الألق في عيني كارميلا؟ وكيف أمكنني ألا أسمع إلا أنات المحتضرين وقرع أجراس الكنائس في حين كانت الضحكات وأغاني الحب تتعالى من كل شارع، وتحت كل رواق تقف فتاة هامسة لعاشقها؟ وراح فتى يغني تحت نافذة مريوتشيا:   "آه ماري! يا ماري! كم أضعت من نومي بسببك.  دعيني أنم  معانقا لك ولو قليلا". وكان آخر يغني: "آه كارمي! يا كارمي!" ومن ميدان السوق انبثق صادحا:   "أقبل شعرك الأسود". وتردد في سمعي: "أقبل شعرك السود"، وأنا مستلق في سريري أصغي لأنفاس مريوتشيا نائمة في الجانب الآخر من الجدار الفاصل. ماذا جرى لي؟ هل خلبت لبي ساحرة؟ هل سكبت إحدى هؤلاء الفتيات في نبيذي بضع قطرات من رائق الحب لدى دون بَرتولو؟ وماذا جرى لكل هؤلاء الناس من حولي؟ هل كانوا سكارى جميعا بالنبيذ الجديد أو أنهم أصيبوا جميعا بسعار الشبق في وجه الموت ذاته؟ الموت للكوليرا، ولتحيَ البهجة. كنت جالسا إلى طاولتي المعتادة في النزل، نصف نائم أمام زجاجتي من النبيذ. وكان الوقت قد تجاوز منتصف الليل، وتفكرت أن من الأفضل أن أنتظر حيث كنت، لأعود إلى البيت مع سيزار حين ينتهي من عمله. جاء صبي راكضا إلى طاولتي وناولني قصاصة من الورق. "تعال"، كانت الكلمة مخربشة على الورقة بأحرف توشك أن تكون غير مقروءة.   وبعد خمس دقائق توقفنا أمام بوابة الحديد الضخمة لدير "المدفونين أحياء". قادتني راهبة عجوز إلى الداخل وراحت تتقدمني عبر الحديقة المعزولة وهي تقرع جرسا. عبرنا ممرا طويلا هائلا ومقفرا، ورفعت راهبة أخرى فانوسا في وجهي ثم فتحت الباب لأدخل غرفة شبه معتمة. كان الدكتور ڤيلاري مستلقيا في فراش على الأرض. ولم أميزه في أول الأمر إلا بصعوبة. كان الأب أنسيلمو قد انتهى من إعطائه السر المقدس الأخير. كان قد دخل في برودة الموت، وجسمه بارد تماما، لكني استطعت أن ألمح في عينيه أنه ما زال واعيا. نظرت إلى وجهه برعدة، فلم يكن صديقي من أراه، إنما هو الموت، الموت الرهيب الكريه. رفع يده عدة مرات مشيرا إلي، ووجهه الفظيع ينتفض بجهد يائس لكي يتكلم. ومن شفتيه المكشرتين خرجت بوضوح كلمة "مرآة". وعلى مهل أحضرت راهبة مرآة صغيرة، فرفعتها أمام عينيه نصف المغمضتين. هز رأسه عدة مرات، وكانت هذه آخر إشارة حياة جاد بها، وبعد ساعة لف قلبه السكون. وقفت العربة أمام البوابة لتحمل بعيدا جثماني الراهبيتين اللتين ماتتا أثناء النهار. كنت أعلم أن الأمر يتوقف علي في أنه ينبغي أن يؤخذ بعيدا في الوقت ذاته أو يترك حيث هو حتى مساء الغد. وكانوا سيصدقونني لو قلت لهم إنه لا يزال حيا، فهو يبدو تماما كما كان حين جئت إليه. إنما لم أقل شيئا. وبعد ساعتين كان جسمه مطروحا مع مئات الأجسام الأخرى في قبر مشترك في مقبرة الكوليرا. كنت أدرك لماذا رفع يده وأشار إلي، ولماذا هز رأسه حين وضعت المرآة أمام عينيه. إنه لم يشأ أن ترى زوجته ما رآه في المرآة، وهو يريد مني أن أمضي لأخبرها حين ينتهي كل شيء. ولما وقفت أمام بيته رأيت وجه امرأة شاحبا، طفلة تقريبا، وراء النافذة. وتراجعت برعب في عينيها وأنا أفتح الباب. "أنت الطبيب الأجنبي الذي حدثني كثيرا عنه، وهو لم يرجع، كنت أقف لدى النافذة طوال الليل، أين هو؟"    ألقت شالا على كتفيها واندفعت إلى الباب.  "خذني إليه حالا، لا بد أن أراه حالا!" أمسكت بظهرها، وقلت إني لا بد أن أتحدث إليها أولا. قلت لها إنهم أخذوه مريضا إلى دير المدفونين أحياء، والمكان كله موبوء، وليس في مقدورها أن تذهب إلى هناك، وعليها أن تفكر في الطفل الذي سوف تنجبه. وغصت بالبكاء: "ساعدني لأنزل الدرج، ساعدني لأنزل الدرج! لا بد أن أذهب لأراه حالا، لماذا لا تساعدني؟" وفجأة أطلقت صرخة حادة وتهاوت على الكرسي وهي على وشك الإغماء. "ليس صحيحا، فهو لم يمت، لمَ لا تتكلم، أنت كذاب، لا يمكن أن يموت من غير أن أراه". وقفزت إلى الباب مرة ثانية. "يجب أن أراه، لا بد أن أراه!" ومن جديد أمسكت بظهرها. "لن تستطيعي أن تريه، فهو لم يعد هناك، إنه..". انقضت علي كحيوان جريح. وصاحت هائجة بجنون: "ليس من حقك أن تسمح بأن يأخذوه بعيدا قبل أن أراه، إنه نور عيني، وأنت أخذت النور من عيني! أنت كذاب، قاتل! يا لوسيا المقدسة، خذي نور عينيه كما أخذ النور من عيني! انتزعي عينيه كما انتزعت عينيك بنفسك!" واندفعت في الغرفة امرأة عجوز وقفزت نحوي وهي ترفع يديها وكأنها تريد أن تخمش وجهي. "يا لوسيا المقدسة، خذي بصره، ابتليه بالعمى!"، زعقت بأعلى صوتها.  "اجعليه أعمى، خليه أعمى"، كانت تواصل صراخها من العتبة، وأنا أنسحب نازلا الدرج. اللعنة الرهيبة، أفظع لعنة قذفت بها في حياتي، راحت ترن في أذني طوال الليل. لم أجرؤ على الذهاب إلى البيت، كنت خائفا من الظلام. أمضيت ليلتي في سانتا ماريا ديل كارمن، وحسبت أن النهار لن يطلع أبدا.  ولما دخلت مترنحا صيدلية سان جينارو في الصباح لأسترد نشاطي كالمعتاد، كان الأب أنسيلمو قد ترك لي رسالة يدعوني فيها للقدوم إلى الدير حالا، وهذه فعالية استثنائية من مزايا الدون برتولو. كان الدير كله في اضطراب، وهناك ثلاث حالات جديدة من الكوليرا. قال لي الأب أنسيلمو أنه بعد محادثة طويلة بينه وبين رئيسة دير الراهبات، تقرر أن يلتمس مني أن أحل محل زميلي الميت، فما من طبيب آخر موجود. كانت الراهبات المذعورات يركضن جيئة وذهابا عبر الممرات، وأخريات كن يصلين أو ينشدن التعاويذ في الركن الكنسي. كانت الراهبات الثلات مطروحات على حشايا قشية في حجيراتهن. ماتت إحداهن مساء. وفي الصباح، أصيبت  بدورها الراهبة العجوز التي كانت تساعدني. وضعوا محلها راهبة شابة كنت قد لمحتها من قبل أثناء زيارتي الأولى، وكان من الصعب فعلا ألا ألاحظها، لأنها كانت فتية جدًّاوجميلة بشكل صاعق. لكنها لم تتفوه معي بكلمة. وحتى إنها لم تجبني لما سألتها عن اسمها، لكني تبينت من الأب أنسيلو أنها سورا أرسولا. وفي وقت متأخر من ذلك اليوم طلبت أن اتحدث إلى رئيسة الدير، وقد قادتني سورا أرسولا إلى حجيرتها. نظرت الأم العجوز إلي بعينين نفاذتين باردتين، قاسيتين ومتفحصتين كعيني قاض. كان وجهها جامدا ولا حياة فيه كأنه مقدود من رخام، وبدت شفتاها الرقيقتان وكأنهما لم يفترا قط عن ابتسامة. قلت لها إن الدير كله موبوء، والأحوال الصحية مرعبة، والماء في بئر الحديقة ملوث، ولا بد من إخلاء المكان كله أو أنهن سيمتن جميعا بالكوليرا.  أجابت أن ذلك مستحيل، إنه ضد قوانين رهبنتهن، فما من راهبة دخلت يوما ديرهن وخرجت منه حية. إنهن جميعا سيمكثن حيث يكن، وهن بين يدي السيدة العذراء وسان جينارو. لم أغادر الدير قط طوال أيام من الرعب لا تنسى، إلا بزيارة عاجلة للصيدلية من أجل جرعة متزايدة باطراد من دواء دون برتولو العجيب لاستعادة النشاط. كان علي أن أخبر الأب أنسيلمو أني يجب أن أحصل على بعض النبيذ، وسرعان ما حصلت على كمية وافرة منه، وربما أكثر مما ينبغي. أما النوم فلم أنل شيئا منه، وبدا أني لم اكن بحاجة إلى أي نوم. ولم أتصور أن في مقدوري أن أنام، حتى لو واتتني الفرصة، فالخوف وما لا يحصى من فناجين القهوة السوداء أيقظا جهازي العقلي كله في حالة استثنائية من الإثارة التي أودت بكل عياء. ولم يكن لي أن أستريح إلا حين يتاح أن أسرق لحظات في حديقة الدير المعزولة حيث أجلس لأدخن سيجارات لا تنتهي على مقعد رخامي تحت أشجار السرو. كانت هناك شظايا من الرخام القديم متناثرة على أرض الحديقة كلها، وحتى خرزة البئر كانت مصنوعة مما كان يوما سيبو(12 )، وهو المذبح الروماني. إنها الآن في ساحة سا ميشيل. وعند قدمي كان خشف مبتور من لقى حمراء ونصف مطمور بين السرو تمثال صغير لإيروس( 13) ما يزال منتصبا على عموده من الرخام الإفريقي. لقد وجدت سورا أرسولا مرتين جالسة على المقعد، قالت إنها خرجت لالتقاط نفس من الهواء الطلق، وإلا فإنها سيغمى عليها من الرائحة النتنة( 14) التي تملأ المبنى كله. ومرة جاءتني بفنجان قهوة ووقفت أمامي تنتظر الفنجان وأنا أرتشف قهوتي بأبطأ ما أمكن لأجعلها تقف هناك وقتا أطول قليلا. بدا لي أنها أصبحت أقل خجلا، وكأنها لا تبالي بأن أكون بطيئا إلى هذا الحد في إرجاع فنجاني الفارغ إليها. بدا أن في نظري إليها راحة لعيني المتعبتين. وسرعان ما صار بهجة، لأنها كانت جميلة جدا. هل فهمت ما قالته عيناي لها، لكن شفتي لم تجرؤا على قوله، وهو أني شاب وأنها جميلة؟ وكانت ثمة لحظات شعرت فيها بشكل تقريبي أنها فهمت ذلك.  سألتها لماذا جاءت إلى جاءت إلى هنا لتدفن حياتها الفتية في قبر المدفوين أحياء. ألم تكن تعرف أن العالم، خارج هذا المكان من الرعب والموت، جميل كما كان من قبل وأن الحياة كانت مفعمة بالبهجة وليس بالحزن وحسب؟ وقلت لها وأنا أشير إلى إيروس الصغير تحت أشجار السرو: "أتعرفين من هو هذا الصبي؟" كانت تحسب أنه ملاك. لا، إنه إله، أعظم من جميع الآلهة وربما أقدم الآلهة كافة. كان يحكم على الأولمب وهو لا يزال يحكم على عالمنا اليوم. "ديركن هذا أقيم على أطلال معبد قديم، دمر الزمان والإنسان جدرانه فاستحالت إلى رماد. وبقي هذا الصبي وحده حيث كان، وكنانة السهام في يده، جاهزا لتسديد قوسه. وهو لم يدمر لأنه خالد. سماه القدماء إيروس، وهو إله الحب".  ولما نطقت كلمة الكفر قرعت الأجراس من الكنيسة تدعو الراهبات إلى صلاة المساء. صلبت نفسها وأسرعت خارجة من الحديقة. وبعد لحظة جاءت راهبة أخرى مندفعة لتأخذني إلى الرئيسة، وقد أصيبت بالإغماء في الكنيسة، ونقلوها توا إلى حجيرتها. تطلعت إلي الرئيسة بعينينها الرهيبتين. رفعت يدها وأشارت إلى الصليب على الجدار، فجلبوا لها السر المقدس الأخير. لم تتماسك ولم تتكلم أبدا، وعمل القلب غدا أضعف فأضعف، كانت تهمد بسرعة. ظلت مستلقية هناك طوال اليوم والصليب على صدرها، ومسبحتها في يدها، عيناها مغمضتان، وجسمها يزداد برودة ببطء. وخيل إلي مرة أو مرتين أني سمعت خفقة واهية للقلب، ثم لم أسمع شيئا. تطلعت إلى وجه الرئيسة الصارم القاسي والذي حتى الموت لم يكن قادرا على أن يمنحه الرقة. كان أمرا شبه منعش لي أن عينيها كانتا مغلقتين إلى الأبد، فقد كان في هاتين العينين شيء ما يرعبني. ونظرت إلى الراهبة الشابة بجانبي. قلت: "لن أستطيع البقاء هنا لحظة أخرى، أنا لم أنم منذ أن جئت إلى هنا، رأسي دائخ، وأنا لست نفسي، لا أدري ما أفعل، أنا خائف من نفسي، خائف منك، خائف من..". لم يكن لي الوقت الكافي لأنهي الكلمة، ولم يكن لديها وقت للانسحاب، فقد طوقتها بذراعي، وشعرت بقلبها يخفق بعنف على قلبي. غمغمت: "الرحمة!"  وبغتة أشارت إلى السرير وقفزت خارجة من الحجرة بصرخة رعب. كانت عينا الرئيسة تحدقان  مباشرة إلي، وهما شاخصتان على اتساعهما بوعيد رهيب. انحنيت فوقها، وحسبت أني سمعت اختلاجة واهية للقلب. أكانت ميتة أم حية؟ أكان في مقدور هاتين العينين الرهيبتين أن تريا، هل رأتا؟ وهل بوسع هاتين الشفتين أن تتكلما أيضا؟ لم أجرؤ على النظر إلى تينك العينين، سحبت الغطاء فوق وجهها وقفزت من الحجيرة، ومن "المدفونين أحياء"، ولن أعود إلى هناك أبدا.   في اليوم التالي أصبت بالإغماء في شارع بِليرو. ولما استعدت وعيي، كنت في عربة شرطة وعلى المقعد المقابل يجلس شرطي مرعوب. كنا في طريقنا إلى سانتا مادالينا، مستشفى الكوليرا. لقد وصفت في مكان آخر كيف انتهى ذلك المشوار، وكيف انتهت إقامتي في نابولي بعد ثلاثة أسابيع، بإبحار مجيد عبر الخليج في سورينتو، أفضل مركب شراعي، مع دزينة من صيادي السمك في شاطئ كابري، وكيف بقينا يوما كاملا لا ينسى خارج ميناء كابري غير قادرين على الرسو بسبب الحجر الصحي.   حاولت جهدي ألا أصف في "رسائل من مدينة مفجوعة" ما حدث في دير "المدفونين أحياء"، وهو ما لم أجرؤ أن أخبر به أي إنسان، ولا حتى صديقي المخلص الدكتور نورستروم الذي كان يحتفظ بكراسة تضم بيانا بمعظم مخازي شبابي. إن ذكرى سلوكي المشين ظلت تنتابني سنوات. ماذا جرى لي؟ أي قوة مبهمة كانت تعمل لتجعلني أفقد السيطرة على حواسي، وهي قوية، لكنها أوهى قوة من عقلي بكثير؟ لم أكن حديث المجيء إلى نابولي، فلقد ثرثرت وضحكت من قبل مع أولئك الفتيات الجنوبيات الملتهبات، ورقصت الترنتيلة( 15) معهن في كثير من أمسيات الصيف في كابري. لقد خطفت قبلة أو اثنتين منهن في أسوأ الأحوال، لكني بقيت دائما قبطان السفينة، القادر تماما على قمع أي أمارة عصيان من البحارة. وأثناء دراستي في الحي اللاتيني كنت على وشك الوقوع في حب الأخت فيلومير، الأخت الشابة الجميلة في مدرسة القديسة كلير، وكل ما تجرأت على فعله هو أن أمد يدي بخوف لأقول لها وداعا وأنا أغادر المستشفى نهائيا، لكنها لم تأخذها. أما في نابولي فقد أردت أن أطوق بذراعي كل فتاة تقع عليها عيني، ولا شك أني كنت راغبا أن أقوم بذلك لو لم أصب بالإغماء في شارع بِليرو يوم كنت قد قبلت راهبة أمام  الرئيسة وهي على فراش الموت! وبعد مرور كل هذه السنين، وأنا أتطلع إلى أيامي في نابولي، ليس في وسعي اليوم أن أصفح عن سلوكي أكثر من مقدرتي عندئذ، لكن ربما أستطيع إيضاحه إلى مدى معين. لم أكن لأشاهد المعركة بين الموت والحياة خلال كل هذه السنين، بدون أن أجهد لمعرفة شيء ما عن المقاتلين. يوم رأيت الموت منكبا على عمله في أجنحة المستشفى، كان ذلك مجرد جولة  مصارعة بين الخصمين، مجرد تمثيلية أطفال بالمقارنة مع ما شهدت في ما بعد. لقد رأيته في نابولي يقتل أكثر من ألف شخص في اليوم أمام عيني هاتين. ورأيته في مسينا( 16) يدفن ما يزيد عن مئة ألف من الرجال والنساء والأطفال تحت البيوت المنهارة في دقيقة واحدة. ورأيته بعد ذلك في فيردون، وذراعاه محمرتان بالدم حتى المرفقين، ذابحا أربعمئة ألف رجل، ساحقا زهرة جيش بكامله على سهول الفلاندرز والسوم. ولم أفهم شيئا من تكتيكات الحرب إلا بعد أن رأيته يعمل على نطاق كبير. إنها دراسة طريفة، حافلة بالغموض والتناقض. وهي تبدو لأول وهلة فوضى مذهلة، مجزرة عمياء لا معنى لها ملأى بالاضطراب والأخطاء الفاحشة. والحياة لا تلوِّح بسلاح جديد في يدها متقدمة بانتصار في لحظة ما، إلا لتتراجع في اللحظة التالية، مهزومة أمام الموت المظفر. ليس الأمر هكذا. فالمعركة منظمة في أدق تفاصيلها وفق قانون من التوازن بين الحياة والموت لا يقبل التغيير. وحيثما ينقلب هذا التوازن لأمر عرضي ما، وليكن وباء، زلزالا أو حربا، فإن الطبيعة اليقظى تهب للعمل في الحال لتعدل التوازن، فتستدعي كائنات جديدة لتحل محل الهالكين. إن الرجال والنساء، مدفوعين بقوة القانون الطبيعي التي لا تقاوم، يساقط بعضهم في أذرع البعض الآخر بشبق أعمى، غير مدركين أن الموت هو يقرر  وصالهم، وشهوانيته في يد والمخدر في اليد الأخرى. فالموت واهب الحياة، وقاتل الحياة، البداية والنهاية.   ------------------------ ( 1) Croce Bianca:  تعني حرفيا الصليب الأبيض أو الخالي من الكتابة. (م) ) 2 )Bianchi Nuovi :  يبدو أنه اسم مكان, ويعني حرفيا "بيضاء جديدة"، ولعلها مؤسسة خيرية أو دينية. (3)  Ferret:  ابن مقرض وهو شبيه بابن عرس ومن أكلة القوارض، وقد اخترت (ابن عرس) لأنه معروف. (4 )  Bull-dog :  نوع من الكلاب الضخمة الشرسة. (م) (5 )   Pellegrini:  لعل الكلمة مأخوذة من Pelegra:  وهو الخصاف أو داء الذرة، وهو غير معدٍ. (م) (6 ) Grandfather clock:  ساعة حائط مستندة إلى الأرض مباشرة. (المورد)  (7 )  Perciò ha finito male:  يقول القس عبارته بالإيطالية، ثم يعيدها بالإنجليزية. ( 8) Sepolte Vive (عبارة إيطالية): Buried alive أي: مدفونون أحياء. ( 9)   Six sousهكذا وردت، وفي ويبستر:  5- centime peice a :  عملة إيطالية قديمة. (م) ( 10) Siren: إحدى الساحرات اللواتي كن يغوين البحارة بعذوبة أصواتهن في الأسطورة الإغريقية. (م) ( 11) Sandro Botticelli (1445 – 1510) من رسامي أوائل عصر النهضة، مدرسة فلورنسا، في إيطاليا. (م) ( 12) Cippo :  تركت الكلمة هكذا كما وردت، مع ترجمتها. (م) ( 13) Eros:  إله الحب الحسي عند الإغريق. (م) ( 14) Strench:  هكذا وردت في النص ولا معنى لها، وأظنها  Stench. ( 15) Tarantella:  رقصة شعبية إيطالية. (المورد) ( 16) ـ الإشارة إلى زلزال 1908 في مسينا. (م)     --------------------   هذه الملحمة الإنسانية  لاكسيل مونتي يصعب أن نَفيها حقها في مقالة موجزة، خاصة وهو يعبر بعمق وألم عن المعركة الدائرة بين الموت والحياة... فالمعركة منظمة في أدق تفاصيلها وفق قانون من التوازن بين الحياة والموت لا يقبل التغيير... لذا أترك للقارئ متعة قراءتها، كما استمتعت. محمد أحمد السويدي بتكليف ورعاية من الشاعر الإماراتي محمد أحمد السويدي، وبدافع من حب المعرفة والسعي لنشرها قامت القرية الإلكترونية بتوفير هذه النسخة من قصة سان ميشيل مترجمة باللغة العربية – ترجمها علي كنعان. (جميع الحقوق محفوظة) صفحتنا الرسمية في فيس بوك : https://www.facebook.com/mohammed.suwaidi.poet/ منصتنا في جوجل بلس لمتابعة باقي مشروعاتنا  https://plus.google.com/+HisExcellencyMohammedAhmedAlSuwaidi?hl=ar , Electronic Village, His excellency mohammed ahmed khalifa al suwaidi, Arabic Poetry, Arabic Knowledge, arabic articles, astrology, science museum, art museum,goethe museum, alwaraq, arab poet, arabic poems, Arabic Books,Arabic Quiz, القرية الإلكترونية , محمد أحمد خليفة السويدي , محمد أحمد السويدي , محمد السويدي , محمد سويدي , mohammed al suwaidi, mohammed al sowaidi,mohammed suwaidi, mohammed sowaidi, mohammad alsuwaidi, mohammad alsowaidi, mohammed ahmed alsuwaidi, محمد السويدي , محمد أحمد السويدي , muhammed alsuwaidi,muhammed suwaidi,,

Related Articles

سان ميشيل - لأكسِل مونتي - استهلال
قصة سان ميشيل لأكسِل مونتي - الحلقة رقم 1 - الصِّبا
قصة سان ميشيل لأكسِل مونتي - الحلقة رقم 2 - الحي اللاتيني
قصة سان ميشيل لأكسِل مونتي - الحلقة رقم 3 - شارع ڤيليير
قصة سان ميشيل لأكسِل مونتي - الحلقة رقم 4 - طبيب من أحدث طراز
قصة سان ميشيل لأكسِل مونتي - الحلقة رقم 5 - قصر رامو
قصة سان ميشيل لأكسِل مونتي - الحلقة رقم 7 - نابولي