محمد أحمد خليفة السويدي - القرية الإلكترونية - Spreading Knowledge - محمد أحمد السويدي - محمد السويدي
Arabic    

ليوناردو دافنشي: رحلات العقل - 6 - آخر الرحلات إلى فلورنسا


2019-05-10
اعرض في فيس بوك
التصنيف : رحلات عقل

 

 

 

ليوناردو دافنشي: رحلات العقل
6-آخر الرحلات إلى فلورنسا
 
طرفة البابا اللطيفة تلك حول عادات عمل ليوناردو خلفت مرارة في الحلق لم تزل: " comincia a pensare alla fine' لقد بدأ يفكر في النهاية.
في يوم 8 أكتوبر 1515 انخرط ليوناردو في أخوية القديس يوحنا للفلورنسيين، والتي لديها مقر في الضفة الأخرى لنهر التيبر من الفاتيكان. وربما فعل ذلك لعدة أسباب: عودة حسه بذاته كفلورنسي، لمسة دينية متأخرة، ورغبة لتأمين دفنه بصورة محترمة. كان الدفن واحدًا من مجالات عمل هذه الجمعيات أو الأخويات- لقد كانت "confranita della buona morte"، تقدم المساعدة المتبادلة في حالات المرض وتنظيم الجنائز في حالات الوفيات. وقد كان اختياره موثقاً في سجل الأخوية، وكالعادة لا يخلو من تلك السمات الغريبة إلى حد ما:
الراهب المبتديء ليوناردو دافشني، رسام ونحات، تم اختياره من قبل اللجنة بأغلبية ثلاث حبات فاصوليا سوداء، ثم تم التصويت على دخوله بالإجماع بأغلبية 41 حبة فاصوليا سوداء وحبتين بيضاوين. لقد قدمه إلينا المعلم جياكوبو الطبيب، والذي كان ضامناً له فيما يخص رسوم الدخول.
وفي ملاحظة أحدث وغير مؤرخة في سجل الحسابات اقترح رئيس الأخوية إلغاء عضوية ليوناردو "لمنحه يوماً طيباً" "mettere nel buondi" لأنّه لم يدفع رسوم الدخول في الوقت المحدد. 
ربما كان عجز ليوناردو عن دفع رسومه يعزى إلى ظروفه أكثر منه إلى تغيير رأيه، لأنّه غادر في هذا الشهر – أكتوبر من عام 1515- روما كعضو في الحاشية البابوية، متجهاً صوب فلورنسا وبولونيا، حيث يُزمع انعقادُ لقاء تأريخي بين البابا والملك الفرنسي الجديد فرانسوا الأول ( الذي انتصر مؤخراً على ما تبقى من حكم آل سفورزا في ميلانو في معركة مارينيانو):  لقاء القوى العظمى الذي ينبغي أن يضمن تحالفهم- وكذلك وصفه البابا ليو- بحقبة جديدة من "السلام للمسيحية".  الطرفة المحرجة، الدراسات الممنوعة: كان لليوناردو علاقة طيبة مع البابا الذي كان يتميز بحدة القريحة وامتلاء الجسم بخلاف جوليانو المثالي. لكنه كان جزءاً من الحاشية في هذه الزيارة البابوية، وهو سعيد لحد كبير لتواجده خارج روما لفترة من الزمن. 
لقد قصدوا أولاً ميناء سيفيتافيكيا القديم. وكان ليوناردو على الأرجح قد كتب بعض الملاحظات حول المرفأ العتيق في هذه المناسبة: " 4 أذرعة طولاً وذراعان ونصف عرضاً وذراعان وربع عمقاً: هذه هي الأحجار التي تقف في الأجزاء الأمامية من حاجز الأمواج في مرفأ سيفيتافيكيا."  لم يخبُ وميض فضوله على الرغم من نكسات هذه السنة. لقد وصل سيرك البابا إلى فلورنسا في يوم 30 نوفمبر، في موكب نصرٍ للبابا الفلورنسي. وكان من بين من شهدوا تلك الاحتفالات الصيدلاني لوكا لاندوكشي: " خرج جميع أعيان المدينة في مسيرة لمقابلته، وكان من بين الآخرين حوالي خمسين شاباً، أغناهم وأنبلهم لا غير، يرتدون حلة من القماش القرمزي بياقات من الفرو، يسيرون على أقدامهم، وعلى معصم كل واحد منهم حلية فضية- ما أجمله من منظر."  مرت المسيرة من خلال قوس نصر رباعي الواجهات، واحد من الهياكل المعمارية المؤقتة التي شيدت من أجل المناسبة. وقد قام ليوناردو بأعمال الرسم الخاصة بها، وعلى رأس الورقة ثلاث كلمات بخط ميلزي :"Illustrissimo signor magnifico" – أي جوليانو دي ميديتشي، الذي يلتقي به ليوناردو هنا. 
ومن ضمن المشاريع الضخمة التي خطط لها المتحدثون الرسميون للبابا؛ كانت دعوة الفنانين والمعماريين لمناقشة التجديد الحضري لفلورنسا، وعلى وجه التحديد مقر آل ميديتشي- المنطقة المحيطة بقصر ميديتشي القديم في الشارع الكبير، وكنيسة القديس لورينزو وما تشتمل عليه من معابد لآل ميديتشي. وقد أُحيط الرسامون والنحاتون والمعماريون والحفارون على الخشب، ومهندسو الديكور، علماً بنوايا البابا. وقد نصبت واجهات كاذبة جديدة أمام كنيسة القديس لورينزو والكاتدرائية على هيئة نماذج خشبية بالحجم الكامل. وقد تم توثيق أفكار ليوناردو الخاصة بالواجهة الجديدة لكنيسة القديس لورينزو في رسم موجود بأكاديمية البندقية. ولكنه لم يكن سعيداً بعمل الواجهة فقط، ولكنه تخيل تحولاً كاملاً للمباني المحيطة، بزيادة في طول وحجم الساحة المجاورة كخلفية تصويرية للكنيسة التي تم تجديدها. وهنالك رسم تمهيدي لخطة أخرى تعتمد على هدم مربعات كاملة من المنازل أمام الكنيسة، وساحة طويلة تمتد إلى الشارع الكبير، حيث تم تحويل الجدار الجانبي لقصر ميديتشي إلى واجهة تقابل الساحة.  عليه فإنَّ رسوم ليوناردو التمهيدية تبين مساحات واسعة من الدمار في الشوارع القديمة ومراتع صباه، وهي عبارة عن دراسات عملية ومعمارية. لكن قد يشعر المرء أنّ ليوناردو يستمتع أكثر بكونه أحد رواد العصرنة المديتشية: "معلم مدمّر" مثل صديقه برامانتي.
أثناء الاسبوع الذي أمضاه البلاط البابوي في فلورنسا، ترأس ليو العاشر مجلس الكرادلة الكنسي في قاعة المجلس في القصر القديم، حيث الجزئية الرائعة من معركة الانغياري بيد ليوناردو ما زالت تغازل الأعين. وقد كان ليوناردو حاضراً على الأرجح. وعقب ذلك بأربعين عاماً كلّف دوق آل ميديتشي العظيم كوزيمو الأول جورجيو فازاري برسم دائرة هائلة من الجصيات التي تغطي الحوائط اليوم- بيد أنّها مثيرة للجدل بسبب الوجود الشبحي لجصية الانغياري تحتها- وكان من ضمن المشاهد التي اشتملت عليها تلك اللحظة في حياة الأسرة الحاكمة عندما جلس البابا الذي ينتمي إلى عائلة ميديتشي في منصب في مركز فلورنسا السياسي. وفي خلفية المشهد قام فازاري بتضمين مجموعة من أربعة رجال وصفهم كالتالي: 
لقد رسمت بالحجم الكامل حتى يتسنى التعرف عليهم هنالك في خلفية اللوحة تمييز لرتب المجلس، الدوق جوليانو دي ميديتشي، والدوق لورينزو حفيده مع اثنين من أعظم العباقرة في عصرهما، الرجل العجوز صاحب الغرة من الشعر الأبيض الملتف على هيئة حلقات هو ليوناردو دافنشي معلم الرسم والنحت الكبير، والذي يظهر وهو يتحدث إلى الدوق لورينزو واقفاً بالقرب منه، والآخر هو مايكل بوناروتي. 
لقد قامت هذه المجموعة الصغيرة بالإصلاح بين الفنانين، تحديداً هنا في القصر القديم حيث بدأت منافستهما، واحتفي بهما كنجمين توأمين في الفن تحت رعاية آل ميديتشي. كانت لوحة وجه ليوناردو نمطية- وقامت على رسم ميلزي الجانبي لليوناردو الذي رآه فازاري في فابريو - ولكنه كان يحمل شيئاً من الذاكرة الشعبية لآخر زيارة لليوناردو لفلورنسا.
وفي حوالي يوم 7 ديسمبر عام 1515 كانت مسيرة البابا تحث الخطى صوب بولونيا. هنا تشاور البابا وفرانسوا الأول، وهنا التقى ليوناردو للمرة الأولى راعيه الأخير والأكثر إخلاصاً. كان الملك الجديد في الحادية والعشرين من العمر، طويل القامة إلى درجة واضحة، ذا شخصية ساحرة، بثقته التي ترتفع عالياً بعد أن أعاد توجيه مرتزقة سفورزا السويسريين صوب المارينيانو. لقد كانت له أنف هائلة الحجم، وسمعة  أخلاقية تليق به " لقد كان فاسقًا وكان يستمتع بدخول حدائق الآخرين لشرب مختلف أنواع المياه"، وبحسب تعبير انطونيو بياتيس  كان شعاره "أنا من أوقد النار وأنا من أطفؤها". كان الملك يعرف ليوناردو العظيم بلا شك من خلال اللوحات التي ثُمنت غالياً من قبل صهره والد زوجته لويس الثاني عشر، والعشاء الأخير التي شوهدت بلا شك في ميلانو المستعادة، وذلك الأسد الآلي القوي الرائع الذي عُرض أمامه في احتفالات نصر يوليو بمدينة ليون. ووجد ليوناردو نفسه مرة أخرى ينجذب تجاه الفرنسيين، الأمر الذي قد يعني بالنسبة له رعاية تحت ظل حاكم سيادي ليس في مقدور إيطاليا التباهي بمثلها، وأيضاً نوعًا من التقدير الراقي الذي لم يحظ به من أسياده الإيطاليين. ومن بين الحاشية الفرنسية في بولونيا كان هنالك آرتوس بويسيف، وفي الرابع عشر من شهر ديسمبر رسم له ليوناردو صورة شخصية بالطبشور الأحمر، شرحها ميلزي قائلاً، " لوحة للسيد آرتوس حاجب الملك فرانسسكو الأول، في اجتماع مع البابا ليو العاشر."  
غادر البابا بولونيا في السابع عشر من ديسمبر، منزعجاً إلى حدٍ ما من سلوك فرانسوا المستبد، وقد خفف من حدة شعوره منحة ملكية من الدوقية إلى جوليانو دي ميديتشي الذي أصبح دوقاً على نيمور. ولكن جوليانو لم يهنأ باللقب الجديد طويلاً، فقد توفي من أثر السل بعد ذلك بثلاثة أشهر، في السابع عشر من شهر مارس عام 1516 في عمر يقارب السابعة والثلاثين. 
ثم لبث ليوناردو قليلاً في روما لبضعة أشهر، يكتنف الغموض والتكتم أعماله، تسير حياته مرة أخرى على ما يرام. تحمل بعض القياسات المتعلقة بكنيسة سان باولو فيوري تأريخ 1516: إنّها آخر ذكر لليوناردو في إيطاليا.  
7-المعلم لينارد
من المؤكد أنّ ليوناردو كان قد اتخذ قراره بالسفر إلى فرنسا بحلول صيف عام 1516، بما أنّه قد خبر جيداً مغبة عبور الألب بعد الخريف. ليس هناك ضمن المستندات الناجية ثمة استدعاءات ولا التماسات: لا مراسلات دبلوماسية، ولا جواز سفر. لم يكن اللقاء مع الملك في بولونيا ووفاة جوليانو دي ميديتشي سوى إرهاص، ثم جاء القرار بين عشية وضحاها، في وقت ما من شهر أغسطس أو سبتمبر، في عمر الرابعة والستين انطلق ليوناردو في أطول رحلة في حياته. 
ربما توقف في طريقه بمدينة ميلانو، فسالاي ما زال هناك، يعتني بالمنزل وحقل العنب الذي أصبح مقاطعته، والذي سوف يؤول إليه رسمياً بحسب وصية ليوناردو.   ومن ميلانو وبرفقة مبعوثين من الملك، اتجه ليوناردو شمالاً صوب الجبال يصحبه  ميلزي والخادم الميلاني المدعو باتيستا دي فيلانيز. وتقول إحدى الفقرات في مخطوطة اتلانتكس، والتي ربما كتبت أثناء الطريق: نهر آرنو في جنيفرا، حوالي ربع ميل باتجاه سافويا حيث يقام المعرض." 
وبنهاية السنة كان قد استقر في وادي اللوار، بالقرب من قلعة امبواز الملكية، في خدمة الملك الفرنسي، و نفقة سخية تبلغ 1000 سكودي سنوياً. وهنالك تفويض أو سجل لسداد معاش عامين في السجل الوطني بباريس: " A Maistre Lyenard de Vince, painter ytalien, la somme de 2000 ecus soleil, pour sa pension di celles deux annees.' 
في الوثيقة ذاتها عيّن ليوناردو "رساماً للملك" paintre du Roy"".
 
فرانسوا الأول ملك فرنسا 1515-1520
 
المنزل الصغير في كلوز (الآن كلو لوسي)
كانت علاقته بالملك فرانسوا وطيدة. كان الملك الشاب مبهوراً، ومفتوناً وبالغ السخاء. وبعد سنوات عدة، نقل النحات الفلورنسي بينفينوتو سيلليني هذه الذكريات عن فرانسوا نفسه، والذي كان هو أيضاً في خدمته: 
لأنّه كان رجلاً ذا مواهب عظيمة ومتعددة، ولديه معرفة باللغات اللاتينية والإغريقية، كان الملك فرانسوا مفتوناً بالكامل [inamorato gagliardissimamente]  بفضائل ليوناردو الرائعة هذه، وقد كان يستمتع أيما استمتاع بالاستماع إليه حتى إنّه لم يكن يفارقه سوى بضعة أيام في السنة، الشيء الذي لم يستطع معه ليوناردو إكمال دراساته الإعجازية للنهاية مع هذا الالتزام. ولا أستطيع دفع رغبتي في إعادة الكلمات التي سمعت الملك يقولها في حقه. لقد قال إنّه لا يستطيع تخيل أنّ هنالك رجلًا غير ليوناردو في هذا العالم قد نال من العلم ما ناله ليوناردو، وليس فقط في النحت والتلوين والمعمار بل إنّه كان فيلسوفاً عظيماً أيضاً." 
ربما لم تكن المنحة السخية هي أهم هدايا الملك، ولكن المكان الذي يقيم فيه. كان آخر عناوين ليوناردو هو قصر مالك عزبة كلوز (الآن كلو لوسي)، يبعد نصف ميل جنوبي سرايا امبواز الكبرى. وقد كان جديداً آنذاك، شيّد في أواخر القرن الخامس عشر على يد إستين ليلو، حاجب الملك لويس الحادي عشر. ومن بين من عاشوا فيه كان الكونت ليغني الذي عرفه ليوناردو في ميلانو عام 1499. وقد بني هذا المنزل من الطوب الأحمر وحجر التوفا المسامي الرمادي. وهو يقف على أرض لطيفة الانحدار، وراء جدار حامٍ به برج مراقبة ومنصة مدفع صغيرة ظلت من أيامه كمنزل محصّن. وفي داخل الجدار الواقي بهو علوي طويل على هيئة عريشة. وإلى الشمال من المنزل اسطبلات تصطف على شكل حرف L اللاتيني، وورش تحيط بالفناء من الجهة الثالثة. وعلى الجانب الرابع إلى الغرب تنحدر الأرض بحدة. هنا يقع المطبخ والحديقة، وأسفلها بركة مكسوة باللون الأخضر.
كان المنزل أصغر مما هو عليه الآن- الغرف إلى جهة الغرب من البرج المركزي ذي الراس المدبب تعود إلى القرن الثامن عشر- ولكن تخطيط الجزء الأوسط منه لم يتغير على الأرجح منذ أيام ليوناردو. الباب الأمامي الرئيسي بمواجهة الجنوب يؤدي إلى كنيسة صغيرة، بنيت من أجل آن دي بريتانج، زوجة تشارلز الثامن.  وفي الطابق السفلي نجد قاعة واسعة، حيث يتناول أهل المنزل طعامهم، ويتم استقبال الزوار، وبجانبها المطبخ، بأرضه المكسوة بالتراكوتا، ومجموعة الطبخ والحلقات الحديدية في العارضة الخشبية لتعليق اللحوم والطرائد. إلى اليمين من الباب الرئيسي درج واسع. وقد خصص الطابق الأعلى لبناء غرفتين كبيرتين. يقال إنّ مرسم ليوناردو في الغرفة التي تعلو قاعة الطعام. والنافذة التي تواجه الشمال الغربي، تشرف على منظر أبراج وقباب القصر، والأشجار وحس الفراغ عند النهر- يمكن رؤية المنظر ذاته في رسم لطيف بالطبشور الأسود في ويندسور- بيد ميلزي على الأرجح.  ويقال إنَّ الغرفة العليا المحاذية للمطبخ كانت حجرة نوم ليوناردو، ويحتمل أنّها الغرفة التي شهدت وفاته.
كان المنزل مريحاً ومنعشاً وحسن الموقع. وما في سعته من بهجة يفوق ما له من فخامة ومهابة. حتى أبراجه ذات القمم المدببة كانت لا تخلو من حس لعوب، تحاكي في نقوشها منظر القصر في نهاية الطريق. المدفأة الهائلة الحجم، وكتل الصنوبر، وضوء تورين الرقيق على النوافذ، الهالة الخافتة للدخان الخشبي القديم- يقتنع المرء أنَّ ليوناردو شعر بالراحة والسكينة في هذه السنوات الأخيرة. مع المنزل جاءت ماتورين ربما كطباخة أو كمدبرة. وقد كانت تدعى ماتورينا، في الإشارة الوحيدة لها، في وصية ليوناردو: لكنْ النسخة الناجية من الوصية كانت باللغة الإيطالية، والتي تمت فيها طلينة الأسماء الفرنسية، وهي على الأرجح من مواطني المدينة وليست إيطالية( بالطبع مالم تتحول الكريمونا مع تقدم السن إلى لا ماتورينا). وفي الكتب الفرنسية عن ليوناردو- والتي يوجد منها إرث طويل ومشرّف- كانت تدعى ماثورين، وقد كان الطعام في السنوات الأخيرة من عمر ليوناردو بلا شك فرنسياً. 
وهنا يشرع مرة أخرى لتنظيم مخطوطاته ورسوماته، وينتج المزيد منها، على الرغم من أنَّ بياتيس يخبرنا أنّه لم يعد يرسم. وكما هو الحال دائماً هنالك الكتب التي يريدها منسوخة بخط ميلزي: "Egidius Romanus, De informatione corporis humani in utero matris  [حول تشكل الجسم الإنساني في الرحم]"، والذي تم نشره في باريس عام 1515، و"Rugieri Bacon in a  في إصدارة مطبوعة". - تحدث عالم الاجتماع الإنجليزي العظيم روجر باكون، شخصية ليوناردية من أكسفورد القرن الثالث عشر، عن إمكانية الطيران البشري. كان يُرى في الأيام الصافية في المدينة، أو عند النهر، يرسم تيارات اللوار- أو- كما يكتبها "Era" بينما تعبر إلى امبوزا".  لم تكن تهجئاته سليمة. فالمغترب، كما قيل، هو أجنبي في بلدين: الأول الذي يعيش فيه والثاني الذي تركه وراءه.
8- الكاردينال ينادي
إنّه الخريف في وادي اللوار، أنسب وقت للزيارة. يصل في بدايات شهر اكتوبر من عام 1517 وفد متميز من السُّواح الإيطاليين إلى الامبواز. لقد كان الكاردينال لويجي الآراجوني حفيداً لملك نابولي، ونسيباً لإيزابيلا الآراجونية وجارة ليوناردو السابقة في المحكمة القديمة في ميلانو. لقد كان رجلاً ذا وجه رقيق، في بداية الأربعينيات: ربما كان له بورتريه بريشة رفائيل في البرادو في مدريد. لقد ناور للوصول إلى كرسي البابوية بعد وفاة يوليوس الثاني في 1513، ورغم أنَّ آماله تبددت بانتخاب ليو العاشر، إلا أنّه ظلّ قريباً من ليو- شجعه في الغالب ظنّه بأنّ البابا سيجعله ملكاً على نابولي. وربما قابله ليوناردو في روما، حيث كان يعرف بالمبالغة في إكرام ضيوفه، وجمال عشيقته، المومس جوليا كامبانا، والتي أنجب منها ابنته، توليا.
وهنالك تهمة أكبر خطراً تلوح حوله: أنّه أمرّ بقتل صهره انطونيو دا بولونيا، وربما أخته جيوفانا أيضاً، دوقة أمالفي، التي اختفت بصورة غامضة في بدايات عام 1513. وليس من المستبعد أن يكون ليوناردو على علم بشيء ما من هذا الأمر أيضاً، إذ أنَّ أنطونيو دا بولونيا كان في ميلانو في عام 1512، وقد قتل هناك في السنة التالية. وقد أعيدت الرواية على نطاق واسع من خلال مآساة جون ويبستر اليعقوبية دوقة مالفي. والتي يظهر فيها لويجي " الكاردينال" في دور شرير، وقد كتب ويبستر مسرحيته بناءً على النسخة الإنجليزية من رواية لماتيو بانديلو، الصبي الذي راقب ليوناردو يعمل على لوحة العشاء الأخير.  
كان الكاردينال في طريق عودته إلى الديار بعد رحلة أوربية مطولة، وفي باله أن يبعد نفسه من مؤامرة أحيكت ضد البابا ليو السنة الماضية، كما كان أيضاً يود مقابلة ملك اسبانيا الجديد تشارلز الخامس، وفعل ذلك في ميدلبيرغ، على ساحل هولندا. وقد راقب العملاء الإنجليز عن كثب وبلغوا الكاردينال ولسي عن وصول مختال أراجون إلى بلاط تشارلز في حاشية من أربعين خيال، وعباءته تلتف حول كتفيه بإهمال، وسيفه مشدود إلى جانبه: " أيها المنّعم لك أن تخمن أي نوع من الرجال هو.. فمهنة الكاردينال المذكورة هي أقرب لسيد علماني منها إلى الروحانية."  عليه فقد توجه الكاردينال جنوباً عبر الأراضي الفرنسية. ومن بين الوفد المسافر معه كاهنه وأمين سره أنطونيو دي باتيس، والذي صارت مفكرة سفره الحافلة مرجعاً لما سيأتي. 
 
بورتريه رفائيل لكاردينال، يرجح أنّه لويجي الآراجوني
في التاسع من شهر أكتوبر كانو في تور(Turso)، ومنها – بعد غداء باكر، استأنفوا المسير إلى امبواز، " مسافة سبعة فراسخ". ويجدها بياتيس "بلدة صغيرة حسنة الإدارة ذات موقع ممتاز". وأُنزلوا في القصر على "ربوته"، إنها "ليست محكمة التأمين، لكن الغرف مريحة والمنظر رائع". في اليوم التالي، العاشر من أكتوبر، ذهبوا إلى "واحدة من ضواحي" البلدة "لرؤية السيد ليوناردو فينشي الفلورنسي". ونكاد نشعر بأنّ ليوناردو كان مصدر جذب سياحي آخر ليقصده الكاردينال.
وشهادة بياتيس المفعمة بالحياة رغم اقتضابها عن زيارتهم إلى كلو لوسي؛ هي آخر لقطاتنا عن ليوناردو. وتبدأ بخطأ: فقد وصف ليوناردو بأنّه "رجل مسن تجاوز السبعين من عمره"، الشيء الذي قد يبدو سياحياً للوهلة الأولى- مبالغة قد تجعله أكثر مهابة حتى على الصعيد الشكلي- بيد أنّها يمكن أيضاً أن تعتبر شهادة عيان بأنّ ليوناردو كان يبدو أكبر مما هو عليه فقد كان (في الخامسة والستين). وتستمر الرواية:
لقد عرض على سيادته ثلاث لوحات، واحدة منها لسيدة فلورنسية، رسمت لها مباشرة بإيعاز من الراحل الرائع جوليانو دي ميديتشي، وأخرى ليوحنا المعمدان في صباه، والأخرى للسيدة العذراء والطفل في حجر القديسة حنّا، وجميعها كاملة جداً، وهي عبارة قد تعني أنّها ]"مكتملة تماماً"]. على أية حال لا يمكننا توقع عمل آخر عظيم منه، إذ أنّه الآن مصاب بنوع ما من الشلل في يده اليمنى. ولقد قام بتدريب تلميذ ميلانيّ يتقن عمله. وبينما لم يعد المعلم يستطيع التلوين بتلك العذوبة التي عهدناها، فإنّه قادر على إنشاء الرسومات وتعليم الآخرين. لقد كتب هذا السيد الكثير حول التشريح، برسومات إيضاحية لأجزاء الجسم، مثل العضلات والأعصاب والأوردة والتفاف الأمعاء، وقد سهّل بذلك فهم أجساد كل من الرجال والنساء بطريقة لم يسبقه إليها أحد. جميع هذا رأينّاه بأمّ أعيننا، وقد أخبرنا أنّه قام بالفعل بتشريح أكثر من ثلاثين جسداً من الرجال والنساء في جميع الأعمار. وقد كتب أيضاً بحسب كلماته هو كتباً لا حصر لها عن طبيعة المياه، ومختلف أنواع الآلات، وأشياء أخرى، جميعها باللغة الدارجة، وإن خرجت للنور فسوف تكون مفيدة ومبهجة في آن. بجانب نفقاته وإقامته فهو يحصل من ملك فرنسا على معاش يبلغ 1000 سكودي في العام، بينما يحصل تلميذه على ثلاثمائة. 
ويحدّق المرء في هذه الصفحة، كما لو أنّه يراها عبر عدسة مكبرة، محاولاً التقاط آثار الحقيقة التوثيقية، إنّها نشوة الحضور. الجانب الآخر لهذا النص هو أولئك الأشخاص الذي كانوا معه بالفعل- " لقد رأينا جميع هذا بأمّ أعيننا": حكمة.
بعد الترحيب في الصالة أسفل الدرج، قدمت ماثورين المرطبات، وتلا ذلك  فاصل ديني قصير في الكنيسة الصغيرة- لأنَّ هؤلاء الزائرين العلمانيين جداً هم رجال الدين- وقد صعدوا الدرج إلى قدس الأقداس الداخلي لمرسم ليوناردو، حيث الضوء الخريفي الذي تقويه الشموع، وهاهم يصغون إليه الآن بينما يصف لهم ويشرح، مستخدماً ما قد يعتبره المرء مزيجاً من اللطف الفطري والفظاظة الرزينة. وبينما ينظرون إلى الموناليزا يخبرهم شيئاً ما، ليس بكثير. إنّها سيدة فلورنسية، لقد رسمها بطلب من – لا بإلحاح: instantia- من الراحل جوليانو الرائع. ونظروا إلى العذراء والطفل والقديسة حنّا وما يكتنفها من مزاج رقيق، والقديس يوحنا الشّبِق، ثم خرجت الصفحات العظيمة من رسومات التشريح، قُلبت الصفحات بيد ميلزي المساعد الذي لا غنى عنه، وللحظة ما شعروا برعشة تسري في أجسادهم إذ يقتربون من هذا الرجل العجوز ذي الملامح الودودة الذي قطعت يداه الجثث وانتزعت الأمعاء- " أكثر من ثلاثين جسداً لرجال ونساء في جميع الأعمار": لحظة بوح. حظيت هذه الأعمال الفنية التشريحية بأهمية خاصة لدى بياتيس باعتبارها شيئاً فريداً، " لم يسبقه عليها أي شخص من قبل"، وربما كان هذا تعبيراً عن التقدير أو مما أوحى به ليوناردو على أية حال بينما كان يتحدث إلى الضيوف. 
هنالك كتب أخرى- حول المياه، والآلات. يذكر بياتيس أنّ هذه الكتب "بالعامية"، ويجب أن "تخرج إلى النور" ويفترض أنّه يعني أن تُنشر- ولكنه لم يذكر السمة الأكثر غرابة فيها. هذا نقص عجيب: كتابة ليوناردو المرآتية لم تكن شيئاً معروفاً على نطاق واسع، وبالتالي فهي شيء يجدر ذكره، عليه فلابد أن يتساءل المرء هنا إن كان بياتيس قد رأى بالفعل أي شئٍ منها.  ربما عرُضت أوراق وصفحات معينة على الزوار: الأعمال المنفذة بإتقان؛ فليوناردو رجل مخضرم: لقد استقبل مرسمه مئات الزيارات. إنّه يثير درجة من عدم الرضا، لكنه يُري الناس ما يريدهم أن يروه فقط، وما تبقى يظل نوعاً من أرض العجائب البعيدة المنال، تشير إليها موجة سميكة عريضة من خطه الجميل: المخطوطات والمفكرات، والكتب والكتيبات المبعثرة على طاولات وأرفف مرسمه- " كما عبر عنها هو نفسه، كتب لا حصر لها". ويسمع المرء مزيجًا منسجماً من الاعتداد بالنفس والسخرية منها، التعبير الذي وصل إليه، ممتع في توريته، تكاد تكون هي الجملة الرئيسية، بينما يتأمل هو حمولة الأوراق والحبر التي اكتنزها، والعدد الذي لا يحصى من الأبحاث والاستقصاءات والمساحات المستحيلة التي ينبغي على العقل الطيران ليحيط بها. "عدد لا حصر له من الكتب"
وميلزي الشاب الذي سيعبر عن حبه لليوناردو من خلال مهنة تنظيمية على مدى نصف قرن من الزمان أو يزيد، ويبتسم بأسى لسماعه هذه الكلمات.
لقد أمضى الزوار وقتهم، وابتهجوا، وظل بياتيس الشكلاني يكتب مذكراته ذلك المساء(أو يفترض المرء ذلك: المخطوطة التي تنجو وتصبح النسخة أو المخلص، الذي كتب في وقت ما بعد تأريخ آخر إدراج، 31 أغسطس 1521). ويتقدمون في اليوم التالي باتجاه قلعة ملكية أخرى، بلوا [Bles]، ورؤية "بروتريه من الطبيعة بألوان الزيت لسيدة من اللومباردي، وهي جميلة جداً لكنها في رأي ليست أجمل من السينيورا غوالاندا". من الجائز أنَّ هذه اللوحة هي بورتريه بريشة ليوناردو لوكريزيا كريفيللي، وهي معلقة الآن في اللوفر، وربما نُقلت إلى قصر لويس الثاني عشر في بلوا في وقت ما بعد استيلاء الفرنسيين على ميلانو عام 1499. وربما لم تكن بعد قد اكتسبت لقبها المضلل "La Belle Ferronniere". كانت إيزابيلا غوالاندا جميلة نابولية شهيرة، وصديقة للشاعرة كوستنازا دافالوس، فهي ليست النموذج "الحقيقي" للموناليزا، وإلا لكان بياتيس قد قال ذلك عندما رأى اللوحة في اليوم السابق. 
بالطبع يود المرء أن يهزّ أنطونيو من كتفيه ليعرف المزيد منه: كل ما رآه وشعر به وعرفه وعجز عن ذكره. هل كان ليوناردو ما زال طويلاً أم "تقلص" طوله؟ هل كان صوته ذلك الصوت الرخيم الذي غنى ذات مرة على أنغام القيثارة- هل كان جهورياً أم مرتعشاً؟ يريد المرء أن يسأل لماذا يجب أن يكون المقصود بالعبارة أنَّ المعلم الأعسر قد لا يرسم مرة أخرى. هل هنالك أي نقص عام مشار إليه في الجملة التالية- أنّه لا يستطيع "التلوين بتلك العذوبة التي عهدها"- ينطوي على قصور في الأسلوب أكثر منه على إعاقة جسدية؟
ما الشيء الذي عجز بياتيس عن ذكره  ويمكن معرفته بالنظر مرة أخرى إلى الصورة الشخصية بالطبشور الأحمر الموجودة في بيبليوتيكا ريالي في تورين، والتي ينبغي أن تكون صورة لليوناردو حوالي ذلك الوقت- رجل في أواسط الستينيات- ولكنه يبدو، كما يقول بياتيس أشبه "برجل عجوز تجاوز السبعين". إنّه في نظر المخيلة الشعبية صورة ذاتية تعريفية لليوناردو، وأنّها رسخته في ذلك المزاج الكهنوتي في أذهاننا. هنالك شكوك بين بعض مؤرخي الفن، الذين يشعرون أنَّ الأسلوب والبيئة يشيران إلى تأريخ أقدم. هل يحتمل أن يكون رسماً لوالده، ليس بوقت طويل قبل وفاة سير بيرو في 1504، أو إلهاً قديماً أو فيلسوفاً من زمن دراسات ليدا، أو ببساطة رجلًا عجوزًا ما "ذا مظهر رائع"، أحد تلك الوجوه التي فتنته، والتي - وفقاً لفازاري- " قد يتبعها طوال اليوم ليرسمها"؟ حتى الوصفة الإيطالية أسفل الرسم مثيرة للجدل، فهي باهتة لحد الطمس، فهل تصفه كصورة شخصية له في عمر متقدم؟ أم مجرد رسم "أنشأه في سن متقدمة"؟ ولكن مثل الكثيرين غيري، أظل مؤمناً بها كصورة قوية وراسخة له في أواخر حياته – النظرة "التقليدية": مثل الرأي القائل بأنّ الموناليزا هي السيدة ليزا. الصفحة رقيقة وطويلة بشكل غير عادي، والرسم ربما كان مقتطعاً من الجانبين، يكاد يفقد شكل الكتفين.  وفي الحقيقة هما واضحان تماماً، في خطوط أفقية الزوايا على جانبي الرأس، تكاد تكون في مستوى الفم، عند رؤيتها يدرك المرء أنّ الصورة الساخرة لرسم تورين ليست هي الشخصية الواقفة الآمرة التي يبدو عليها الآن، ولكن الرجل المسن محدودب الظهر، قد حناه ثقل السنوات: ما زال جليلًا لكنه ضعيف أيضاً. لقد كاد يصبح ذلك الشخص صاحب الانحناء المتدرج المرسوم في فيلا ميلزي قبل خمس  سنوات، جالساً على صخرة، يراقب لعب النهر في جريانه ماراً به. 
جاء معاصراً لبورتريه تورين الذاتي الرسم المسكون بالطبشور الأسود في ويندسور والمعروف بالسيدة المشيرة [the Pointing Lady] (صفحة 501)، والذي ارتبط في بعض الأحيان بماتيلدا في مسرحية المَطْهَر لدانتي- وهي شخصية ناعمة رومانسية تعصف بها الرياح في أحد الشواطيء، محاطة بالزهور الطويلة. يدعو مارتن كيمب "الديباجة العاطفية لرسومات الطوفان"، "تحولاً" موعوداً " إلى عالم السكينة التي توصف أكثر منها انبعاثاً في عالم الدمار الطبيعي".  لقد التفتت إلى الوراء ناحية المتفرج- تستدير، بحسب تعبير دانتي، " مثل امرأة ترقص"- لكن يدها اليسرى تشير بعيداً عنّا في أعماق الصورة، مشيرة إلى شيء ما لا نستطيع رؤيته.
 
 
------------------------------------------------
 ليوناردو دافنشي: رحلات العقل
تأليف: تشارلز نيكول
ترجمة: أميمة حسن قاسم
محاولة استعادة شيء من ليوناردو الإنسان هي مهمة هذا الكتاب- ذلك هو، ليوناردو الإنسان الحقيقي، الذي عاش في وقت حقيقي، وأكل أطباقاً حقيقية من الحساء، مقابل ليوناردو الرجل الخارق، متعدد التخصصات.
بتكليف ورعاية من الشاعر الإماراتي محمد أحمد السويدي، وبدافع من حب المعرفة والسعي لنشرها  قامت القرية الإلكترونية بتوفير هذه النسخة من كتاب ليوناردو دافنشي: رحلات العقل | تأليف: تشارلز نيكول | ترجمة: أميمة حسن قاسم
وسوف نقوم بنشرها على حلقات تباعاً هنا في جوجل بلس نأمل أن تحوز إعجابكم وأن تكون مساهمة في #نشر_المعرفة
صفحتنا الرسمية في فيس بوك :
منصتنا في جوجل بلس لمتابعة باقي مشروعاتنا 
https://plus.google.com/+HisExcellencyMohammedAhmedAlSuwaidi?hl=ar
(جميع الحقوق محفوظة)

      ليوناردو دافنشي: رحلات العقل 6-آخر الرحلات إلى فلورنسا   طرفة البابا اللطيفة تلك حول عادات عمل ليوناردو خلفت مرارة في الحلق لم تزل: " comincia a pensare alla fine' لقد بدأ يفكر في النهاية. في يوم 8 أكتوبر 1515 انخرط ليوناردو في أخوية القديس يوحنا للفلورنسيين، والتي لديها مقر في الضفة الأخرى لنهر التيبر من الفاتيكان. وربما فعل ذلك لعدة أسباب: عودة حسه بذاته كفلورنسي، لمسة دينية متأخرة، ورغبة لتأمين دفنه بصورة محترمة. كان الدفن واحدًا من مجالات عمل هذه الجمعيات أو الأخويات- لقد كانت "confranita della buona morte"، تقدم المساعدة المتبادلة في حالات المرض وتنظيم الجنائز في حالات الوفيات. وقد كان اختياره موثقاً في سجل الأخوية، وكالعادة لا يخلو من تلك السمات الغريبة إلى حد ما: الراهب المبتديء ليوناردو دافشني، رسام ونحات، تم اختياره من قبل اللجنة بأغلبية ثلاث حبات فاصوليا سوداء، ثم تم التصويت على دخوله بالإجماع بأغلبية 41 حبة فاصوليا سوداء وحبتين بيضاوين. لقد قدمه إلينا المعلم جياكوبو الطبيب، والذي كان ضامناً له فيما يخص رسوم الدخول. وفي ملاحظة أحدث وغير مؤرخة في سجل الحسابات اقترح رئيس الأخوية إلغاء عضوية ليوناردو "لمنحه يوماً طيباً" "mettere nel buondi" لأنّه لم يدفع رسوم الدخول في الوقت المحدد.  ربما كان عجز ليوناردو عن دفع رسومه يعزى إلى ظروفه أكثر منه إلى تغيير رأيه، لأنّه غادر في هذا الشهر – أكتوبر من عام 1515- روما كعضو في الحاشية البابوية، متجهاً صوب فلورنسا وبولونيا، حيث يُزمع انعقادُ لقاء تأريخي بين البابا والملك الفرنسي الجديد فرانسوا الأول ( الذي انتصر مؤخراً على ما تبقى من حكم آل سفورزا في ميلانو في معركة مارينيانو):  لقاء القوى العظمى الذي ينبغي أن يضمن تحالفهم- وكذلك وصفه البابا ليو- بحقبة جديدة من "السلام للمسيحية".  الطرفة المحرجة، الدراسات الممنوعة: كان لليوناردو علاقة طيبة مع البابا الذي كان يتميز بحدة القريحة وامتلاء الجسم بخلاف جوليانو المثالي. لكنه كان جزءاً من الحاشية في هذه الزيارة البابوية، وهو سعيد لحد كبير لتواجده خارج روما لفترة من الزمن.  لقد قصدوا أولاً ميناء سيفيتافيكيا القديم. وكان ليوناردو على الأرجح قد كتب بعض الملاحظات حول المرفأ العتيق في هذه المناسبة: " 4 أذرعة طولاً وذراعان ونصف عرضاً وذراعان وربع عمقاً: هذه هي الأحجار التي تقف في الأجزاء الأمامية من حاجز الأمواج في مرفأ سيفيتافيكيا."  لم يخبُ وميض فضوله على الرغم من نكسات هذه السنة. لقد وصل سيرك البابا إلى فلورنسا في يوم 30 نوفمبر، في موكب نصرٍ للبابا الفلورنسي. وكان من بين من شهدوا تلك الاحتفالات الصيدلاني لوكا لاندوكشي: " خرج جميع أعيان المدينة في مسيرة لمقابلته، وكان من بين الآخرين حوالي خمسين شاباً، أغناهم وأنبلهم لا غير، يرتدون حلة من القماش القرمزي بياقات من الفرو، يسيرون على أقدامهم، وعلى معصم كل واحد منهم حلية فضية- ما أجمله من منظر."  مرت المسيرة من خلال قوس نصر رباعي الواجهات، واحد من الهياكل المعمارية المؤقتة التي شيدت من أجل المناسبة. وقد قام ليوناردو بأعمال الرسم الخاصة بها، وعلى رأس الورقة ثلاث كلمات بخط ميلزي :"Illustrissimo signor magnifico" – أي جوليانو دي ميديتشي، الذي يلتقي به ليوناردو هنا.  ومن ضمن المشاريع الضخمة التي خطط لها المتحدثون الرسميون للبابا؛ كانت دعوة الفنانين والمعماريين لمناقشة التجديد الحضري لفلورنسا، وعلى وجه التحديد مقر آل ميديتشي- المنطقة المحيطة بقصر ميديتشي القديم في الشارع الكبير، وكنيسة القديس لورينزو وما تشتمل عليه من معابد لآل ميديتشي. وقد أُحيط الرسامون والنحاتون والمعماريون والحفارون على الخشب، ومهندسو الديكور، علماً بنوايا البابا. وقد نصبت واجهات كاذبة جديدة أمام كنيسة القديس لورينزو والكاتدرائية على هيئة نماذج خشبية بالحجم الكامل. وقد تم توثيق أفكار ليوناردو الخاصة بالواجهة الجديدة لكنيسة القديس لورينزو في رسم موجود بأكاديمية البندقية. ولكنه لم يكن سعيداً بعمل الواجهة فقط، ولكنه تخيل تحولاً كاملاً للمباني المحيطة، بزيادة في طول وحجم الساحة المجاورة كخلفية تصويرية للكنيسة التي تم تجديدها. وهنالك رسم تمهيدي لخطة أخرى تعتمد على هدم مربعات كاملة من المنازل أمام الكنيسة، وساحة طويلة تمتد إلى الشارع الكبير، حيث تم تحويل الجدار الجانبي لقصر ميديتشي إلى واجهة تقابل الساحة.  عليه فإنَّ رسوم ليوناردو التمهيدية تبين مساحات واسعة من الدمار في الشوارع القديمة ومراتع صباه، وهي عبارة عن دراسات عملية ومعمارية. لكن قد يشعر المرء أنّ ليوناردو يستمتع أكثر بكونه أحد رواد العصرنة المديتشية: "معلم مدمّر" مثل صديقه برامانتي. أثناء الاسبوع الذي أمضاه البلاط البابوي في فلورنسا، ترأس ليو العاشر مجلس الكرادلة الكنسي في قاعة المجلس في القصر القديم، حيث الجزئية الرائعة من معركة الانغياري بيد ليوناردو ما زالت تغازل الأعين. وقد كان ليوناردو حاضراً على الأرجح. وعقب ذلك بأربعين عاماً كلّف دوق آل ميديتشي العظيم كوزيمو الأول جورجيو فازاري برسم دائرة هائلة من الجصيات التي تغطي الحوائط اليوم- بيد أنّها مثيرة للجدل بسبب الوجود الشبحي لجصية الانغياري تحتها- وكان من ضمن المشاهد التي اشتملت عليها تلك اللحظة في حياة الأسرة الحاكمة عندما جلس البابا الذي ينتمي إلى عائلة ميديتشي في منصب في مركز فلورنسا السياسي. وفي خلفية المشهد قام فازاري بتضمين مجموعة من أربعة رجال وصفهم كالتالي:  لقد رسمت بالحجم الكامل حتى يتسنى التعرف عليهم هنالك في خلفية اللوحة تمييز لرتب المجلس، الدوق جوليانو دي ميديتشي، والدوق لورينزو حفيده مع اثنين من أعظم العباقرة في عصرهما، الرجل العجوز صاحب الغرة من الشعر الأبيض الملتف على هيئة حلقات هو ليوناردو دافنشي معلم الرسم والنحت الكبير، والذي يظهر وهو يتحدث إلى الدوق لورينزو واقفاً بالقرب منه، والآخر هو مايكل بوناروتي.  لقد قامت هذه المجموعة الصغيرة بالإصلاح بين الفنانين، تحديداً هنا في القصر القديم حيث بدأت منافستهما، واحتفي بهما كنجمين توأمين في الفن تحت رعاية آل ميديتشي. كانت لوحة وجه ليوناردو نمطية- وقامت على رسم ميلزي الجانبي لليوناردو الذي رآه فازاري في فابريو - ولكنه كان يحمل شيئاً من الذاكرة الشعبية لآخر زيارة لليوناردو لفلورنسا. وفي حوالي يوم 7 ديسمبر عام 1515 كانت مسيرة البابا تحث الخطى صوب بولونيا. هنا تشاور البابا وفرانسوا الأول، وهنا التقى ليوناردو للمرة الأولى راعيه الأخير والأكثر إخلاصاً. كان الملك الجديد في الحادية والعشرين من العمر، طويل القامة إلى درجة واضحة، ذا شخصية ساحرة، بثقته التي ترتفع عالياً بعد أن أعاد توجيه مرتزقة سفورزا السويسريين صوب المارينيانو. لقد كانت له أنف هائلة الحجم، وسمعة  أخلاقية تليق به " لقد كان فاسقًا وكان يستمتع بدخول حدائق الآخرين لشرب مختلف أنواع المياه"، وبحسب تعبير انطونيو بياتيس  كان شعاره "أنا من أوقد النار وأنا من أطفؤها". كان الملك يعرف ليوناردو العظيم بلا شك من خلال اللوحات التي ثُمنت غالياً من قبل صهره والد زوجته لويس الثاني عشر، والعشاء الأخير التي شوهدت بلا شك في ميلانو المستعادة، وذلك الأسد الآلي القوي الرائع الذي عُرض أمامه في احتفالات نصر يوليو بمدينة ليون. ووجد ليوناردو نفسه مرة أخرى ينجذب تجاه الفرنسيين، الأمر الذي قد يعني بالنسبة له رعاية تحت ظل حاكم سيادي ليس في مقدور إيطاليا التباهي بمثلها، وأيضاً نوعًا من التقدير الراقي الذي لم يحظ به من أسياده الإيطاليين. ومن بين الحاشية الفرنسية في بولونيا كان هنالك آرتوس بويسيف، وفي الرابع عشر من شهر ديسمبر رسم له ليوناردو صورة شخصية بالطبشور الأحمر، شرحها ميلزي قائلاً، " لوحة للسيد آرتوس حاجب الملك فرانسسكو الأول، في اجتماع مع البابا ليو العاشر."   غادر البابا بولونيا في السابع عشر من ديسمبر، منزعجاً إلى حدٍ ما من سلوك فرانسوا المستبد، وقد خفف من حدة شعوره منحة ملكية من الدوقية إلى جوليانو دي ميديتشي الذي أصبح دوقاً على نيمور. ولكن جوليانو لم يهنأ باللقب الجديد طويلاً، فقد توفي من أثر السل بعد ذلك بثلاثة أشهر، في السابع عشر من شهر مارس عام 1516 في عمر يقارب السابعة والثلاثين.  ثم لبث ليوناردو قليلاً في روما لبضعة أشهر، يكتنف الغموض والتكتم أعماله، تسير حياته مرة أخرى على ما يرام. تحمل بعض القياسات المتعلقة بكنيسة سان باولو فيوري تأريخ 1516: إنّها آخر ذكر لليوناردو في إيطاليا.   7-المعلم لينارد من المؤكد أنّ ليوناردو كان قد اتخذ قراره بالسفر إلى فرنسا بحلول صيف عام 1516، بما أنّه قد خبر جيداً مغبة عبور الألب بعد الخريف. ليس هناك ضمن المستندات الناجية ثمة استدعاءات ولا التماسات: لا مراسلات دبلوماسية، ولا جواز سفر. لم يكن اللقاء مع الملك في بولونيا ووفاة جوليانو دي ميديتشي سوى إرهاص، ثم جاء القرار بين عشية وضحاها، في وقت ما من شهر أغسطس أو سبتمبر، في عمر الرابعة والستين انطلق ليوناردو في أطول رحلة في حياته.  ربما توقف في طريقه بمدينة ميلانو، فسالاي ما زال هناك، يعتني بالمنزل وحقل العنب الذي أصبح مقاطعته، والذي سوف يؤول إليه رسمياً بحسب وصية ليوناردو.   ومن ميلانو وبرفقة مبعوثين من الملك، اتجه ليوناردو شمالاً صوب الجبال يصحبه  ميلزي والخادم الميلاني المدعو باتيستا دي فيلانيز. وتقول إحدى الفقرات في مخطوطة اتلانتكس، والتي ربما كتبت أثناء الطريق: نهر آرنو في جنيفرا، حوالي ربع ميل باتجاه سافويا حيث يقام المعرض."  وبنهاية السنة كان قد استقر في وادي اللوار، بالقرب من قلعة امبواز الملكية، في خدمة الملك الفرنسي، و نفقة سخية تبلغ 1000 سكودي سنوياً. وهنالك تفويض أو سجل لسداد معاش عامين في السجل الوطني بباريس: " A Maistre Lyenard de Vince, painter ytalien, la somme de 2000 ecus soleil, pour sa pension di celles deux annees.'  في الوثيقة ذاتها عيّن ليوناردو "رساماً للملك" paintre du Roy"".   فرانسوا الأول ملك فرنسا 1515-1520   المنزل الصغير في كلوز (الآن كلو لوسي) كانت علاقته بالملك فرانسوا وطيدة. كان الملك الشاب مبهوراً، ومفتوناً وبالغ السخاء. وبعد سنوات عدة، نقل النحات الفلورنسي بينفينوتو سيلليني هذه الذكريات عن فرانسوا نفسه، والذي كان هو أيضاً في خدمته:  لأنّه كان رجلاً ذا مواهب عظيمة ومتعددة، ولديه معرفة باللغات اللاتينية والإغريقية، كان الملك فرانسوا مفتوناً بالكامل [inamorato gagliardissimamente]  بفضائل ليوناردو الرائعة هذه، وقد كان يستمتع أيما استمتاع بالاستماع إليه حتى إنّه لم يكن يفارقه سوى بضعة أيام في السنة، الشيء الذي لم يستطع معه ليوناردو إكمال دراساته الإعجازية للنهاية مع هذا الالتزام. ولا أستطيع دفع رغبتي في إعادة الكلمات التي سمعت الملك يقولها في حقه. لقد قال إنّه لا يستطيع تخيل أنّ هنالك رجلًا غير ليوناردو في هذا العالم قد نال من العلم ما ناله ليوناردو، وليس فقط في النحت والتلوين والمعمار بل إنّه كان فيلسوفاً عظيماً أيضاً."  ربما لم تكن المنحة السخية هي أهم هدايا الملك، ولكن المكان الذي يقيم فيه. كان آخر عناوين ليوناردو هو قصر مالك عزبة كلوز (الآن كلو لوسي)، يبعد نصف ميل جنوبي سرايا امبواز الكبرى. وقد كان جديداً آنذاك، شيّد في أواخر القرن الخامس عشر على يد إستين ليلو، حاجب الملك لويس الحادي عشر. ومن بين من عاشوا فيه كان الكونت ليغني الذي عرفه ليوناردو في ميلانو عام 1499. وقد بني هذا المنزل من الطوب الأحمر وحجر التوفا المسامي الرمادي. وهو يقف على أرض لطيفة الانحدار، وراء جدار حامٍ به برج مراقبة ومنصة مدفع صغيرة ظلت من أيامه كمنزل محصّن. وفي داخل الجدار الواقي بهو علوي طويل على هيئة عريشة. وإلى الشمال من المنزل اسطبلات تصطف على شكل حرف L اللاتيني، وورش تحيط بالفناء من الجهة الثالثة. وعلى الجانب الرابع إلى الغرب تنحدر الأرض بحدة. هنا يقع المطبخ والحديقة، وأسفلها بركة مكسوة باللون الأخضر. كان المنزل أصغر مما هو عليه الآن- الغرف إلى جهة الغرب من البرج المركزي ذي الراس المدبب تعود إلى القرن الثامن عشر- ولكن تخطيط الجزء الأوسط منه لم يتغير على الأرجح منذ أيام ليوناردو. الباب الأمامي الرئيسي بمواجهة الجنوب يؤدي إلى كنيسة صغيرة، بنيت من أجل آن دي بريتانج، زوجة تشارلز الثامن.  وفي الطابق السفلي نجد قاعة واسعة، حيث يتناول أهل المنزل طعامهم، ويتم استقبال الزوار، وبجانبها المطبخ، بأرضه المكسوة بالتراكوتا، ومجموعة الطبخ والحلقات الحديدية في العارضة الخشبية لتعليق اللحوم والطرائد. إلى اليمين من الباب الرئيسي درج واسع. وقد خصص الطابق الأعلى لبناء غرفتين كبيرتين. يقال إنّ مرسم ليوناردو في الغرفة التي تعلو قاعة الطعام. والنافذة التي تواجه الشمال الغربي، تشرف على منظر أبراج وقباب القصر، والأشجار وحس الفراغ عند النهر- يمكن رؤية المنظر ذاته في رسم لطيف بالطبشور الأسود في ويندسور- بيد ميلزي على الأرجح.  ويقال إنَّ الغرفة العليا المحاذية للمطبخ كانت حجرة نوم ليوناردو، ويحتمل أنّها الغرفة التي شهدت وفاته. كان المنزل مريحاً ومنعشاً وحسن الموقع. وما في سعته من بهجة يفوق ما له من فخامة ومهابة. حتى أبراجه ذات القمم المدببة كانت لا تخلو من حس لعوب، تحاكي في نقوشها منظر القصر في نهاية الطريق. المدفأة الهائلة الحجم، وكتل الصنوبر، وضوء تورين الرقيق على النوافذ، الهالة الخافتة للدخان الخشبي القديم- يقتنع المرء أنَّ ليوناردو شعر بالراحة والسكينة في هذه السنوات الأخيرة. مع المنزل جاءت ماتورين ربما كطباخة أو كمدبرة. وقد كانت تدعى ماتورينا، في الإشارة الوحيدة لها، في وصية ليوناردو: لكنْ النسخة الناجية من الوصية كانت باللغة الإيطالية، والتي تمت فيها طلينة الأسماء الفرنسية، وهي على الأرجح من مواطني المدينة وليست إيطالية( بالطبع مالم تتحول الكريمونا مع تقدم السن إلى لا ماتورينا). وفي الكتب الفرنسية عن ليوناردو- والتي يوجد منها إرث طويل ومشرّف- كانت تدعى ماثورين، وقد كان الطعام في السنوات الأخيرة من عمر ليوناردو بلا شك فرنسياً.  وهنا يشرع مرة أخرى لتنظيم مخطوطاته ورسوماته، وينتج المزيد منها، على الرغم من أنَّ بياتيس يخبرنا أنّه لم يعد يرسم. وكما هو الحال دائماً هنالك الكتب التي يريدها منسوخة بخط ميلزي: "Egidius Romanus, De informatione corporis humani in utero matris  [حول تشكل الجسم الإنساني في الرحم]"، والذي تم نشره في باريس عام 1515، و"Rugieri Bacon in a  في إصدارة مطبوعة". - تحدث عالم الاجتماع الإنجليزي العظيم روجر باكون، شخصية ليوناردية من أكسفورد القرن الثالث عشر، عن إمكانية الطيران البشري. كان يُرى في الأيام الصافية في المدينة، أو عند النهر، يرسم تيارات اللوار- أو- كما يكتبها "Era" بينما تعبر إلى امبوزا".  لم تكن تهجئاته سليمة. فالمغترب، كما قيل، هو أجنبي في بلدين: الأول الذي يعيش فيه والثاني الذي تركه وراءه. 8- الكاردينال ينادي إنّه الخريف في وادي اللوار، أنسب وقت للزيارة. يصل في بدايات شهر اكتوبر من عام 1517 وفد متميز من السُّواح الإيطاليين إلى الامبواز. لقد كان الكاردينال لويجي الآراجوني حفيداً لملك نابولي، ونسيباً لإيزابيلا الآراجونية وجارة ليوناردو السابقة في المحكمة القديمة في ميلانو. لقد كان رجلاً ذا وجه رقيق، في بداية الأربعينيات: ربما كان له بورتريه بريشة رفائيل في البرادو في مدريد. لقد ناور للوصول إلى كرسي البابوية بعد وفاة يوليوس الثاني في 1513، ورغم أنَّ آماله تبددت بانتخاب ليو العاشر، إلا أنّه ظلّ قريباً من ليو- شجعه في الغالب ظنّه بأنّ البابا سيجعله ملكاً على نابولي. وربما قابله ليوناردو في روما، حيث كان يعرف بالمبالغة في إكرام ضيوفه، وجمال عشيقته، المومس جوليا كامبانا، والتي أنجب منها ابنته، توليا. وهنالك تهمة أكبر خطراً تلوح حوله: أنّه أمرّ بقتل صهره انطونيو دا بولونيا، وربما أخته جيوفانا أيضاً، دوقة أمالفي، التي اختفت بصورة غامضة في بدايات عام 1513. وليس من المستبعد أن يكون ليوناردو على علم بشيء ما من هذا الأمر أيضاً، إذ أنَّ أنطونيو دا بولونيا كان في ميلانو في عام 1512، وقد قتل هناك في السنة التالية. وقد أعيدت الرواية على نطاق واسع من خلال مآساة جون ويبستر اليعقوبية دوقة مالفي. والتي يظهر فيها لويجي " الكاردينال" في دور شرير، وقد كتب ويبستر مسرحيته بناءً على النسخة الإنجليزية من رواية لماتيو بانديلو، الصبي الذي راقب ليوناردو يعمل على لوحة العشاء الأخير.   كان الكاردينال في طريق عودته إلى الديار بعد رحلة أوربية مطولة، وفي باله أن يبعد نفسه من مؤامرة أحيكت ضد البابا ليو السنة الماضية، كما كان أيضاً يود مقابلة ملك اسبانيا الجديد تشارلز الخامس، وفعل ذلك في ميدلبيرغ، على ساحل هولندا. وقد راقب العملاء الإنجليز عن كثب وبلغوا الكاردينال ولسي عن وصول مختال أراجون إلى بلاط تشارلز في حاشية من أربعين خيال، وعباءته تلتف حول كتفيه بإهمال، وسيفه مشدود إلى جانبه: " أيها المنّعم لك أن تخمن أي نوع من الرجال هو.. فمهنة الكاردينال المذكورة هي أقرب لسيد علماني منها إلى الروحانية."  عليه فقد توجه الكاردينال جنوباً عبر الأراضي الفرنسية. ومن بين الوفد المسافر معه كاهنه وأمين سره أنطونيو دي باتيس، والذي صارت مفكرة سفره الحافلة مرجعاً لما سيأتي.    بورتريه رفائيل لكاردينال، يرجح أنّه لويجي الآراجوني في التاسع من شهر أكتوبر كانو في تور(Turso)، ومنها – بعد غداء باكر، استأنفوا المسير إلى امبواز، " مسافة سبعة فراسخ". ويجدها بياتيس "بلدة صغيرة حسنة الإدارة ذات موقع ممتاز". وأُنزلوا في القصر على "ربوته"، إنها "ليست محكمة التأمين، لكن الغرف مريحة والمنظر رائع". في اليوم التالي، العاشر من أكتوبر، ذهبوا إلى "واحدة من ضواحي" البلدة "لرؤية السيد ليوناردو فينشي الفلورنسي". ونكاد نشعر بأنّ ليوناردو كان مصدر جذب سياحي آخر ليقصده الكاردينال. وشهادة بياتيس المفعمة بالحياة رغم اقتضابها عن زيارتهم إلى كلو لوسي؛ هي آخر لقطاتنا عن ليوناردو. وتبدأ بخطأ: فقد وصف ليوناردو بأنّه "رجل مسن تجاوز السبعين من عمره"، الشيء الذي قد يبدو سياحياً للوهلة الأولى- مبالغة قد تجعله أكثر مهابة حتى على الصعيد الشكلي- بيد أنّها يمكن أيضاً أن تعتبر شهادة عيان بأنّ ليوناردو كان يبدو أكبر مما هو عليه فقد كان (في الخامسة والستين). وتستمر الرواية: لقد عرض على سيادته ثلاث لوحات، واحدة منها لسيدة فلورنسية، رسمت لها مباشرة بإيعاز من الراحل الرائع جوليانو دي ميديتشي، وأخرى ليوحنا المعمدان في صباه، والأخرى للسيدة العذراء والطفل في حجر القديسة حنّا، وجميعها كاملة جداً، وهي عبارة قد تعني أنّها ]"مكتملة تماماً"]. على أية حال لا يمكننا توقع عمل آخر عظيم منه، إذ أنّه الآن مصاب بنوع ما من الشلل في يده اليمنى. ولقد قام بتدريب تلميذ ميلانيّ يتقن عمله. وبينما لم يعد المعلم يستطيع التلوين بتلك العذوبة التي عهدناها، فإنّه قادر على إنشاء الرسومات وتعليم الآخرين. لقد كتب هذا السيد الكثير حول التشريح، برسومات إيضاحية لأجزاء الجسم، مثل العضلات والأعصاب والأوردة والتفاف الأمعاء، وقد سهّل بذلك فهم أجساد كل من الرجال والنساء بطريقة لم يسبقه إليها أحد. جميع هذا رأينّاه بأمّ أعيننا، وقد أخبرنا أنّه قام بالفعل بتشريح أكثر من ثلاثين جسداً من الرجال والنساء في جميع الأعمار. وقد كتب أيضاً بحسب كلماته هو كتباً لا حصر لها عن طبيعة المياه، ومختلف أنواع الآلات، وأشياء أخرى، جميعها باللغة الدارجة، وإن خرجت للنور فسوف تكون مفيدة ومبهجة في آن. بجانب نفقاته وإقامته فهو يحصل من ملك فرنسا على معاش يبلغ 1000 سكودي في العام، بينما يحصل تلميذه على ثلاثمائة.  ويحدّق المرء في هذه الصفحة، كما لو أنّه يراها عبر عدسة مكبرة، محاولاً التقاط آثار الحقيقة التوثيقية، إنّها نشوة الحضور. الجانب الآخر لهذا النص هو أولئك الأشخاص الذي كانوا معه بالفعل- " لقد رأينا جميع هذا بأمّ أعيننا": حكمة. بعد الترحيب في الصالة أسفل الدرج، قدمت ماثورين المرطبات، وتلا ذلك  فاصل ديني قصير في الكنيسة الصغيرة- لأنَّ هؤلاء الزائرين العلمانيين جداً هم رجال الدين- وقد صعدوا الدرج إلى قدس الأقداس الداخلي لمرسم ليوناردو، حيث الضوء الخريفي الذي تقويه الشموع، وهاهم يصغون إليه الآن بينما يصف لهم ويشرح، مستخدماً ما قد يعتبره المرء مزيجاً من اللطف الفطري والفظاظة الرزينة. وبينما ينظرون إلى الموناليزا يخبرهم شيئاً ما، ليس بكثير. إنّها سيدة فلورنسية، لقد رسمها بطلب من – لا بإلحاح: instantia- من الراحل جوليانو الرائع. ونظروا إلى العذراء والطفل والقديسة حنّا وما يكتنفها من مزاج رقيق، والقديس يوحنا الشّبِق، ثم خرجت الصفحات العظيمة من رسومات التشريح، قُلبت الصفحات بيد ميلزي المساعد الذي لا غنى عنه، وللحظة ما شعروا برعشة تسري في أجسادهم إذ يقتربون من هذا الرجل العجوز ذي الملامح الودودة الذي قطعت يداه الجثث وانتزعت الأمعاء- " أكثر من ثلاثين جسداً لرجال ونساء في جميع الأعمار": لحظة بوح. حظيت هذه الأعمال الفنية التشريحية بأهمية خاصة لدى بياتيس باعتبارها شيئاً فريداً، " لم يسبقه عليها أي شخص من قبل"، وربما كان هذا تعبيراً عن التقدير أو مما أوحى به ليوناردو على أية حال بينما كان يتحدث إلى الضيوف.  هنالك كتب أخرى- حول المياه، والآلات. يذكر بياتيس أنّ هذه الكتب "بالعامية"، ويجب أن "تخرج إلى النور" ويفترض أنّه يعني أن تُنشر- ولكنه لم يذكر السمة الأكثر غرابة فيها. هذا نقص عجيب: كتابة ليوناردو المرآتية لم تكن شيئاً معروفاً على نطاق واسع، وبالتالي فهي شيء يجدر ذكره، عليه فلابد أن يتساءل المرء هنا إن كان بياتيس قد رأى بالفعل أي شئٍ منها.  ربما عرُضت أوراق وصفحات معينة على الزوار: الأعمال المنفذة بإتقان؛ فليوناردو رجل مخضرم: لقد استقبل مرسمه مئات الزيارات. إنّه يثير درجة من عدم الرضا، لكنه يُري الناس ما يريدهم أن يروه فقط، وما تبقى يظل نوعاً من أرض العجائب البعيدة المنال، تشير إليها موجة سميكة عريضة من خطه الجميل: المخطوطات والمفكرات، والكتب والكتيبات المبعثرة على طاولات وأرفف مرسمه- " كما عبر عنها هو نفسه، كتب لا حصر لها". ويسمع المرء مزيجًا منسجماً من الاعتداد بالنفس والسخرية منها، التعبير الذي وصل إليه، ممتع في توريته، تكاد تكون هي الجملة الرئيسية، بينما يتأمل هو حمولة الأوراق والحبر التي اكتنزها، والعدد الذي لا يحصى من الأبحاث والاستقصاءات والمساحات المستحيلة التي ينبغي على العقل الطيران ليحيط بها. "عدد لا حصر له من الكتب" وميلزي الشاب الذي سيعبر عن حبه لليوناردو من خلال مهنة تنظيمية على مدى نصف قرن من الزمان أو يزيد، ويبتسم بأسى لسماعه هذه الكلمات. لقد أمضى الزوار وقتهم، وابتهجوا، وظل بياتيس الشكلاني يكتب مذكراته ذلك المساء(أو يفترض المرء ذلك: المخطوطة التي تنجو وتصبح النسخة أو المخلص، الذي كتب في وقت ما بعد تأريخ آخر إدراج، 31 أغسطس 1521). ويتقدمون في اليوم التالي باتجاه قلعة ملكية أخرى، بلوا [Bles]، ورؤية "بروتريه من الطبيعة بألوان الزيت لسيدة من اللومباردي، وهي جميلة جداً لكنها في رأي ليست أجمل من السينيورا غوالاندا". من الجائز أنَّ هذه اللوحة هي بورتريه بريشة ليوناردو لوكريزيا كريفيللي، وهي معلقة الآن في اللوفر، وربما نُقلت إلى قصر لويس الثاني عشر في بلوا في وقت ما بعد استيلاء الفرنسيين على ميلانو عام 1499. وربما لم تكن بعد قد اكتسبت لقبها المضلل "La Belle Ferronniere". كانت إيزابيلا غوالاندا جميلة نابولية شهيرة، وصديقة للشاعرة كوستنازا دافالوس، فهي ليست النموذج "الحقيقي" للموناليزا، وإلا لكان بياتيس قد قال ذلك عندما رأى اللوحة في اليوم السابق.  بالطبع يود المرء أن يهزّ أنطونيو من كتفيه ليعرف المزيد منه: كل ما رآه وشعر به وعرفه وعجز عن ذكره. هل كان ليوناردو ما زال طويلاً أم "تقلص" طوله؟ هل كان صوته ذلك الصوت الرخيم الذي غنى ذات مرة على أنغام القيثارة- هل كان جهورياً أم مرتعشاً؟ يريد المرء أن يسأل لماذا يجب أن يكون المقصود بالعبارة أنَّ المعلم الأعسر قد لا يرسم مرة أخرى. هل هنالك أي نقص عام مشار إليه في الجملة التالية- أنّه لا يستطيع "التلوين بتلك العذوبة التي عهدها"- ينطوي على قصور في الأسلوب أكثر منه على إعاقة جسدية؟ ما الشيء الذي عجز بياتيس عن ذكره  ويمكن معرفته بالنظر مرة أخرى إلى الصورة الشخصية بالطبشور الأحمر الموجودة في بيبليوتيكا ريالي في تورين، والتي ينبغي أن تكون صورة لليوناردو حوالي ذلك الوقت- رجل في أواسط الستينيات- ولكنه يبدو، كما يقول بياتيس أشبه "برجل عجوز تجاوز السبعين". إنّه في نظر المخيلة الشعبية صورة ذاتية تعريفية لليوناردو، وأنّها رسخته في ذلك المزاج الكهنوتي في أذهاننا. هنالك شكوك بين بعض مؤرخي الفن، الذين يشعرون أنَّ الأسلوب والبيئة يشيران إلى تأريخ أقدم. هل يحتمل أن يكون رسماً لوالده، ليس بوقت طويل قبل وفاة سير بيرو في 1504، أو إلهاً قديماً أو فيلسوفاً من زمن دراسات ليدا، أو ببساطة رجلًا عجوزًا ما "ذا مظهر رائع"، أحد تلك الوجوه التي فتنته، والتي - وفقاً لفازاري- " قد يتبعها طوال اليوم ليرسمها"؟ حتى الوصفة الإيطالية أسفل الرسم مثيرة للجدل، فهي باهتة لحد الطمس، فهل تصفه كصورة شخصية له في عمر متقدم؟ أم مجرد رسم "أنشأه في سن متقدمة"؟ ولكن مثل الكثيرين غيري، أظل مؤمناً بها كصورة قوية وراسخة له في أواخر حياته – النظرة "التقليدية": مثل الرأي القائل بأنّ الموناليزا هي السيدة ليزا. الصفحة رقيقة وطويلة بشكل غير عادي، والرسم ربما كان مقتطعاً من الجانبين، يكاد يفقد شكل الكتفين.  وفي الحقيقة هما واضحان تماماً، في خطوط أفقية الزوايا على جانبي الرأس، تكاد تكون في مستوى الفم، عند رؤيتها يدرك المرء أنّ الصورة الساخرة لرسم تورين ليست هي الشخصية الواقفة الآمرة التي يبدو عليها الآن، ولكن الرجل المسن محدودب الظهر، قد حناه ثقل السنوات: ما زال جليلًا لكنه ضعيف أيضاً. لقد كاد يصبح ذلك الشخص صاحب الانحناء المتدرج المرسوم في فيلا ميلزي قبل خمس  سنوات، جالساً على صخرة، يراقب لعب النهر في جريانه ماراً به.  جاء معاصراً لبورتريه تورين الذاتي الرسم المسكون بالطبشور الأسود في ويندسور والمعروف بالسيدة المشيرة [the Pointing Lady] (صفحة 501)، والذي ارتبط في بعض الأحيان بماتيلدا في مسرحية المَطْهَر لدانتي- وهي شخصية ناعمة رومانسية تعصف بها الرياح في أحد الشواطيء، محاطة بالزهور الطويلة. يدعو مارتن كيمب "الديباجة العاطفية لرسومات الطوفان"، "تحولاً" موعوداً " إلى عالم السكينة التي توصف أكثر منها انبعاثاً في عالم الدمار الطبيعي".  لقد التفتت إلى الوراء ناحية المتفرج- تستدير، بحسب تعبير دانتي، " مثل امرأة ترقص"- لكن يدها اليسرى تشير بعيداً عنّا في أعماق الصورة، مشيرة إلى شيء ما لا نستطيع رؤيته.       ------------------------------------------------  ليوناردو دافنشي: رحلات العقل تأليف: تشارلز نيكول ترجمة: أميمة حسن قاسم محاولة استعادة شيء من ليوناردو الإنسان هي مهمة هذا الكتاب- ذلك هو، ليوناردو الإنسان الحقيقي، الذي عاش في وقت حقيقي، وأكل أطباقاً حقيقية من الحساء، مقابل ليوناردو الرجل الخارق، متعدد التخصصات. بتكليف ورعاية من الشاعر الإماراتي محمد أحمد السويدي، وبدافع من حب المعرفة والسعي لنشرها  قامت القرية الإلكترونية بتوفير هذه النسخة من كتاب ليوناردو دافنشي: رحلات العقل | تأليف: تشارلز نيكول | ترجمة: أميمة حسن قاسم وسوف نقوم بنشرها على حلقات تباعاً هنا في جوجل بلس نأمل أن تحوز إعجابكم وأن تكون مساهمة في #نشر_المعرفة صفحتنا الرسمية في فيس بوك : https://www.facebook.com/mohammed.suwaidi.poet/ منصتنا في جوجل بلس لمتابعة باقي مشروعاتنا  https://plus.google.com/+HisExcellencyMohammedAhmedAlSuwaidi?hl=ar (جميع الحقوق محفوظة) , Electronic Village, His excellency mohammed ahmed khalifa al suwaidi, Arabic Poetry, Arabic Knowledge, arabic articles, astrology, science museum, art museum,goethe museum, alwaraq, arab poet, arabic poems, Arabic Books,Arabic Quiz, القرية الإلكترونية , محمد أحمد خليفة السويدي , محمد أحمد السويدي , محمد السويدي , محمد سويدي , mohammed al suwaidi, mohammed al sowaidi,mohammed suwaidi, mohammed sowaidi, mohammad alsuwaidi, mohammad alsowaidi, mohammed ahmed alsuwaidi, محمد السويدي , محمد أحمد السويدي , muhammed alsuwaidi,muhammed suwaidi,,

Related Articles

ليوناردو دافنشي: رحلات العقل - 10 - البحر الكبير
ليوناردو دافنشي: رحلات العقل - 9 - مطاردة الليل
ليوناردو دافنشي: رحلات العقل - 5 - المرض،الخيانة، المرايا
ليوناردو دافنشي: رحلات العقل - 6 - آخر الرحلات إلى فلورنسا
ليوناردو دافنشي: رحلات العقل - 3 - المعمدان وباخوس
ليوناردو دافنشي: رحلات العقل - 4 - الطــــــوفان
ليوناردو دافنشي: رحلات العقل - الجزء الثامن - الأعوام الأخيرة 1513 - 1519