محمد أحمد خليفة السويدي - القرية الإلكترونية - Spreading Knowledge - محمد أحمد السويدي - محمد السويدي
Arabic    

ليوناردو دافنشي: رحلات العقل - 4 - التقنيّ


2019-05-14
اعرض في فيس بوك
التصنيف : مشروعات الترجمة

 

 

 

ليوناردو دافنشي: رحلات العقل
 
4-التقنيّ
 
إن كان توماسو ماسيني هو عامل المعادن والكيميائي المستقبلي بالفعل تلميذ أو مساعد لليوناردو في أواخر سبعينيات القرن الخامس عشر، فسوف يرتبط بجهود ليوناردو المبكرة كمهندس. ومن هذه الفترة وجدنا أولى الإرهاصات المؤكدة لليوناردو التِقَنّيّ. وهي موجودة في مخطوطة أتلانتكس وفي صفحات فازاري، الذي يصف الاهتمامات التقنية التي كان يتابعها ليوناردو بينما "لم يزل شاباً صغيراً [giovanetto]"، وهي عبارة فضفاضة لكنها تعني بالتأكيد أثناء وجوده في فلورنسا. ولكن ليس من المؤكد إن كانت أيٍّ من هذه الأفكار قد تبلورت في شكل مشروعات فعلية. 
وكما رأينا، لقد اكتسب ليوناردو معرفة مباشرة عن روافع ومصاعد برونيلسكي الرائعة في 1471، عندما كان مشتركاً في وضع الكرة فوق قمة القبة. ويبدو أنّه عاد إلى هذا الاهتمام في 1478-1480، وهو على الأرجح تأريخ تنفيذ رسومات الأجهزة الرافعة البرولينسكية في مخطوطة اتلانتكس. يذكر فازاري اهتمام ليوناردو بمعدات الرفع الثقيلة: " لقد بين كيفية رفع وسحب أوزان ثقيلة بوسائل رافعة، وروافع، وأوناش:"
والتي تناسب تحديداً مشروعاً طموحاً قام فازاري بوصفه:
من بين هذه النماذج والخطط كانت هنالك واحدة قام بعرضها عدد من المرات على علية القوم وحكومة فلورنسا، والتي تبين كيفية رفع معبد سان جيوفاني [والذي يدعى أيضاً المعمدانية] بهدف وضع درجات تحته، دون أن يتعرض لأية أضرار. وقد كانت حجته قوية حتى أن كثير من الناس اقتنعوا بإمكانية تنفيذها، إلى أن غادروا شركته، وأعادوا التفكير في الأمر وأدركوا أن ذلك كان مستحيلاً.
والفكرة ليست سيئة كما يفهم من فازاري. وقد تم إنجاز عمل مشابه – نقل برج إحدى الكنائس- قبل خمسة وعشرين عاماً، في بولونيا، بواسطة المهندس ارسطو فيورافانتي. فرفع المعمدانية كان له مزايا على الصعيدين الجمالي (ليسمو بها إلى المستوى المقابل للقبة) وعملي (لحمايتها من الفيضانات الموسمية لنهر آرنو). 
وكانت فكرة وضعه فوق درجات ما تزال حية إلى ما بعد ذلك بمئة عام، عندما نشر فينسينزو بورغيني صديق فازاري اثنين من أعمال الحفر يمثلان تصوراً لإعادة بناء المعمدانية " وقد "رفعت" ووضعت على منصة ذات درجات. 
الجهاز العجيب الذي ذكرته آنفاً "لفتح سجن من الداخل" هو تطبيق متقدم للهندسة البرونيلسكية. فرسم المخطوطة الاتلانتيكية يبين رافعة ضخمة ثلاثية الأرجل تربطها صواميل عند الزوايا، وللصامولة آلية التقاط في النهاية وهي الشيء الذي يشير إليه ليوناردو باسم "الملاقط" [tangali""]. وفي واحدة من الرسومات ظهرت وهي تقطع قضبان حديدة لنافذة ما. وربما أتت هذه الآلة تحت تصنيف العتاد العسكري، ولكنها ربما كانت تشير بالقدر ذاته إلى مذكرات ليوناردو حول السجن- "voi mi metteste in prigione"- بعد الاتهام المتعلق بجاكوبو سالتاريللي. ومن المرجح أن ذكر هذا الجهاز قد ورد في جزء غامض من حيوات فازاري ذو علاقة بحدّاد فلورنسي يدعى كابارا: " جلب له بعض المواطنين الشباب رسماً لآلة يمكنها كسر وتمزيق قضبان الحديد من خلال استخدام البراغي، ولقد طلبوا منه أن يصنعها لهم." رفض الحداد غاضباً، وكان يعتقد أنّها " جهاز لص" يستخدم "للسطو على الناس، أو هتك أعراض الفتيات الصغيرات". لقد اعتقد أن الشبان من أصل كريم ("uomini de bene")، ولكن أراد أن يربأ بنفسه عن هذه "الفعلة الشنعاء".  هل يمكن أن يكون هذا الرسم هو الموجود الآن في مخطوطة أتلانتكس، وهل يمكن أن يكون ليوناردو واحداً من أولئك الأغبياء، ولكنهم أساساً من المواطنين الشباب المحترمين الذين وفدوا إلى كابارا لصنعه؟
ويقول فازاراي أيضاً أن ليوناردو "قد صمم الطواحين، وآلات التعبئة، والمحركات التي يمكن أن تدار بالماء"، وقد تردد هذا الأمر في صفحة سابقة تبين أحجار الأساس والطواحين والأفران. والرسوم الأخرى الأولى تظهر الهيجروميتر والمصمم لقياس الرطوبة في الهواء، والمعدات الهيدروليكية لرفع المياه. والأخيرة تظهر اهتمام ليوناردو المبكر باللولب الأرخميدي، وهو جهاز يرفع المياه من خلال لولب يدور في جوف اسطوانة.  هذه الرسوم، أو ما شابهها، موجودة في قائمة أعماله المكتوبة في عام 1482: " بعض الآلات لأعمال المياه" و"بعض الآليات للسفن". والقائمة تذكر أيضاً" رسومات لمراجل أو أفران"، ولكن يبدو أنّها فقدت. 
 
تقنية قديمة: أجهزة ليوناردو "لفتح سجن" و"أسفله" لرفع المياه
 
 
هذه بعض أولى رسومات ليوناردو التقنية، وهي ما زالت تنتمي إلى الأسلوب ثنائي الأبعاد الذي كان متبعاً بين مهندسي القرن الرابع عشر، والذي يراه المرء في رسومات معاصريه مثل بوناكورسو غيبيرتي، وفرانسسكو دي جيورجو مارتيني، وجيوليانو دا سانغالو. ولاحقاً فقط تطور أسلوب الرسم التقني الليوناردي بالفعل عقب دراساته لما أسماه "الآلة البشرية": هل طوّر أسلوب الرسم الليوناردي التقني الحقيقي: تعددية الأوجه، غارق في التفاصيل لدرجة رائعة، تم استخدام النمذجة والظلال فيه بصورة لم تفقده وظيفته التحليلية- اللغة البصرية التي يشرح بها العمليات والتراكيب الميكانيكية.
وفي صفحة أخرى من مخطوطة أتلانتكس وهي تنتمي إلى ذلك العصر كانت هنالك قائمة من ثمانية أسماء: دائرة معارف، أو ربما أشخاص كان ليوناردو يتطلع للالتقاء بهم.   ومن الخمسة الذين يمكن تحديد أسمائهم، واحد، دومينيكو دي مايكلينو، وهو رسام، أما الأربعة الآخرون فهم من العلماء والدارسين. هذا هو ليناردو العالم الواعد في أواخر سبعينيات القرن الخامس عشر. وقد كان مفاد أول تلك السطور: Quadrante di Carlo Marmocchi"". مارموتشي كان مهندساً وعالم رياضيات يعمل في مجلس الشعب: وربما تشير عبارة "Quadrante" إما إلى ما كتبه هذا العالم من أطروحات، أو إلى أطروحة فعلية- آلة لقياس ارتفاع النجوم- كان يمتلكها هو. أما "Benedetto de l'Abaco" فهو اسم يعود إلى  عالم رياضيات فلورنسي مشهور آخر، يعرف أيضاً باسم بينيديتو عالم الحساب. 
أما أكثر الأشخاص في القائمة شهرةً هو الشخص الذي يدعوه ليوناردو بكل بساطة "Maestro Paolo the physician" " " المعلم  باولو عالم الفيزياء"- ويشير في الغالب إلى باولو دال بوزو توسكانيللي العظيم، والذي كان يعتبر شيخ علماء فلورنسا الكبير، وقد تناولته بالذكر بالفعل في وقت سابق. وقد كانت إحدى تخصصاته التي حازت على اهتمام ليوناردو هي البصريات. ويعتقد أن يكون توسكانيلي هو مؤلف الأطروحات حول المنظور، والخداع البصري، وملاحظة الظاهرة السماوية. وقد كان هذا العمل معروفاً في القرن الرابع عشر، وقد استخدم كنوع من الكتب الدليلية الفنية حول موضوع المنظور؛ وقد بدا أن ليوناردو كان يستشهد به في بعض الملاحظات التي كتبها تحت عنوان "الأسباب وراء حجم الشمس الزائد في الغرب".  وهنالك رسم مذهل في مخطوطة اتلانتكس يعود لهذه الفترة. يبين رجلاً ينظر من خلال "آلة رسم المنظور" (ص. 175)- وهي جهاز بصري لمساعدة الفنان في إعادة إنتاج شيء ما في نسبه القياسية السليمة. وهنالك تعليق " ضع عينك على الأنبوب" (فتحة النظر بعبارة أخرى). وهو رسم يُظهر رجلاً شاباً في قميص واسع طويل، وبشعر مجعد تعلوه قبعة صغيرة.   وربما كان هذا الرسم عبارة عن صورة شخصية: فالشكل لا يخلو من بعض أوجه الشبه بما يعتقد أنّه صورة شخصية له في لوحة تبجيل المجوس والتي رسمت في الفترة من 1481إلى 1482.
أما الاسم الأخير في قائمة ليونادرو فهو "السيد جيوفاني أرغيربولو". وهو الباحث الإغريقي يوهانس أرغيربولوس، وهو على الأرجح اشهر أتباع أرسطو في إيطاليا.   وقد وُلد في القسطنطينية حوالي عام 1415، ومثله مثل الباحثين البيزنطيين، طلب اللجوء في إيطاليا بعد سقوط المدينة في عام 1453. وقد كان معلماً عاماً في جامعة فلورنسا لمدة خمسة عشر عاماً (1456-1471) وهي تعتبر الورشة التي تحدث فيها عن النصوص الأرسطية- الأخلاق، الفيزياء، الماورائيات، والتحليل وما إلى ذلك، والتي قام بترجمتها جميعاً إلى اللاتينية. لقد كان شخصية مهمة في إعادة تقييم عصر النهضة لأرسطو، والذي شدد على التحليل والجانب العلمي من فلسفته، كما عارض الماورائيات والتي درست بشراهة في العصور الوسطى. لقد طال تأثير أرغيروبولوس جيلاً بأكمله من المفكرين الفلورنسيين- فيشينو، لاندينو، وبوليزيانو كانوا جميعاً من تلامذته ومعجبيه، مثلما كان لورينزو دي ميديشي. وفي 1477، وبعد موجة روما، استمر في مزاولة وظيفته بالورشة، ولكن كان نجمه قد خبا، بعد أن طُرد، فغادر فلورنسا في 1481. تعود ملاحظة ليوناردو إلى آخر عهود اضمحلال تأثيره. ومثل توسكانيللي، كان أرغيربولوس، معلم آخر في شيخوخته، رائداً للتجريبية الواضحة. وقال بوليزيانو أنّ جميع "دارسي الحكمة الخالدة" شعروا بالامتنان تجاهه، "لطرده الغشاوة والكآبة من أعينهم".
وفي الورقة ذاتها بينما تبدو هذه الأسماء، رسم ليوناردو لوحة تمهيدية لساعة تعمل باستخدام الهواء المضغوط، وقد استفزت هذه الآلة بدورها بعض الأفكار الكئيبة حول مرور الزمن والخوف من "هذه الحياة البائسة" التي تمر " دون أن تترك شيئاً من الذكرى لأنفسنا في أذهان البشر الفانين". هذا ما تقدمه لنا قائمته من الدارسين والعلماء، قرارٌ ما، وتصميم على البحث عن أولئك الأشخاص المهمّين وتعليمهم أن يحاولوا فعل شيء يخلد ذكراهم، حتى" لا يذهب عناء تعاليمه هباءً منثوراً."
رفع أثقال كبيرة، وفصل قضبان الحديد عن النوافذ، ورفع المياه وإعادة توجيهها- تلك هي أولى تطلعات ليوناردو التقنيّ الشاب: تضافر البراعة الإنسانية والتقنية ضد قوى الجاذبية الغاشمة، وصقل للطاقات الطبيعية.  ففي الأجهزة الهديروليكية، والبراغي الأرخميدية نجد التأسيس لمباديء الطاقة العظمى في فيزياء ليوناردو- الحلزون، أو، كما يسميه ليوناردو، الكوكلي Coclea  "أي القوقعة"، والتي تكمن فيها قوى البراغي، والمثاقب، والمراوح والتوربينات، وفي الطبيعة، الأعاصير والدوامات. فقد تم وصف القوى التدويمية للمياه ببلاغة في أطروحات البرتي حول الهندسة المدنية،  "De re aedificatoria" (والتي كانت بكل تأكيد معروفة لدى ليوناردو): دوران المياه أو الدوامات يشبه إلى حد كبير مثقاب سائل، والذي لا يملك شيء ما القوة الكافية لمقاومته".  سحرت قوة الدوامة ليوناردو- وقد تم التعبير عن هذه الدهشة بشكل أكثر قوة في الرسومات الأخيرة المعروفة باسم سلسلة "الطوفان"، ولكنّها حاضرة بالفعل في منمنمات الجدائل المتتابعة في لوحة جنيفرا.
 
دراسة لتيارات ودوامات، 1508-1510
وهنالك شيء آخر في تلك الصفحات التقنية الأولية: التحدي الفائق للجاذبية. هنالك صفحة رثة ضمن رسومات ليوناردو في الأوفيزي، تعود في تأريخها إلى الأعوام 1478-1480.  يوجد على ظهرها أقدم رسومات ليوناردو التي تظهر فيها الآلة الطائرة. فقد أضحت مجرد خربشات لكن لا تخطأها العين. ويمكن رؤيتها عند النظر إليها مباشرة من الأعلى أو من الأسفل. ولها أجنحة معقدة مثل أجنحة الوطواط، وذيل مروحي مثل ذيل الطائر، ومقصورة للطيّار أو هيكلٌ هو أقرب في شكله إلى زوارق الكاياك.  وإلى جانبه رسم أكثر تفصيلاً لآلة تقوم بتحريك الجناح عن طريق مقبض يقوم القائد بإدارته. وتوحي الحركة المحددة للمقبض بأنّ  هذه الآلة قد كانت وسيلة للتزلج بالأساس (ليس كما هو الحال في التصاميم اللاحقة التي تشتمل على آليات لجعل الأجنحة ترفرف بالفعل إلى أعلى وأسفل). وقد تم تأكيد هذا الشيء على الجانب الآخر من الورقة، في الركن الأيسر العلوي من الصفحة، بخط متعرج واحد يحمل العبارة: " Questo e il modo del chalare degli uccelli" – " هذه هي الطريقة التي تهبط بها الطيور" يبين السطر هبوط الطائر مثل سقوط على زاوية متسقة مع بعض الضغوط الرافعة لفترات قصيرة للتغلب على العزم. 
 
الآلة الطائرة الأولى، 1478-1480
وهذه العبارة الوجيزة والسطر الذي يبينها والذي يكاد المرء لا يلتفت إلى وجوده يشكّل أول تصريح معروف لليوناردو حول ميكانيكا الطيران الجوي، وقد رُبطت بالفعل- كما تظهر الآلة على ظهر الصفحة بوضوح- بحلم الطيران الإنساني: "قدره"، كما يعتبره فيما بعد، مستحضراً أو مختلقاً تلك الحدأة التي انقضت عليه وهو طفل في مهده.
 
 
------------------------------------------------
 ليوناردو دافنشي: رحلات العقل
تأليف: تشارلز نيكول
ترجمة: أميمة حسن قاسم
محاولة استعادة شيء من ليوناردو الإنسان هي مهمة هذا الكتاب- ذلك هو، ليوناردو الإنسان الحقيقي، الذي عاش في وقت حقيقي، وأكل أطباقاً حقيقية من الحساء، مقابل ليوناردو الرجل الخارق، متعدد التخصصات.
بتكليف ورعاية من الشاعر الإماراتي محمد أحمد السويدي، وبدافع من حب المعرفة والسعي لنشرها  قامت القرية الإلكترونية بتوفير هذه النسخة من كتاب ليوناردو دافنشي: رحلات العقل | تأليف: تشارلز نيكول | ترجمة: أميمة حسن قاسم
وسوف نقوم بنشرها على حلقات تباعاً هنا في جوجل بلس نأمل أن تحوز إعجابكم وأن تكون مساهمة في #نشر_المعرفة
صفحتنا الرسمية في فيس بوك :
منصتنا في جوجل بلس لمتابعة باقي مشروعاتنا 
https://plus.google.com/+HisExcellencyMohammedAhmedAlSuwaidi?hl=ar
(جميع الحقوق محفوظة)

      ليوناردو دافنشي: رحلات العقل   4-التقنيّ   إن كان توماسو ماسيني هو عامل المعادن والكيميائي المستقبلي بالفعل تلميذ أو مساعد لليوناردو في أواخر سبعينيات القرن الخامس عشر، فسوف يرتبط بجهود ليوناردو المبكرة كمهندس. ومن هذه الفترة وجدنا أولى الإرهاصات المؤكدة لليوناردو التِقَنّيّ. وهي موجودة في مخطوطة أتلانتكس وفي صفحات فازاري، الذي يصف الاهتمامات التقنية التي كان يتابعها ليوناردو بينما "لم يزل شاباً صغيراً [giovanetto]"، وهي عبارة فضفاضة لكنها تعني بالتأكيد أثناء وجوده في فلورنسا. ولكن ليس من المؤكد إن كانت أيٍّ من هذه الأفكار قد تبلورت في شكل مشروعات فعلية.  وكما رأينا، لقد اكتسب ليوناردو معرفة مباشرة عن روافع ومصاعد برونيلسكي الرائعة في 1471، عندما كان مشتركاً في وضع الكرة فوق قمة القبة. ويبدو أنّه عاد إلى هذا الاهتمام في 1478-1480، وهو على الأرجح تأريخ تنفيذ رسومات الأجهزة الرافعة البرولينسكية في مخطوطة اتلانتكس. يذكر فازاري اهتمام ليوناردو بمعدات الرفع الثقيلة: " لقد بين كيفية رفع وسحب أوزان ثقيلة بوسائل رافعة، وروافع، وأوناش:" والتي تناسب تحديداً مشروعاً طموحاً قام فازاري بوصفه: من بين هذه النماذج والخطط كانت هنالك واحدة قام بعرضها عدد من المرات على علية القوم وحكومة فلورنسا، والتي تبين كيفية رفع معبد سان جيوفاني [والذي يدعى أيضاً المعمدانية] بهدف وضع درجات تحته، دون أن يتعرض لأية أضرار. وقد كانت حجته قوية حتى أن كثير من الناس اقتنعوا بإمكانية تنفيذها، إلى أن غادروا شركته، وأعادوا التفكير في الأمر وأدركوا أن ذلك كان مستحيلاً. والفكرة ليست سيئة كما يفهم من فازاري. وقد تم إنجاز عمل مشابه – نقل برج إحدى الكنائس- قبل خمسة وعشرين عاماً، في بولونيا، بواسطة المهندس ارسطو فيورافانتي. فرفع المعمدانية كان له مزايا على الصعيدين الجمالي (ليسمو بها إلى المستوى المقابل للقبة) وعملي (لحمايتها من الفيضانات الموسمية لنهر آرنو).  وكانت فكرة وضعه فوق درجات ما تزال حية إلى ما بعد ذلك بمئة عام، عندما نشر فينسينزو بورغيني صديق فازاري اثنين من أعمال الحفر يمثلان تصوراً لإعادة بناء المعمدانية " وقد "رفعت" ووضعت على منصة ذات درجات.  الجهاز العجيب الذي ذكرته آنفاً "لفتح سجن من الداخل" هو تطبيق متقدم للهندسة البرونيلسكية. فرسم المخطوطة الاتلانتيكية يبين رافعة ضخمة ثلاثية الأرجل تربطها صواميل عند الزوايا، وللصامولة آلية التقاط في النهاية وهي الشيء الذي يشير إليه ليوناردو باسم "الملاقط" [tangali""]. وفي واحدة من الرسومات ظهرت وهي تقطع قضبان حديدة لنافذة ما. وربما أتت هذه الآلة تحت تصنيف العتاد العسكري، ولكنها ربما كانت تشير بالقدر ذاته إلى مذكرات ليوناردو حول السجن- "voi mi metteste in prigione"- بعد الاتهام المتعلق بجاكوبو سالتاريللي. ومن المرجح أن ذكر هذا الجهاز قد ورد في جزء غامض من حيوات فازاري ذو علاقة بحدّاد فلورنسي يدعى كابارا: " جلب له بعض المواطنين الشباب رسماً لآلة يمكنها كسر وتمزيق قضبان الحديد من خلال استخدام البراغي، ولقد طلبوا منه أن يصنعها لهم." رفض الحداد غاضباً، وكان يعتقد أنّها " جهاز لص" يستخدم "للسطو على الناس، أو هتك أعراض الفتيات الصغيرات". لقد اعتقد أن الشبان من أصل كريم ("uomini de bene")، ولكن أراد أن يربأ بنفسه عن هذه "الفعلة الشنعاء".  هل يمكن أن يكون هذا الرسم هو الموجود الآن في مخطوطة أتلانتكس، وهل يمكن أن يكون ليوناردو واحداً من أولئك الأغبياء، ولكنهم أساساً من المواطنين الشباب المحترمين الذين وفدوا إلى كابارا لصنعه؟ ويقول فازاراي أيضاً أن ليوناردو "قد صمم الطواحين، وآلات التعبئة، والمحركات التي يمكن أن تدار بالماء"، وقد تردد هذا الأمر في صفحة سابقة تبين أحجار الأساس والطواحين والأفران. والرسوم الأخرى الأولى تظهر الهيجروميتر والمصمم لقياس الرطوبة في الهواء، والمعدات الهيدروليكية لرفع المياه. والأخيرة تظهر اهتمام ليوناردو المبكر باللولب الأرخميدي، وهو جهاز يرفع المياه من خلال لولب يدور في جوف اسطوانة.  هذه الرسوم، أو ما شابهها، موجودة في قائمة أعماله المكتوبة في عام 1482: " بعض الآلات لأعمال المياه" و"بعض الآليات للسفن". والقائمة تذكر أيضاً" رسومات لمراجل أو أفران"، ولكن يبدو أنّها فقدت.    تقنية قديمة: أجهزة ليوناردو "لفتح سجن" و"أسفله" لرفع المياه     هذه بعض أولى رسومات ليوناردو التقنية، وهي ما زالت تنتمي إلى الأسلوب ثنائي الأبعاد الذي كان متبعاً بين مهندسي القرن الرابع عشر، والذي يراه المرء في رسومات معاصريه مثل بوناكورسو غيبيرتي، وفرانسسكو دي جيورجو مارتيني، وجيوليانو دا سانغالو. ولاحقاً فقط تطور أسلوب الرسم التقني الليوناردي بالفعل عقب دراساته لما أسماه "الآلة البشرية": هل طوّر أسلوب الرسم الليوناردي التقني الحقيقي: تعددية الأوجه، غارق في التفاصيل لدرجة رائعة، تم استخدام النمذجة والظلال فيه بصورة لم تفقده وظيفته التحليلية- اللغة البصرية التي يشرح بها العمليات والتراكيب الميكانيكية. وفي صفحة أخرى من مخطوطة أتلانتكس وهي تنتمي إلى ذلك العصر كانت هنالك قائمة من ثمانية أسماء: دائرة معارف، أو ربما أشخاص كان ليوناردو يتطلع للالتقاء بهم.   ومن الخمسة الذين يمكن تحديد أسمائهم، واحد، دومينيكو دي مايكلينو، وهو رسام، أما الأربعة الآخرون فهم من العلماء والدارسين. هذا هو ليناردو العالم الواعد في أواخر سبعينيات القرن الخامس عشر. وقد كان مفاد أول تلك السطور: Quadrante di Carlo Marmocchi"". مارموتشي كان مهندساً وعالم رياضيات يعمل في مجلس الشعب: وربما تشير عبارة "Quadrante" إما إلى ما كتبه هذا العالم من أطروحات، أو إلى أطروحة فعلية- آلة لقياس ارتفاع النجوم- كان يمتلكها هو. أما "Benedetto de l'Abaco" فهو اسم يعود إلى  عالم رياضيات فلورنسي مشهور آخر، يعرف أيضاً باسم بينيديتو عالم الحساب.  أما أكثر الأشخاص في القائمة شهرةً هو الشخص الذي يدعوه ليوناردو بكل بساطة "Maestro Paolo the physician" " " المعلم  باولو عالم الفيزياء"- ويشير في الغالب إلى باولو دال بوزو توسكانيللي العظيم، والذي كان يعتبر شيخ علماء فلورنسا الكبير، وقد تناولته بالذكر بالفعل في وقت سابق. وقد كانت إحدى تخصصاته التي حازت على اهتمام ليوناردو هي البصريات. ويعتقد أن يكون توسكانيلي هو مؤلف الأطروحات حول المنظور، والخداع البصري، وملاحظة الظاهرة السماوية. وقد كان هذا العمل معروفاً في القرن الرابع عشر، وقد استخدم كنوع من الكتب الدليلية الفنية حول موضوع المنظور؛ وقد بدا أن ليوناردو كان يستشهد به في بعض الملاحظات التي كتبها تحت عنوان "الأسباب وراء حجم الشمس الزائد في الغرب".  وهنالك رسم مذهل في مخطوطة اتلانتكس يعود لهذه الفترة. يبين رجلاً ينظر من خلال "آلة رسم المنظور" (ص. 175)- وهي جهاز بصري لمساعدة الفنان في إعادة إنتاج شيء ما في نسبه القياسية السليمة. وهنالك تعليق " ضع عينك على الأنبوب" (فتحة النظر بعبارة أخرى). وهو رسم يُظهر رجلاً شاباً في قميص واسع طويل، وبشعر مجعد تعلوه قبعة صغيرة.   وربما كان هذا الرسم عبارة عن صورة شخصية: فالشكل لا يخلو من بعض أوجه الشبه بما يعتقد أنّه صورة شخصية له في لوحة تبجيل المجوس والتي رسمت في الفترة من 1481إلى 1482. أما الاسم الأخير في قائمة ليونادرو فهو "السيد جيوفاني أرغيربولو". وهو الباحث الإغريقي يوهانس أرغيربولوس، وهو على الأرجح اشهر أتباع أرسطو في إيطاليا.   وقد وُلد في القسطنطينية حوالي عام 1415، ومثله مثل الباحثين البيزنطيين، طلب اللجوء في إيطاليا بعد سقوط المدينة في عام 1453. وقد كان معلماً عاماً في جامعة فلورنسا لمدة خمسة عشر عاماً (1456-1471) وهي تعتبر الورشة التي تحدث فيها عن النصوص الأرسطية- الأخلاق، الفيزياء، الماورائيات، والتحليل وما إلى ذلك، والتي قام بترجمتها جميعاً إلى اللاتينية. لقد كان شخصية مهمة في إعادة تقييم عصر النهضة لأرسطو، والذي شدد على التحليل والجانب العلمي من فلسفته، كما عارض الماورائيات والتي درست بشراهة في العصور الوسطى. لقد طال تأثير أرغيروبولوس جيلاً بأكمله من المفكرين الفلورنسيين- فيشينو، لاندينو، وبوليزيانو كانوا جميعاً من تلامذته ومعجبيه، مثلما كان لورينزو دي ميديشي. وفي 1477، وبعد موجة روما، استمر في مزاولة وظيفته بالورشة، ولكن كان نجمه قد خبا، بعد أن طُرد، فغادر فلورنسا في 1481. تعود ملاحظة ليوناردو إلى آخر عهود اضمحلال تأثيره. ومثل توسكانيللي، كان أرغيربولوس، معلم آخر في شيخوخته، رائداً للتجريبية الواضحة. وقال بوليزيانو أنّ جميع "دارسي الحكمة الخالدة" شعروا بالامتنان تجاهه، "لطرده الغشاوة والكآبة من أعينهم". وفي الورقة ذاتها بينما تبدو هذه الأسماء، رسم ليوناردو لوحة تمهيدية لساعة تعمل باستخدام الهواء المضغوط، وقد استفزت هذه الآلة بدورها بعض الأفكار الكئيبة حول مرور الزمن والخوف من "هذه الحياة البائسة" التي تمر " دون أن تترك شيئاً من الذكرى لأنفسنا في أذهان البشر الفانين". هذا ما تقدمه لنا قائمته من الدارسين والعلماء، قرارٌ ما، وتصميم على البحث عن أولئك الأشخاص المهمّين وتعليمهم أن يحاولوا فعل شيء يخلد ذكراهم، حتى" لا يذهب عناء تعاليمه هباءً منثوراً." رفع أثقال كبيرة، وفصل قضبان الحديد عن النوافذ، ورفع المياه وإعادة توجيهها- تلك هي أولى تطلعات ليوناردو التقنيّ الشاب: تضافر البراعة الإنسانية والتقنية ضد قوى الجاذبية الغاشمة، وصقل للطاقات الطبيعية.  ففي الأجهزة الهديروليكية، والبراغي الأرخميدية نجد التأسيس لمباديء الطاقة العظمى في فيزياء ليوناردو- الحلزون، أو، كما يسميه ليوناردو، الكوكلي Coclea  "أي القوقعة"، والتي تكمن فيها قوى البراغي، والمثاقب، والمراوح والتوربينات، وفي الطبيعة، الأعاصير والدوامات. فقد تم وصف القوى التدويمية للمياه ببلاغة في أطروحات البرتي حول الهندسة المدنية،  "De re aedificatoria" (والتي كانت بكل تأكيد معروفة لدى ليوناردو): دوران المياه أو الدوامات يشبه إلى حد كبير مثقاب سائل، والذي لا يملك شيء ما القوة الكافية لمقاومته".  سحرت قوة الدوامة ليوناردو- وقد تم التعبير عن هذه الدهشة بشكل أكثر قوة في الرسومات الأخيرة المعروفة باسم سلسلة "الطوفان"، ولكنّها حاضرة بالفعل في منمنمات الجدائل المتتابعة في لوحة جنيفرا.   دراسة لتيارات ودوامات، 1508-1510 وهنالك شيء آخر في تلك الصفحات التقنية الأولية: التحدي الفائق للجاذبية. هنالك صفحة رثة ضمن رسومات ليوناردو في الأوفيزي، تعود في تأريخها إلى الأعوام 1478-1480.  يوجد على ظهرها أقدم رسومات ليوناردو التي تظهر فيها الآلة الطائرة. فقد أضحت مجرد خربشات لكن لا تخطأها العين. ويمكن رؤيتها عند النظر إليها مباشرة من الأعلى أو من الأسفل. ولها أجنحة معقدة مثل أجنحة الوطواط، وذيل مروحي مثل ذيل الطائر، ومقصورة للطيّار أو هيكلٌ هو أقرب في شكله إلى زوارق الكاياك.  وإلى جانبه رسم أكثر تفصيلاً لآلة تقوم بتحريك الجناح عن طريق مقبض يقوم القائد بإدارته. وتوحي الحركة المحددة للمقبض بأنّ  هذه الآلة قد كانت وسيلة للتزلج بالأساس (ليس كما هو الحال في التصاميم اللاحقة التي تشتمل على آليات لجعل الأجنحة ترفرف بالفعل إلى أعلى وأسفل). وقد تم تأكيد هذا الشيء على الجانب الآخر من الورقة، في الركن الأيسر العلوي من الصفحة، بخط متعرج واحد يحمل العبارة: " Questo e il modo del chalare degli uccelli" – " هذه هي الطريقة التي تهبط بها الطيور" يبين السطر هبوط الطائر مثل سقوط على زاوية متسقة مع بعض الضغوط الرافعة لفترات قصيرة للتغلب على العزم.    الآلة الطائرة الأولى، 1478-1480 وهذه العبارة الوجيزة والسطر الذي يبينها والذي يكاد المرء لا يلتفت إلى وجوده يشكّل أول تصريح معروف لليوناردو حول ميكانيكا الطيران الجوي، وقد رُبطت بالفعل- كما تظهر الآلة على ظهر الصفحة بوضوح- بحلم الطيران الإنساني: "قدره"، كما يعتبره فيما بعد، مستحضراً أو مختلقاً تلك الحدأة التي انقضت عليه وهو طفل في مهده.     ------------------------------------------------  ليوناردو دافنشي: رحلات العقل تأليف: تشارلز نيكول ترجمة: أميمة حسن قاسم محاولة استعادة شيء من ليوناردو الإنسان هي مهمة هذا الكتاب- ذلك هو، ليوناردو الإنسان الحقيقي، الذي عاش في وقت حقيقي، وأكل أطباقاً حقيقية من الحساء، مقابل ليوناردو الرجل الخارق، متعدد التخصصات. بتكليف ورعاية من الشاعر الإماراتي محمد أحمد السويدي، وبدافع من حب المعرفة والسعي لنشرها  قامت القرية الإلكترونية بتوفير هذه النسخة من كتاب ليوناردو دافنشي: رحلات العقل | تأليف: تشارلز نيكول | ترجمة: أميمة حسن قاسم وسوف نقوم بنشرها على حلقات تباعاً هنا في جوجل بلس نأمل أن تحوز إعجابكم وأن تكون مساهمة في #نشر_المعرفة صفحتنا الرسمية في فيس بوك : https://www.facebook.com/mohammed.suwaidi.poet/ منصتنا في جوجل بلس لمتابعة باقي مشروعاتنا  https://plus.google.com/+HisExcellencyMohammedAhmedAlSuwaidi?hl=ar (جميع الحقوق محفوظة) , Electronic Village, His excellency mohammed ahmed khalifa al suwaidi, Arabic Poetry, Arabic Knowledge, arabic articles, astrology, science museum, art museum,goethe museum, alwaraq, arab poet, arabic poems, Arabic Books,Arabic Quiz, القرية الإلكترونية , محمد أحمد خليفة السويدي , محمد أحمد السويدي , محمد السويدي , محمد سويدي , mohammed al suwaidi, mohammed al sowaidi,mohammed suwaidi, mohammed sowaidi, mohammad alsuwaidi, mohammad alsowaidi, mohammed ahmed alsuwaidi, محمد السويدي , محمد أحمد السويدي , muhammed alsuwaidi,muhammed suwaidi,,

Related Articles

ليوناردو دافنشي: رحلات العقل - 3 - الجني الصغير
ليوناردو دافنشي: رحلات العقل - 5 - صبُّ الحصان
ليوناردو دافنشي: رحلات العقل - 11 - في المحكمة القديمة
ليوناردو دافنشي: رحلات العقل - 2 - في الظل والضوء
ليوناردو دافنشي: رحلات العقل - 9 - المرسم الميلاني
ليوناردو دافنشي: رحلات العقل - 10 - التشريح
ليوناردو دافنشي: رحلات العقل - 7 - المشروعات المعمارية