Arabic    

ليوناردو دافنشي: رحلات العقل - 10 - البحر الكبير


2019-06-23
اعرض في فيس بوك
التصنيف : رحلات عقل

 

 

 

ليوناردو دافنشي: رحلات العقل
10-البحر الكبير
عندما ظننت أنّي أتعلم لأعيش، كنت أيضاً أتعلم لأموت.
                           مخطوطة أتلانتكس، ص252-أ
في منزل كلوز لوسي وفي يوم السبت 23 أبريل 1519، قبل يوم من عيد الفصح، كتب ليوناردو دا فينشي "رسام الملك" وصيته في حضور كاتب العدل الملكي، غيوم بوريان، وسبعة شهود هم: فرانسسكو ميلزي، باتيستا دي فيلانيز، وكاهنان فرنسيان، وثلاثة رهبان فرنسسكان.  ومن الواضح أنّ قائمة الشهود أغفلت ذكر سالاي. غيابه من امبواز أكدته وثائق أخرى، وهي التي أثبتت وجوده في باريس في 5 مارس ومرة أخرى في 16 مايو. وفي كلا التاريخين، قابل جيوفاني باتيستا الغونفالونيري، وكيل ماسيميليانو سفورزا، دوق ميلانو. وفي المناسبة الثانية قبض مبلغ 100 سكولدي، دُفعت له إنابة عن الدوق، وقد وعد بمبلغ 500 سكولدي أخرى خلال السنوات الأربع التالية. تُرى من أي نوعٍ كانت هذه الخدمات التي يقدمها سالاي في المقابل؟ هنالك احتمال أنّه كان يتلقى المال لتقديم معلومات سياسية استقاها بفضل قربه من الملك فرانسوا في الامبواز- هي في النهاية شيء مخزٍ بالنسبة لعلاقته الطويلة والودية على الدوام مع ليوناردو . 
يكتب ليوناردو توجيهاته من أجل دفنه في كنيسة القديس فلورنتين في الامبواز، والموكب الذي سيرافق جنازته " من المكان المذكور إلى الكنيسة المذكورة"، وإقامة ثلاثة قدّاسات عليا وثلاثين قدّاساً أدنى لذكراه، وتقسيم 40 رطلاً من الشمس لصنع شمعات سميكة توضع في الكنائس حيث تقام الصلوات: وللجنازة نفسها " 60 شمعة رفيعة ليحملها 60 مسكيناً ويُدفع لهم المال لحملها".
وبنود الوصية كانت كالتالي: 
•      للسيد فرانسسكو دا ميلزو، سيد من ميلانو، كل وجميع الكتب التي في حوزة كاتب الوصية حالياً، والأدوات واللوحات المتعلقة بفنه، وتسميته رساماً..وبقية معاشه، وجميع مبالغ المال المدان بها إليه من قبل وحتى يوم وفاته، وأي من وكل ملابسه التي يمتلكها الآن في المكان المذكور كلوز.
•      لباتيستا دي فيلانيز خادمه، نصف حديقته الواقعة خارج أسوار ميلانو.. وحق المياه الذي منحه الملك لويس الثاني عشر طيب الذكر للمذكور دا فنشي، والتي أصبحت نهر قناة القديس كريستفورو، وأي من وجميع الأثاثات والأواني في منزله في المكان المذكور كلوز.
•      لسالاي خادمه، النصف الثاني من الحديقة نفسها، التي بنى فيها سالاي وشيد منزلاً والذي سيكون ويظل من الآن فصاعداً ملكاً لسالاي.
•      لماتورينا خادمته، معطف من القماش الأسود الفاخر، مبطنة بالفرو، وقطعة من القماش، ومبلغ اثنين دوكات لمرة واحدة.
•      لأخوته الذين يعيشون الآن في فلورنسا مبلغ أربعمائة سكولدي والتي قد أودعها في  خزانة سانتا ماريا نوفا في مدينة فلورنسا، مع كل الفوائد والانتفاعات التي قد تكون مستحقة حتى الآن.
القسمة كانت أنيقة نوعاً ما: بالنسبة لميلزي إرث فكري لا نظير له من كتاباته ولوحاته، ولسالاي وباتيستا الملكية، ومعطف الفرو لماتورينا، والنقد لإخوة دافنشي. 
يطلق عليه الفلورنسيون "دخول البحر الكبير". هل انطلق ليوناردو في هذه الرحلة الأخيرة فلسفياً، في رباطة جأش التقاعد النبيل؟ لا تشير كتاباته إلى ذلك:
 
أيها الغافي، ماهو النوم؟ النوم هو ظاهر الموت. أوه لم إذن لا تقم بأعمال تجعلك تبدو حياً بعد الموت بالدرجة نفسها من الكمال، بدلاً عن النوم بينما أنت حي، راسماً على نفسك سيماء الموتى الحزانى..
كل جرح يترك حزناً في الذاكرة، عدا الجرح الأكبر، الذي هو الموت، إذ يقتل الذاكرة هي والحياة معاً.
ترغب الروح أن تظل مع الجسد، لأنّها بدون أداة الجسد المادية تلك، لا تستطيع فعل شيء ولا تشعر بشي. 
النوم، النسيان، عدم الشعور: هذه هي صور الموت الثابتة مع المادية الارسطوتالية لعالم عصر النهضة. ولا نسمع شيئاً عن القيامة والحياة بعد الموت. وعندما يكتب ليوناردو عن لاهوت الروح لا يفتأ يتشبث بأنّ عليها أن "تستقر في أعماله"- مادة العالم- الجسد- حتى "تستريح": " مهما تكن هذه الروح، إنّها أمر إلهي، لذلك اتركوها تسكن في أعماله، وتجد الراحة فيها..لأنّها تخرج من الجسد دون إرادتها، وفعلا أؤمن بأنّ حزنها وألمها ليسا دون سبب." هذا من صفحة من صفحات التشريح تعود لعام 1510، حيث يكتب بإجلال عن التشريح باعتباره "عملي هذا" حيث يتسنى إدراك "أعمال الطبيعة الرائعة".  الحياة المادية هي مسكن الروح، والموت هو إجلاؤها، مغادرتها "قسراً"، ولا يبدو عندئذٍ أنها تتجه إلى وطن في السماء. يهندس فازاري لليوناردو توبةً على فراش الموت، الشيء الذي لا يبدو مقنعاً: " بالشعور بقربه من الموت قرر بإخلاص أن يتعلم مذاهب الإيمان الكاثوليكي، وعن الدين الكاثوليكي القويم والمقدس، ثم يتباكى بمرارة، لقد اعترف وتاب، وعلى الرغم من عدم قدرته على الوقوف، تناول السر المقدس المبارك معتمداً على أصدقائه وخدمه في سريره." ربما كان صحيحاً، بيد أنّ هذا التحول المتأخر للإيمان يبدو مثل شيء ما يتمناه فازاري أكثر من ليوناردو. الشيء الأكثر إقناعاً هو تعليق فازاري التالي بأنَّ ليوناردو "احتج على أنّه أساء لله وللإنسان بعدم الاجتهاد أكثر في فنه كما كان ينبغي عليه". إنّه ليس ذنباً وجحيما ما يخشى، ولكنه العبء الثقيل لتلك الـ "ألخ.."، والورقة الرمادية الخالية تحتها- جميع ما لم يُنهَ من الأعمال.
لقد توفي في الثاني من مايو 1519، في عمر يناهز السابعة والستين. وبحسب فازاري فإنّ مرجعنا الوحيد، كان الملك فرانسوا حاضراً، واحتضنه بين ذراعيه. بينما أتى هادم اللذات- "شهقة، ملاك الموت"- الملك "رفع رأسه ليساعده ويهدئه من روعه". إنّها صورة مؤثرة- إن فصلها المرء من اثنتين من اللوحات الفرنسية التي رُسمت بإلحاح شديد في الموضوع ذاته، في بدايات القرن التاسع عشر- لكنها منذ اكتشاف ذلك في الثالث من مايو، اليوم التالي لوفاة ليوناردو، صدر مرسوم ملكي في سانت جيرماين ان لاي؛ إذ أنّ الأمر يتطلب يومين على ظهر الحصان للسفر من امبواز. لا يمكن لملك فرانسوا أن يكون بجانب ليوناردو في الثاني من مايو وفي سانت جيرماين في الثالث. تتوقف مصداقية شهادة فازاري الآن على السؤال المطروح حول ما إذا كان هذا المرسوم- والمنقوش عليه بالخط العريض "Par le Roy"، ولكن ليس ممهوراً بتوقيعه فعليا- يتطلب حضور الملك في سانت جيرماين.  بيد أنّه " مع إيلاء الاعتبار الواجب للوفاة المؤكدة"، إذ كتابته لوصيته تؤكد ذلك فإنَّ ليوناردو يغادر بهذه الملاحظة غير المسبوقة عن المجهول، و في غياب العلم بأية كلمات أخيرة له، تظل غرابة المرسوم الملكي المثير للانزعاج تذكرنا عن قناعته الراسخة بضرورة التشكيك في كل شيء وتمحيصه قبل اعتباره صحيحاً.
 
 
السيدة المشيرة
ويختم فازاري بقوله، " جميع أولئك الذين عرفوه حزنوا للغاية على فقد ليوناردو،" هنا نسيت كل شيء عن الملك، ورأيت فرانسسكو ميلزي بجانب الفراش في دموعه. ولم يكتب ميلزي إلى إخوته غير الأشقاء في فلورنسا عن خبر الموت قبل الأول من يونيو. " لقد كان لي كأفضل أب،" يقول. " سأحزن حتى آخر نفس، وإلى الابد. لقد كان يقدم لي كل يوم الأدلة على مودته المفعمة بالشغف والعاطفة" . ميلزي هذا الرجل الشاب الذي نعرف القليل عنه، بادله تلك المحبة: بصفته البستانيّ والناسخ لكل ذلك الكم اللانهائي" من الكتابات والرسومات التي – ربما كانت حتى أكثر من اللوحات- يأخذنا مباشرة إلى حياة ليوناردو، كما لو لوكانا هما نفسهما نوعاً من الذكرى، محتشدة بالسجلات المقتطعة لأحداث أيامه، وأسرار أحلامه، وتهويمات عقله في الفضاء. 
إنَّ ما تبقى من جسده أقل كثيراً من تلك الشحنة الميتافيزيقية من الذكريات والأحلام والتأملات. لا شك أنّه كان هنالك دفن مؤقت في مايو، لأنَّ مراسم الجنازة المادية المبينة في الوصية لم تنفذ قبل ما يزيد على ثلاثة أشهر، فشهادة الدفن في سجل كنيسة الجماعة الملكية في سانت فلورنتين مؤرخة في 12 أغسطس 1519.   لقد عانت الكنيسة أثناء الثورة الفرنسية، وفي 1802 كان على ما يبدو أنّها مرت بفترة تقشف. لقد هدمت، والحجارة والأبواب بما في ذلك تلك التي في المقبرة- استخدمت لإعادة ترميم القصر. لقد قيل إنّ بستانيّ الكنيسة غوجون، أخذ جميع العظام المبعثرة ودفنها في ركن من الفناء، وربما كانت رفات ليوناردو بينها.
في عام 1863 حفر الشاعر المعجب بليوناردو، أرسين هوساي، موقع كنيسة فلورنتين، ووجد بين الشظايا أجزاء من شاهد قبر نقش عليه ("EO […] DUS VINC')، وهيكلاً عظمياً حجم جمجمته الكبير جعله يعتقد أنّه قد وجد رفات ليوناردو. " لم نرَ قط رأسأ مصمماً بعبقرية رائعة أو من أجلها،" كاتباً. " بعد ثلاث عقود ونصف، لم يستطع الموت أن يمس كبرياء هذا الرأس الجليل."  وتوجد هذه العظام الآن مدفونة في كنيسة القديس هوبرت، ضمن منطقة القصر، تحت صحيفة معدنية نصبها كونت باريس. صلتها الوحيدة بليوناردو، على أية حال، هي استدلال هوساي بعلم فراسة الدماغ. إنّه من الممكن أنَّ الجمجمة الرحيبة المدفونة بسان هوبير قد احتضنت يوماً ما عقل ليوناردو دافنشي، ولكن اليقين الوحيد على الأقل أنّها لم تعد كذلك. القفص خالٍ الآن، والعقل قد طار.
 
 
------------------------------------------------
 ليوناردو دافنشي: رحلات العقل
تأليف: تشارلز نيكول
ترجمة: أميمة حسن قاسم
محاولة استعادة شيء من ليوناردو الإنسان هي مهمة هذا الكتاب- ذلك هو، ليوناردو الإنسان الحقيقي، الذي عاش في وقت حقيقي، وأكل أطباقاً حقيقية من الحساء، مقابل ليوناردو الرجل الخارق، متعدد التخصصات.
بتكليف ورعاية من الشاعر الإماراتي محمد أحمد السويدي، وبدافع من حب المعرفة والسعي لنشرها  قامت القرية الإلكترونية بتوفير هذه النسخة من كتاب ليوناردو دافنشي: رحلات العقل | تأليف: تشارلز نيكول | ترجمة: أميمة حسن قاسم
وسوف نقوم بنشرها على حلقات تباعاً هنا في جوجل بلس نأمل أن تحوز إعجابكم وأن تكون مساهمة في #نشر_المعرفة
صفحتنا الرسمية في فيس بوك :
منصتنا في جوجل بلس لمتابعة باقي مشروعاتنا 
https://plus.google.com/+HisExcellencyMohammedAhmedAlSuwaidi?hl=ar
(جميع الحقوق محفوظة)

      ليوناردو دافنشي: رحلات العقل 10-البحر الكبير عندما ظننت أنّي أتعلم لأعيش، كنت أيضاً أتعلم لأموت.                            مخطوطة أتلانتكس، ص252-أ في منزل كلوز لوسي وفي يوم السبت 23 أبريل 1519، قبل يوم من عيد الفصح، كتب ليوناردو دا فينشي "رسام الملك" وصيته في حضور كاتب العدل الملكي، غيوم بوريان، وسبعة شهود هم: فرانسسكو ميلزي، باتيستا دي فيلانيز، وكاهنان فرنسيان، وثلاثة رهبان فرنسسكان.  ومن الواضح أنّ قائمة الشهود أغفلت ذكر سالاي. غيابه من امبواز أكدته وثائق أخرى، وهي التي أثبتت وجوده في باريس في 5 مارس ومرة أخرى في 16 مايو. وفي كلا التاريخين، قابل جيوفاني باتيستا الغونفالونيري، وكيل ماسيميليانو سفورزا، دوق ميلانو. وفي المناسبة الثانية قبض مبلغ 100 سكولدي، دُفعت له إنابة عن الدوق، وقد وعد بمبلغ 500 سكولدي أخرى خلال السنوات الأربع التالية. تُرى من أي نوعٍ كانت هذه الخدمات التي يقدمها سالاي في المقابل؟ هنالك احتمال أنّه كان يتلقى المال لتقديم معلومات سياسية استقاها بفضل قربه من الملك فرانسوا في الامبواز- هي في النهاية شيء مخزٍ بالنسبة لعلاقته الطويلة والودية على الدوام مع ليوناردو .  يكتب ليوناردو توجيهاته من أجل دفنه في كنيسة القديس فلورنتين في الامبواز، والموكب الذي سيرافق جنازته " من المكان المذكور إلى الكنيسة المذكورة"، وإقامة ثلاثة قدّاسات عليا وثلاثين قدّاساً أدنى لذكراه، وتقسيم 40 رطلاً من الشمس لصنع شمعات سميكة توضع في الكنائس حيث تقام الصلوات: وللجنازة نفسها " 60 شمعة رفيعة ليحملها 60 مسكيناً ويُدفع لهم المال لحملها". وبنود الوصية كانت كالتالي:  •      للسيد فرانسسكو دا ميلزو، سيد من ميلانو، كل وجميع الكتب التي في حوزة كاتب الوصية حالياً، والأدوات واللوحات المتعلقة بفنه، وتسميته رساماً..وبقية معاشه، وجميع مبالغ المال المدان بها إليه من قبل وحتى يوم وفاته، وأي من وكل ملابسه التي يمتلكها الآن في المكان المذكور كلوز. •      لباتيستا دي فيلانيز خادمه، نصف حديقته الواقعة خارج أسوار ميلانو.. وحق المياه الذي منحه الملك لويس الثاني عشر طيب الذكر للمذكور دا فنشي، والتي أصبحت نهر قناة القديس كريستفورو، وأي من وجميع الأثاثات والأواني في منزله في المكان المذكور كلوز. •      لسالاي خادمه، النصف الثاني من الحديقة نفسها، التي بنى فيها سالاي وشيد منزلاً والذي سيكون ويظل من الآن فصاعداً ملكاً لسالاي. •      لماتورينا خادمته، معطف من القماش الأسود الفاخر، مبطنة بالفرو، وقطعة من القماش، ومبلغ اثنين دوكات لمرة واحدة. •      لأخوته الذين يعيشون الآن في فلورنسا مبلغ أربعمائة سكولدي والتي قد أودعها في  خزانة سانتا ماريا نوفا في مدينة فلورنسا، مع كل الفوائد والانتفاعات التي قد تكون مستحقة حتى الآن. القسمة كانت أنيقة نوعاً ما: بالنسبة لميلزي إرث فكري لا نظير له من كتاباته ولوحاته، ولسالاي وباتيستا الملكية، ومعطف الفرو لماتورينا، والنقد لإخوة دافنشي.  يطلق عليه الفلورنسيون "دخول البحر الكبير". هل انطلق ليوناردو في هذه الرحلة الأخيرة فلسفياً، في رباطة جأش التقاعد النبيل؟ لا تشير كتاباته إلى ذلك:   أيها الغافي، ماهو النوم؟ النوم هو ظاهر الموت. أوه لم إذن لا تقم بأعمال تجعلك تبدو حياً بعد الموت بالدرجة نفسها من الكمال، بدلاً عن النوم بينما أنت حي، راسماً على نفسك سيماء الموتى الحزانى.. كل جرح يترك حزناً في الذاكرة، عدا الجرح الأكبر، الذي هو الموت، إذ يقتل الذاكرة هي والحياة معاً. ترغب الروح أن تظل مع الجسد، لأنّها بدون أداة الجسد المادية تلك، لا تستطيع فعل شيء ولا تشعر بشي.  النوم، النسيان، عدم الشعور: هذه هي صور الموت الثابتة مع المادية الارسطوتالية لعالم عصر النهضة. ولا نسمع شيئاً عن القيامة والحياة بعد الموت. وعندما يكتب ليوناردو عن لاهوت الروح لا يفتأ يتشبث بأنّ عليها أن "تستقر في أعماله"- مادة العالم- الجسد- حتى "تستريح": " مهما تكن هذه الروح، إنّها أمر إلهي، لذلك اتركوها تسكن في أعماله، وتجد الراحة فيها..لأنّها تخرج من الجسد دون إرادتها، وفعلا أؤمن بأنّ حزنها وألمها ليسا دون سبب." هذا من صفحة من صفحات التشريح تعود لعام 1510، حيث يكتب بإجلال عن التشريح باعتباره "عملي هذا" حيث يتسنى إدراك "أعمال الطبيعة الرائعة".  الحياة المادية هي مسكن الروح، والموت هو إجلاؤها، مغادرتها "قسراً"، ولا يبدو عندئذٍ أنها تتجه إلى وطن في السماء. يهندس فازاري لليوناردو توبةً على فراش الموت، الشيء الذي لا يبدو مقنعاً: " بالشعور بقربه من الموت قرر بإخلاص أن يتعلم مذاهب الإيمان الكاثوليكي، وعن الدين الكاثوليكي القويم والمقدس، ثم يتباكى بمرارة، لقد اعترف وتاب، وعلى الرغم من عدم قدرته على الوقوف، تناول السر المقدس المبارك معتمداً على أصدقائه وخدمه في سريره." ربما كان صحيحاً، بيد أنّ هذا التحول المتأخر للإيمان يبدو مثل شيء ما يتمناه فازاري أكثر من ليوناردو. الشيء الأكثر إقناعاً هو تعليق فازاري التالي بأنَّ ليوناردو "احتج على أنّه أساء لله وللإنسان بعدم الاجتهاد أكثر في فنه كما كان ينبغي عليه". إنّه ليس ذنباً وجحيما ما يخشى، ولكنه العبء الثقيل لتلك الـ "ألخ.."، والورقة الرمادية الخالية تحتها- جميع ما لم يُنهَ من الأعمال. لقد توفي في الثاني من مايو 1519، في عمر يناهز السابعة والستين. وبحسب فازاري فإنّ مرجعنا الوحيد، كان الملك فرانسوا حاضراً، واحتضنه بين ذراعيه. بينما أتى هادم اللذات- "شهقة، ملاك الموت"- الملك "رفع رأسه ليساعده ويهدئه من روعه". إنّها صورة مؤثرة- إن فصلها المرء من اثنتين من اللوحات الفرنسية التي رُسمت بإلحاح شديد في الموضوع ذاته، في بدايات القرن التاسع عشر- لكنها منذ اكتشاف ذلك في الثالث من مايو، اليوم التالي لوفاة ليوناردو، صدر مرسوم ملكي في سانت جيرماين ان لاي؛ إذ أنّ الأمر يتطلب يومين على ظهر الحصان للسفر من امبواز. لا يمكن لملك فرانسوا أن يكون بجانب ليوناردو في الثاني من مايو وفي سانت جيرماين في الثالث. تتوقف مصداقية شهادة فازاري الآن على السؤال المطروح حول ما إذا كان هذا المرسوم- والمنقوش عليه بالخط العريض "Par le Roy"، ولكن ليس ممهوراً بتوقيعه فعليا- يتطلب حضور الملك في سانت جيرماين.  بيد أنّه " مع إيلاء الاعتبار الواجب للوفاة المؤكدة"، إذ كتابته لوصيته تؤكد ذلك فإنَّ ليوناردو يغادر بهذه الملاحظة غير المسبوقة عن المجهول، و في غياب العلم بأية كلمات أخيرة له، تظل غرابة المرسوم الملكي المثير للانزعاج تذكرنا عن قناعته الراسخة بضرورة التشكيك في كل شيء وتمحيصه قبل اعتباره صحيحاً.     السيدة المشيرة ويختم فازاري بقوله، " جميع أولئك الذين عرفوه حزنوا للغاية على فقد ليوناردو،" هنا نسيت كل شيء عن الملك، ورأيت فرانسسكو ميلزي بجانب الفراش في دموعه. ولم يكتب ميلزي إلى إخوته غير الأشقاء في فلورنسا عن خبر الموت قبل الأول من يونيو. " لقد كان لي كأفضل أب،" يقول. " سأحزن حتى آخر نفس، وإلى الابد. لقد كان يقدم لي كل يوم الأدلة على مودته المفعمة بالشغف والعاطفة" . ميلزي هذا الرجل الشاب الذي نعرف القليل عنه، بادله تلك المحبة: بصفته البستانيّ والناسخ لكل ذلك الكم اللانهائي" من الكتابات والرسومات التي – ربما كانت حتى أكثر من اللوحات- يأخذنا مباشرة إلى حياة ليوناردو، كما لو لوكانا هما نفسهما نوعاً من الذكرى، محتشدة بالسجلات المقتطعة لأحداث أيامه، وأسرار أحلامه، وتهويمات عقله في الفضاء.  إنَّ ما تبقى من جسده أقل كثيراً من تلك الشحنة الميتافيزيقية من الذكريات والأحلام والتأملات. لا شك أنّه كان هنالك دفن مؤقت في مايو، لأنَّ مراسم الجنازة المادية المبينة في الوصية لم تنفذ قبل ما يزيد على ثلاثة أشهر، فشهادة الدفن في سجل كنيسة الجماعة الملكية في سانت فلورنتين مؤرخة في 12 أغسطس 1519.   لقد عانت الكنيسة أثناء الثورة الفرنسية، وفي 1802 كان على ما يبدو أنّها مرت بفترة تقشف. لقد هدمت، والحجارة والأبواب بما في ذلك تلك التي في المقبرة- استخدمت لإعادة ترميم القصر. لقد قيل إنّ بستانيّ الكنيسة غوجون، أخذ جميع العظام المبعثرة ودفنها في ركن من الفناء، وربما كانت رفات ليوناردو بينها. في عام 1863 حفر الشاعر المعجب بليوناردو، أرسين هوساي، موقع كنيسة فلورنتين، ووجد بين الشظايا أجزاء من شاهد قبر نقش عليه ("EO […] DUS VINC')، وهيكلاً عظمياً حجم جمجمته الكبير جعله يعتقد أنّه قد وجد رفات ليوناردو. " لم نرَ قط رأسأ مصمماً بعبقرية رائعة أو من أجلها،" كاتباً. " بعد ثلاث عقود ونصف، لم يستطع الموت أن يمس كبرياء هذا الرأس الجليل."  وتوجد هذه العظام الآن مدفونة في كنيسة القديس هوبرت، ضمن منطقة القصر، تحت صحيفة معدنية نصبها كونت باريس. صلتها الوحيدة بليوناردو، على أية حال، هي استدلال هوساي بعلم فراسة الدماغ. إنّه من الممكن أنَّ الجمجمة الرحيبة المدفونة بسان هوبير قد احتضنت يوماً ما عقل ليوناردو دافنشي، ولكن اليقين الوحيد على الأقل أنّها لم تعد كذلك. القفص خالٍ الآن، والعقل قد طار.     ------------------------------------------------  ليوناردو دافنشي: رحلات العقل تأليف: تشارلز نيكول ترجمة: أميمة حسن قاسم محاولة استعادة شيء من ليوناردو الإنسان هي مهمة هذا الكتاب- ذلك هو، ليوناردو الإنسان الحقيقي، الذي عاش في وقت حقيقي، وأكل أطباقاً حقيقية من الحساء، مقابل ليوناردو الرجل الخارق، متعدد التخصصات. بتكليف ورعاية من الشاعر الإماراتي محمد أحمد السويدي، وبدافع من حب المعرفة والسعي لنشرها  قامت القرية الإلكترونية بتوفير هذه النسخة من كتاب ليوناردو دافنشي: رحلات العقل | تأليف: تشارلز نيكول | ترجمة: أميمة حسن قاسم وسوف نقوم بنشرها على حلقات تباعاً هنا في جوجل بلس نأمل أن تحوز إعجابكم وأن تكون مساهمة في #نشر_المعرفة صفحتنا الرسمية في فيس بوك : https://www.facebook.com/mohammed.suwaidi.poet/ منصتنا في جوجل بلس لمتابعة باقي مشروعاتنا  https://plus.google.com/+HisExcellencyMohammedAhmedAlSuwaidi?hl=ar (جميع الحقوق محفوظة) , Electronic Village, His excellency mohammed ahmed khalifa al suwaidi, Arabic Poetry, Arabic Knowledge, arabic articles, astrology, science museum, art museum,goethe museum, alwaraq, arab poet, arabic poems, Arabic Books,Arabic Quiz, القرية الإلكترونية , محمد أحمد خليفة السويدي , محمد أحمد السويدي , محمد السويدي , محمد سويدي , mohammed al suwaidi, mohammed al sowaidi,mohammed suwaidi, mohammed sowaidi, mohammad alsuwaidi, mohammad alsowaidi, mohammed ahmed alsuwaidi, محمد السويدي , محمد أحمد السويدي , muhammed alsuwaidi,muhammed suwaidi,,

Related Articles

ليوناردو دافنشي: رحلات العقل - 10 - البحر الكبير
ليوناردو دافنشي: رحلات العقل - 9 - مطاردة الليل
ليوناردو دافنشي: رحلات العقل - 5 - المرض،الخيانة، المرايا
ليوناردو دافنشي: رحلات العقل - 6 - آخر الرحلات إلى فلورنسا
ليوناردو دافنشي: رحلات العقل - 3 - المعمدان وباخوس
ليوناردو دافنشي: رحلات العقل - 4 - الطــــــوفان
ليوناردو دافنشي: رحلات العقل - الجزء الثامن - الأعوام الأخيرة 1513 - 1519