Arabic    

كتاب منزل في صقلية - الفصل الأول - الشهور الأولى


2019-06-27
اعرض في فيس بوك
التصنيف : منزل في صقلية

 
 
بيت في صقلية | تأليف: دافني فيليبس | الناشرون: كارول وغراف المحدودة | ترجمة أميمة الزبير | الفصل الأول- الشهور الأولى
**********
غادرنا فكتوريا في أول أسبوع من شهر فبراير عام 1948، في يوم بارد سماؤه رمادية ترسل زخات لطيفة من المطر الخفيف. كانت إيفا جيبس هي رفيقتي في الطريق، ما أسعده من حظ وأيمنه من طالع. لقد كانت في فترة نقاهة من وعكة ألمت بها، ونصحها الأطباء بالراحة الكاملة. كانت تبدو في نظر الرجال الصقليين الذين لم يروا النساء العاملات من قبل، أكثر من مجرد فاتنة داكنة العينين. لقد كانت في الحقيقة المرأة الوحيدة في فريق مهني منتدب للولايات المتحدة عقب الحرب ليواكب آخر مستجدات إدارة العاملين وغيرها من شؤون العمل. لقد ترأست أيضاً عملية التدريب في شركة جون لويس الكبرى. ولم يؤخذ عليها سوى قلة معرفتها باللغة الإيطالية التي كنت أجيدها أكثر. عندما وصلنا إلى مدينة كاليه، كان المطر ما زال منهمراً، ولم يتوقف إلا بعد أن تركنا سويسرا وراءنا، حيث السماء الزرقاء والشمس المشرقة، بينما كنا في نهاية النفق الذي يمر من تحت جبال الألب. هاهم الإيطاليون، في أعقاب الحرب الطاحنة التي خاضوها، تكلل ملامحَهم مظاهرُ الشحوب والجوع والنصب، عدا المضيف الناعس الذي قال إنّه سيؤخرنا للنهاية " لأننا لن نغضب وعلى وجوهنا تلك الابتسامات الجميلة". لقد طفق يدهشنا بقصص شقية عن ركّاب آخرين، لم يأل جهداً في إظهار رغبته الشديدة في قضاء الليلة معنا. ولكنا كنا حاسمتين: فهذه هي المرة الأولى التي نلتقي فيها ببغاء إيطالي. تلقينا في القطار التالي بعد روما أول عرض للزواج من بين عدة عروض. كانت السيدات الأجنبيات يعتبرن ثريّات بدون استثناء، على ندرتهن وتباعد زياراتهن. بيد أنّ الأمر كان دوماً يستحق المحاولة. 
لقد أمضيت الليلة وأوراقي الثمينة، التي قام الملحق القانوني في لندن بتحضيرها من أجلي، ترقد تحت وسادتي. بدونها لا يسمح لي بدخول دار كوسيني حتى. تم تقسيم القطار على المضائق وألقيت القطع واحدة واحدة على باخرة في طريقها إلى مسينا في صقلية. وهناك- في مسينا- ارتديت زياً أسود اللون. لم تمض سوى خمسة أشهر على وفاة خالي، ولم أرتد زي الحداد بعد، بيد أني شعرت بالراحة لارتدائي السواد في الوقت المناسب، فظهوري بالملابس العادية كان سيؤدي إلى كارثة منذ البداية، ولصُدم الجميع بشدة. لقد كانت الفترة المناسبة للحداد على الخال لا تقل عن خمسة أعوام، وعشرة للوالدين، أما الزوج فلا ينتهي الحداد عليه إلا بالموت. لم تكن هنالك نساء كثيرات فوق العشرين يرتدين ملابس ملونة. 
إنني سوف لن أنسى ما نسيت شعوري عند الوصول إلى صقلية. كانت السماء في أشد زرقتها، كما كان البحر يتلألأ من جانب القطار حتى الجانب الآخر حيث الجبال وحقول الليمون والبرتقال. الشمس ساطعة، والجو حار هذه الأيام، وكان يصعب على الأشخاص الذين يتمتعون بحرية السفر إدراك ما نشعر به من شدة الحماس وحس الحرية بعد سنوات من التقييد في إنجلترا نتيجة ظروف الحرب، وصدى العبارة: " هل رحلتك ضرورية حقاً؟" لا يكاد يغيب عن آذاننا. 
انتقلنا في غمرة دهشتنا مسرعين من أحد جوانب العربة إلى الأخرى، كان الأمر أكبر من طاقتنا على الاحتمال بعد كل السنوات التي عشناها بين مطرقة الحرب وسندان الرتابة والملل. 
وفي تورمينا ألفينا صديق خالي الصدوق دون كارلو في استقبالنا، فقدم لنا وجبة العشاء في فندق عائلته. وبعد الوجبة، التي كانت مترفة مقارنة مع ما كان يسمح لنا به القانون في إنجلترا، ذهبنا إلى منزل القاضي، كانت أوراقي في يدي. وضع عليها القاضي الختم ثم أرسل معنا أحد موظفيه إلى دار كوسيني لمساعدتنا على كسر الأقفال التي وضعها القنصل البريطاني ومجلس المدينة على جميع الأبواب فور انتهاء مراسم جنازة خالي. 
لدى مدخل القصر اجتمع حشد صغير من الخدم وعائلاتهم تتشح ملابسهم جميعاً بالسواد. قبّلوا كفي واحداً بعد الآخر. كان بونيري، الذي عمل بستانيّا في القصر لأكثر من خمسة وثلاثين عاماً، صامتاً وحزيناً. ويبدو أنّه كان منهمكاً في العمل قبل وصولي، فقد كانت الحديقة تزخر بزهور الفريسيا، والسناريا، والورود، والكرم، وزهرة نجم المروج، وحتى زهور البتونيا، وفوق كل ذا وذاك كانت شجيرات اللوز مزهرة. كان المكان يعبق بالأريج تحت شمس الربيع الدافئة. كان توريدو، الخادم والسائق، بسنوات خدمته الثلاثين، كان كما أذكره، بذات الحماسة والاعتداد بالنفس، يؤكد مرارا وتكراراً على إخلاصه (المشكوك به) لعائلتي. وكان من اللطيف أن يحضر دون كارلو معه ابن اخيه المتحدث بالإنجليزية والذي كان في وقت ما ضابط اتصال بالقوات الجوية الملكية. كان وصف توريدو لحادثة عثوره على خالي ميتاً في فراشه مفصّلاً لدرجة مؤلمة. وكانت تبدو عليه مظاهر النعمة والبدانة، أما زوجته وأطفاله فمن الواضح أنّهم عانوا من الجوع أثناء الحرب. 
ماريا، الطاهية، عملت لدى خالي لسبعة وأربعين عاماً، منذ أن كانت في السادسة عشرة من عمرها، ولم تكن لتُرى. شهدت بناء المنزل والحديقة منذ البداية، واكتسبت مكانة خاصة في عائلتنا.
لقد وجدتها تنتظر في وقار، وتنهمر الدموع من عينيها، في شرفة أمام المنزل. كان استقبالها بارداً بينما كانت تقبّل كفي. وقالت إنّها ظنت أنني أختي الكبرى، إذ أنني لم أزر المكان سوى مرة واحدة من قبل، بخلاف أختي التي كانت تتردد على المنزل باستمرار في الفترة الأخيرة. كثير من النساء يسعدن بالعمل مع رجل، ولكنهن يكرهن العمل "تحت إشراف" واحدة من جنسهن. ما تلقيته من تدريب في علم النفس كان عوناً لي، عندما أصبحت سيدة المنزل المزعومة. تركت لها أمر الاهتمام بشؤون المطبخ. ولم أطأ مملكتها حتى دعتني بنفسها في أحد الأيام، بعد ثلاثة أشهر. في اليوم التالي تحدثت إليّ باللغة الصقلية كما كانت تفعل دائماً مع دون روبيرتو. علمت أنَّ المعركة انتهت بالفوز. 
كانت ماريا فلاحة أميّة، صارمة وبدينة، يعتمد جسدها الضخم على ساقين متورمتين بشكل يدعو للقلق. وتتميز بدهاء شديد، وإن أرادت لجعلت حياتي في كوسيني عبئاً ثقيلاً. كانت تحبّ دون روبيرتو حد العبادة، فقد كان حتى الآن الرجل الأهم في حياتها. في أحد الأيام-وبعد ثلاثين عاماً من خدمته قدمت له فيها وجبة الإفطار في الثامنة صباحاً-تأخرت وجبة الإفطار دقائق قليلة عن موعدها المعتاد. وكانت ماريا ترتدي أجمل ملابسها على غير العادة. " لِمَ التأخير يا ماريا؟" أجابت بنبرة مضطربة، " سيدي، لقد تزوجت هذا الصباح" ثم أردفت " ولكني وفُقت بترتيبه في أنسب وقت بالنسبة لكم- كان عليها استشارته مسبقاً. بيد أنّ الماكرة عرفت أنّها لو فعلت لما تزوجت، لأنّه لن يرضى بذلك أبداً. تبين أنّ زوجها كان قريباً لها، في حاجة لمدبرة منزل بعد وفاة والدته، فتزوج بهدف تسوية خلافٍ ما على الحدود. ظلت ماريا في بيت كوسيني، بينما أُرسل زوجها-دون ليو- إلى الريف للإشراف على عقارها الجبليّ والمحافظة عليه، وكان يقيم معها فقط في غياب دون روبيرتو، وكان كلٌ من ماريا وزوجها من رعاة قصر كوسيني الحادبين، وكان زواجهما صفقة رابحة للجميع. 
كان بوريني البستانيّ في نحافة الجسم ودقته يباري ماريا في بسطة جسمها وضخامته. كان مثلها أميّا. وكان لطيفاً وذا قناعة، وفلاحاً شديد التعلّق بعائلته، وبيته الجبلي الصغير، وحديقته التي كان يحبّها. المحزن في الأمر أنَّ بصره ذهب شيئاً فشيئاً. كان تباينه وماريا رائعاً: بخلافها في فترة الحرب كان يعمل لصالح الإيطاليين بشكل دائم، ثم مع الألمان وبعدهم البريطانيين الذين احتلوا قصر كوسيني. بينما ماريا- التي لم تخف مشاعرها حيال دون روبيرترو- كان يشتبه في أنّها عدو يتعاطف مع الحلفاء. ولهذا أبعدها الألمان لفترة ثلاث سنوات. لم يجد بونيري صعوبة في توجيه إخلاصه ناحيتي. 
كان توريدو مختلفاً جداً عن رفيقيه الآخرين. لقد كان واحداً من أوائل الفاشيين في تورمينا، إذ انجذب في براءة كالأطفال إلى الفرق الموسيقية والرايات- ولكن عالمه تهاوى عندما تكشف له الأمر عن ضرورة مشاركته في القتال في ابيسينيا. سرعان ما حصل على شهادة طبية: وهي ليست بالأمر الصعب إن كان لديك معرفة بالأشخاص المناسبين. 
وقد تمثلت واحدة من مشاكلنا معه في أنّه كان يعرف عن الحياة الصقلية أكثر مما كنا نفعل، وكان يسيء فهم هذا الشيء معتبراً إياه من مناقب الرجال على النساء بشكل عام. كان مستوى إجادتي للغة الإيطالية لا يزيد كثيراً عن مستوى إيفا. أما هو الذي لم يعالج لغة أجنبية من قبل، فجاهلٌ تماماً بالصعوبات التي تحف بعمليةتعلّم لغة جديدة، في وقت كنَّا مشغولين فيه بمشاكل آخرى. ومثل معظم الصقليين لم يسبق له اللقاء بنساء عاملات- فقد بدأت النساء في صقلية الدخول إلى سوق العمل بالكاد في 1948. ولم يك يظن أنَّ لدينا أدمغة خاصة بنا. يا ويحي، لم يكن مناسباً حتى لخدمة النساء. ولقد كان دون روبيرتو يتحمله لانبهاره بدراميته الفظيعة، وتأثراً بإخلاصه وتفانيه، حتى اكتسب بالتدريج عداء موسليني للإنجليز. عبّر خالي الغاضب عن تعجبه منه بقوله: " إن كنت تشعر بهذا حيال الإنجليز، فينبغي ألا تعمل مع رجل إنجليزي. إنك مفصول!" حدث هذا بعد خمسة وعشرين عاماً من الخدمة. فغاب يوماً أو اثنين متأثراً، وكان توريدو يعود نادماً، وربما معتذراً، حتى الانفجار التالي والفصل. إنّها لعبة ما يمارسونها لكني لم أكن أتقنها. 
كان دخولي المنزل من أول يوم بفضل إخلاص الجميع لخالي دون روبيرتو- وقد كان أمراً يعد من المستحيلات بحسب ما صرح به واحد من أبرز المقيمين الإنجليز، مع نصيحة بقضاء الليلة في فندق فخم، سان دومينيكو. والتي تصل تكلفتها إلى نصف نثريتنا الشحيحة أصلا. 
في تلك الأمسية، دخلت ماريا إلى المطبخ المهجور حيناً وأعدت لنا عشاءً من خمسة أطباق، بينما تولى توريدو وزوجته أمر غرف النوم التي كانت في يوم من الأيام لجدتي ووصيفتها. في هذه الأثناء كان عليَّ توقيع عدد من المستندات لتسلُّم المسؤولية الشخصية عن المنزل ومحتوياته. وقد أخبرني عدة أشخاص لم أتعرف عليهم أنّ دون روبيرتو كان يعتبر ابنهم أو ابنتهم أو حفيدهم أو حفيدتهم وغيرهم من الأقارب كأنه تبناهم بنفسه. كان من الواضح أنهم يأملون في توطيد علاقاتهم بي بتقبيلهم إياي في الخدين. لكن هذا لم يحدث.
حدث ما توقعته تماماً، وأخطرت بنك إنجلترا، لقد كانت الشهور القليلة التالية أبعد ما تكون عن الإجازة. لقد كانت حافلة بالإرهاق والحيرة، وتضمنت ساعات طويلة من التركيز الشديد بينما كنت أعالج بعض المسائل القانونية المعقدة، بلغتي الإيطالية الضعفية. لقد ناضلت حتى أفهم ما كان يقوله محاميّ، كاتب العدل (وهو شيخ هرم، كان علينا مخاطبته بلقب الموقّر)، محاوِلةً جهدي ألا أقول "نعم" عندما أعني "لا"، وفوق كل هذا وذاك كنت أحاول تجنب وضع إمضائي في غير موضعه الصحيح. 
" لك أن تثقي بالناس إن أحببتِ ذلك، ولكن من الأفضل ألا تفعلي" قال دون كارلو محذّراً. لقد أصبح الآن يدعو نفسه خالي. 
بعد ذلك كان عليَّ استلام أوراق خالية وطُلب مني التوقيع عليها، فأخبرتهم أنّ والدي كان محامياً وأنّه حذرني في عمر مبكر من توقيع أي شيء قبل قراءته. كان دون كارلو هو من اختار لي المحامي، قد أخبرني أنّه كان غنياً، وأكثر عازبي تورمينا تأهيلاً، وأنّه سيصبح القاضي التالي لا محالة. لقد كان في أشد حالات حداده على عم له توفي وقت وفاة خالي تقريباً، ولكني كنت قد عدت لارتداء الألوان مرة أخرى، أقنعناهم، كما آمل، بأننا نعتقد أنَّ الحداد والحزن مكانه القلب ولا تعبر عنه الثياب. كان مظهر المحامي الكئيب بشكل عام منسجماً مع سواد شعره الفاحم وعينيه وشاربيه. 
حياني بانحناءة، وقبّل كفي، وقال: سيدتي، إن لم أكن كذلك، لطلبت إليك الخروج معي." قال هذا مشيرا بيديه على اتساعهما. لابد أنّها كانت نجاة بأعجوبة، أو هكذا شعرت. 
أتى خمسة من الشهود إلى المنزل، أعطوني اسماءهم، واسماء آبائهم وتواريخ الميلاد، ثم تم تحضيرهم، كما بدا الأمر، للقسم بأنَّ الأسود أبيض- أو أي شيء آخر قد يكون في مصلحتي- لحسن الحظ. 
طلبت من إيفا أن تتنكر بقدر ما تستطيع لتخفي ملامحها (كانت جاذبيتها أكثر من اللازم، لا سيما وسط مجموعة من الرجال الصقليين)، وجلسنا نراقب وجوههم وإيماءاتهم، بينما كنت أحاول التركيز على اللغة، وتجنب اتخاذ أي قرار مهم حتى يتسنى لي ولها الوقت الكافي لمقارنة الملاحظات. 
كانت إحدى الصعوبات الكبيرة تتمثل في رفض مدير بنك صقلية قبول وثائقيالتي من شأنها أن تسمح لي بالتصرف في أموال خالي التي تركها في حسابه بعد تفكير، مفترضاً أنني سأستطيع سحبها في أي وقت. لقد كان المدير في البداية مصراً على وجود ختم خاص ناقص، ثم الحصول على توقيع من روما، ثم ختم من لندن، وهلم جراً. ولمندرك قبل مرور الوقت بأنّ المحتال كان يود شراء الحديقة الأمامية ليبني لنفسه بيتاً على موقع يكاد يعتبر الآن مركزياً. لقد ظن أنّه عندما يبقيني في شح من النقد سأضطر إلى البيع بسعر زهيد. لقد حاول أيضاً بيع بعض لوحات خالي بأسعار بخسة للغاية. لقد سمحت له بأخذ واحدة كعربون مودة، ولكنها لم تجد نفعاً. فالحظر لم ينته. 
اكتملت –ببطء- إجراءات إثبات قانونية وصية خالي الإنجليزي، والتوكيل الذي منحته إياي عمتي لتمثيلها والتصرف بالإنابة عنها. أصبحت بعدها – يا للعجب- موكلها العام. وأعتقد أنِّ أول الأشياء البسيطة التي يجب أن أبدأ بها هي تثمين المنزل ومحتوياته: كان محاميّ الإنجليزي قد طلب إتمام هذا الأمر بأسرع ما يمكن. وقيل لي إنّه ليس هنالك مقيّم أمين أو لا. بدا لي هذا الشيء غريباً، لكن ليس بيدي شيء آخر، فما عساي فاعلة؟ 
"بوسعك طلب ذلك من صانع الخزانات."
لا أعتقد أبداً أنَّ سلطات التوثيق الإنجليزية ستقبل تثمينه للوحات والخزف والتحف الآخرى. لكن عليهم ذلك. 
لم تتجاوز تقديرات صانع الخزانات الإجمالية مبلغ 500 جنيهاً استرلينياً. لكن عندما رأى المحامي ذلك تعجب. " لا يمكنك إرسال هذا، ستهلكينّ!" وقام بتقليل المبلغ إلى 250 جنيهاً استرلينياً. وجدت نفسي في موقع سخيف وأنا أعمل في الاتجاه المعاكس محاولة رفع المبالغ. " ألا ترى يا حضرة المحامي، أننا إن كنا نريد نقل هذه الأشياء إلى إنجلترا سنواجه بصرامة ضباط الجمارك. لابد من التصريح بقيمة معقولة. " أعرف أنَّ تلك التقييمات التوثيقية مخفضة أصلاً، لكن مع ذلك قد لا تجد هذه الـ 250 قبولاً حتى. في النهاية، وبعد عدة شهور، قررت أنّه ربما عليَّ الإقامة وإبقاء الممتلكات هنا، لم تعد هنالك مشكلة، ولكن ليس قبل أن أنجح في رفع الرقم مرة أخرى إلى 500 جنيه. 
كان هنالك نذير احتمال بأنَّ صلاحية بوالص التأمين الخاصة بدون روبيرتو قد قاربت على الانتهاء، وإن كانت كذلك فإنني لا أتخيل كيف سأتمكن من دفع قيمة التجديد في ظل الضائقة المادية الراهنة. طلبت من دون كارلو أن يريني إياها. 
أجابني: " لا نملك أياً منها".
لا يمكن أن يكون هذا صحيحاً. لقد كان دون روبيرتو رجلاً إنجليزياً، من يورشاير، وبالطبع سيكون لديه تأمين، الجميع لديهم تأمين.
" لم يكن كذلك أبداً"
بدا الأمر بالكاد ممكناً، لكن عليَّ تصديقه. على أية حال، وأثناء بحثي في الأوراق، وجدت ثلاثة بوالص تأمين ضخمة تشمل كل شيء. فأخرجتها بسعادة المنتصر: " إنها موجودة، كنت أعرف ذلك!"
انظري للتواريخ، سيدتي"
فعلت ذلك. كان الأمر لا يصدق، إنها تعود للأعوام 1941، 1942، و1943، إبان الاحتلال الألماني. وبشمولية تيوتونية لم تغفل ذكر شيء. لم يعرفوا أنَّ الإنسان الإنجليزي اكتشف قبل عدة سنوات: أنَّ بإمكان المرء الدفع على دفعات تناسبه، ولكن دفع مطالبة ما بواسطة شركة إيطالية كانت طويلة ومكلفة وغير محددة. عليه فقد قرر أن يتحمل المسؤولية بنفسه، مثل معظم الصقليين. على الرغم من دهشتي الأصلية فقد حذوت حذو دون روبرت، وحتى تلك اللحظة- المس الخشب كما نفعل نحن والحديد كما يقول الطليان- لم أندم على ذلك. أشار عليَّ صديق أنَّ الألمان عندما أخذوا البوالص لم يكونوا واثقين من الانتصار في الحرب، حتى إنّهم كانوا يعتقدون أنّهم يقومون بحماية ما يخالونه ملكاً خالصاً لهم. كان النضال لمعرفة اللغة يتداعى، عندما بدأت الدراسة بعد أيام طويلة من مقابلة كل أنواع الضيوف الذين كان يدفعهم للترحيب بابنة أخ خالي حِسٌ أصيل بالواجب. كانت الزيارات القصيرة لا تعتبر عندهم من قبيل التهذيب، بالتالي كانوا يطيلون الزيارة إلى درجة مزعجة. 
في النهاية كانوا يقولون " سيدتي، لقد بات عليَّ أن أعفيكم من إزعاجي وأغادر" وهي العبارة التي تعلمت أنَّ بإمكاني الرد عليها بأن : " لا إزعاج، أؤكد لكم سيدي، بل سعادة كبيرة".
متى ما قلت ذلك كانوا يعدلون عن الذهاب. كان الأمر مرهقاً لي للغاية. 
بالإضافة إلى كتابة قائمة جرد بجميع الممتلكات وتصنيف الكتب، كان عليَّ أن أتعلم كيفية إدارة القصر (الذي كان قد دمرته الحرب)، وكان أمر إدارة فريق ثلاثي من الموظفين بدوام شيء جديد تماماً بالنسبة لي. كانت رواتبهم ضئيلة للغاية، ولكن خالي أعطى كل منهم منزلاً. 
سرعان ما تعلمت قوة الغيرة الصقلية. قالت عمتي بكرم فياض إنّه من الضروري توزيع ملابس خالي على العاملين، على الرغم من أنَّ أخي وصهري كانا ليسعدان لو أنَّ بعضها إُرسل إليهما. لقد اعتقدت أنَّ قسمتي المدروسة جيداً ستحظى بالقبول. حدث العكس تماماً.
لمح كلٌ منهما الكومة التي منحت للآخرين، ثم "سنيورا، كنت أريد معطفاً واقياً من المطر من أجل زوجي، لكنك أعطيتني بدلة."
أو، " كنت أريد سروال جونز الطويل الذي كان يهديني إياه دائماً."
"ماذا عن المنامة الشتوية؟"
لقد كانت صدمة بعد صمت إنجليزي.
وكانت هنالك مشكلة واحدة رئيسية على الأقل أعتقد أنّه لم يكن من الضروري مواجهتها: وهي إيجاد مشترٍ للمنزل. في غضون يوم أو اثنين وصلت أنباء وفاة خالي إلى انجلترا. كان فيسكونت بريدبورت على عتبة داري. كان الفيسكونت هو الآخر ينتمي لعائلة دوكا دي برونتي (ينحدر من نسل لورد نيلسون عبر أخته). مُنح نيلسون لقب دوكا، وأرضاً واسعةً على سفح هضبة إيتنا، تعويضاً على جهوده الشريرة في دعم أسرة البوربون الرجعية. 
"لقد كان ذلك المنزل على الدوام موضع اهتمامنا. إنّه أجمل منزل في تورمينا. رجاء هل تعِديني بإعطائي حق الشفعة؟"
إن كنا سنبيع، كما أعلن خالي، فإنَّ المسألة ستكون أخف علينا لو كان المشتري عضواً في عائلة نيلسون، وممن يقدّرون جمال المنزل ويعرفون خالي. 
في عام 1947 كان مستقبل إيطاليا مظلماً. جميع العالم كان يراقب الوضع على خوف أو على وجل، وبحسب آراء المراقبين السياسيين، فإنها ربما تغدو شيوعية. كان توغلياتي الزعيم اليساري على ما يبدو مقرَّبًا من ستالين، ودائماً ما كان في موسكو. بدا العالم الشيوعي آنذاك كمنظمة هائلة، والحرب الباردة في أوجها. انتشرت شائعات بأنّ الولايات المتحدة وحلفاءها سوف تسيطر على الشمال حتى روما وتتخلى عن الجنوب إن وصل اليسار المتطرف إلى السلطة. وسواء أصَدَقَذلك أم لا، فهذا النوع من النظريات لا يشجع الأجانب على الاستثمار في عقار بصقلية. لذلك كان معقولًا بالنسبة لآل دوكا أن يطلبوا مني إرجاء القرار النهائي حتى انقضاء الانتخابات المزمع انعقادها في أبريل 1948 ووافقت. 
عندما عدت من لندن إلى تورمينا، عقب ذلك ببضعة أشهر، بدا لي كما لو أنّ جميع البلدة عرفت أنّ آل دوكا سيكون هو المالك الجديد. لقد كانت له قريبة تقيم في البلدة، والتي خيّل إليَّ طلب منها أن تراقبني. وستهرع إليَّ في الحال إن سمعت بأنني استضفت بعض المشترين المحتملين، لتؤكد لي جدية آل دوكا في مسعاه لشراء المنزل. 
في حال فوز الشيوعيين في أبريل، سيكون المشترون المحتملون الوحيدون هم من النوع الفظيع حديث العهد بالثراء: الرجال الأفظاظ البدناء مجهولي الأنساب، ولكن يكاد يكون ارتباطهم بالمافيا مؤكداً، وعندها يزداد نفوذها في صقلية. أتى منهم اثنان أو ثلاثة إلى المنزل بصحبة مدير فندق سان دومينيكو، حيث أقام قيصر وإداوارد السابع في بدايات القرن، بيد أنّ ذلك لم يكن في الوقت ذاته. كان هذا واحداً من الفنادق القليلة الموجودة آنذاك، وكان الدوكا رجلاً ثرياً في صقلية (ولكنه فقير في إنجلترا)، ودائماً ما كان يقيم هناك. وهي حقيقة سيكون لها أهمية خاصة بالنسبة لي لاحقاً. لقد كان المدير يرجو بشكل واضح المطالبة بعمولة مستحقة بموجب القانون للشخص الذي قدم البائع إلى المشتري في صفقة عقارية. لقد كان من دواعي سروري أنني كنت قادرة على إخباره وأصدقائه أنَّ المنزل لم يكن معروضاً للبيع. 
بدت عليه خيبة الأمل: " كنا نأمل ما هو أكثر من ذلك"
" سيدي، إني آمل أنكم فهمتم أنّه ليس معروضاً للبيع."
" إذن هل نحن مطرودون؟"
" نعم إن فهمتها كذلك،إني أفعل، والآن يا سيد ديريتوري، انصرف من فضلك فلدي ارتباط"
ربما اكتسبت أعداءً لدودين هكذا، عليه، كنت ممتنة جداً للدوكا للحماية الكافية بنيته للشراء.
عندما أزف الوقت، قامت الكنيسة الكاثوليكية بتسخير كل سلطاتها، خاصة على النساء اللواتي كن يصوّتن للمرة الأولى، وبعد انتخابات عنيفة كانت النتيجة لصالح المسيحيين الديمقراطيين (المافيا بشكل غير مباشر). كان للحزب وحلفائه حكم إيطاليا لفترة امتدت لأربعين سنة أو نحوها.
دار نقاش بين الدوكا وأخي في لندن حول مسألة السعر، وما لا يقل أهمية، إذ كنا نريد الجنيه الاسترليني، كانت القيمة المدفوعة بأي العملتين. وتم الاتفاق على أنّ الدوكا سيخطرني بقراره قبل منتصف ليلة 23 أبريل. وصل إلى قصر كوسيني في الساعة الخامسة، وألحق على رؤية المنزل بكامله، دون مراعاة لمشاعري إزاء الخسارة الوشيكة، كان يتحدث عن أنّه سيقوم ببناء حمام آخر هنا، وحوض غسيل هناك، وتغيير ألوان الجدران. 
إن كان هذا الأمر مؤلما بالنسبة لي، فسيكون أكثر فداحة بالنسبة لماريا المسكينة التي ألفت المنزل وأحبته منذ وضع أول حجر فيه، كان المكان بكامله مرتبطاً بذاكرة محبوبها دون روبيرتو. وعلى أمل إنقاذها أقترحت على الدوكا أنّه ليس بحاجة لتفتيش المطبخ. لكنّه صمم على رغبته في رؤية كل شيء. لقد كانت ماريا ذات كبرياء، قبلت يد الدوكا ولقبته بصاحب المعالي. ثم وقفت وكفَّاها على خاصرتها، وظهرها إلى خزانة اللحم- على الأقل كان من الضروري إخفاء بعض الأشياء عنه في الوقت الحالي. لم يتخلف بونيري عن تقبيل الأكف لكنه كان دامع العينين. 
وفجأة اندفع توريدو. خرج عن طوره مرة واحدة وقال: " صاحب المعالي. أهلاً أهلاً!" لم يكن هنالك شك في نواياه للانضمام إلى المالك الجديد...
قال الدوكا إنّ لديه موعدًا آخر في السادسة، وأشار إلى أنّه ليس بحاجة للنظر إلى الحديقة، فهو يعرفها جيداً، فاعترضته مجيبة بأهمية مناقشة أمر الحدود، إذ أنَّ عمتي، المالكة الحالية، قد اتفقت معي على ضرورة الاحتفاظ بجزء من الأرض على بيت كوسيني، وبالمال الذي لا نستطيع الخروج به من إيطاليا سنبني منزلاً صغيراً للعائلة ليزوره أفرادها من وقت لآخر. قال الدوكا إنَّ عليه المغادرة: هل كنت سأوافق على تأجيل قراره الأخير حتى صباح الغد عندما يأتي في العاشرة صباحاً؟ نعم بالطبع وافقت. 
في الثالث والعشرين من شهر أبريل، عيد القديس سان جورجيو راعي إنجلترا وكاسلمولا، وهي القرية الصغيرة على هضبة فوق تورمينا حيث كان القديس يحظى باحترام شديد. 
لم يفوّت خالي أحد الأعياد أبداً. كان معجباً بشدة بالقرية بقدر إعجابه بتورمينا. وعندما كان من المفترض إعادة تلوين القديس على فحل خيل أبيض رائع، لم يدفع أهل البلدة للرسام حتى قام دون روبيرتو بفحص العمل وأعلن أنّه: " متقن- إنه يستحق."
وعندما تلقت القرية منحة صغيرة من الحكومة، عقب الحرب، وسئلوا فيم يريدون إنفاقها- إما على إمدادات المياه، أو إعادة ترميم كنيسة سان جورجيو التي تعود للقرن الثاني عشر- قاموا بالتصويت على ذلك وفاز سان جورجيو. وإني أعتقد أنّه لم يسمح للنساء اللواتي كان عليهن حمل كل المياه على رؤوسهن بالمشاركة في التصويت. 
بعد أن غادرنا في تلك الأمسية، قاد دوكا سيارته الرولز بينتلي إلى كاسلمولا، ونحن تمشينا، برؤوسنا المغطاة بالأوشحة صعوداً في الطريق الجبلي الوعر المنحدر مع بونيري وتوريدو. تم نقل القديس مساء الأمس في موكب من كنيسته إلى الكاتدرائية الجديدة، التي أفسحت مجالاً أكبر لإخلاص الناس. كان هو هناك، على حصانه، ومعه القديسة الصغيرة مارغريتا، تصلي جاثية على ركبتيها، بجانب حافر الحصان بينما كان التنين الغاضب يهددها. (لقد رأينا بدهشة كبيرة التذكار الحجري لزيارة الإمبراطور قسطنطين في القرن الرابع وقد تُرجم من اليونانية وتأريخ أعظم ناشري المسيحية قد تغير إلى ثلاثمائة سنة قبل ميلاد المسيح- بدلاً عن بعد الميلاد).
كانت جماعة الدوق، مرتدية التويدات السويدية، يجلسون كما لو كانوا يشاهدون سباق الحواجز للخيل، على مقصورة متوسطة الحجم تطل على الساحة. لمحنا الدوق، ودعاني وإيفا بكل لطف للانضمام إليهم. لقد اعتذرت عن قبول الدعوة، بذريعة أني اقسمت على الدوران مع الموكب كما كان يفعل دون روبيرتو دائماً (بيد أنّه ربما كان يرسم الأشكال والوجوه الجميلة).
وكنت سعيدة لفعل ذلك، لأنَّ أحد الرجال قام من بين الحشود وهتف: " لقد رحل دون روبيرتو، لكن ممثلته ما زالت معنا!" لقد أعتقدت أنَّ لا أحد يعرف من أنا.
بعد منتصف الليل سرنا عائدين على الطريق المنحدر الوعر إلى قصر كوسيني. 
وصل دوكا في الصباح التالي في العاشرة بالضبط. تصافحت أيدينا، ثم قال باختصار وبشكل مفاجيء: سوف لن أشتري المنزل، آمل أنَّ هذا الأمر لن يتسبب بإزعاجك؟" 
لقد كانت مفاجأة شديدة. للحظة كنت سأملك ملايين الليرات، وفي اللحظة التالية ولا واحدة. لن أستطيع دفع أجور العاملين، ولا تركة خالي، ولا حتى الإقامة حتى أجد مشترياً آخرَ. لقد ضربني مرتين في وجهي، ولا يستطيع أن يهزني مرة أخرى. لكني انبهرت من نفسي، فما تعلمته في المدرسة جعلني قادرة على الوقوف دون أن يطرف لي جفن حتى غادرنا وأصبحنا وحدنا. كنت ممزقة. لقد استغرق الأمر سبعة أشهر ليصل إلى هذا القرار، كنا قادرين فيها على البحث عن مشترين آخرين. بالأمس كان يريد الشراء، وكان كلانا متأكداً من ذلك. ما الذي حدث ليغير رأيه هكذا؟ 
كان دون كارلو مذهولاً بالدرجة ذاتها. لقد بحثنا عن الأسباب: هل كان رفضي للجلوس معه في الاحتفال؟ أم لأنني لم أهنيء الدوقة على ميلاد ابنها ووريثها الجديد؟ 
قلت : " إنّ الدوكا ضابط في البحرية البريطانية، وليس صقلياً. فهو بالتأكيد لن يجعل هذه الأمور الصغيرة، إن كانت صغيرة فعلاً، للحؤول دون تحقيق أمنيته بامتلاك قصر كوسيني، والذي كان يفكر به لوقت طويل." لقد بدا لي أنّ إحجامه عن تقديم سبب لرفضه لم يمت لبريطانيا ولا البحرية بأي صلة. 
كان حفيد دون كارلو هو الذي قدم تفسيراً معقولاً. كانت هذه الصفقة ستتم في بريطانيا بدون أية عمولات للوسيط. وفي تورمينا ولسنوات كانت الصفقات العقارية قليلة ومتباعدة. الناس بحاجة إلى المال، وهذه الصفقة لم ترضِهم لذا حالوا دون إتمامها.
" ولكن من ومتى؟ إنني أعلم أين كان الدوكا في الليلة الماضية بالضبط- في كاسلمولا، ولقد ظل هناك لوقت متأخر. من قد يكون السبب في تغيير رأيه وكيف؟"
"ربما هددوه بتدمير حقل الفواكه خاصته الذي كان مصدر ثروته، أو ربما أخبروه بأنَّ قصر كوسيني ليس بصفقة جيدة، فالقنابل قد دمّرت أساساته- ربما وجدوا أي سبب لإثنائه عن عزمه".
لقد بدا لي الأمر ذا صلة بالمافيا، ولكن الحفيد أصاب الحقيقة على الأرجح. ربما كان هذا يفسر صمت الدوكا أيضاً وإخفاقه في تقديم سبب لتصرفه الغريب هذا. ربما كان مدير سان دومينيكو ذا دور في هذا الأمر بسبب ما شعر به من إهانة. 
لقد عدنا إلى مربع البداية من جديد. وكنت آمل بشدة أن لا نضطر إلى بيع ذلك المنزل العزيز جداً إلى أيٍ من السوقيّين الذين أرادوه. المشكلة الحالية والمؤرقة كانت تتمثل في عدم قدرتنا على البقاء دون مال. قمنا أنا وإيفا بتقسيم الأثاثات إلى ثلاث مجموعات، ووضعنا على كل قطعة منها ديباجة. المجموعة الأولى لتعرض للبيع، والثانية ترسل إلى إنجلترا عندما يتسنى لنا ذلك. والمجموعة الثالثة التي أطلقنا عليها اسم "Casetta"[الكوخ] لنحتفظ بها في المنزل الصغير الذي ربما تمكنا من بنائه في يوم ما. وفي ذلك الوقت لم يكن لديَّ أدنى فكرة عن القيمة العالية للأثاث، لكني صممت على أنّه لا يجب أن يباع بالسعر الزهيد الذي عرضه لي تجار التحف المحليون. 
ربما لا نستطيع الاحتفاظ بثلاثة من العاملين بوقت كامل. وكان من الضروري جداً أن يُسكن المنزل لحمايته من اللصوص، ولكنا لا نستطيع إهمال الحديقة إن كنا سنبيعه. فالنمو والتعفن سريعان في صقلية، والريّ ضرورة. بجانب أنَّ ماريا وبونيري أمضيا سنوات خدمة أطول وأظهرا إخلاصاً مستمراً- بخلاف توريدو ذي الخدمة المتقطعة. لقد كان من الواضح أنه من سيعفى من منصبه. خاصة وأننا لن نحتاج خادماً رجلاً ولا سائقاً. لقد استشرت محامياً وقال إنه يعتقد بضرورة أن يضطلع رجل بمهمة الإعفاء، ولكني شعرت بأنّه عليَّ أنا كعضو في الأسرة ووكيلٍ عامٍ عن عمتي، القيام بهذا الأمر. 
جلست على العرش الباروكي الرائع الذي كان في وقت ما من مقتنيات أحد الأساقفة، واستدعيت توريدو إلى الصالون. قللت من تأثير الخبر السيء قدر الإمكان. وفي الحال بدأ يصرخ ويصيح، ملوّحا بذراعيه: أأرمى خارجاً مثل الكلب بعد ثلاثين عاماً من الخدمة المخلصة؟ سأرفع قضيةّ!"
تمنيت لو سمعت نصيحة المحامي. كانت الأيام التالية عصيبة جداً. ألّح توريدو على الانتظار على إحدى الطاولات، ولكن بدلاً عن هذره المعتاد، جلس صامتاً خلف مقعدي تماماً، لقد بدا لي أنني أشعر بعينيه الغاضبتين من خلف ظهري. وقد استعار مسدساً من دون كارلو، "لاستخدامه لحماية السنيورة"، ولكني خشيت من أنّه ربما وجه فوهته نحوي. طمأنته بأنّه سيوّفى حقوقه كاملة بموجب نصوص القانون، ولكنه لم يكن يريد الانتظار مثل الآخرين حتى أجد المال الكافي- وذكرته بأنَّ خالي أعطاه منزلاً، وكان عليَّ أن أطلب حضور المحامي الذي- كرجل و صقلّي- لم يحتمل أيًا من هذه التفاهات. وشعرت بالأسف في الغالب على توريدو البربري.
غادرنا أنا وإيفا إلى إنجلترا في بداية شهر مايو، ونحن نعتقد أنّه من الممكن ألا نرى قصر كوسيني مرة أخرى. 
"لم نحقق أي هدفخرجنا من أجله"، قلت في خيبة أمل.
"أجل ولكنا ما زلنا نملك كل شيء وجدناه،" قالت إيفا، " وهذا أمر لا يستهان به".
لقد كانت مخطئة، ولكني لم أكتشف ذلك إلا بعد سنوات.

    بيت في صقلية | تأليف: دافني فيليبس | الناشرون: كارول وغراف المحدودة | ترجمة أميمة الزبير | الفصل الأول- الشهور الأولى ********** غادرنا فكتوريا في أول أسبوع من شهر فبراير عام 1948، في يوم بارد سماؤه رمادية ترسل زخات لطيفة من المطر الخفيف. كانت إيفا جيبس هي رفيقتي في الطريق، ما أسعده من حظ وأيمنه من طالع. لقد كانت في فترة نقاهة من وعكة ألمت بها، ونصحها الأطباء بالراحة الكاملة. كانت تبدو في نظر الرجال الصقليين الذين لم يروا النساء العاملات من قبل، أكثر من مجرد فاتنة داكنة العينين. لقد كانت في الحقيقة المرأة الوحيدة في فريق مهني منتدب للولايات المتحدة عقب الحرب ليواكب آخر مستجدات إدارة العاملين وغيرها من شؤون العمل. لقد ترأست أيضاً عملية التدريب في شركة جون لويس الكبرى. ولم يؤخذ عليها سوى قلة معرفتها باللغة الإيطالية التي كنت أجيدها أكثر. عندما وصلنا إلى مدينة كاليه، كان المطر ما زال منهمراً، ولم يتوقف إلا بعد أن تركنا سويسرا وراءنا، حيث السماء الزرقاء والشمس المشرقة، بينما كنا في نهاية النفق الذي يمر من تحت جبال الألب. هاهم الإيطاليون، في أعقاب الحرب الطاحنة التي خاضوها، تكلل ملامحَهم مظاهرُ الشحوب والجوع والنصب، عدا المضيف الناعس الذي قال إنّه سيؤخرنا للنهاية " لأننا لن نغضب وعلى وجوهنا تلك الابتسامات الجميلة". لقد طفق يدهشنا بقصص شقية عن ركّاب آخرين، لم يأل جهداً في إظهار رغبته الشديدة في قضاء الليلة معنا. ولكنا كنا حاسمتين: فهذه هي المرة الأولى التي نلتقي فيها ببغاء إيطالي. تلقينا في القطار التالي بعد روما أول عرض للزواج من بين عدة عروض. كانت السيدات الأجنبيات يعتبرن ثريّات بدون استثناء، على ندرتهن وتباعد زياراتهن. بيد أنّ الأمر كان دوماً يستحق المحاولة.  لقد أمضيت الليلة وأوراقي الثمينة، التي قام الملحق القانوني في لندن بتحضيرها من أجلي، ترقد تحت وسادتي. بدونها لا يسمح لي بدخول دار كوسيني حتى. تم تقسيم القطار على المضائق وألقيت القطع واحدة واحدة على باخرة في طريقها إلى مسينا في صقلية. وهناك- في مسينا- ارتديت زياً أسود اللون. لم تمض سوى خمسة أشهر على وفاة خالي، ولم أرتد زي الحداد بعد، بيد أني شعرت بالراحة لارتدائي السواد في الوقت المناسب، فظهوري بالملابس العادية كان سيؤدي إلى كارثة منذ البداية، ولصُدم الجميع بشدة. لقد كانت الفترة المناسبة للحداد على الخال لا تقل عن خمسة أعوام، وعشرة للوالدين، أما الزوج فلا ينتهي الحداد عليه إلا بالموت. لم تكن هنالك نساء كثيرات فوق العشرين يرتدين ملابس ملونة.  إنني سوف لن أنسى ما نسيت شعوري عند الوصول إلى صقلية. كانت السماء في أشد زرقتها، كما كان البحر يتلألأ من جانب القطار حتى الجانب الآخر حيث الجبال وحقول الليمون والبرتقال. الشمس ساطعة، والجو حار هذه الأيام، وكان يصعب على الأشخاص الذين يتمتعون بحرية السفر إدراك ما نشعر به من شدة الحماس وحس الحرية بعد سنوات من التقييد في إنجلترا نتيجة ظروف الحرب، وصدى العبارة: " هل رحلتك ضرورية حقاً؟" لا يكاد يغيب عن آذاننا.  انتقلنا في غمرة دهشتنا مسرعين من أحد جوانب العربة إلى الأخرى، كان الأمر أكبر من طاقتنا على الاحتمال بعد كل السنوات التي عشناها بين مطرقة الحرب وسندان الرتابة والملل.  وفي تورمينا ألفينا صديق خالي الصدوق دون كارلو في استقبالنا، فقدم لنا وجبة العشاء في فندق عائلته. وبعد الوجبة، التي كانت مترفة مقارنة مع ما كان يسمح لنا به القانون في إنجلترا، ذهبنا إلى منزل القاضي، كانت أوراقي في يدي. وضع عليها القاضي الختم ثم أرسل معنا أحد موظفيه إلى دار كوسيني لمساعدتنا على كسر الأقفال التي وضعها القنصل البريطاني ومجلس المدينة على جميع الأبواب فور انتهاء مراسم جنازة خالي.  لدى مدخل القصر اجتمع حشد صغير من الخدم وعائلاتهم تتشح ملابسهم جميعاً بالسواد. قبّلوا كفي واحداً بعد الآخر. كان بونيري، الذي عمل بستانيّا في القصر لأكثر من خمسة وثلاثين عاماً، صامتاً وحزيناً. ويبدو أنّه كان منهمكاً في العمل قبل وصولي، فقد كانت الحديقة تزخر بزهور الفريسيا، والسناريا، والورود، والكرم، وزهرة نجم المروج، وحتى زهور البتونيا، وفوق كل ذا وذاك كانت شجيرات اللوز مزهرة. كان المكان يعبق بالأريج تحت شمس الربيع الدافئة. كان توريدو، الخادم والسائق، بسنوات خدمته الثلاثين، كان كما أذكره، بذات الحماسة والاعتداد بالنفس، يؤكد مرارا وتكراراً على إخلاصه (المشكوك به) لعائلتي. وكان من اللطيف أن يحضر دون كارلو معه ابن اخيه المتحدث بالإنجليزية والذي كان في وقت ما ضابط اتصال بالقوات الجوية الملكية. كان وصف توريدو لحادثة عثوره على خالي ميتاً في فراشه مفصّلاً لدرجة مؤلمة. وكانت تبدو عليه مظاهر النعمة والبدانة، أما زوجته وأطفاله فمن الواضح أنّهم عانوا من الجوع أثناء الحرب.  ماريا، الطاهية، عملت لدى خالي لسبعة وأربعين عاماً، منذ أن كانت في السادسة عشرة من عمرها، ولم تكن لتُرى. شهدت بناء المنزل والحديقة منذ البداية، واكتسبت مكانة خاصة في عائلتنا. لقد وجدتها تنتظر في وقار، وتنهمر الدموع من عينيها، في شرفة أمام المنزل. كان استقبالها بارداً بينما كانت تقبّل كفي. وقالت إنّها ظنت أنني أختي الكبرى، إذ أنني لم أزر المكان سوى مرة واحدة من قبل، بخلاف أختي التي كانت تتردد على المنزل باستمرار في الفترة الأخيرة. كثير من النساء يسعدن بالعمل مع رجل، ولكنهن يكرهن العمل "تحت إشراف" واحدة من جنسهن. ما تلقيته من تدريب في علم النفس كان عوناً لي، عندما أصبحت سيدة المنزل المزعومة. تركت لها أمر الاهتمام بشؤون المطبخ. ولم أطأ مملكتها حتى دعتني بنفسها في أحد الأيام، بعد ثلاثة أشهر. في اليوم التالي تحدثت إليّ باللغة الصقلية كما كانت تفعل دائماً مع دون روبيرتو. علمت أنَّ المعركة انتهت بالفوز.  كانت ماريا فلاحة أميّة، صارمة وبدينة، يعتمد جسدها الضخم على ساقين متورمتين بشكل يدعو للقلق. وتتميز بدهاء شديد، وإن أرادت لجعلت حياتي في كوسيني عبئاً ثقيلاً. كانت تحبّ دون روبيرتو حد العبادة، فقد كان حتى الآن الرجل الأهم في حياتها. في أحد الأيام-وبعد ثلاثين عاماً من خدمته قدمت له فيها وجبة الإفطار في الثامنة صباحاً-تأخرت وجبة الإفطار دقائق قليلة عن موعدها المعتاد. وكانت ماريا ترتدي أجمل ملابسها على غير العادة. " لِمَ التأخير يا ماريا؟" أجابت بنبرة مضطربة، " سيدي، لقد تزوجت هذا الصباح" ثم أردفت " ولكني وفُقت بترتيبه في أنسب وقت بالنسبة لكم- كان عليها استشارته مسبقاً. بيد أنّ الماكرة عرفت أنّها لو فعلت لما تزوجت، لأنّه لن يرضى بذلك أبداً. تبين أنّ زوجها كان قريباً لها، في حاجة لمدبرة منزل بعد وفاة والدته، فتزوج بهدف تسوية خلافٍ ما على الحدود. ظلت ماريا في بيت كوسيني، بينما أُرسل زوجها-دون ليو- إلى الريف للإشراف على عقارها الجبليّ والمحافظة عليه، وكان يقيم معها فقط في غياب دون روبيرتو، وكان كلٌ من ماريا وزوجها من رعاة قصر كوسيني الحادبين، وكان زواجهما صفقة رابحة للجميع.  كان بوريني البستانيّ في نحافة الجسم ودقته يباري ماريا في بسطة جسمها وضخامته. كان مثلها أميّا. وكان لطيفاً وذا قناعة، وفلاحاً شديد التعلّق بعائلته، وبيته الجبلي الصغير، وحديقته التي كان يحبّها. المحزن في الأمر أنَّ بصره ذهب شيئاً فشيئاً. كان تباينه وماريا رائعاً: بخلافها في فترة الحرب كان يعمل لصالح الإيطاليين بشكل دائم، ثم مع الألمان وبعدهم البريطانيين الذين احتلوا قصر كوسيني. بينما ماريا- التي لم تخف مشاعرها حيال دون روبيرترو- كان يشتبه في أنّها عدو يتعاطف مع الحلفاء. ولهذا أبعدها الألمان لفترة ثلاث سنوات. لم يجد بونيري صعوبة في توجيه إخلاصه ناحيتي.  كان توريدو مختلفاً جداً عن رفيقيه الآخرين. لقد كان واحداً من أوائل الفاشيين في تورمينا، إذ انجذب في براءة كالأطفال إلى الفرق الموسيقية والرايات- ولكن عالمه تهاوى عندما تكشف له الأمر عن ضرورة مشاركته في القتال في ابيسينيا. سرعان ما حصل على شهادة طبية: وهي ليست بالأمر الصعب إن كان لديك معرفة بالأشخاص المناسبين.  وقد تمثلت واحدة من مشاكلنا معه في أنّه كان يعرف عن الحياة الصقلية أكثر مما كنا نفعل، وكان يسيء فهم هذا الشيء معتبراً إياه من مناقب الرجال على النساء بشكل عام. كان مستوى إجادتي للغة الإيطالية لا يزيد كثيراً عن مستوى إيفا. أما هو الذي لم يعالج لغة أجنبية من قبل، فجاهلٌ تماماً بالصعوبات التي تحف بعمليةتعلّم لغة جديدة، في وقت كنَّا مشغولين فيه بمشاكل آخرى. ومثل معظم الصقليين لم يسبق له اللقاء بنساء عاملات- فقد بدأت النساء في صقلية الدخول إلى سوق العمل بالكاد في 1948. ولم يك يظن أنَّ لدينا أدمغة خاصة بنا. يا ويحي، لم يكن مناسباً حتى لخدمة النساء. ولقد كان دون روبيرتو يتحمله لانبهاره بدراميته الفظيعة، وتأثراً بإخلاصه وتفانيه، حتى اكتسب بالتدريج عداء موسليني للإنجليز. عبّر خالي الغاضب عن تعجبه منه بقوله: " إن كنت تشعر بهذا حيال الإنجليز، فينبغي ألا تعمل مع رجل إنجليزي. إنك مفصول!" حدث هذا بعد خمسة وعشرين عاماً من الخدمة. فغاب يوماً أو اثنين متأثراً، وكان توريدو يعود نادماً، وربما معتذراً، حتى الانفجار التالي والفصل. إنّها لعبة ما يمارسونها لكني لم أكن أتقنها.  كان دخولي المنزل من أول يوم بفضل إخلاص الجميع لخالي دون روبيرتو- وقد كان أمراً يعد من المستحيلات بحسب ما صرح به واحد من أبرز المقيمين الإنجليز، مع نصيحة بقضاء الليلة في فندق فخم، سان دومينيكو. والتي تصل تكلفتها إلى نصف نثريتنا الشحيحة أصلا.  في تلك الأمسية، دخلت ماريا إلى المطبخ المهجور حيناً وأعدت لنا عشاءً من خمسة أطباق، بينما تولى توريدو وزوجته أمر غرف النوم التي كانت في يوم من الأيام لجدتي ووصيفتها. في هذه الأثناء كان عليَّ توقيع عدد من المستندات لتسلُّم المسؤولية الشخصية عن المنزل ومحتوياته. وقد أخبرني عدة أشخاص لم أتعرف عليهم أنّ دون روبيرتو كان يعتبر ابنهم أو ابنتهم أو حفيدهم أو حفيدتهم وغيرهم من الأقارب كأنه تبناهم بنفسه. كان من الواضح أنهم يأملون في توطيد علاقاتهم بي بتقبيلهم إياي في الخدين. لكن هذا لم يحدث. حدث ما توقعته تماماً، وأخطرت بنك إنجلترا، لقد كانت الشهور القليلة التالية أبعد ما تكون عن الإجازة. لقد كانت حافلة بالإرهاق والحيرة، وتضمنت ساعات طويلة من التركيز الشديد بينما كنت أعالج بعض المسائل القانونية المعقدة، بلغتي الإيطالية الضعفية. لقد ناضلت حتى أفهم ما كان يقوله محاميّ، كاتب العدل (وهو شيخ هرم، كان علينا مخاطبته بلقب الموقّر)، محاوِلةً جهدي ألا أقول "نعم" عندما أعني "لا"، وفوق كل هذا وذاك كنت أحاول تجنب وضع إمضائي في غير موضعه الصحيح.  " لك أن تثقي بالناس إن أحببتِ ذلك، ولكن من الأفضل ألا تفعلي" قال دون كارلو محذّراً. لقد أصبح الآن يدعو نفسه خالي.  بعد ذلك كان عليَّ استلام أوراق خالية وطُلب مني التوقيع عليها، فأخبرتهم أنّ والدي كان محامياً وأنّه حذرني في عمر مبكر من توقيع أي شيء قبل قراءته. كان دون كارلو هو من اختار لي المحامي، قد أخبرني أنّه كان غنياً، وأكثر عازبي تورمينا تأهيلاً، وأنّه سيصبح القاضي التالي لا محالة. لقد كان في أشد حالات حداده على عم له توفي وقت وفاة خالي تقريباً، ولكني كنت قد عدت لارتداء الألوان مرة أخرى، أقنعناهم، كما آمل، بأننا نعتقد أنَّ الحداد والحزن مكانه القلب ولا تعبر عنه الثياب. كان مظهر المحامي الكئيب بشكل عام منسجماً مع سواد شعره الفاحم وعينيه وشاربيه.  حياني بانحناءة، وقبّل كفي، وقال: سيدتي، إن لم أكن كذلك، لطلبت إليك الخروج معي." قال هذا مشيرا بيديه على اتساعهما. لابد أنّها كانت نجاة بأعجوبة، أو هكذا شعرت.  أتى خمسة من الشهود إلى المنزل، أعطوني اسماءهم، واسماء آبائهم وتواريخ الميلاد، ثم تم تحضيرهم، كما بدا الأمر، للقسم بأنَّ الأسود أبيض- أو أي شيء آخر قد يكون في مصلحتي- لحسن الحظ.  طلبت من إيفا أن تتنكر بقدر ما تستطيع لتخفي ملامحها (كانت جاذبيتها أكثر من اللازم، لا سيما وسط مجموعة من الرجال الصقليين)، وجلسنا نراقب وجوههم وإيماءاتهم، بينما كنت أحاول التركيز على اللغة، وتجنب اتخاذ أي قرار مهم حتى يتسنى لي ولها الوقت الكافي لمقارنة الملاحظات.  كانت إحدى الصعوبات الكبيرة تتمثل في رفض مدير بنك صقلية قبول وثائقيالتي من شأنها أن تسمح لي بالتصرف في أموال خالي التي تركها في حسابه بعد تفكير، مفترضاً أنني سأستطيع سحبها في أي وقت. لقد كان المدير في البداية مصراً على وجود ختم خاص ناقص، ثم الحصول على توقيع من روما، ثم ختم من لندن، وهلم جراً. ولمندرك قبل مرور الوقت بأنّ المحتال كان يود شراء الحديقة الأمامية ليبني لنفسه بيتاً على موقع يكاد يعتبر الآن مركزياً. لقد ظن أنّه عندما يبقيني في شح من النقد سأضطر إلى البيع بسعر زهيد. لقد حاول أيضاً بيع بعض لوحات خالي بأسعار بخسة للغاية. لقد سمحت له بأخذ واحدة كعربون مودة، ولكنها لم تجد نفعاً. فالحظر لم ينته.  اكتملت –ببطء- إجراءات إثبات قانونية وصية خالي الإنجليزي، والتوكيل الذي منحته إياي عمتي لتمثيلها والتصرف بالإنابة عنها. أصبحت بعدها – يا للعجب- موكلها العام. وأعتقد أنِّ أول الأشياء البسيطة التي يجب أن أبدأ بها هي تثمين المنزل ومحتوياته: كان محاميّ الإنجليزي قد طلب إتمام هذا الأمر بأسرع ما يمكن. وقيل لي إنّه ليس هنالك مقيّم أمين أو لا. بدا لي هذا الشيء غريباً، لكن ليس بيدي شيء آخر، فما عساي فاعلة؟  "بوسعك طلب ذلك من صانع الخزانات." لا أعتقد أبداً أنَّ سلطات التوثيق الإنجليزية ستقبل تثمينه للوحات والخزف والتحف الآخرى. لكن عليهم ذلك.  لم تتجاوز تقديرات صانع الخزانات الإجمالية مبلغ 500 جنيهاً استرلينياً. لكن عندما رأى المحامي ذلك تعجب. " لا يمكنك إرسال هذا، ستهلكينّ!" وقام بتقليل المبلغ إلى 250 جنيهاً استرلينياً. وجدت نفسي في موقع سخيف وأنا أعمل في الاتجاه المعاكس محاولة رفع المبالغ. " ألا ترى يا حضرة المحامي، أننا إن كنا نريد نقل هذه الأشياء إلى إنجلترا سنواجه بصرامة ضباط الجمارك. لابد من التصريح بقيمة معقولة. " أعرف أنَّ تلك التقييمات التوثيقية مخفضة أصلاً، لكن مع ذلك قد لا تجد هذه الـ 250 قبولاً حتى. في النهاية، وبعد عدة شهور، قررت أنّه ربما عليَّ الإقامة وإبقاء الممتلكات هنا، لم تعد هنالك مشكلة، ولكن ليس قبل أن أنجح في رفع الرقم مرة أخرى إلى 500 جنيه.  كان هنالك نذير احتمال بأنَّ صلاحية بوالص التأمين الخاصة بدون روبيرتو قد قاربت على الانتهاء، وإن كانت كذلك فإنني لا أتخيل كيف سأتمكن من دفع قيمة التجديد في ظل الضائقة المادية الراهنة. طلبت من دون كارلو أن يريني إياها.  أجابني: " لا نملك أياً منها". لا يمكن أن يكون هذا صحيحاً. لقد كان دون روبيرتو رجلاً إنجليزياً، من يورشاير، وبالطبع سيكون لديه تأمين، الجميع لديهم تأمين. " لم يكن كذلك أبداً" بدا الأمر بالكاد ممكناً، لكن عليَّ تصديقه. على أية حال، وأثناء بحثي في الأوراق، وجدت ثلاثة بوالص تأمين ضخمة تشمل كل شيء. فأخرجتها بسعادة المنتصر: " إنها موجودة، كنت أعرف ذلك!" انظري للتواريخ، سيدتي" فعلت ذلك. كان الأمر لا يصدق، إنها تعود للأعوام 1941، 1942، و1943، إبان الاحتلال الألماني. وبشمولية تيوتونية لم تغفل ذكر شيء. لم يعرفوا أنَّ الإنسان الإنجليزي اكتشف قبل عدة سنوات: أنَّ بإمكان المرء الدفع على دفعات تناسبه، ولكن دفع مطالبة ما بواسطة شركة إيطالية كانت طويلة ومكلفة وغير محددة. عليه فقد قرر أن يتحمل المسؤولية بنفسه، مثل معظم الصقليين. على الرغم من دهشتي الأصلية فقد حذوت حذو دون روبرت، وحتى تلك اللحظة- المس الخشب كما نفعل نحن والحديد كما يقول الطليان- لم أندم على ذلك. أشار عليَّ صديق أنَّ الألمان عندما أخذوا البوالص لم يكونوا واثقين من الانتصار في الحرب، حتى إنّهم كانوا يعتقدون أنّهم يقومون بحماية ما يخالونه ملكاً خالصاً لهم. كان النضال لمعرفة اللغة يتداعى، عندما بدأت الدراسة بعد أيام طويلة من مقابلة كل أنواع الضيوف الذين كان يدفعهم للترحيب بابنة أخ خالي حِسٌ أصيل بالواجب. كانت الزيارات القصيرة لا تعتبر عندهم من قبيل التهذيب، بالتالي كانوا يطيلون الزيارة إلى درجة مزعجة.  في النهاية كانوا يقولون " سيدتي، لقد بات عليَّ أن أعفيكم من إزعاجي وأغادر" وهي العبارة التي تعلمت أنَّ بإمكاني الرد عليها بأن : " لا إزعاج، أؤكد لكم سيدي، بل سعادة كبيرة". متى ما قلت ذلك كانوا يعدلون عن الذهاب. كان الأمر مرهقاً لي للغاية.  بالإضافة إلى كتابة قائمة جرد بجميع الممتلكات وتصنيف الكتب، كان عليَّ أن أتعلم كيفية إدارة القصر (الذي كان قد دمرته الحرب)، وكان أمر إدارة فريق ثلاثي من الموظفين بدوام شيء جديد تماماً بالنسبة لي. كانت رواتبهم ضئيلة للغاية، ولكن خالي أعطى كل منهم منزلاً.  سرعان ما تعلمت قوة الغيرة الصقلية. قالت عمتي بكرم فياض إنّه من الضروري توزيع ملابس خالي على العاملين، على الرغم من أنَّ أخي وصهري كانا ليسعدان لو أنَّ بعضها إُرسل إليهما. لقد اعتقدت أنَّ قسمتي المدروسة جيداً ستحظى بالقبول. حدث العكس تماماً. لمح كلٌ منهما الكومة التي منحت للآخرين، ثم "سنيورا، كنت أريد معطفاً واقياً من المطر من أجل زوجي، لكنك أعطيتني بدلة." أو، " كنت أريد سروال جونز الطويل الذي كان يهديني إياه دائماً." "ماذا عن المنامة الشتوية؟" لقد كانت صدمة بعد صمت إنجليزي. وكانت هنالك مشكلة واحدة رئيسية على الأقل أعتقد أنّه لم يكن من الضروري مواجهتها: وهي إيجاد مشترٍ للمنزل. في غضون يوم أو اثنين وصلت أنباء وفاة خالي إلى انجلترا. كان فيسكونت بريدبورت على عتبة داري. كان الفيسكونت هو الآخر ينتمي لعائلة دوكا دي برونتي (ينحدر من نسل لورد نيلسون عبر أخته). مُنح نيلسون لقب دوكا، وأرضاً واسعةً على سفح هضبة إيتنا، تعويضاً على جهوده الشريرة في دعم أسرة البوربون الرجعية.  "لقد كان ذلك المنزل على الدوام موضع اهتمامنا. إنّه أجمل منزل في تورمينا. رجاء هل تعِديني بإعطائي حق الشفعة؟" إن كنا سنبيع، كما أعلن خالي، فإنَّ المسألة ستكون أخف علينا لو كان المشتري عضواً في عائلة نيلسون، وممن يقدّرون جمال المنزل ويعرفون خالي.  في عام 1947 كان مستقبل إيطاليا مظلماً. جميع العالم كان يراقب الوضع على خوف أو على وجل، وبحسب آراء المراقبين السياسيين، فإنها ربما تغدو شيوعية. كان توغلياتي الزعيم اليساري على ما يبدو مقرَّبًا من ستالين، ودائماً ما كان في موسكو. بدا العالم الشيوعي آنذاك كمنظمة هائلة، والحرب الباردة في أوجها. انتشرت شائعات بأنّ الولايات المتحدة وحلفاءها سوف تسيطر على الشمال حتى روما وتتخلى عن الجنوب إن وصل اليسار المتطرف إلى السلطة. وسواء أصَدَقَذلك أم لا، فهذا النوع من النظريات لا يشجع الأجانب على الاستثمار في عقار بصقلية. لذلك كان معقولًا بالنسبة لآل دوكا أن يطلبوا مني إرجاء القرار النهائي حتى انقضاء الانتخابات المزمع انعقادها في أبريل 1948 ووافقت.  عندما عدت من لندن إلى تورمينا، عقب ذلك ببضعة أشهر، بدا لي كما لو أنّ جميع البلدة عرفت أنّ آل دوكا سيكون هو المالك الجديد. لقد كانت له قريبة تقيم في البلدة، والتي خيّل إليَّ طلب منها أن تراقبني. وستهرع إليَّ في الحال إن سمعت بأنني استضفت بعض المشترين المحتملين، لتؤكد لي جدية آل دوكا في مسعاه لشراء المنزل.  في حال فوز الشيوعيين في أبريل، سيكون المشترون المحتملون الوحيدون هم من النوع الفظيع حديث العهد بالثراء: الرجال الأفظاظ البدناء مجهولي الأنساب، ولكن يكاد يكون ارتباطهم بالمافيا مؤكداً، وعندها يزداد نفوذها في صقلية. أتى منهم اثنان أو ثلاثة إلى المنزل بصحبة مدير فندق سان دومينيكو، حيث أقام قيصر وإداوارد السابع في بدايات القرن، بيد أنّ ذلك لم يكن في الوقت ذاته. كان هذا واحداً من الفنادق القليلة الموجودة آنذاك، وكان الدوكا رجلاً ثرياً في صقلية (ولكنه فقير في إنجلترا)، ودائماً ما كان يقيم هناك. وهي حقيقة سيكون لها أهمية خاصة بالنسبة لي لاحقاً. لقد كان المدير يرجو بشكل واضح المطالبة بعمولة مستحقة بموجب القانون للشخص الذي قدم البائع إلى المشتري في صفقة عقارية. لقد كان من دواعي سروري أنني كنت قادرة على إخباره وأصدقائه أنَّ المنزل لم يكن معروضاً للبيع.  بدت عليه خيبة الأمل: " كنا نأمل ما هو أكثر من ذلك" " سيدي، إني آمل أنكم فهمتم أنّه ليس معروضاً للبيع." " إذن هل نحن مطرودون؟" " نعم إن فهمتها كذلك،إني أفعل، والآن يا سيد ديريتوري، انصرف من فضلك فلدي ارتباط" ربما اكتسبت أعداءً لدودين هكذا، عليه، كنت ممتنة جداً للدوكا للحماية الكافية بنيته للشراء. عندما أزف الوقت، قامت الكنيسة الكاثوليكية بتسخير كل سلطاتها، خاصة على النساء اللواتي كن يصوّتن للمرة الأولى، وبعد انتخابات عنيفة كانت النتيجة لصالح المسيحيين الديمقراطيين (المافيا بشكل غير مباشر). كان للحزب وحلفائه حكم إيطاليا لفترة امتدت لأربعين سنة أو نحوها. دار نقاش بين الدوكا وأخي في لندن حول مسألة السعر، وما لا يقل أهمية، إذ كنا نريد الجنيه الاسترليني، كانت القيمة المدفوعة بأي العملتين. وتم الاتفاق على أنّ الدوكا سيخطرني بقراره قبل منتصف ليلة 23 أبريل. وصل إلى قصر كوسيني في الساعة الخامسة، وألحق على رؤية المنزل بكامله، دون مراعاة لمشاعري إزاء الخسارة الوشيكة، كان يتحدث عن أنّه سيقوم ببناء حمام آخر هنا، وحوض غسيل هناك، وتغيير ألوان الجدران.  إن كان هذا الأمر مؤلما بالنسبة لي، فسيكون أكثر فداحة بالنسبة لماريا المسكينة التي ألفت المنزل وأحبته منذ وضع أول حجر فيه، كان المكان بكامله مرتبطاً بذاكرة محبوبها دون روبيرتو. وعلى أمل إنقاذها أقترحت على الدوكا أنّه ليس بحاجة لتفتيش المطبخ. لكنّه صمم على رغبته في رؤية كل شيء. لقد كانت ماريا ذات كبرياء، قبلت يد الدوكا ولقبته بصاحب المعالي. ثم وقفت وكفَّاها على خاصرتها، وظهرها إلى خزانة اللحم- على الأقل كان من الضروري إخفاء بعض الأشياء عنه في الوقت الحالي. لم يتخلف بونيري عن تقبيل الأكف لكنه كان دامع العينين.  وفجأة اندفع توريدو. خرج عن طوره مرة واحدة وقال: " صاحب المعالي. أهلاً أهلاً!" لم يكن هنالك شك في نواياه للانضمام إلى المالك الجديد... قال الدوكا إنّ لديه موعدًا آخر في السادسة، وأشار إلى أنّه ليس بحاجة للنظر إلى الحديقة، فهو يعرفها جيداً، فاعترضته مجيبة بأهمية مناقشة أمر الحدود، إذ أنَّ عمتي، المالكة الحالية، قد اتفقت معي على ضرورة الاحتفاظ بجزء من الأرض على بيت كوسيني، وبالمال الذي لا نستطيع الخروج به من إيطاليا سنبني منزلاً صغيراً للعائلة ليزوره أفرادها من وقت لآخر. قال الدوكا إنَّ عليه المغادرة: هل كنت سأوافق على تأجيل قراره الأخير حتى صباح الغد عندما يأتي في العاشرة صباحاً؟ نعم بالطبع وافقت.  في الثالث والعشرين من شهر أبريل، عيد القديس سان جورجيو راعي إنجلترا وكاسلمولا، وهي القرية الصغيرة على هضبة فوق تورمينا حيث كان القديس يحظى باحترام شديد.  لم يفوّت خالي أحد الأعياد أبداً. كان معجباً بشدة بالقرية بقدر إعجابه بتورمينا. وعندما كان من المفترض إعادة تلوين القديس على فحل خيل أبيض رائع، لم يدفع أهل البلدة للرسام حتى قام دون روبيرتو بفحص العمل وأعلن أنّه: " متقن- إنه يستحق." وعندما تلقت القرية منحة صغيرة من الحكومة، عقب الحرب، وسئلوا فيم يريدون إنفاقها- إما على إمدادات المياه، أو إعادة ترميم كنيسة سان جورجيو التي تعود للقرن الثاني عشر- قاموا بالتصويت على ذلك وفاز سان جورجيو. وإني أعتقد أنّه لم يسمح للنساء اللواتي كان عليهن حمل كل المياه على رؤوسهن بالمشاركة في التصويت.  بعد أن غادرنا في تلك الأمسية، قاد دوكا سيارته الرولز بينتلي إلى كاسلمولا، ونحن تمشينا، برؤوسنا المغطاة بالأوشحة صعوداً في الطريق الجبلي الوعر المنحدر مع بونيري وتوريدو. تم نقل القديس مساء الأمس في موكب من كنيسته إلى الكاتدرائية الجديدة، التي أفسحت مجالاً أكبر لإخلاص الناس. كان هو هناك، على حصانه، ومعه القديسة الصغيرة مارغريتا، تصلي جاثية على ركبتيها، بجانب حافر الحصان بينما كان التنين الغاضب يهددها. (لقد رأينا بدهشة كبيرة التذكار الحجري لزيارة الإمبراطور قسطنطين في القرن الرابع وقد تُرجم من اليونانية وتأريخ أعظم ناشري المسيحية قد تغير إلى ثلاثمائة سنة قبل ميلاد المسيح- بدلاً عن بعد الميلاد). كانت جماعة الدوق، مرتدية التويدات السويدية، يجلسون كما لو كانوا يشاهدون سباق الحواجز للخيل، على مقصورة متوسطة الحجم تطل على الساحة. لمحنا الدوق، ودعاني وإيفا بكل لطف للانضمام إليهم. لقد اعتذرت عن قبول الدعوة، بذريعة أني اقسمت على الدوران مع الموكب كما كان يفعل دون روبيرتو دائماً (بيد أنّه ربما كان يرسم الأشكال والوجوه الجميلة). وكنت سعيدة لفعل ذلك، لأنَّ أحد الرجال قام من بين الحشود وهتف: " لقد رحل دون روبيرتو، لكن ممثلته ما زالت معنا!" لقد أعتقدت أنَّ لا أحد يعرف من أنا. بعد منتصف الليل سرنا عائدين على الطريق المنحدر الوعر إلى قصر كوسيني.  وصل دوكا في الصباح التالي في العاشرة بالضبط. تصافحت أيدينا، ثم قال باختصار وبشكل مفاجيء: سوف لن أشتري المنزل، آمل أنَّ هذا الأمر لن يتسبب بإزعاجك؟"  لقد كانت مفاجأة شديدة. للحظة كنت سأملك ملايين الليرات، وفي اللحظة التالية ولا واحدة. لن أستطيع دفع أجور العاملين، ولا تركة خالي، ولا حتى الإقامة حتى أجد مشترياً آخرَ. لقد ضربني مرتين في وجهي، ولا يستطيع أن يهزني مرة أخرى. لكني انبهرت من نفسي، فما تعلمته في المدرسة جعلني قادرة على الوقوف دون أن يطرف لي جفن حتى غادرنا وأصبحنا وحدنا. كنت ممزقة. لقد استغرق الأمر سبعة أشهر ليصل إلى هذا القرار، كنا قادرين فيها على البحث عن مشترين آخرين. بالأمس كان يريد الشراء، وكان كلانا متأكداً من ذلك. ما الذي حدث ليغير رأيه هكذا؟  كان دون كارلو مذهولاً بالدرجة ذاتها. لقد بحثنا عن الأسباب: هل كان رفضي للجلوس معه في الاحتفال؟ أم لأنني لم أهنيء الدوقة على ميلاد ابنها ووريثها الجديد؟  قلت : " إنّ الدوكا ضابط في البحرية البريطانية، وليس صقلياً. فهو بالتأكيد لن يجعل هذه الأمور الصغيرة، إن كانت صغيرة فعلاً، للحؤول دون تحقيق أمنيته بامتلاك قصر كوسيني، والذي كان يفكر به لوقت طويل." لقد بدا لي أنّ إحجامه عن تقديم سبب لرفضه لم يمت لبريطانيا ولا البحرية بأي صلة.  كان حفيد دون كارلو هو الذي قدم تفسيراً معقولاً. كانت هذه الصفقة ستتم في بريطانيا بدون أية عمولات للوسيط. وفي تورمينا ولسنوات كانت الصفقات العقارية قليلة ومتباعدة. الناس بحاجة إلى المال، وهذه الصفقة لم ترضِهم لذا حالوا دون إتمامها. " ولكن من ومتى؟ إنني أعلم أين كان الدوكا في الليلة الماضية بالضبط- في كاسلمولا، ولقد ظل هناك لوقت متأخر. من قد يكون السبب في تغيير رأيه وكيف؟" "ربما هددوه بتدمير حقل الفواكه خاصته الذي كان مصدر ثروته، أو ربما أخبروه بأنَّ قصر كوسيني ليس بصفقة جيدة، فالقنابل قد دمّرت أساساته- ربما وجدوا أي سبب لإثنائه عن عزمه". لقد بدا لي الأمر ذا صلة بالمافيا، ولكن الحفيد أصاب الحقيقة على الأرجح. ربما كان هذا يفسر صمت الدوكا أيضاً وإخفاقه في تقديم سبب لتصرفه الغريب هذا. ربما كان مدير سان دومينيكو ذا دور في هذا الأمر بسبب ما شعر به من إهانة.  لقد عدنا إلى مربع البداية من جديد. وكنت آمل بشدة أن لا نضطر إلى بيع ذلك المنزل العزيز جداً إلى أيٍ من السوقيّين الذين أرادوه. المشكلة الحالية والمؤرقة كانت تتمثل في عدم قدرتنا على البقاء دون مال. قمنا أنا وإيفا بتقسيم الأثاثات إلى ثلاث مجموعات، ووضعنا على كل قطعة منها ديباجة. المجموعة الأولى لتعرض للبيع، والثانية ترسل إلى إنجلترا عندما يتسنى لنا ذلك. والمجموعة الثالثة التي أطلقنا عليها اسم "Casetta"[الكوخ] لنحتفظ بها في المنزل الصغير الذي ربما تمكنا من بنائه في يوم ما. وفي ذلك الوقت لم يكن لديَّ أدنى فكرة عن القيمة العالية للأثاث، لكني صممت على أنّه لا يجب أن يباع بالسعر الزهيد الذي عرضه لي تجار التحف المحليون.  ربما لا نستطيع الاحتفاظ بثلاثة من العاملين بوقت كامل. وكان من الضروري جداً أن يُسكن المنزل لحمايته من اللصوص، ولكنا لا نستطيع إهمال الحديقة إن كنا سنبيعه. فالنمو والتعفن سريعان في صقلية، والريّ ضرورة. بجانب أنَّ ماريا وبونيري أمضيا سنوات خدمة أطول وأظهرا إخلاصاً مستمراً- بخلاف توريدو ذي الخدمة المتقطعة. لقد كان من الواضح أنه من سيعفى من منصبه. خاصة وأننا لن نحتاج خادماً رجلاً ولا سائقاً. لقد استشرت محامياً وقال إنه يعتقد بضرورة أن يضطلع رجل بمهمة الإعفاء، ولكني شعرت بأنّه عليَّ أنا كعضو في الأسرة ووكيلٍ عامٍ عن عمتي، القيام بهذا الأمر.  جلست على العرش الباروكي الرائع الذي كان في وقت ما من مقتنيات أحد الأساقفة، واستدعيت توريدو إلى الصالون. قللت من تأثير الخبر السيء قدر الإمكان. وفي الحال بدأ يصرخ ويصيح، ملوّحا بذراعيه: أأرمى خارجاً مثل الكلب بعد ثلاثين عاماً من الخدمة المخلصة؟ سأرفع قضيةّ!" تمنيت لو سمعت نصيحة المحامي. كانت الأيام التالية عصيبة جداً. ألّح توريدو على الانتظار على إحدى الطاولات، ولكن بدلاً عن هذره المعتاد، جلس صامتاً خلف مقعدي تماماً، لقد بدا لي أنني أشعر بعينيه الغاضبتين من خلف ظهري. وقد استعار مسدساً من دون كارلو، "لاستخدامه لحماية السنيورة"، ولكني خشيت من أنّه ربما وجه فوهته نحوي. طمأنته بأنّه سيوّفى حقوقه كاملة بموجب نصوص القانون، ولكنه لم يكن يريد الانتظار مثل الآخرين حتى أجد المال الكافي- وذكرته بأنَّ خالي أعطاه منزلاً، وكان عليَّ أن أطلب حضور المحامي الذي- كرجل و صقلّي- لم يحتمل أيًا من هذه التفاهات. وشعرت بالأسف في الغالب على توريدو البربري. غادرنا أنا وإيفا إلى إنجلترا في بداية شهر مايو، ونحن نعتقد أنّه من الممكن ألا نرى قصر كوسيني مرة أخرى.  "لم نحقق أي هدفخرجنا من أجله"، قلت في خيبة أمل. "أجل ولكنا ما زلنا نملك كل شيء وجدناه،" قالت إيفا، " وهذا أمر لا يستهان به". لقد كانت مخطئة، ولكني لم أكتشف ذلك إلا بعد سنوات. , Electronic Village, His excellency mohammed ahmed khalifa al suwaidi, Arabic Poetry, Arabic Knowledge, arabic articles, astrology, science museum, art museum,goethe museum, alwaraq, arab poet, arabic poems, Arabic Books,Arabic Quiz, القرية الإلكترونية , محمد أحمد خليفة السويدي , محمد أحمد السويدي , محمد السويدي , محمد سويدي , mohammed al suwaidi, mohammed al sowaidi,mohammed suwaidi, mohammed sowaidi, mohammad alsuwaidi, mohammad alsowaidi, mohammed ahmed alsuwaidi, محمد السويدي , محمد أحمد السويدي , muhammed alsuwaidi,muhammed suwaidi,,

Related Articles

كتاب منزل في صقلية - الفصل الثالث عشر- عرَّابة الدمى المتحركة
كتاب منزل في صقلية - الفصل الثاني عشر- الآثار
صور توثيقية من كتاب منزل في صقلية
كتاب منزل في صقلية - الفصل الحادي عشر- العمل الاجتماعي في صقلية
كتاب منزل في صقلية - الفصل العاشر- العرّاب
كتاب منزل في صقلية - الفصل التاسع - السيد ديلان توماس
كتاب منزل في صقلية - الفصل الثامن - كونستا


Visa_MasterCard

Privacy Policy   Cookie Policy   Terms and Conditions