قصة سان ميشيل

, Electronic Village, His excellency mohammed ahmed khalifa al suwaidi, Arabic Poetry, Arabic Knowledge, arabic articles, astrology, science museum, art museum,goethe museum, alwaraq, arab poet, arabic poems, Arabic Books,Arabic Quiz, القرية الإلكترونية , محمد أحمد خليفة السويدي , محمد أحمد السويدي , محمد السويدي , محمد سويدي , mohammed al suwaidi, mohammed al sowaidi,mohammed suwaidi, mohammed sowaidi, mohammad alsuwaidi, mohammad alsowaidi, mohammed ahmed alsuwaidi, محمد السويدي , محمد أحمد السويدي , muhammed alsuwaidi,muhammed suwaidi   1 Mar 2018قصة سان ميشيل لأكسِل مونتي                                       ترجمة:  علي كنعانالحلقة رقم (35) الكاتب في سطور: ألكس....
اقرأ المزيد ...   1 Mar 2018قصة سان ميشيل لأكسِل مونتي                                       ترجمة:  علي كنعانالحلقة رقم (35) الكاتب في سطور: ألكس مونتي من مواليد السويد 1857، درس الطب في باريس واختص في العلاج النفسي وجراحة الأعصاب، وسرعان ما اكتسب شهرة عالمية واسعة هيأت له الصداقة مع الملوك والسفراء وكبار المبدعين. وقد اتصل به القيصر الروسي وطلب منه علاج ابنه، وكان راسبوتين أيضا من مرضاه، كما كان على علاقة طيبة بعدد من الكتاب ومنهم موباسان وستراندبيرغ. وبعد خلافه الشديد مع الدكتور شاركو الذي كان لعلاجه بالتنويم المغناطيسي كثير من الضحايا، فاعترض على ذلك وسرعان ما أمر شاركو بطرده من مركزه الطبي (السلبتريير)  فانتقل إلى إيطاليا ليعمل ما بين روما وكابري، ملتزما بعلاج الفقراء. وقد امتاز مونتي بمحبته للحيوانات وموقفه الصارم ضد صيد الطيور. كان في صباه قد مر بجزيرة كابري، في جنوب إيطاليا وصعد إلى قصر الإمبراطور الروماني تيبريوس في أناكابري، فأعجب بالموقع إلى حد بعيد عبر عنه في مستهل روايته وكأنه مكان أسطوري. وفي 1887 اشترى الأرض المعروفة بـ "سان ميشيل" وكنيستها الخربة وبنى دارته هناك، وجعل الجبل المجاور محمية للطيور. وهو يستعرض في روايته تجربته العملية في الحياة، مصورا الواقع الطبقي المزري في باريس والفارق الكبير بين حياة الفقراء والأغنياء خلال الربع الأخير من القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين.  -------------------- هذه الملحمة الإنسانية  لاكسيل مونتي يصعب أن نَفيها حقها في مقالة موجزة، خاصة وهو يعبر بعمق وألم عن المعركة الدائرة بين الموت والحياة... فالمعركة منظمة في أدق تفاصيلها وفق قانون من التوازن بين الحياة والموت لا يقبل التغيير... لذا أترك للقارئ متعة قراءتها، كما استمتعت. محمد أحمد السويديبتكليف ورعاية من الشاعر الإماراتي محمد أحمد السويدي، وبدافع من حب المعرفة والسعي لنشرها قامت القرية الإلكترونية بتوفير هذه النسخة من قصة سان ميشيل مترجمة باللغة العربية – ترجمها علي كنعان. (جميع الحقوق محفوظة)صفحتنا الرسمية في فيس بوك :https://www.facebook.com/mohammed.suwaidi.poet/منصتنا في جوجل بلس لمتابعة باقي مشروعاتنا https://plus.google.com/+HisExcellencyMohammedAhmedAlSuwaidi?hl=ar , Electronic Village, His excellency mohammed ahmed khalifa al suwaidi, Arabic Poetry, Arabic Knowledge, arabic articles, astrology, science museum, art museum,goethe museum, alwaraq, arab poet, arabic poems, Arabic Books,Arabic Quiz, القرية الإلكترونية , محمد أحمد خليفة السويدي , محمد أحمد السويدي , محمد السويدي , محمد سويدي , mohammed al suwaidi, mohammed al sowaidi,mohammed suwaidi, mohammed sowaidi, mohammad alsuwaidi, mohammad alsowaidi, mohammed ahmed alsuwaidi, محمد السويدي , محمد أحمد السويدي , muhammed alsuwaidi,muhammed suwaidi....
اعرض في فيس بوك    
, Electronic Village, His excellency mohammed ahmed khalifa al suwaidi, Arabic Poetry, Arabic Knowledge, arabic articles, astrology, science museum, art museum,goethe museum, alwaraq, arab poet, arabic poems, Arabic Books,Arabic Quiz, القرية الإلكترونية , محمد أحمد خليفة السويدي , محمد أحمد السويدي , محمد السويدي , محمد سويدي , mohammed al suwaidi, mohammed al sowaidi,mohammed suwaidi, mohammed sowaidi, mohammad alsuwaidi, mohammad alsowaidi, mohammed ahmed alsuwaidi, محمد السويدي , محمد أحمد السويدي , muhammed alsuwaidi,muhammed suwaidiقصة سان ميشيل لأكسِل مونتي                                       ترجمة:  علي كنعانالحلقة رقم (34)  III كانت الأجراس في برج....
اقرأ المزيد ...قصة سان ميشيل لأكسِل مونتي                                       ترجمة:  علي كنعانالحلقة رقم (34)  III كانت الأجراس في برج الكنيسة تقرع السلام المريمي. أصدرت ريح خفيفة حفيفا خلال أشجار السرو خارج النافذة حيث كانت العصافير تزقزق قبل أن تأوي إلى النوم. وصار صوت البحر أهدأ فأهدأ، وخيم الليل بسكونه المبارك على البرج القديم.جلست هناك في أريكة ساڤونارولا( 1)، مرهقا وتواقا للراحة. كان الذئب يستلقي نائما عند قدمي، وطوال أيام وليال لم يتركني إلا نادرا. وكان يفتح عينيه بين حين وآخر ويحدق إلي بنظرة مفعمة بالمحبة والحزن تكاد تجعل عيني طافحتين بالدموع. وبين حين وآخر، كان يقف ويضع رأسه الكبير على ركبتيّ. أكان يعرف ما أعرف، وهل كان يدرك ما أدرك، أن ساعة افتراقنا كانت تجري مقتربة؟ لقد ربت على رأسه بصمت، ولأول مرة لم أعرف ماذا أقول له، كيف أوضح له السر العظيم الذي لا أملك أن أوضحه لنفسي."أيها الذئب، سأمضي بعيدا في رحلة طويلة، إلى عالم قصي جدا. وفي هذه المرة، لن تستطيع أن تجيء معي، يا صديقي. ينبغي لك أن تبقى من بعدي حيث أنت، حيث عشنا أنت وأنا معا وقتا طويلا جدا، نتقاسم الخير والشر. ينبغي ألاّ تحزن حدادا علي، ويجب أن تنساني كما سينساني أي شخص آخر، فذلك هو قانون الحياة. لا تقلق، سأكون على ما يرام، وكذلك أنت. إن كل ما يمكن عمله من أجل سعادتك قد تم. سوف تسمر في محيطك المعتاد ذاته من العيش حيث يعتني بك أناس محبون وبالعناية الحميمة ذاتها التي عاملتك بها. وستنال وجبتك الوفيرة موضوعة أمامك كل يوم حينما تقرع أجراس الظهيرة، وعظامك الطرية مرتين في الأسبوع كما كان في السابق. والحديقة الكبيرة حيث اعتدت أن تمرح ما تزال لك، ولا بد أن تنسى حتى القانون وتشرع في مطاردة القطة المتسللة تحت أشجار الزيتون، وسأواصل من حيث أكون أن أدير عيني العمياء نحو المطاردة، مغلقا عيني السليمة كما اعتدت أن أفعل إكراما للصداقة. وبعدئذ، يوم تتصلب أعضاؤك وتغشي العتمة عينيك، سوف تستريح تماما أسفل عمود الرخام الأثري في أجمة السرو بجوار البرج القديم إلى جانب أصحابك الذي مضوا إلى هناك قبلك. وحين يقال كل شيء، من يدري إذا كنا لن نلتقي من جديد؟ وفرصتنا هي ذاتها سواء كانت عظيمة أو ضئيلة".وتوسلت العينان المخلصتان: "لا تذهب بعيدا، ابق معي أو خذني معك"."سأمضي إلى عالم لا أعرف عنه شيئا. لا أعرف ما سيحدث لي هناك، وما أزال أقل معرفة بما يمكن أن يحدث لك، لو جئت معي. لقد قرأت حكايات غريبة عن ذلك العالم، ولكنها مجرد حكايات لا أكثر، فلا أحد ممن ذهبوا إلى هناك رجع ليخبرنا بما رأى. رجل واحد وحسب كان يمكن أن يخبرنا، لكنه ابن الله، ولقد قفل عائدا إلى أبيه، وظلت شفتاه مختومتين بصمت مبهم".ربَّتُّ على الرأس الكبير، لكن يدي المخدرة لم تشعر إطلاقا بملمس معطفه الصقيل.ولما انحنيت لأمنحه قبلة الوداع، شع خوف مباغت في عينيه، وتراجع برعب زاحفا إلى مضجعه تحت طاولة الطعام.ناديته ليعود لكنه لم يستجب. وعرفت ما كان الأمر يعني. فلقد رأيته من قبل. وحسبت أنه لا  يزال باقيا لي يوم آخر أو يومان. وقفت وحاولت التوجه نحو النافذة لالتقاط نفس عميق من الهواء، لكن أوصالي رفضت أن تطيع، ورجعت غاصا في كرسي. تطلعت حول البرج القديم. كان كل شيء مظلما وساكنا، لكن خيل إلي أني سمعت أرتميس، الإلهة الصارمة، تنتزع سهمها المفاجئ من كنانتها، متأهبة أن ترفع قوسها. ولمست كتفي يد لامرئية. وسرت قشعريرة في بدني. حسبت أني على وشك الإغماء، لكني لم أشعر بأي ألم ورأسي كان صافيا."مرحبا بك، يا سيدي! سمعت عدو جوادك الأدهم خلال الليل، لقد فزت بالسباق برغم كل شيء، لأني أستطيع أن أرى وجهك الكئيب وأنت تنحني فوقي. لست غريبا عني، فغالبا ما التقينا من قبل منذ أن وقفنا متجاورين إلى جانب سرير في بهو القديسة كلير. ولقد اعتدت يومئذ أن أدعوك شريرا وقاسيا، جلادا يستمتع بعذاب ضحيته البطيء. لم أعرف الحياة عندئذ كما أعرفها الآن. أعرف الآن أنك أرحم الاثنين بما لا يقاس، وأن ما تأخذه بعيدا بيد ترده باليد الأخرى. أعرف الآن أنها الحياة، فلست أنت الذي أوقد الرعب في تلك العيون الشاخصة على مداها وأحكم توتر  العضلة في تلك الصدور اللاهثة من أجل نسمة أخرى من الهواء، ودقيقة أخرى من تباريح النزع الأخير أيضا."لن أتصارع معك اليوم من أجلي. فلو جئتني يوم كان الدم فتيا، فلا بد أن يكون الأمر مختلفا. كان لدي متسع من الحياة في ذلك الوقت. كنت قد أعددت نفسي لقتال شديد ورددت الضرب بأقسى ما أستطيع. وأنا الآن مرهق، عيناي كليلتان وأوصالي منهكة وقلبي تالف، ولم يبق لي إلا عقلي، وعقلي يقول لي أنْ لا فائدة من الصراع. لذا سأجلس ساكنا في أريكة الساڤونارولا وأدعك تفعل ما عليك أن تفعله. وأنا فضولي أود أن أرى كيف ستباشر العمل، فلقد كنت دائما مهتما بعلم النفس. وبودي أن أحذرك بأني مصنوع من مادة متينة، فاضرب بأقسى ما تستطيع وإلا فمن الممكن أن تخفق في مرماك من جديد كما أخفقت مرتين من قبل، إن لم أكن مخطئا. وآمل، يا سيدي، أنك لا تحمل لي أي حقد علي من الأيام الماضية. وا حسرتاه! أخشى أني اعتدت أن أجعلك مشغولا إلى حد ما في تلك الأيام في شارع ڤليير. أتوسل إليك، سيدي، فأنا لست شجاعا كما أتظاهر أن أكون، فلو منحتني بضع قطرات من جرعة النوم الأبدي لديك قبل أن تبدأ، فلا بد أن أكون شاكرا"."إني أعمل دائما وأنت، لأن عليك أن تعرف ذلك، غالبا ما رأيتني في عملي. أترغب في أن ترسل في طلب كاهن، فما يزال لدينا وقت؟ هم يرسلون دائما في طلب كاهن عندما يرون أني قادم"."لا فائدة في طلب الكاهن، فليس في وسعه أن يفعل شيئا من أجلي الآن. فوقت الندم بالنسبة لي قد فات أكثر مما ينبغي، وما زال الوقت بالنسبة إليه أبكر من أن يدينني، وأفترض أن الأمر قلما  يعنيك في كلتا الحالتين". "لا أبالي بذلك، فالناس الصالحون والناس الأشرار كلهم سواء عندي". "لا خير في أن أرسل في طلب كاهن لن يقول لي إلا أني ولدت شريرا، وأن أفكاري وأعمالي كانت ملطخة بالخطيئة، وأن علي أن أندم، وأن أتوب عنها كلها. وأنا لا أندم عما فعلت إلا قليلا، ولا أتوب عن أي شيء. لقد عشت وفق فطرتي، وأعتقد أن فطرتي كانت سليمة. لقد خدعت نفسي مرارا بما يكفي لما حاولت أن أخضع لإرشادات عقلي. لكن عقلي كان على خطأ، وقد عوقبت من قبل على ذلك. أود أن اشكر أولئك الناس الذين كانوا لطفاء معي. أما الأعداء فلي قلة منهم، ومعظمهم أطباء، ولم ينبني من أذاهم إلا القليل، ولقد تابعت طريقي بالسلوك ذاته تماما. وأتمنى أن ألتمس المغفرة من أولئك الذين سببت لهم ألما. هذا كل شيء، وما تبقى يخص الله ويخصني، وليس الكاهن الذي لا أقبل أن يكون قاضيا يحاسبني"."وأنا لا أحب كهانك. إنهم هم الذين علموا الناس الخوف من مقاربتي، وهم يهددونهم بالأبدية وجحيمهم الملتهبة. وهم الذين انتزعوا الأجنحة من كتفي وشوهوا وجهي الودي وحولوني إل هيكل عظمي شنيع لأجوس من بيت إلى بيت، والمنجل في يدي، كلص في الليل لأرقص رقصة الموت في الصور الجصية على جدران الأديرة يدا بيد مع قديسيهم وملعونيهم. وأنا لا شأن لي مع أي من نعيمهم أو جحيمهم. أنا قانون الطبيعة"."سمعت البارحة صفارية ذهبية تغرد في الحديقة، ومع غروب الشمس جاءت هازجة صغيرة وغردت لي تحت النافذة، فهل سأسمعها من جديد في حياتي؟""حيثما توجد الملائكة توجد العصافير".أتمنى صوتا وديا يقرأ لي"فيدون" من جديد"."الصوت فان، والكلمات خالدة، سوف تسمعها من جديد"."وهل أسمع من جديد ترتيل قداس الموتى لموزارت، محبوبي شوبرت وألحان بيتهوڤن الجبارة؟""لم تكن إلا رجع صدى من السماء استرقت له السمع"."أنا جاهز. اعزف، يا صديقي!""لن أعزف. سأجعلك تنام"."وهل سأحلم؟""نعم، إنه كله حلم"."وهل سأستيقظ؟"ولم يتلقَّ سؤالي أي جواب. *   *   "من أنت، أيها الغلام الجميل؟ أأنت هيبنوس، ملاك النوم؟"وقف هناك لصيقا بجانبي بخصلات متوجة بالورد وجبين مثقل بالأحلام، جميلا كعبقري الحب."أنا أخوه، وليد الليل الأم ذاتها. اسمي ثاناتوس. وأنا ملاك الموت. إنها حياتك التي تخفق متضائلة في نور المشعل الذي سحقته تحت قدمي".   *   *حلمت بأني رأيت رجلا عجوزا يترنح تعبا على مدى دربه الموحش. كان يتطلع حوله بين حين وآخر وكأنه يبحث عن إنسان ما ليدله على الطريق. وبين حين وآخر، كان ينهار على ركبتيه وكأن قواه قد خارت فلا يستطيع مواصلة السير. لقد انطرحت الحقول والغابات، الأنهار والبحار مدفونة تحت قدميه، وحتى الجبال المكللة بالثلوج سرعان ما اختفت في ضباب الأرض التي تتلاشى دونه. واصل طريقه متقدما، صاعدا. ورفعته غيوم عاصفة على أكتافها القوية وحملته بسرعة مدوخة خلال الفضاء اللامحدود، على هدى إيماءات نجوم أقرب فأقرب إلى العالم الذي لا يعرف ليلا ولا موتا. وتوقف أخيرا أمام بوابات الفردوس المسمرة مع الصخرة الصلبة بمفاصل ذهبية. كانت البوابات مغلقة. أكانت هي الأبدية، أكانت يوما، أكانت دقيقة ركع فيها على العتبة راجيا - ولات حين رجاء- أن يسمح له بالدخول؟ فجأة، تحرك بأيد لامرئية، انفتحت الأبواب على مداها لتسمح بمرور شكل عائم بأجنحة ملاك ووجه ساكن لطفل نائم. وثب على قدميه وحاول التسلل بتهور يائس عبر البوابات لحظة كانت تغلق في وجهه تماما."من أنت، أيها المتطفل الجريء؟" صاح صوت صارم. وانتصب أمامي زول طويل، يلبس عباءة بيضاء، وفي يديه مفتاح ذهبي."يا حارس بوابات الفردوس، يا قديس بطرس المبارك، أتوسل إليك دعني أقيم هنا!"ألقى القديس بطرس نظرة سريعة على أوراق اعتمادي، السجلات الضئيلة من حياتي على الأرض.قال القديس بطرس: "تبدو سيئة، سيئة جدا. كيف جئت إلى هنا، لا بد أن ثمة خطأ ما، أنا واثق من ذلك..".وقف فجأة حالما حط أمامنا بسرعة ملاك رسول بالغ الصغر. سوى من سترته القصيرة المنسوجة من لعاب الشمس وتويجات الورد، وكلها تتلألأ بندى الصباح، وهو يطوي جناحيه البنفسجيين. كانت ساقاه عاريتين ورديتين، وكان على قدميه الدقيقتين صندل ذهبي. وكان يضع على خصلات رأسه قبعة من زنبق الودي ونرجسه مائلة إلى أحد الجانبين. وكانت عيناه طافحتين بألق الشمس وشفتاه ممتلئتين بالحبور. وكان يحمل في يديه الصغيرتين كتاب القداس منورا، قدمه للقديس بطرس بمظهر باسم من الاهتمام.وعبس القديس بطرس وهو يقرأ القداس: "يتوجهون إلي دائما عندما يقعون في ورطة، وحين يكون كل شيء على ما يرام، لا يعيرون تحذيراتي أي انتباه". وقال للملاك الساعي: "قل لهم، قل لهم إني آت حالا، قل لهم ألا يجيبوا على أي سؤال حتى أكون معهم".رفع الملاك الساعي إصبعه الوردية إلى قبعته الزنبق، بسط جناحيه البنفسجيين وطار مبتعدا بسرعة كعصفور ومغردا مثله. ونظر القديس بطرس إلي محتارا بعينيه المتفحصتين. ثم التفت إلى ملاك رئيس( 2) عجوز، وقف حارسا بجانب الستارة الذهبية وهو يتكئ على سيفه المسلول:  "دعه يتنتظر عودتي. إنه مغامر ماكر، لسانه ناعم، انتبه لئلا يفك عقدة لسانك. فنحن لدينا جميعا نقاط ضعفنا، وأنا أعرف ما هي نقطة ضعفك. ثمة شيء غريب حول روحه. فأنا لا أفهم كيف أتى إلى هنا. وكل ما أعرفه أنه يمكن أن ينتمي إلى القبيلة ذاتها التي أغوتك بعيدا عن الفردوس لتتبع الشيطان وأدت بك إلى السقوط. كن يقظا، حافظ على سكوتك، وابق سهران!"مضى. نظرت إلى الملاك العجوز، ونظر الملاك الرئيس العجوز إلي. فكرت أن من الحكمة ألا أقول شيئا، لكني أخذت أراقبه من زاوية عيني. وفي الحال رأيته يفك إبزيم نطاق سيفه بحذر شديد، وسنده إلى عمود لازوردي. وبدا أنه منتعش. كان وجهه العجوز لطيفا جدا، وكانت عيناه وديعتين حتى إني شعرت بأنه مسالم جدًّا مثلي.قلت بارتياع: "أيها الملاك الرئيس المبجل، هل سأنتظر القديس بطرس طويلا؟"قال الملاك الرئيس: "سمعت الأبواق تصدح في بهو الحساب، فهم يحاكمون كردينالين استدعيا القديس بطرس ليساعدهما في مرافعتهما". وأضاف بضحكة خافتة: "لا، لا أظن أنك ستنتظر طويلا، وحتى القديس إغناطيوس، أقسى محام في الفردوس، لا ينجح عادة في إدخالهما. فالنائب العام أكثر كفاءة منه. كان كاهنا يدعى ساڤونارولا يوم أعدما حرقا.وقلت: "الله هو القاضي الأسمى وليس الإنسان، والله رحيم".وردد الملاك الرئيس: "نعم، الله هو القاضي الأسمى والله رحيم. لكن الله يحكم على عوالم لا حصر لها، أعظم فخامة وثروة بكثير من ذلك النجم شبه المنسي الذي جاء منه هذا الرجلان".وأمسك الملاك الرئيس بيدي وقادني إلى المدخل المقنطر. وبعيني اللتين صعقهما الهول رأيت ألوفا من النجوم والكواكب المضيئة، وهي تنبض بالحياة والنور، ماضية في طريقها المقدور عبر الفضاء المطلق."أترى تلك البقعة الصغيرة في غاية الصغر، شاحبة كضوء قنديل شحم على وشك الانطفاء؟ ذلك هو العالم الذي جاء منه ذانك الرجلان، نمال تدب على أرض باردة".وقلت: "الله خلق عالمهما وهو الذي خلقهما"."نعم، الله خلق عالمهم. هو أمر الشمس أن تذيب الأحشاء المتجمدة لأرضهم. وهو طهرها بالأنهار والبحار، وهو كسا سطحها الخشن بالغابات والحقول، وهو جعلها آهلة بالحيوانات الأليفة. كان العالم جميلا وكان كل شيء على ما يرام. ثم خلق الإنسان في آخر يوم. وربما  كان من الأفضل لو أنه استراح قبل أن يخلق الإنسان في ذلك اليوم بدل اليوم التالي. وأظن أنك تعرف كيف جرت الأمور كلها. إن قردا ضخما متضورا من الجوع بدأ العمل بيديه القرناوين ليصنع بنفسه سلاحا لقتل الحيوانات الأخرى. ماذا باستطاعة أنياب الماكرودوس( 3) بطول ست بوصات أن تفعل ضد شظية صوان حادة، أمضى من ناب نمر مسيَّف الأسنان؟ وماذا باستطاعة المخالب المنجلية لدب الكهوف ( 4) أن تفعل ضد غصن مرصع بأشواك ومسامير خشبية رُكِّبت لها أصداف حادة الأطراف كموس الحلاقة؟ ماذا بمقدور قوتهم الوحشية أن تفعل ضد مكره وأحابيله وأشراكه؟ وهكذا كبر كائنا متوحشا يقتل الأصدقاء والأعداء، وحشا شريرا ضد كل الكائنات الحية، وشيطانا بين الحيوانات. راح منتصبا فوق ضحاياه يرفع راية انتصاره المضرجة بالدم على عالم الحيوان، متوجا نفسه ملك الخلق. وبالاصطفاء، قوي مظهره الوجهي وكبُر حجم دماغه. وتحولت صرخته الخشنة في الغضب والخوف إلى أصوات منطوقة وكلمات. تعلم كيف يستخدم النار. وتطور ببطء إلى إنسان. وامتص جراؤه( 5) الدم من لحم الحيوانات التي قتلها وما زالت تختلج، وتعاركوا كالرجال الذئبيين الجائعين على مشاش العظام التي حطمها بفكيه الضخمين وبعثرها في مغارته. وهكذا كبروا أقوياء متوحشين، مثله، ميالين للافتراس، متحمسين لمهاجمة أي شيء حي يعترض طريقهم والتهامه، حتى لو كان أحد إخوتهم في الرضاعة. لقد ارتعدت الغابة من اقترابهم، وتولد الخوف من الإنسان بين الحيوانات. واهتاجوا غيظا على عجل بسعارهم، فراحوا يقتلون الواحد بعد الآخر بفؤوسهم الحجرية. لقد بدأت الحرب الضارية، الحرب التي لن تتوقف أبدا."وسطع الغضب في عيني الإله، فندم لأنه خلق الإنسان. وقال الإله: "سأمحق الإنسان عن وجه الأرض، ما دام فاسدا ومشحونا بالعنف"."أمر خزانات الغمر العظيم أن تنفجر ونوافذ السماء تنفتح لتحيق بالإنسان والعالم الذي دنسه بالدم والجريمة. وليته بذلك قد أغرقهم جميعا! لكنه أراد برحمته المخلصة أن يظهر عالمهم من جديد نظيفا مطهرا بمياه الطوفان. وبقيت اللعنة في نسل قلة من العرق المحكوم، قضى الله لهم أن يمكثوا في الفلك. وبدأ القتل أيضا، والحرب التي لم تتوقف أبدا تركت طليقة من جديد."ونظر الله بصبر لامحدود، كارها أن يضرب، راغبا حتى النهاية أن يغفر، حتى إنه أرسل ابنه ذاته إلى عالمهم الشرير ليعلم الناس اللطف والمحبة وليصلي من أجلهم:  وأنت تعرف ماذا فعلوا له. وفي الحال أضرموا عالمهم كله بنيران الجحيم، وهم يرجمون السماء بالتحدي. وبمكر شيطاني صنعوا لأنفسهم أسلحة جديدة ليقتلوا بعضهم بعضا. لقد سخروا الموت لينقض من السماء ذاتها على منازلهم، ولوثوا الهواء- مانح الحياة بأبخرة الجحيم. وهم يهزون الأرض كلها بجلبات معاركهم المدوية. وحين يخيم الليل على القبة الزرقاء، يمكن أن نرى من هنا في الأعالي ضوء نجمهم ذاته يلمع أحمر وكأنه ملطخ بالدم، وفي وسعنا أن نسمع أنات جرحاهم. إن أحد الملائكة الذين يحفون من حول العرش قال لي إن عيني السيدة العذراء تتوردان بالدموع كل صباح، وأن الجرح في جنب ابنه قد انفتح من جديد".وتساءلت: "لكن الله ذاته هو إله الرحمة، فكيف يمكن أن يسمح باستمرار هذه الآلام؟ كيف يستطيع أن يصغي بلامبالاة إلى صرخات العذاب هذه؟"وتطلع الملاك العجوز حوله بقلق مخافة أن يسمع أحد جوابه. همس وكأنه مصعوق بصوت كلماته: "الإله هرم ومتعب، وقلبه مفجوع. وأولئك الذين يحيطون به ويتهجدون له بمحبتهم اللامحدودة، لا تطاوعهم قلوبهم بأن يقلقوا راحته بهذه الأنباء من الأهوال والمحن، والتي لا تنتهي أبدا. وغالبا ما يصحو من نومه الخفيف الذي ينتابه ويسأل عن سبب دوي الرعد الذي يترامى إلى أذنيه وتـوهجات الضوء الفظيع التي تخترق الظلام. ويقول أولئك المحيطون به أن الرعد هو صوت غيومه العاصفة، وأن التوهجات من وميض برقه ذاته. ثم تنطبق أجفانه المرهقة من جديد". "هكذا أفضل، أيها الملاك الرئيس المبجل، هكذا أفضل! فلو رأت عيناه ما كنت قد رأيت، وسمعت أذناه ما كنت قد سمعت، لجعلت الإله يندم من جديد لأنه خلق الإنسان. ومن جديد كان سيأمر خزانات الغمر العظيم أن تنفجر، ونوافذ السماء تنفتح لتحيق بالإنسان والعالم الذي دنسه بالدم والجريمة. وفي هذه المرة كان سيغرقهم جميعا ولا يترك في الفلك إلا الحيوانات"."حذارِ من غضب الله! حذارِ من غضب الله!"لست خائفا من الله. لكني خائف من أولئك الذين كانوا بشرا، من الأنبياء القساة، من الآباء المباركين، من القديس بطرس وصوته الصارم الذي أمرني أن أنتظر عودته"."وأنا خائف من القديس بطرس إلى حد ما"، اعترف الملاك الرئيس العجوز،"لقد سمعت كيف وبخني لأن الشيطان قادني إلى الضلال. لقد غفر الله بذاته لي وسمح لي أن أعود إلى فردوسه. ألا يعرف القديس بطرس أن الغفران يعني النسيان؟ الأنبياء قساة، أنت مصيب. لكنهم عادلون،  ولقد نور الله عقولهم وهم يتكلمون بصوته ذاته. ولا يستطيع الآباء المباركون إلا أن يقرؤوا أفكار البشر من خلال الضوء الشاحب في عيون المخلوقات الفانية، وأصواتهم هي أصوات البشر"."ما من إنسان يعرف إنسانا آخر. كيف يستطيعون أن يحاكموا ما لا يعرفون، وما لا يفهمون؟ ليت القديس فرنسيس كان بين قضاتي، لقد أحببته طوال حياتي وهو يعرفني، ويفهمني"."لم يحاكم القديس فرنسيس أي شخص، لم يكن لديه إلا الغفران مثل المسيح نفسه، وقد وضع يده في يده وكأنه أخوه. والقديس فرنسيس لا يرى غالبا في بهو الحساب، حيث ستقف عاجلا، وهو ليس محبوبا كثيرا هناك. إن كثيرا من الشهداء والقديسين يغارون من سيماه المميزة، وأكثر من واحد من نبلاء الفردوس يشعرون بعدم الارتياح إلى حد ما بمعاطفهم البهية المطرزة كلها بالذهب والأحجار الكريمة، إذا ظهر"القديس المسكين"( 6) بينهم في ملابس الكهنوت الرثة البالية، وكلها رقع من القدم والتمزق. وتستمر السيدة العذراء في إصلاحها وترقيعها بقدر ما تستطيع، وتقول أن ليس من الحكمة أن تزوده بملابس جديدة، لأنه سيعطيها لغيره وحسب".ليتني أستطيع أن أراه، وأود أن أسأله سؤالا كنت طوال حياتي أسأل به نفسي، وما من أحد يستطيع الإجابة عليه إلا هو. أيمكنك، أيها الملاك الرئيس الحكيم، أن تقول لي؟ إلى  أين تذهب الحيوانات الصديقة؟ ينبغي علي أن أعرف، لأن لي..".لا أجرؤ أن أقول أكثر."هناك في دار أبي كثير من البيوت"، قال سيدنا المسيح. إن الله الذي خلق الحيوانات سينظر في ذلك. إن السماء واسعة بما يكفي لإيوائهم أيضا."أنصت"، همس الملاك العجوز، مشيرا بإصبعه نحو المدخل المفتوح،"أنصت!"وتناهى إلى أذني تناغم رقيق معزوفا على أوتار قيثارات وأصوات أطفال عذبة، وأنا أطل على جنان الفردوس، وهي معطرة بأريج أزاهير النعيم.وقال الملاك الرئيس وهو يحني رأسه بوقار: "ارفع عينيك وانظر.لقد تعرف عليها قلبي قبل أن تتبين عيناي هالة الذهب الشاحبة حول رأسها. يا له من رسام لا يضاهى، ساندرو بوتشيللي! جاءت إلى هناك كما رسمها تماما في لوحات عديدة، في ريعان الصبا وبهاء الطهارة، إلى جانب تلك اليقظة اللطيفة من الأمومة في عينيها. وكانت تحيطها بربيع خالد عذارى متوجات بالزهر باسمات الشفاه، وعيون فتية، وملائكة صغار جدًّا بأجنحة مطوية من البنفسج والذهب يحملون معطفها، وآخرون يفرشون سجادة من الورد أمام قدميها. والقديسة كلير، محبوبة القديس فرنسيس، همست في أذن السيدة العذراء، وبدا لي أن أم المسيح تلطفت لترمقني بلحظة خاطفة وهي تمر على مقربة مني.قال الملاك الرئيس برقة: "لا تخف، لا تخف، فالسيدة العذراء رأتك، وستذكرك في صلواتها".ثم قال: "لقد تأخر القديس بطرس، إنه يقاتل في معركة قاسية مع ساڤونارولا لإنقاذ  كارديناليه".ورفع زاوية الستارة الذهبية وأطل بنظرة على البهو المعمد."ألا ترى ذلك الروح الودود في لباسه الأبيض وقد شك وردة فوق أذنه؟ غالبا ما كنت أتبادل معه الحديث، ونحن جميعا نحبه هنا، وهو بسيط وبريء كطفل. وغالبا ما أراقبه بفضول، وهو يتجول وحيدا يلتقط ريش الملائكة المتساقط على الأرض، وقد حبكها بنوع من مكنسة الريش، وحين يعتقد أن لا أحد يراه ينحني ليكنس غبار النجوم القليل عن الأرض الذهبية. ولا يبدو أنه يعرف لمَ يفعل ذلك، ويقول إنه لا يتمالك نفسه عن عملها. وأنا أتساءل من كان في الحياة. لقد جاء إلى هنا من وقت غير بعيد، ولعله قادر أن يخبرك بكل ما تريد أن تعرف عن الحساب الأخير".تطلعت إلى الروح في الثوب الأبيض، فإذا به صديقي أركانجيلو فوسكو، كناس الشوارع من الحي الإيطالي الفقير في باريس! العينان البريئتان المتواضعتان ذاتهما، الوردة ذاتها مشكوكة فوق أذنه، الوردة التي قدمها بفروسية جنوبية إلى الكونتيسة يوم أخذتها لتهدي الدمى لأطفال.قلت وأنا أمد يدي نحو صديقي: "عزيزي أركاجيلو فوسكو، لم أشك أبدا في أنك ستتأتي إلى هنا".نظر إلي بهدوء ولامبالاة وكأنه لم يعرفني. "أركانجيلو فوسكو، ألا تعرفني، ألا تتذكرني؟ ألا تتذكر كيف اعتنيت بأطفال سلڤاتور بحنان ليلا ونهارا لما أصيبا بالدفتريا، وكيف بعت ملابسك ليوم الأحد لتدفع ثمن تابوت الطفلة الكبرى حين ماتت، البنت الصغير التي كنت تحبها كثيرا؟"وسرى ظل من الألم على وجهه."لا أتذكر"."آه! يا صديقي! أي سر مروع تكشفه لي بهذه الكلمات! وأي حمل ثقيل ترفعه عن قلبي! أنت لا تتذكر! ولكن ماذا جرى لي حتى أتذكر؟""لعلك لست ميتا فعلا، لعلك تحلم أنك ميت لا أكثر"."لقد كنت حالما طوال حيواتي، فإن كان هذا حلما فهو أروع الأحلام كلها"."لعل ذاكرتك أقوى من ذاكرتي، قوية لتبقى ولو فترة قصيرة حتى تفارق الجسد. لا أعرف، ولا أفهم، الأمر كله أشد غموضا من طاقتي. وأنا لا أسأل أي سؤال".ذلك هو سبب كونك هنا، يا صديقي. لكن قل لي، يا أركانجيلو فوسكو، أما من أحد هنا يتذكر حياته على الأرض؟""إنهم لا يقولون، وهم يقولون إن أولئك الذين يذهبون إلى جهنم فقط هم الذين يتذكرون، لذلك تدعى جهنم". لكن قل لي على الأقل، أركانجيلو فوسكو، هل كانت المحاكمة صعبة، هل كان القضاة قساة؟"لقد بدوا قساة في بادئ الأمر، وأخذت أرتعد بكل كياني، وكنت خائفا أن يسألوني بشكل خاص عن حذاء نابولي الذي خطف مني زوجتي وطعنته بسكينه ذاتها. لكن من حسن الحظ أنهم لم يكونوا راغبين بمعرفة أي شيء عن الحذاء. كل ما سألوني عنه هو إن كنت قبضت أي ذهب وقلت إني لم أقبض أبدا غير النحاس في يدي. وسألوني إن كنت اختزنت أي بضائع أو مقتنيات من أي نوع، وقلت إني لم أمتلك إلا قميصي الذي مت فيه في المستشفى. ولم يسألوني عن أي شيء آخر وسمحوا لي بالدخول. وعندئذ جاء ملاك ومعه حزمة ضخمة في يديه.قال الملاك: "اخلع قميصك العتيق والبس ثياب الأحد. هل تصدق ذلك، لقد كانت ملابس الأحد القديمة التي بعتها لأدفع أجرة متعهد الدفن، وقد قام الملائكة بتطريزها كلها باللآلئ، ستراني فيها الأحد القادم، إذا كنت ما تزال هنا. ثم جاء ملاك آخر وبين يديه صندوق كبير.قال الملاك: "افتحه، إنها مدخراتك، كل النقود النحاس التي أعطيتها لأولئك الفقراء أمثالك. فكل ما وهبته على الأرض مدخر لأجلك في السماء. وكل ما كنت تحتفظ به ضاع".هل تصدق ذلك، لم يكن في صندوق المال قطعة نحاسية واحدة، كل نقودي النحاس تحولت إلى ذهب.وأضاف هامسا لئلا يسمعنا الملاك الرئيس: "أقول إني لا أعرف من تكون، لكنك تبدو في حالة مزرية إلى حد ما، ولا تمتعض مني إذا قلت لك إني أرحب بأن تأخذ أي شيء تحبه من صندوق المال. لقد قلت للملاك إني لا أعرف ماذا سأفعل بكل هذا المال، والملاك قال لي أن أعطيه لأول شحاذ يمكن أن أقابله".لو أني حذوت حذوك، أركانجيلو فوسكو، فلا يمكن أن أكون في حالة مزرية كما أنا اليوم. يا حسرة! لم أهب ملابس الأحد، وذلك سبب أني اليوم في ثياب رثة كلية. ومن عظيم سروري فعلا أنهم لم يسألوك بوجه خاص عن حذاء نابولي الذي أرسلته إلى عالم آخر. يعلم الله كم حياة حذاء كان يمكن أن يحسب علي لكي أدفع الثمن، أنا الذي كنت طبيبا لأكثر من ثلاثين سنة!"سحبت الستارة الذهبية جانبا بأيد خفية وانتصب ملاك أمامنا."لقد جاء وقتك لتمثل أمام القضاة"، قال الملاك العجوز. "كن متواضعا وكن صامتا، وفوق كل شيء، كن صامتا! وتذكر أن الكلام هو الذي أدى إلى سقوطي، وهو الذي سيؤدي إلى سقوطك إذا أفلت لسانك".وهمس أركانجيلو فوسكو، وهو يغمزني بمكر: "أعتقـد أن من الأفضل ألا تتورط بأي مجازفة غير ضرورية. لو كنت مكانك فلن أتفوه بأي شيء عن الحذّائين الآخرين الذين تحدثت عنهم. فأنا لم أقل أي شيء عن حذائي لأنهم لم يسألوني عنه. ومع ذلك ربما كانوا لا يعرفون إطلاقا أي شيء عنه – من يدري؟" قادني الملاك من يدي ونزل بي إلى البهو المعمد، بهو الحساب، وهو رحب مثل قاعة أوزيريس بأعمدة من اليشب والأوبال وتيجان من أزهار اللوتس الذهبي وأعمدة من أشعة الشمس تدعم العقد وكلها مكسوة بنجوم السماء.رفعت رأسي فرأيت أعدادا لا تحصى من شهداء وقديسين في ثيابهم البيضاء، ونساك وزهاد ومعتكفين على رؤوس الأعمدة، وملامحهم الهمجية ملفوحة بشمس النوبة، ورهبان أديرة عراة وأجسامهم الهزيلة مغطاة بالشعر، وأنبياء بعيون صارمة، تتدلى لحاهم على صدورهم، ورسل مباركون في أيديهم أغصان من سعف النخيل، وبطاركة وقساوسة من جميع البلدان والمعتقدات، وقلة من الباباوات بتيجانهم اللامعة وكاردينالين في ملابسهما الحمراء. كان قضاتي جالسين أمامي في شبه دائرة، صارمين وعديمي التأثر.قال القديس بطرس، وهو يناولهم أوراق اعتمادي: "يبدو الأمر سيئا، سيئا جدا!"ونهض القديس إغناطيوس، المحقق الأكبر، عن مقعده وتكلم: "حياته ملطخة بآثام شائنة، روحه مظلمة وقلبه مدنس. وأنا، كمسيحي وكقديس، أطلب له اللعنة، ولتعذب الشياطين جسده وروحه خلال الأبدية كلها".وترددت همهمة موافقة خلال القاعة. رفعت رأسي وتطلعت إلى قضاتي. وهم جميعا قابلوا نظرتي بصمت صارم. حنيت رأسي ولم أقل شيئا، لقد تذكرت تحذير الملاك العجوز بأن أظل ساكتا، وفوق ذلك لم أعرف ما أقول. وفجأة لمحت بعيدا في آخر القاعة قديسا صغير يومئ لي برأسه مهتاجا. وفي الحال، رأيته يتخذ طريقه متوجها بجبن بين القديسين الكبار إلى حيث كنت أقف قرب الباب. قال القديس الصغير بنظرة ودية في عينيه اللطيفتين: "انا أعرفك جيدا، لقد رأيتك قادما". ثم أضاف هامسا وهو يضع إصبعه على شفتيه: "ورأيت صديقك أيضا يخب في أعقابك". وهمست متسائلا: "من أنت، أيها الأب الطيب؟"وأعلن القديس الصغير: "أنا القديس روكو، القديس راعي الكلاب، ليتني أستطيع مساعدتك، لكني قديس صغير إلى حد ما هنا، ولن يصغوا إلى ما أقول"، همس وهو يختلس النظر نحو الأنبياء والآباء المباركين.وتابع القديس إغناطيوس: "إنه ملحد، كافر ساخر، كذاب، أفاك، عراف مليء بالسحر الأسود، فاسق..".ونصب العديد من الأنبياء المسنين آذانهم بانتباه. ودافع القديس بطرس: "إنه شاب ومتحمس، من الأفضل أن..".وهمهم ناسك: "التقدم في السن لن يصلحه".قال القديس جون: "إنه يحب الأطفال".ودمدم بطرك في لحيته: "وهو يحب أمهاتهم أيضا".وقال القديس لوقا، الطبيب المحبوب: "كان طبيبا يعمل بجهد بالغ".ورد القديس دومينيك محتجا: "الجنة ملأى بمرضاه وكذلك الجحيم، كما قيل لي".وأعلن القديس بطرس: "لقد بلغت به الوقاحة أن يجلب كلبه معه، فهو يقعي منتظرا سيده خارج بوابات الفردوس".وهمس القديس إغناطيوس كالفحيح: "ليس عليه أن ينتظر سيده طويلا".وقذف نبي عجوز صارم المظهر بصوت مغتاظ: "كلب لدى بوابات الجنة!""من هو ذاك؟" همست للقديس راعي الكلاب."لا تقل شيئا، بحق الله، تذكر تحذير الملاك الرئيس. أظن أنه حبقوق"."إذا كان حبقوق من قضاتي، فأنا هالك، لا محالة"، وكما قال ڤولتير: "إنه قادر على مغالبة الجميع".وزمجر حبقوق: "كلب لدى بوابات الجنة، كلب، حيوان نجس!"وكان ذلك فوق ما أطيق.إنه ليس حيوانا نجسا"، رددت صارخا، وأنا أحدق بغضب في حبقوق، إن الذي خلقه هو الله ذاته الذي خلقك وخلقني. فإذا كانت لنا جنة، فلا بد أن تكون هناك جنة للحيوانات أيضا، مع أنكم أيها الأنبياء العجائز الصارمون، قساة إلى هذا الحد وراسخون في قداستكم، نسيتم كل شيء عنهم. وهذا ما فعلتموه من أجل ذلك الأمر، أيها الرسل المباركون"، تابعت فاقدا أعصابي أكثر فأكثر. "وإلا، لماذا أغفلتم في مخطوطاتكم المقدسة أن تسجلوا قولا واحدا لإلهنا في الدفاع عن إخوتنا العجم؟"وقاطعني القديس أناستسيوس: "الكنيسة التي انتميت إليها على الأرض لم تعر الحيوانات أي اهتمام، ولا نحب أن نسمع أي شيء عنهم في الجنة. أيها الأحمق الكافر، كان من الأفضل لك أن تفكر في روحك ذاتها بدلا من أرواحهم، فروحك الخبيثة ذاتها على وشك أن ترجع إلى الظلام من حيث جاءت"."روحي جاءت من الفردوس، وأنا لا أومن بجحيمكم".وصاح المحقق الأكبر بصوت كالصفير، ومقلتاه تقدحان شررا خفيا: "سوف تؤمن بها حالا".وانطلق صوت صائحا: "عليه لعنة الله، إنه مجنون!"ودوّت صرخة رعب في قاعة الحساب: "إبليس! إبليس! الشيطان بيننا!" ونهض موسى من مقعده، عملاقا وعنيفا، وفي يديه القويتين وصاياه العشر، وفي عينيه ومضات البرق."لكم يبدو غاضبا"، همست مصعوقا للقديس راعي الكلاب.ورد القديس الصغير مذعورا: "إنه دائما غاضب".وهدر موسى بصوت كالرعد: "لا تقولوا أية كلمة أخرى عن هذه الروح، إن الصوت الذي سمعته من شفاه الشيطان التي تنفث الدخان. رجلا كنت أو شيطانا، انقلع من هنا! يهوه، يا رب إسرائيل، ارفع يدك لتسدد له ضربة ماحقة! أحرق لحمه وجمد الدم في عروقه! وليرجع إلى جهنم من حيث جاء"."إلى جهنم! إلى جهنم!"، رددت الصرخات في قاعة الحساب.حاولت أن أتكلم فلم يصدر أي صوت من شفتي. تجمد قلبي، وشعرت بأن الله والإنسان تخليا عني.همس الملاك الصغير إلى جانبي: "إذا ساءت الأمور، فسأعتني بالكلب".وفجأة، وخلال السكون الرهيب، خيل إلي أني سمعت تغريد الطيور. هازجة صغيرة من الحديقة حطت بلا وجل على كتفي وغنت في أذني: "أنت أنقذت حياة جدتي، عمتي، وإخوتي وأخواتي الثلاثة من العذاب والموت بفضل يد إنسان على تلك الجزيرة الصخرية. مرحبا بك! مرحبا بك!"وفي اللحظة نفسها، نقرت قبرة إصبعي وسقسقت لي: "قابلت صائد ذباب في بلاد اللاب، وقال لي إنك في صباك عالجت جناح أحد أسلافه ودفّأت جسمه المتجمد من البرد بجوار قلبك، ولما فتحت يدك لتطلقه حرًّا، قبلته وقلت: "بسرعة موفقة، يا أخي الصغير! بسرعة سليمة، يا أخي الصغير!" مرحبا بك! مرحبا بك!""ساعدني، يا أخي الصغير! ساعدني يا أخي الصغير!"وبسطت القبرة جناحيها وطارت بعيدا وهي تغرد بنبرة حبور: "سأحاول، سأحاول، سأحااااول!"وتابعت عيناي القبرة وهي تطير مبتعدة نحو أفق التلال الزرقاء التي أمكنني رؤيتها تماما عبر قنطرة المدخل القوطي. كم كنت أعرف تلك التلال من لوحات فرا أنجيليكو!( 7) أشجار الزيتون الرمادية-الفضية ذاتها، وأشجار السرو الداكنة وهي تنتصب في وجه سماء المساء الصافية. سمعت أجراس أسيسي تقرع لصلاة التبشير، وأتى إلى هناك القديس الأمبري(8 ) الشاحب، وهبط درب التل الملتوي وئيدا مع الأخ ليو وإلى جانبه الأخ ليوناردو. رفرفت طيور بأجنحة سريعة وغردت حول رأسه، وتغذت أخرى من يديه المبسوطتين، وعششت أخرى آمنة بين طيات ثوبه الكهنوتي. وكان القديس فرنسيس يقف ساكنا إلى جانبي وهو يتطلع إلى قضاتي بعينين رائعتين، تينك العينين اللتين لا يمكن لإله أو إنسان أو وحش أن يقابلهما بغضب.وغطس موسى في مقعده تاركا وصاياه العشر تتساقط. وغمغم بمرارة: "إنه هو دائما، دائما هو، الحالم الضعيف مع سربه من الطيور وأتباعه من المتسولين والمنبوذين. ومع أنه بهذا الضعف، إلا أنه قوي بما يكفي ليمنع يدك من الانتقام، يا إلهي! ألست يهوه عندئذ، الله الغيور، الذي هبط على جبل سيناء وجعل شعب إسرائيل يرتعد من الهول؟ ألم يكن غضبك الذي أمرني أن أرفع عصا الانتقام لأسحق كل عشبة في الحقل وأحطم كل شجرة، وأن كل الناس والوحوش لا بد أن يموتوا؟ ألم يكن صوتك الذي تكلم في وصاياي العشر؟ من سيخشى وميض البرق، يا إلهي! إذا أخرست رعد غضبك تغريدة عصفورة؟هوى رأسي على كتف القديس فرنسيس.كنت ميتا، ولم أكن أدري بذلك.   ------------------( 1) Girolamo Savonarola (1452- 1498):  مصلح إيطالي، والكرسي ذو قاعدة عريضة مقوسة بدل القوائم وهو يحيط بالجذع من الظهر والجانبين كالأريكة. (م)( 2) Archangel:  كبير الملائكة أو الملاك الرئيس، وسأكتفي غالبا بالملاك العجوز، تجنبا لتكرار الصفتين "الرئيس العجوز"  وإثارا للسلاسة. (م) ( 3) Machaerodus, Machairodus :  من الوحوش المفترسة المنقرضة يشبه النمر، وله نابان علويان كالخناجر. (W)( 4) Ursus Spelaeus:  Cave Bear:  دب الكهوف، وهو من الحيوانات المنقرضة. (W)( 5) لعل كلمة (صغار) ألطف، لكن الكاتب استخدم Cubs بقصد، تأكيدا على النزعة الوحشية للإنسان. (م)(6 ) وردت في النص “Il Poverello" ومعناها:  الرجل الفقير، وهي لقب خاص بالقديس فرنسيس. (ش)( 7) وردت في النص “Il Poverello" ومعناها:  الرجل الفقير، وهي لقب خاص بالقديس فرنسيس. (ش)( 8) Fra Angeleco (1400- 1455):  رسام  من فلورنسا. (W) -------------------- هذه الملحمة الإنسانية  لاكسيل مونتي يصعب أن نَفيها حقها في مقالة موجزة، خاصة وهو يعبر بعمق وألم عن المعركة الدائرة بين الموت والحياة... فالمعركة منظمة في أدق تفاصيلها وفق قانون من التوازن بين الحياة والموت لا يقبل التغيير... لذا أترك للقارئ متعة قراءتها، كما استمتعت. محمد أحمد السويديبتكليف ورعاية من الشاعر الإماراتي محمد أحمد السويدي، وبدافع من حب المعرفة والسعي لنشرها قامت القرية الإلكترونية بتوفير هذه النسخة من قصة سان ميشيل مترجمة باللغة العربية – ترجمها علي كنعان. (جميع الحقوق محفوظة)صفحتنا الرسمية في فيس بوك :https://www.facebook.com/mohammed.suwaidi.poet/منصتنا في جوجل بلس لمتابعة باقي مشروعاتنا https://plus.google.com/+HisExcellencyMohammedAhmedAlSuwaidi?hl=ar , Electronic Village, His excellency mohammed ahmed khalifa al suwaidi, Arabic Poetry, Arabic Knowledge, arabic articles, astrology, science museum, art museum,goethe museum, alwaraq, arab poet, arabic poems, Arabic Books,Arabic Quiz, القرية الإلكترونية , محمد أحمد خليفة السويدي , محمد أحمد السويدي , محمد السويدي , محمد سويدي , mohammed al suwaidi, mohammed al sowaidi,mohammed suwaidi, mohammed sowaidi, mohammad alsuwaidi, mohammad alsowaidi, mohammed ahmed alsuwaidi, محمد السويدي , محمد أحمد السويدي , muhammed alsuwaidi,muhammed suwaidi....
اعرض في فيس بوك    
, Electronic Village, His excellency mohammed ahmed khalifa al suwaidi, Arabic Poetry, Arabic Knowledge, arabic articles, astrology, science museum, art museum,goethe museum, alwaraq, arab poet, arabic poems, Arabic Books,Arabic Quiz, القرية الإلكترونية , محمد أحمد خليفة السويدي , محمد أحمد السويدي , محمد السويدي , محمد سويدي , mohammed al suwaidi, mohammed al sowaidi,mohammed suwaidi, mohammed sowaidi, mohammad alsuwaidi, mohammad alsowaidi, mohammed ahmed alsuwaidi, محمد السويدي , محمد أحمد السويدي , muhammed alsuwaidi,muhammed suwaidi    قصة سان ميشيل لأكسِل مونتي                                       ترجمة:  علي كنعانالحلقة رقم (33)  II تخايل....
اقرأ المزيد ...    قصة سان ميشيل لأكسِل مونتي                                       ترجمة:  علي كنعانالحلقة رقم (33)  II تخايل الشعاع الأخير من النور الذهبي خلال النافذة القوطية، وانعطف حول البرج من كتب القداس  وصليب القرن الثالث عشر الفضي على الأسوار إلى تماثيل تاناجرا الأنيقة والأقداح الڤنيسية على طاولة الطعام، من الحوريات المتوجات بالأزهار والباخوسيين الراقصين إلى مزمار بان على  النقوش الإغريقية، إلى الملامح الشاحبة على الأرض الذهبية للقديس فرانسيس، قديس أمبريا المحبوب، وإلى جانبه القديسة كلير، وفي يدها باقة من زنبق الماء. وفي الحال، أحاطت هالة من الذهب بوجه العذراء الفلورنسية الهادئ، وسرعان ما تنبثق من العتمة الربة الرخامية العبوس،  أرتميس لافريا، وسهم الموت المباغت في كنانتها. وتوج قرص شمسي وهاج من جديد رأس أخناتون المبتور، الحالم الملكي على ضفاف النيل، سليل الشمس. وإلى جواره وقف أوزيريس، قاضي روح الإنسان، وحورس المتوج بالصقر، وإيزيس الغامضة وأختها نفتيس، مع أنوبيس، مراقب القبر يزحف عند أقدمهما.وتلاشى النور مبتعدا، وزحف الليل مقتربا."يا إله النهار، يا واهب الضياء، ألا يمكن أن تبقى معي هنيهة أطول؟ الليل طويل جدًّاعلى  الأفكار التي لا تجرؤ أن تحلم بطلوع الشمس، والليل حالك جدًّاأمام العيون التي لا تستطيع أن ترى النجوم. ألا يمكنك أن تمنحني أكثر ولو ثواني معدودات من خلودك الوضاء لأتملى عالمك الجميل، والبحر الحبيب، والغيوم الشاردة، والجبال المجيدة، والجداول المصلصلة، والأشجار الودية، والأزهار بين العشب، والطيور والوحوش، وأخوتي وأخواتي، في السماء وفي الغابات والحقول؟ ألا يمكن أن تترك لي على الأقل قليلا من الأزهار البرية في يدي لتسعد قلبي، ألا يمكن أن تترك لي قليلا من الأنجم في سمائك لتريني الطريق؟"وإذا لم يكن لي بعد اليوم أن أرى ملامح الرجال والنساء من حولي، ألا يمكن أن تمنحني نظرة شاردة لطفل صغير أو حيوان ودي؟ لقد حدقت طويلا في وجوه الرجال والنساء، وأنا أعرفها جيدا، فلم يعد فيها ما يعلمني إلا القليل. إنها قراءة مملة حين أقارنها بما كنت قد قرأته في توراة الله ذاته، وفي وجه الأم الطبيعة المكتنف بالأسرار. عزيزتي الممرضة العجوز، يا من بددت من جبهتي الملتهبة ما لا يحصى من أفكاري الشريرة بتربيتات لطيفة من يدك الهرمة المتغضنة، لا تدعيني وحيدا في الظلام. فأنا خائف من الظلام! ظلي معي أطول قليلا، واروي لي مزيدا من حكاياتك العجيبة عن الجن، بينما تضعين طفلك القلق في السرير ليغرق في نوم ليله الطويل! "يا نور العالم، يا حسرة! أنت إله، وما من صلاة كائن بشري وصلت إلى سمائك. أنى لي، أنا الدودة، أن أتأمل شفقة منك، يا إله الشمس عديم الرحمة، منك أنت الذي تخلى حتى عن الفرعون العظيم أخناتون الذي تردد رجع ترنيمته الخالدة إلى الشمس عبر وادي النيل قبل هومر بخمس مئة سنة حيث غنى:  "عندما ترتفع فالبلاد كلها في سعادة ومسرة  والناس يقولون:  إنها الحياة أن نراك، والموت ألا نراك.  الغرب والشرق يرفع الحمد لك، وحين تشرق يعيشون،  وحين تغيب يموتون".ومع ذلك، فأنت لم تنظر إليه بشفقة في عينك المشرقة، بينما آلِهة الزمن القديم قذفوا هيكل أعظم عابد لك في النيل وانتزعوا قرص الشمس عن جبينه، والصقر الملكي عن صدره، ومحوا اسمه البغيض من الصفائح الذهبية الملفوفة حول جسمه الضعيف، لاعنين روحه لتهيم بلا اسم في العالم السفلي إلى الأبد. وبعد آلهة النيل بزمن طويل، سقطت آلهة الأولمب وآلهة الڤاـلهالا( 1) في الهوان. أما آخر صفي من عابديك، وهو القديس فرانسيس من أسيسي، المغني العذب لأنشودة الشمس، فقد رفع ذراعيه إلى سمائك، يا إله الشمس الخالد، وعلى شفتيه الصلاة ذاتها التي أتوجه بها إليك اليوم، بألا تأخذ نورك المبارك بعيدا عن عيوننا المريضة التي أرهقها السهر والدموع. توسل إليه الأخوة بإلحاح فسافر إلى رييتي لاستشارة طبيب عيون مشهور، وخضع بلا وجل لعملية نصحه بها. ولما وضع الجراح المشرط في النار ليحميه، تكلم القديس فرانسيس إلى النار كصديق، قائلا: "أخي يا ملاك النار، لقد خلقك القدوس الأعظم، قبل جميع الأشياء الأخرى، من اللطافة الفائقة قويا، جميلا، ومفيدا. كن لي في هذه الساعة رحيما، وكن لطيفا. أبتهل إلى الله العظيم الذي خلقك أن يخفف حرارتك من أجلي عسى أن أكون قادرا على تحمل إحراقك لي بصبر".ولما أنهى صلاته على المشرط المتوهج بالحرارة، أدى إشارة الصليب وظل ثابتا لم ينتفض بينما كان المشرط ينغرز في اللحم الرقيق بنشيش مسموع، وكان الكي ممتدا من الأذن حتى الحاجب. وقال القديس فرانسيس للطبيب: "إذا لم يكن الكي ناجحا تماما، اغرزه من جديد!" ورد الطبيب متعجبا، وهو يتأمل في رقة اللحم تلك القوة الروحية العجيبة: "سأقول لك يا أخي، لقد رأيت اليوم أشياء عجيبة!"يا للأسف! كانت صلاة أطهر الرجال كافة عبثا، وعانى بلا جدوى، لقد تخليت عن البائس المسكين كما تخليت عن الفرعون العظيم. ولما وضع الأخوة المحفة بحملها الضئيل تحت أشجار الزيتون عند سفح التل، وهم في طريق عودتهم إلى بلدتهم، لم يعد القديس فرانسيس قادرا أن يرى أسيسي الحبيبة وهو يرفع يده ليمنحها بركته الأخيرة.فأنى لي، أنا الآثم، أشد عبادك تواضعا، أن أقوى على الأمل في رحمة منك، منك أنت الذي أعطاني من قبل ما لا يحصى من النعم النفيسة بيدين سخيتين! أنت وهبتني عيني لتأتلقا بالفرح ولتطفحا بالدموع، وأنعمت على قلبي أن ينبض بالشوق ويدمى بالشفقة، وأعطيتني النوم، ومنحتني الأمل.لقد اعتقدت أنك وهبتني ذلك كله هدية. وكنت مخطئا. فلم تكن إلا دينا، واليوم تريد أن تستردها كلها إليك لتسلمها إلى كائن آخر ليرتفع بدوره خارج ذات الأبدية التي أغوص فيها راجعا. يا إله النور، ليكن الأمر هكذا! الله أعطى والله يأخذ، تبارك اسم الله! ---------------------( 1)  Velhala = Welhalla:  مثوى الشهداء والضحايا في الأساطير الاسكندينافية.-------------------- هذه الملحمة الإنسانية  لاكسيل مونتي يصعب أن نَفيها حقها في مقالة موجزة، خاصة وهو يعبر بعمق وألم عن المعركة الدائرة بين الموت والحياة... فالمعركة منظمة في أدق تفاصيلها وفق قانون من التوازن بين الحياة والموت لا يقبل التغيير... لذا أترك للقارئ متعة قراءتها، كما استمتعت. محمد أحمد السويديبتكليف ورعاية من الشاعر الإماراتي محمد أحمد السويدي، وبدافع من حب المعرفة والسعي لنشرها قامت القرية الإلكترونية بتوفير هذه النسخة من قصة سان ميشيل مترجمة باللغة العربية – ترجمها علي كنعان. (جميع الحقوق محفوظة)صفحتنا الرسمية في فيس بوك :https://www.facebook.com/mohammed.suwaidi.poet/منصتنا في جوجل بلس لمتابعة باقي مشروعاتنا https://plus.google.com/+HisExcellencyMohammedAhmedAlSuwaidi?hl=ar , Electronic Village, His excellency mohammed ahmed khalifa al suwaidi, Arabic Poetry, Arabic Knowledge, arabic articles, astrology, science museum, art museum,goethe museum, alwaraq, arab poet, arabic poems, Arabic Books,Arabic Quiz, القرية الإلكترونية , محمد أحمد خليفة السويدي , محمد أحمد السويدي , محمد السويدي , محمد سويدي , mohammed al suwaidi, mohammed al sowaidi,mohammed suwaidi, mohammed sowaidi, mohammad alsuwaidi, mohammad alsowaidi, mohammed ahmed alsuwaidi, محمد السويدي , محمد أحمد السويدي , muhammed alsuwaidi,muhammed suwaidi....
اعرض في فيس بوك    
, Electronic Village, His excellency mohammed ahmed khalifa al suwaidi, Arabic Poetry, Arabic Knowledge, arabic articles, astrology, science museum, art museum,goethe museum, alwaraq, arab poet, arabic poems, Arabic Books,Arabic Quiz, القرية الإلكترونية , محمد أحمد خليفة السويدي , محمد أحمد السويدي , محمد السويدي , محمد سويدي , mohammed al suwaidi, mohammed al sowaidi,mohammed suwaidi, mohammed sowaidi, mohammad alsuwaidi, mohammad alsowaidi, mohammed ahmed alsuwaidi, محمد السويدي , محمد أحمد السويدي , muhammed alsuwaidi,muhammed suwaidi  قصة سان ميشيل لأكسِل مونتي                                       ترجمة:  علي كنعانالحلقة رقم (32) في البرج القديم I إن....
اقرأ المزيد ...  قصة سان ميشيل لأكسِل مونتي                                       ترجمة:  علي كنعانالحلقة رقم (32) في البرج القديم I إن "قصة سان ميشيل" انتهت هنا بشكل باتر، وهي على وشك أن تبدأ تماما، شظية لا معنى لها. تنتهي برفرفة أجنحة وتغريدة عصافير والجو مفعم بالربيع. أتكون قصة حياتي ذاتها، الخالية من أي معنى، ستنتهي هكذا تماما بعصافير تغني تحت نافذتي والسماء ساطعة بالضياء! لقد كنت أفكر كثيرا جدًّاعلى هذا النحو في الموت خلال هذه الأيام الأخيرة، ولا أدري لماذا. الحديقة ما زالت حافلة بالأزهار، والفراشات والنحلات ما زالت تطير محومة، والحراذين ما تزال تتشمس بين اللبلاب، والأرض ما تزال تضج بحياة جميع الكائنات الزاحفة. والبارحة تماما سمعت هازجة متأخرة تغني باشتهاء تحت نافذتي. فلماذا ينبغي علي أن أفكر في الموت؟ من رحمة الله أنه جعل الموت محجوبا عن عيون الناس. ونحن ندرك أنه هناك، يتعقبنا كظلنا، ولا يغفل أبدا عن مراقبتنا. ومع ذلك لا نراه، ونادرا ما نفكر فيه. وأغرب شيء أننا كلما اقتربنا من قبورنا أكثر، كلما ازداد انسحاب الموت من أفكارنا. وبالفعل، إن الأمر يحتاج لإله حتى ينجز معجزة كهذه!  نادرا ما يتحدث كبار السن عن الموت، ويبدو أن أبصارهم الضعيفة لا ترغب أن تركز على أي شيء غير الماضي والحاضر. وبالتدريج، ولأن ذاكرتهم تضعف، حتى الماضي يغدو أكثر فأكثر غير واضح المعالم، وهم يعيشون بكليتهم في الحاضر تقريبا. وذلك هو السبب أن كبار السن عادة أقل شقاء مما يتوقع الجيل الشاب أحوالهم، وهم ينعمون بأيام تكاد تكون خالية من المعاناة الجسدية كما أرادتهم الطبيعة أن يكونوا. نحن نعلم أننا سنموت، وهو الشيء الوحيد الذي نعرفه مما هو مدخر لنا، في الحقيقة. وكل ما تبقى مجرد تخمين، وفي معظم الأحيان نخمن خطأ. ونحن نتلمس طريقنا خلال حياتنا في جهل مبارك لما يمكن أن يحدث لنا بين يوم وآخر، كأطفال في غابة غير مطروقة، أي المصاعب علينا أن نواجه، وأي مغامرات أكثر أو أقل إثارة يمكن أن نلاقي قبل المغامرة العظيمة، وهي  أعظم إثارة من كل ما عداها، إنها مغامرة الموت. وفي حيرتنا بين حين وآخر، نجازف في أن نضع لقدرنا سؤالا جبانا، لكننا لا نتلقى أي جواب، لأن النجوم أبعد ما تكون عنا. وكلما سارعنا  للتحقق من أن قدرنا يكمن في أنفسنا وليس في النجوم، فذلك أفضل لنا بكثير. فالسعادة لا يمكن أن نجدها إلا في نفوسنا، والتماسها من الآخرين إضاعة للوقت، وليس لدى قلة منهم أي توفير. علينا أن نحمل الحزن وحدنا بأحسن ما نستطيع، فليس عدلا أن نلقيه على الآخرين، سواء كانوا رجالا أم نساء. علينا أن نخوض معاركنا بأنفسنا ونضرب بأقسى ما نستطيع، ما دمنا مقاتلين بالولادة كما نحن. سوف يحل السلام يوما علينا جميعا، سلام بلا أي إهانة حتى للمهزوم إذا حاول أن يقوم بواجبه بقدر ما يستطيع.وفي ما يخصني، فالمعركة قد انتهت بهزيمتي. لقد طردت من سان ميشيل، ثمرة حياتي كلها. لقد بنيتها حجرا فوق حجر بيدي وبعرق جبيني. لقد شيدتها على ركبتي لتكون حرما للشمس حيث كنت ألتمس المعرفة والضياء من الإله المجيد الذي كنت أعبده طوال حياتي. لقد أنذرتني النار في عيني مرارا وتكرارا أني لا استحق أن أعيش هناك، وأن مكاني في الظل، لكني لم أعبأ بتلك الإنذارات. لقد كنت أرجع، صيفا إثر صيف، إلى ضياء سان ميشيل المكنون بالعمى، كالجياد التي ترجع إلى حظائرها المشتعلة لتهلك في اللهب. حذار من الضياء، حذار من الضياء!لقد رضيت بقدري أخيرا، فأنا في شيخوختي أعجز من أن أقاوم إلها. وانسحبت إلى حصني في البرج القديم حيث عزمت أن أجعل مقومتي الأخيرة. كان دانتي لا يزال حيا لما شرع الرهبان في بناء برج ماتيريتا، وهو نصف دير، نصف حصن، راسخ كالصخرة التي أقيم عليها. ولكم ترددت خلال أسواره منذ أن جئت إلى هنا أصداء صرخته المريرة: "ليس هناك أعظم أسى من أن تتذكر أيام السعادة وأنت في حالة شقاء". ولكن بعد كل شيء، هل كان عراف فلورنسا مصيبا؟ أصحيح أن ليس هناك ما هو أقسى ألما من تذكر سعادتنا الغابرة في شقائنا؟ أما بالنسبة إلي، فلا أظن ذلك. إن أفكاري تعود بابتهاج، وليس بحزن، إلى سان ميشيل حيث عشت أسعد أيام حياتي. لكنه صحيح أن لا أحب أن أرجع بنفسي إلى هناك من جديد – أشعر وكأني أقتحم أرضا مقدسة، مقدسة لماض لا يمكن أن يعود، يوم كانت الدنيا صبية، وكانت الشمس صديقتي. إنه لأمر رائع أن أتجول في الضوء اللطيف تحت أشجار الزيتون في ماتيريتا. ومن الجميل أن أجلس وأحلم في البرج القديم، ويوشك هذا أن يكون الشيء الوحيد الذي أستطيع أن أقوم به. فالبرج يتجه نحو الغرب، حيث تغيب الشمس. وفي الحال ستغوص الشمس في البحر، ثم يطل الشفق، فالليل بعد ذلك.لقد كان يوما جميلا. -------------------- هذه الملحمة الإنسانية  لاكسيل مونتي يصعب أن نَفيها حقها في مقالة موجزة، خاصة وهو يعبر بعمق وألم عن المعركة الدائرة بين الموت والحياة... فالمعركة منظمة في أدق تفاصيلها وفق قانون من التوازن بين الحياة والموت لا يقبل التغيير... لذا أترك للقارئ متعة قراءتها، كما استمتعت. محمد أحمد السويديبتكليف ورعاية من الشاعر الإماراتي محمد أحمد السويدي، وبدافع من حب المعرفة والسعي لنشرها قامت القرية الإلكترونية بتوفير هذه النسخة من قصة سان ميشيل مترجمة باللغة العربية – ترجمها علي كنعان. (جميع الحقوق محفوظة)صفحتنا الرسمية في فيس بوك :https://www.facebook.com/mohammed.suwaidi.poet/منصتنا في جوجل بلس لمتابعة باقي مشروعاتنا https://plus.google.com/+HisExcellencyMohammedAhmedAlSuwaidi?hl=ar , Electronic Village, His excellency mohammed ahmed khalifa al suwaidi, Arabic Poetry, Arabic Knowledge, arabic articles, astrology, science museum, art museum,goethe museum, alwaraq, arab poet, arabic poems, Arabic Books,Arabic Quiz, القرية الإلكترونية , محمد أحمد خليفة السويدي , محمد أحمد السويدي , محمد السويدي , محمد سويدي , mohammed al suwaidi, mohammed al sowaidi,mohammed suwaidi, mohammed sowaidi, mohammad alsuwaidi, mohammad alsowaidi, mohammed ahmed alsuwaidi, محمد السويدي , محمد أحمد السويدي , muhammed alsuwaidi,muhammed suwaidi....
اعرض في فيس بوك    
, Electronic Village, His excellency mohammed ahmed khalifa al suwaidi, Arabic Poetry, Arabic Knowledge, arabic articles, astrology, science museum, art museum,goethe museum, alwaraq, arab poet, arabic poems, Arabic Books,Arabic Quiz, القرية الإلكترونية , محمد أحمد خليفة السويدي , محمد أحمد السويدي , محمد السويدي , محمد سويدي , mohammed al suwaidi, mohammed al sowaidi,mohammed suwaidi, mohammed sowaidi, mohammad alsuwaidi, mohammad alsowaidi, mohammed ahmed alsuwaidi, محمد السويدي , محمد أحمد السويدي , muhammed alsuwaidi,muhammed suwaidi   قصة سان ميشيل لأكسِل مونتي                                       ترجمة:  علي كنعانالحلقة رقم (31)  XXXII بداية النهاية كنت....
اقرأ المزيد ...   قصة سان ميشيل لأكسِل مونتي                                       ترجمة:  علي كنعانالحلقة رقم (31)  XXXII بداية النهاية كنت بعيدا عن سان ميشيل مدة سنة بطولها، يا له من وقت ضائع! ولقد رجعت بعين واحدة أقل مما كان حين غادرت. وليس ثمة ما يقال عنها أكثر، ولا ريب أنها كانت لكي أستعد لاحتمال أني كنت عازما أن أبدأ الحياة بعينين. لقد رجعت رجلا مختلفا. وبدا لي أني أطل على العالم بعيني الوحيدة الباقية من زاوية أخرى غير التي كنت أنظر منها قبل ذلك. فأنا لا أستطيع أن أرى بعد اليوم ما هو قبيح أو خسيس، بل يمكن أن أرى فقط ما هو جميل وحلو ونظيف. وحتى الرجال والنساء من حولي بدوا مختلفين عما اعتادوا أن يكونوا. وبخداع بصري غريب، لم يعد في وسعي أن أراهم كما هم، لكن كما يريدون أن يكونوا، كما كانوا يحبون أن يكونوا لو أتيحت لهم فرصة. وما زال في استطاعتي أن أرى بعيني العمياء كثيرا من الحمقى يختالون هنا وهناك، ولكن لا يبدو أنهم يثيرون أعصابي كما اعتادو أن يفعلوا. لا أبالي بثرثرتهم، دعهم ينطلقون بأقوالهم. وأكثر من ذلك أني لم أصل إلى الوقت الحاضر، فإذا كان علي أن أحب أقراني من المخلوقات في أي وقت، أخشى أن أغدو مصابا بعمى عينيّ كلتيهما أولا. أعتقد أن ثمة نوعا من التطور الانتكاسي يواصل مساره في عقلي ويجعلني أنجرف أبعد فأبعد عن الناس الآخرين وأتقدم أقرب فأقرب إلى الطبيعة الأم وإلى الحيوانات. وهؤلاء الرجال والنساء حولي يبدون لي الآن أقل أهمية بكثير في العالم مما كانوا. أشعر وكأني أبدد من وقتي معهم أكثر مما ينبغي، وكأني أستطيع أن أعمل جيدا تماما بدونهم، كما أنهم يستطيعون أن يفعلوا بدوني. وأنا أدرك جيدا أن ليس لديهم أي فائدة إضافية لي. خير للمرء أن ينسل خارجا قبل أن يطرد. علي أن أقوم بكثير من الأشياء الأخرى، وربما لم يبق لي كثير من الوقت. لقد انتهي هيامي في العالم بحثا عن السعادة، وحياتي كطبيب من أحدث طراز قد انتهت، وحياتي على البحر انتهت. سوف أبقى  حيث أنا لمصلحتي وأحاول أن أجعل منها الأفضل. لكن هل سيسمحون لي أن أبقى حتى هنا في سان ميشيل؟ إن خليج نابولي كله يمتد مشعا كمرآة تحت قدمي، والأعمدة على التعريشة، والأروقة، والكنيسة كلها تتوهج بالنور، ماذا سيكون مآلي إذا لم أحتمل الوهج؟ لقد تخليت عن القراءة والكتابة، وأخذت أستعيض عنهما بالغناء، ولم أكن أغني يوم كان كل شيء على ما يرام، كما أني تعلمت الضرب على الآلة الكاتبة، ولقد قيل لي إنها مفيدة وسارة لتزجية الوقت، بالنسبة إلى رجل وحيد وبعين واحدة. كل نقرة حرف على الآلة الكاتبة تصيب المخطوطة وجمجمتي معا بضربة مستعجلة على رأس كل فكرة تغامر أن تنبثق من دماغي. وفوق ذلك، لم أكن قطّ جيدا في التفكير، وبدا لي أن من الأفضل بكثير أن أن أواصل عملي بدونها. كان ثمة طريق رئيسي مريح يؤدي من دماغي إلى القلم في يدي. والأفكار التي كان علي أن أتجنبها، كانت تتلمس طريقها على طول هذا الطريق منذ أن بدأت تمسك بالألفباء. ولا عجب أن تكون عرضة لفقد اتجاهها في هذه المتاهة الأميركية من المسننات والعجلات! وبين هلالين، من الأفضل أن أنبه القارئ أن في وسعي أن أتحمل المسؤولية فقط عما أكتب بيدي ذاتها، وليس ما جرى تلفيقه في العمل مع آلة كاتبة من صنع شركة كورونا. وسأكون مسرورا أن أرى أي الطريقتين سيحبها القارئ أكثر. لكن إذا تعلمت يوما أن أستمر في هذا الإلهام العاصف، فأنا عازم أن أغني أغنية متواضعة لمحبوبي شوبرت، أعظم مغن في جميع الأوقات، لأشكره على ما أنا مدين له به. فأنا مدين له بكل شيء. وحتى لما كنت مستلقيا أسبوعا إثر أسبوع في الظلمة وبقليل من الأمل أن أخرج منها يوما، فقد اعتدت أن أدندن لنفسي واحدة بعد أخرى من أغانيه، كتلميذ المدرسة الذي يستمر في الصفير عبر الغابة الداكنة ليتظاهر أنه غير خائف. كان شوبرت في التاسعة عشرة لما ألف موسيقا  لقصيدة جوته "إرلكونغ" وأرسلها إليه بإهداء متذلل. ولن أغفر إطلاقا لأعظم شاعر في العصور الحديثة لأنه لم يقابل هذه الرسالة ولو بكلمة واحدة من الشكر للإنسان الذي جعل أغنيته خالدة، وهو جوته ذاته الذي كان لديه متسع من الوقت ليكتب رسائل شكر لزيلتر على موسيقاه العادية. لقد كانت ذائقة جوته في الموسيقا  سيئة كذوقه في الفن، فقد أمضى سنة في إيطاليا ولم يفهم شيئا من فن غوته، فالجمال البسيط للبدائيين لم يكن مفهوما لديه، وكان كارلو دولتشي( 1) وجويدو ريني( 2) مثله الأعلى. وحتى الفن الإغريقي الخالص في شكله الأسمى جعله لا مباليا، وكان أبوللو بيلڤيدير فنانه المفضل. لم يرَ شوبرت البحر في حياته أبدا، ومع ذلك ليس هناك من مؤلف موسيقي، ولا رسام، ولا شاعر باستثناء هومر، استطاع أن يدرك جلاله الهادئ، وغموضه، وغضبه كما فعل. وهو لم يرَ النيل إطلاقا، ومع ذلك فمن الجائز أن الفواصل الافتتاحية لرائعته ميمنون( 3) قد صدحت في معبد الأقصر. لم يكن الفن والأدب الهيلينيين معروفين لديه، باستثناء القليل الذي أخبره به صديقه مايرهوفر   ( 4). ولكن مؤلفاته: "آلهة بلاد الإغريق، بروميثيوس، كانيميد، مقاطع من أخيل، كانت روائع من عصر هيلاس الذهبي. لم تحبه امرأة إطلاقا، مع أن أسماعنا لم يصلها أبدا صرخة من اللوعة التي تفطر القلوب أقوى من غريتشين على دولاب الغزل، ولا أشد إذعانا مؤثرا من ميغنون، ولا أغنية حب يمكن الترنم بها أحلى من ستاندشن. كان في الحادية والثلاثين حين مات، فقيرا في حالة بائسة كما عاش. وهو الذي كتب "آن تهب الموسيقا" لم يكن لديه بيانو خاص به! وبعد وفاته، بيعت بالمزاد جميع مقتنياته في الدنيا، ثيابه، كتبه القليلة، وسريره، بست وثلاثين فلورين. وفي حقيبة مهترئة تحت سريره وجدوا مقطوعة موسيقية من أغانيه الخالدة تزيد قيمتها عن جميع الذهب الذي تمتلكه عائلة روثتشيلد في ڤيينا حيث عاش ومات. *    *    *جاء الربيع من جديد. والرتم في أوان إزهاره، والآس انعقدت براعمه، والكرمة نبتت أوراقها، والأزهار في كل مكان. والورود وصريمة الجدي تتسلق سيقان السرو وأعمدة التعريشة. وكانت شقائق النعمان، الزعفران، والياقوتية البرية، والبنفسج، والأوركيدا، وبخور مريم، ترتفع من بين الأعشاب العابقة الرائحة. عناقيد من الجريس، وعشبة الحجر غامقة الزرق مثل الكهف الأزرق،  تنبثق من الصخور ذاتها. والحراذين يطارد بعضها بعضا بين اللبلاب. والسلاحف تتجول مترنمة لأنفسها باشتهاء ـ وربما لا تدرون أن السلاحف يمكن أن تغني. والنمس يبدو قلقا أكثر من أي وقت. والبومة منيرڤا الصغيرة ترفرف بجناحيها وكأنها تهم بالطيران لتزور صديقا في بلاد الرومان. وبربروسا، كلب الحراسة الضخم، اختفى في مهام من شأنه وحده، وحتى تابيو العجوز الضعيف يبدو وكأنه لا يمانع في قليل من المرح في بلاد اللاب. وبيلي يلوب جيئة وذهابا تحت شجرة التين طارفا بعينه في مظهر واضح لفتى من المدينة، مستعد لكل شيء. وتستمر جيوڤانيا بأحاديث طويلة مع حبيبها الذي لوحته الشمس تحت سور الحدبقة، وهذا حسن جدا، فهما سيتزوجان بعد عيد سان أنطونيو. والجبل المقدس فوق سان ميشيل حافل بالطيور وهم في طريقهم إلى موطنهم  للتزاوج وتنشئة فراخهم. يا لها من بهجة لي أن في ميسورهم أن يستريحوا هناك في سلام! لقد التقطت قبرة صغيرة مسكينة، وهي مرهقة من طول رحلتها عبر البحر إلى حد أنها لم تحاول حتى أن تفر بعيدا، وظلت ساكنة تماما في راحة يدي وكأنها أدركت أنها في يد صديق، وربما من وطنها – وسألتها فيما إذا كانت تغرد لي بأغنية قبل أن تغادر من جديد، فما من أغنية طير أحبها أكثر من غنائها؛ لكنها قالت أن ليس لديها فائض من الوقت، وعليها أن تسرع إلى موطنها في السويد لتغني هناك خلال الصيف. وكانت الصافر الذهبي يترنم في حديقتي طوال ما يزيد عن أسبوع بأنغام شبيهة بالمزمار. ولمحت في يوم آخر عروسه مختبئة في شجيرة غار. واليوم رأيت عشهما، أعجوبة من فن عمارة الطيور. وهناك أيضا كثير من رفرفة أجنحة وهمهمة أصوات عصافير في أجمة إكليل الجبل بجوار الكنيسة. تظاهرت بأني لا أعرف شيئا عنها، لكني كنت متأكدا جدًّابأن غزلا ما كان يدور هناك؛  وأتساءل أي طائر يمكن أن يكون؟ وفي الليلة الأخيرة انجلى السر، وأنا ماض تماما إلى سريري، لأن عندليبا شرع يغني السرنيدا تحت نافذتي:   أغني بابتهال رقيق      طوال الليل لك  في بستان هادئ     حبيبي، لتأتي إلي.وفكرت وأنا أغيب في النوم: "يا لبيبنيلا كم أصحبت جميلة؛"وأتساءل إن كانت بيبنيلا..".  --------------------(1 ) Carlo Dolci (1616-1686):  رسام إيطالي من عصر الباروك. (م)( 2) Guido Reni (1575-1642):  رسام إيطالي من عصر الباروك. (م)(3 ) Memnon:  ملك إثيوبي قتله أخيل في المرحلة الأخيرة من حرب طروادة. (W)(4 ) Johann Mayerhofer (1787-1836):  شاعر نمساوي وكاتب كلمات أوبرا، كان صديق شوبرت.-------------------- هذه الملحمة الإنسانية  لاكسيل مونتي يصعب أن نَفيها حقها في مقالة موجزة، خاصة وهو يعبر بعمق وألم عن المعركة الدائرة بين الموت والحياة... فالمعركة منظمة في أدق تفاصيلها وفق قانون من التوازن بين الحياة والموت لا يقبل التغيير... لذا أترك للقارئ متعة قراءتها، كما استمتعت. محمد أحمد السويديبتكليف ورعاية من الشاعر الإماراتي محمد أحمد السويدي، وبدافع من حب المعرفة والسعي لنشرها قامت القرية الإلكترونية بتوفير هذه النسخة من قصة سان ميشيل مترجمة باللغة العربية – ترجمها علي كنعان. (جميع الحقوق محفوظة)صفحتنا الرسمية في فيس بوك :https://www.facebook.com/mohammed.suwaidi.poet/منصتنا في جوجل بلس لمتابعة باقي مشروعاتنا https://plus.google.com/+HisExcellencyMohammedAhmedAlSuwaidi?hl=ar , Electronic Village, His excellency mohammed ahmed khalifa al suwaidi, Arabic Poetry, Arabic Knowledge, arabic articles, astrology, science museum, art museum,goethe museum, alwaraq, arab poet, arabic poems, Arabic Books,Arabic Quiz, القرية الإلكترونية , محمد أحمد خليفة السويدي , محمد أحمد السويدي , محمد السويدي , محمد سويدي , mohammed al suwaidi, mohammed al sowaidi,mohammed suwaidi, mohammed sowaidi, mohammad alsuwaidi, mohammad alsowaidi, mohammed ahmed alsuwaidi, محمد السويدي , محمد أحمد السويدي , muhammed alsuwaidi,muhammed suwaidi....
اعرض في فيس بوك    
, Electronic Village, His excellency mohammed ahmed khalifa al suwaidi, Arabic Poetry, Arabic Knowledge, arabic articles, astrology, science museum, art museum,goethe museum, alwaraq, arab poet, arabic poems, Arabic Books,Arabic Quiz, القرية الإلكترونية , محمد أحمد خليفة السويدي , محمد أحمد السويدي , محمد السويدي , محمد سويدي , mohammed al suwaidi, mohammed al sowaidi,mohammed suwaidi, mohammed sowaidi, mohammad alsuwaidi, mohammad alsowaidi, mohammed ahmed alsuwaidi, محمد السويدي , محمد أحمد السويدي , muhammed alsuwaidi,muhammed suwaidi   قصة سان ميشيل لأكسِل مونتي                                       ترجمة:  علي كنعانالحلقة رقم (30) XXXI سباق الزوارق كان....
اقرأ المزيد ...   قصة سان ميشيل لأكسِل مونتي                                       ترجمة:  علي كنعانالحلقة رقم (30) XXXI سباق الزوارق كان ذلك في أوج الصيف، نهار متألق طويل من أشعة شمس لا تفتر. انتقلت السفارة البريطانية من روما وأقامت مركزها الرئيس في سورنتو. كان السفير يعتمر قبعة البحار جالسا على شرفة فندق ڤتوريا، يمسح الأفق من خلال نظارته المونوكل أملا بالريح الشمالية الباردة أن تبدأ تهب على مياه الخليج الصقيلة. وكانت "سيدته هيرميوني" المحبوبة على متن الزورق الراسي، وهي متلهفة للانطلاق بقدر ما هو متلهف. لقد صمم زورقا سريعا بنفسه وأعد له الأشرعة بإبداع  رائع ومهارة تقنية، دون مساعدة أحد. وغالبا ما اعتاد أن يقول إنه لا يأبه أن يبحر به عبر الأطلسي، وقد كان أشد فخرا به من أي شيء آخر من إنجازاته الدبلوماسية المتألقة. لقد اعتاد أن يمضي اليوم بطوله في زورقه، وقد لوحت الشمس وجهه بالبرونز كأي صياد سمك من سورينتو. كان يعرف الساحل من تشيڤيتا ڤاكيا حتى بونتا ليكوسا تقريبا كما كنت أعرفه. ولقد تحداني مرة في سباق إلى مسينا وألحق بي هزيمة منكرة بفعل ريح تالية وبحر هائج، وكان في غاية المسرة.  وقلت: "انتظر حتى على شراعي الثاني والشراع الحرير المثلث".كان يحب كابري ويعتقد أن سان ميشيل أجمل مكان رآه في حياته، وكان قد رأى الكثير. كان يعلم القليل عن تاريخ الجزيرة، لكنه كان تواقا كتلميذ مدرسة أن يعرف المزيد.كنت في ذلك الوقت أقوم باستكشاف الكهف الأزرق. ولقد سحبني المعلم نيكولا مرتين وأنا في نصف حالة إغماء خارج ذلك الممر الجوفي الشهير الذي يعبر، حسب التقاليد، أحشاء الأرض إلى قصر تيبريوس الذي يرتفع ستمئة قدم فوق سهل داميكوتا، وربما فساد قصر أغسطس. كنت أمضي أياما بكاملها في الكهف الأزرق، وقد اعتاد اللورد دوفرين غالبا أن يأتي مجدفا بقاربه الصغير ليزورني وأنا في عملي. وبعد سباحة ممتعة في المياه الزرقاء، كانت من عادتنا أن نجلس ساعات خارج النفق الغامض، ونحن نتحدث عن تيبريوس وطقوس العربدة في كابري. ولقد قلت للسفير إن ما يتردد من هراء عن السرداب الخفي الذي كانوا يتصورون أن تيبريوس كان ينزل فيه إلى الكهف ليلعب مع غلمانه وفتياته قبل أن يخنقهم، هي مثل سائر أقاويل سويتونيوس( 1) البذيئة. لم يكن النفق من شغل الإنسان ولكن بفعل الحت البطيء الذي يحدثه ماء البحر في الصخر. لقد زحفت فيه أكثر من ثمانين يردة، وأقنعت نفسي بعد المجازفة بحياتي أنه لا يؤدي إلى مكان معين. ذلك أن الكهف كان معروفا للرومان وقد أثبتته اقتفاءات الأثر المتعددة التي قام بها البنَّاء الروماني. لقد غاصت الجزيرة ستة عشر قدما منذ ذلك الحين، وكان دخول الكهف في تلك الأيام من خلال القبو الضخم المغمور الذي كان يُرى عبر الماء الصافي. والفتحة الصغيرة التي كان ينفذ بطوفه الصغير من خلالها هي في الأصل نافذة تهوية للكهف، ومن الطبيعي أنها لم تكن زرقاء في ذلك الحين لكنها مثل عشرات الكهوف الأخرى على الجزيرة تماما. ولم تكن معلومات باديكر( 2) صحيحة بأن الرسام الألماني كوبيش هو الذي اكتشف الكهف الأزرق في 1826. فالكهف كان معروفا في القرن السابع عشر باسم كهف جراتولا، وأعيد اكتشافه في 1822 على يد الصياد أنجيلو فيرارو من كابري، وقد منح معاشا مدى الحياة من أجل اكتشافه. ونظرا للعرف المشؤوم عن تيبريوس، والذي تحدر عبر الأجيال في حوليات تاسيتوس، فقد أخبرت اللورد دوفرين أن التاريخ لم يقترف خطأ فاضحا أسوأ من الحكم على هذا الإمبراطور العظيم بالعار لما وصمه نابليون بـ"الحط من قدر الإنسانية"، وهو غريم رئيسي. كان تاسيتوس كاتبا لامعا، لكن حولياته كانت قصصا تاريخية، وليست تاريخا. كان عليه أن يقحم جزافا عشرين سطرا عن طقوس العربدة في كابري لكي يكمل صورته عن الطاغية النمطي وفق المدرسة البلاغية التي ينتمي إليها. وما من صعوبة في تعقب أكثر من مصدر مشبوه كان قد استقى منه هذه الإشاعات الفاسدة. وإلى جانب ذلك، فقد بينت في بحثي، "الدراسة السيكولوجية لتيبريوس"، أنها لا علاقة لها بحياة الإمبراطور في كابري. وذلك أن تاسيتوس نفسه لم يكن يعتقد بأن طقوس العربدة في كابري واضحة في مروياته لأنها لا تضعف بأي طريقة مفهومه العام عن تيبريوس كإمبراطور عظيم وكرجل عظيم "محبوب الشخصية وعظيم التقدير"، إذا استعملنا كلماته بذاتها. وحتى تابعه سويتونيوس، وهو أقل منه ذكاء بكثير، أورد أشد القصص فحشا مع ملاحظة أنها "نادرا ما يجوز أن ترتبط به وما تزال أقل من أن تصدق". وقبل ظهور الحوليات – بعد وفاة تايبريوس بثماني سنوات –  ما من رجل وطني في التاريخ الروماني، ذي سجل حياة نبيلة لا شائبة فيها، كان أنظف من الإمبراطور العجوز. وما من أحد من الكتّاب الذين تحدثوا عن تيبريوس تفوه بكلمة واحدة عن عربدات كابري، وبعض هؤلاء الكتاب كانوا من معاصريه، ولديهم فرص من المقام الأول لالتقاط كل تخرصات الألسنة الشريرة في روما. ويتحدث فيلو، اليهودي الورع المثقف، بجلاء عن الحياة البسيطة والنظيفة التي كان على كاليجولا أن يعيشها مكرها مع جده بالتبني في كابري. وحتى ابن آوى( 3) سويتونيوس، الغافل عن مقولة كوينتيليان( 4) الحكيمة إن الكذاب ينبغي أن يتمتع بذاكرة جيدة، ارتكب خطأ فاضحا في القول عن كاليجولا إنه كان يتنكر بشعر مستعار ليتفلت من العين الصارمة للإمبراطور العجوز، كلما مال للغواية في كابري. وسينيكا( 5)، مستنكر الرذيلة، وبليني( 6) – وكلاهما من معاصريه – يتحدثان عن عزلة تيبريوس الصارمة في كابري. صحيح أن ديو كاسيوس يضع  بعض الملاحظات العرضية عن هذه الإشاعات البذيئة، لكنه لم يستطع إلا أن يلاحظ بنفسه التناقضات التي وقع فيها ولا يمكن تفسيرها. وحتى محب الفضائح جوڤينال( 7) يتحدث عن "شيخوخة الإمبراطور الهادئة" في بيته على الجزيرة، محاطا بأصدقائه المثقفين وعلماء الفلك. وبترارك، المؤيد الصارم للفضيلة، يشهد بعزلة الرجل الجليلة خلال السنين العشر الأخيرة من حياته. إن قصة طقوس العربدة في كابري التي كانت مستحيلة تماما من وجهة نظر علم النفس، كانت قبل اليوم مفهومة من قبل ڤولتير. كان تيبريوس في الثامنة والستين لما اعتزل في كابري في سجل حياة متواصلة من الفضيلة الصارمة، لم يرتب بها حتى أسوأ أعدائه. والتشخيص المحتمل بشيء من خبل الشيخوخة المشؤوم كان مستبعدا باعتراف جميع الكتاب أن الرجل  العجوز في كامل صحته العقلية ونشاطه حتى موته في سنته الـ 79. إن عرق الجنون الذي يسري في سلالة جوليانوس كان، فوق ذلك، غائبا عن كلوديانوس. كانت حياته على الجزيرة حياة رجل عجوز متوحد، الحاكم المرهق من عالم جاحد، مثالي مغموم، يعاني المرارة وانكسار القلب، ومصاب بما يدعى اليوم بوسواس المرض، وذكاؤه الرائع وحسه النادر بالدعابة ما يزال يجعل إيمانه بالبشرية مستمرا. كان يرتاب ويزدري معاصريه، ولا عجب في ذلك، لأنه كان عرضة لخيانة كل رجل أو امرأة وثق به. ولقد استشهد تاسيتوس بكلماته لما رفض الالتماس بإقامة هيكل له من أجل مقامه المقدس كما فعلوا لأغسطس، وذلك قبل سنة من اعتكافه في كابري. ومن غير مصنف الحوليات، سيد السخرية الألمعي والغمز الماكر، كان يمتلك الوقاحة بأن يقتبس ساخرا مناشدة الإمبراطور المهمة بالازدهار من أجل حكم عادل؟"أما بالنسبة إلي، أيها الآباء الشيوخ، فأنا أصرح لكم أني لست أكثر من إنسان، وكل عملي أن أؤدي واجبات إنسان؛ هذا يكفيني إذا كنت أسد بجدارة المكان الرئيس بينكم؛ وهذا ما أود أن يتذكرني به أولئك الذين سوف يعيشون بعدي. وإذا حكموا علي بأني جدير بأسلافي، سهران على مصالحكم، ثابت في الخطر، ومقدام في مواجهة العداوات لخدمة الشعب، فإن ذلك كفاية وأكثر من كفاية. هذه هي الهياكل التي سأشيدها في قلوبكم، وهذه هي الصور الأجمل، وهذه هي التي ستبقى بشكل أفضل. أما بالنسبة لتلك الأشياء المبنية من حجارة، إذا انقلب الحكم على الازدهار إلى كراهية، فهي لن تكون إلا قبورا مخزية. وأنا منذ الآن وحتى آخر أيامي أتوسل للآلهة أن تهبني روحا مطمئنة ومدركة لواجباتي من أجلهم ومن أجل بني البشر؛ ومن هنا أسأل مواطنينا وحلفاءنا أن يشرفوا حياتي واسمي باستحسانهم وذكرياتهم الكريمة".مضينا صعدا إلى داميكوتا. كان الإمبراطور العجوز يعرف ما كان يعمل لما بنى قصره الكبير هناك، بجوار سان ميشيل. إن داميكوتا تشرف على أجمل منظر في جزيرة كابري. وقد أخبرت السفير أن كثيرا من اللقى التي كانت موجودة هنا صارت في يدي زميله السير وليام هاملتون، السفير البريطاني إلى نابولي في عهد نيلسون، وهي اليوم في المتحف البريطاني. وكثير منها ما زال مخبوءا تحت عرائش الكرمة، وكنت عازما أن أشرع في التنقيب هنا بجد في الصيف القادم، فعرائش الكرمة اليوم ملكي. التقط اللورد دوفرين زر جندي صدئ بين أنقاض الفسيفساء وألواح الرخام الملونة. عساكر من كورسيكا! نعم، مئتا جندي كورسيكي كانوا معسكرين هنا في 1808 ولكن معظم الحامية الإنجليزية في أناكابري كانت لسوء الحظ من الجنود المالطيين الذين انسحبوا في حالة فوضى حين اقتحم الفرنسيون المعسكر. كنت أطل على الجرف في أوريكو، فدللت السفير على المكان الذي رسا فيه الفرنسيون وتسلقوا الصخر شديد الانحدار، واتفقنا أنه كان بحق إنجازا عجيبا. نعم، لقد قاتل الإنجليز ببسالتهم المعتادة، ولكن كان عليهم أن ينسحبوا تحت جناح الليل إلى ما يعرف اليوم بسان ميشيل حيث كان آمرهم الميجور هاميل، وهو إيرلندي مثله، وقد مات من جراحه. وهو يرقد مدفونا في زاوية من مقبرة أناكابري. وما يزال في حديقتي المدفع ذو الرطلين الذي تخلوا عنه أثناء انسحابهم في اليوم التالي نازلين الدرجات الفينيقية إلى كابري. ومع الفجر فتح الفرنسيون النار على كابري من مرتفعات مونت سولارو، ويبدو غير مفهوم تماما كيف أوصلوا مدفعا إلى هناك. ولم يكن لدى الآمر الإنجليزي في المقر الإنجليزي في كابري إلا أن يوقع وثيقة الاستسلام. وما كاد الحبر يجف حتى ظهر الأسطول الإنكليزي في عرض البحر، وكان قد توقف مع سكون الريح في جزر بونزا. كانت وثيقة الاستسلام تحمل اسم رجل سيئ الطالع بشكل استثنائي، سجان النسر الأسير على جزيرة أخرى مستقبلا، السير هودسون لوي. وفي طريق عودتنا عبر القرية إلى سان ميشيل، أشرت إلى بيت متواضع في حديقة صغيرة وقلت للسفير إن صاحبة البيت هي مارغريتا الجميلة، حسناء أناكابري. لقد تزوجت العمة "لورد إنجليزي"، هو من أقربائه، ما لم أكن مخطئا. نعم، إنه يتذكر جيدا أن ابن عم له تزوج فتاة إيطالية ريفية فخيب أمل عائلته، وقد أخذها إلى إنجلترا، لكنه لم يرها قطّ ولا يدري ما جرى لها بعد موت زوجها. كان مهتما بصورة هائلة وأرادني أن أخبره بكل ما أعرفه عنها، مضيفا أن ما يعرفه عن زوجها كان كافيا له تماما. قلت له إن ذلك حدث قبل مجيئي بوقت طويل. وأنا لم أعرفها إلا بعد رجوعها من إنجلترا أرملة بمدة طويلة، وكانت يومئذ امرأة عجوزا. وكل ما في وسعي أن أخبره به كان مما سمعته من دون كريسوستومو العجوز الذي كان كاهن اعترافها وكان معلمها أيضا. كان طبيعيا أنها لا تقرأ ولا تكتب، لكنها سرعان ما التقطت الكثير من الإنجليزية، بفضل عقلها الكابروي( 8) الذكي. لقد ناشدوا دون كريسوستومو، الذي كان رجلا مثقفا، أن يعطيها قليلا من الدروس في أمور مختلفة ليفسح في مجال محادثتها المحدود، وذلك لكي يؤهلها للحياة في إنجلترا زوجة للورد إنجليزي. كانت تتمتع بالجمال والأخلاق الكريمة بحكم مولدها كجميع بنات كابري. أما بالنسبة إلى جمال المظهر، فإنه لأمر موثوق أن نعتمد على تأكيد دون كريسوستومو بأنها كانت أجمل فتاة في كابري، لأني كنت أعتبره دائما خبيرا عظيما. ولقد خابت الجهود كلها في إثارة اهتمامها بأي شيء خارج جزيرتها هذه، فتقرر أن يقتصر تعليمها على تاريخ كابري ليمنحها على الأقل شيئا ما لتتحدث عنه إلى أنسبائها. كانت تصغي برعب إلى الحكايات الرهيبة كيف كان تيبريو يلقي بضحاياه من أعلى جرف سالتو دي تيبريو( 9)، وكيف كان يخمِّش وجه صياد السمك بمخالب سرطان، وكيف كان يخنق الغلمان الصغار والفتيات في الكهف الأزرق. كيف أمر حفيده نيرو بحارته أن يضربوا أمه بالمجاذيف حتى الموت على مرأى من الجزيرة، وكيف أغرق ابن أخيه كاليغولا ألوف الناس في بوزولي. أخيرا قالت بلهجتها المتميزة: "لا بد أن هؤلاء الناس جميعا كانوا أشرارا جدا، وليسوا إلا مبتزين".قال الأستاذ: "كان علي أن أفكر بذلك، ألم تسمعيني أقول إن تيبريو كان يخنق الفتيان والفتيات في الكهف الأزرق، وأنه.."."هل هم كلهم موتى؟" "نعم، طبعا، منذ ألفي سنة تقريبا".قالت بابتسامة ساحرة: "لكن لماذا كل هذه الورطة حتى نزعج أنفسنا بهم، دعونا نتركهم في حالهم". وهكذا انتهت مهمة تعليمها.رجعت إلى جزيرتها بعد موت زوجها وانكفأت تدريجيا إلى حياة أسلافها البسيطة في سلالة أكبر من نسب لوردها الإنجليزي بألفي سنة. كنا نراها جالسة في الشمس على شرفتها الصغيرة، في يدها سبحة وفي حضنها قطة. لقد قبل اللورد دوفرين يدها بانحناءة احترام كأحد رجال البلاط. لقد نسيت إنجليزيتها كلها تقريبا وانطوت راجعة إلى لهجة طفولتها، وإيطالية السفير الكلاسيكية كانت غير مفهومة لها كما كانت لي.وقال لي اللورد دوفرين ونحن نهم بالذهاب: "قل لها، قل لها مني إنها على الأقل سيدة عظيمة كما كان زوجها اللورد جنتلمان".هل يود السفير أن يرى ابنة أخيها، مارغريتا الجميلة؟ نعم، إنه لا يطلب أي شيء أفضل.استقبلتنا ماريغريتا الجميلة بابتسامتها الساحرة وكأس من أفضل نبيذ الكاهن، وكان الجنتلمان العجوز الشهم راغبا أن يعترف بقرابتهما بقبلة حانية على وجنتها الوردية.كان سباق الزوارق المتوقع ولمدة طويلة سينطلق الأحد القادم، في مضمار مثلث:  كابري، بوسيليبو، سورينتو، حيث سيستلم الفائز الكأس من يدي الليدي دوفيرين. زورقي الشراعي الجميل "الليدي ڤكتوريا" كان زورقا ممتازا كأفضل ما يمكن أن تبنيه اسكوتلاندا، من خشب الساج والفولاذ، وهو جاهز لكل طارئ، وآمن في كل الأحوال الجوية إذا جرت قيادته بشكل لائق، وإذا كان لي أن أعرف في حياتي أي شيء يستحق المعرفة فهو كيف أوجه دفة المركب. كان اليختان الصغيران صنوين، وهما ابنتا اللورد دوفيرن وقد أعطاهما اسميهما. وكان حظانا متعادلين. وفي الريح العاصفة والبحر الهائج، فلا بد أن أخسر على الأرجح، لكني أعتمد على شراعي الثاني الجديد وعلى شراعي الحرير المثلث بأن أرفع الكأس في ريح خفيفة والبحر هادئا. لقد وصلت الأشرعة الجديدة من إنجلترا وأنا ما أزال في روما، وجرى تعليقها بحرص في غرفة الأشرعة في عهدة باكتشال العجوز وحده، وهو المؤتمن أكثر من جميع من في البيت. إنه يعرف وظيفته جيدا، وهو ينام والمفتاح تحت وسادته ولا يسمح لأحد أبدا أن يدخل الحرم. ومع أنه صار في السنوات الأخيرة حفار قبور متحمس، فقد كان قلبه لا يزال على البحر حيث عاش وعانى مذ كان صبيا بوصفه "صياد مرجان". وفي تلك الأيام، قبل أن تنزل لعنة أميركا على كابري، كان جميع الرجال من السكان تقريبا يذهبون لاصطياد المرجان في "برباريا"، على مقربة من تونس وطرابلس. كان عملا فظيعا، حافلا بضروب المشقة والحرمان، وحتى بالأخطار، لأن كثيرين منهم لم يعودوا قطّ إلى جزيرتهم. ولقد كابد باكتشال عشرين سنة من الجهد الشاق على البحر ليجمع ثلاثمئة ليرة يحتاجها الرجل ليحصل على زوجة. مئة للقوارب وشباك الصيد، ومئتان للسرير وكرسيين، وطقم من ملابس الأحد ليتزوج بها، وعلى السيدة العذراء أن تعنى بهما حتى الراحة الأبدية. لقد انتظرت الفتاة سنوات، تغزل وتحوك الملابس والبياضات الكتانية التي وقعت عليها مهمة تجهيزها. ولقد ورث باكتشال أيضا من أبيه قطعة من الأرض، وفي حالته مجرد قطعة من الصخر الأجرد على طرف الماء، على عمق ألف قدم تحت داميكوتا. لقد حمل التراب في سلال على ظهره، سنة بعد سنة، حتى وفر ما يكفي من التربة ليغرس عددا قليلا من شجيرات الكرمة والصبار. وهو لم يصنع قطّ ولو قطرة من نبيذ، لأن أعنابه الغضة يحترقها بانتظام الرذاذ المالح حين تعصف الريح بماء البحر. وبين حين وآخر، كان يأتي للبيت بحبيبات  قليلة من البطاطا الجديدة، وهي أول ما ينضج على الجزيرة، وكان يقدمها لي باعتزاز كبير. كان يمضي كل وقته الفائض في مزرعته الكبرى، يفتت الصخر بمعوله الثقيل أو يجلس على حجر متطلعا إلى البحر وغليونه الفخاري في فمه. ولقد اعتدت بين حين وآخر أن أهبط الجرف الشديد الانحدار، حيث يمكن للماعز أن يتردد أين يضع قدمه، لأقوم بزيارته فيكون في بهجة كبيرة. وكان تحت أقدامنا تماما كهف لا يمكن الوصول إليه من البحر، وهو غير معروف حتى اليوم لدى معظم الناس، وشبه معتم وفيه نوازل ضخمة معلقة. وعلى رأي باكتشال، كان مسكونا برجل ذئبي وهو كائن ذئبي غامض يثير الرعب وما يزال يتردد في خيال السكان بكثرة تكاد لا تقل عن تيبريو ذاته. كنت أعلم أن السن الأحفوري الذي عثرت عليه تحت الرمل في الكهف، هو لحيوان ثديي كبير كان مستلقيا ليموت هنا يوم كانت الجزيرة متصلة بالبر الرئيس، وأن قطع الصوان والزجاج البركاني كانت شظايا من أدوات الإنسان البدائي. وربما عاش هناك حتى الإله، لأن الكهف يواجه الشرق، مثرا( 10)، إله الشمس، كان يعبد هنا.لكن لا وقت لدي الآن لاستكشاف الكهف، فأفكاري كلها كانت منصبة على السباق القادم. وأرسلت كلمة إلى باكتشال أعلمه بأني آت لتفقد أشرعتي الجديدة بعد الإفطار. كانت غرفة الأشرعة مفتوحة، ولكن ما أثار دهشتي أن العجوز باكتشال لم يكن هناك ليقابلني. وحسبت أني كنت على وشك الإغماء وأنا أنشر الأشرعة الجديدة واحدا بعد آخر. كان هناك شق في الشراع الثاني، وكان الشراع المثلث الحريري الذي سيرفع الكأس مشقوقا إلى شطرين، وكان شراع السارية الأمامية ملوثا بالطين وممزقا إلى خرق. ولما استعدت كلامي، صرخت مزمجرا على باكتشال، فلم يجئ. اندفعت خارجا من غرفة الأشرعة، فألفيته في آخر الأمر مستندا إلى سور الحديقة. وفي نوبة من جنون الغضب رفعت يدي لأضربه، فلم يتحرك، ولم يتفوه بحرف؛ كل ما فعله أنه ظل منكسا رأسه ومادا ذراعيه بصورة أفقية على الجدار. سقطت يدي، أدركت ما يعني ذلك، فقد رأيته من قبل. يعني أنه سيعاني وأنه بريء، إنها عملية صلب مولانا وقد أعاد تمثيلها بمد ذراعيه وانحناءة رأسه. تكلمت معه بألطف ما أستطيع، لكنه لم ينبس بحرف، ولم يتحرك عن وضع صلبه وهو في ألم مبرح. وضعت مفتاح غرفة الأشرعة في جيبي، وناديت كل سكان البيت. ما من أحد كان في غرفة الأشرعة، ولا أحد كان لديه ما يقوله، لكن جيوڤانيا أخفت وجهها بمئزرها وراحت تبكي. أخذتها إلى غرفتي ونجحت بصعوبة بالغة في جعلها تتكلم. وأود لو كان في استطاعتي أن أروي القصة المؤسفة كلمة بكلمة كما روتها لي من بين شهقات نشيجها. لقد جعلتني أوشك أن أبكي لما تذكرت أني كنت أهم بضرب باكتشال العجوز المسكين. لقد حدث الأمر قبل شهرين في الأول من مايو وكنا ما نزال في روما. ولعلك تتذكر أول مايو المشهور منذ سنوات، عندما حدثت اضطرابات اجتماعية في جميع بلدان أوروبا، واعتداء على الأغنياء، وتدمير لممتلكاتهم اللعينة. هذا ما قالته الصحف في أقل تقدير، وبقدر ما كانت الصحيفة صغيرة بقدر ما كان التهديد بالكارثة كبيرا. إن أصغر صحيفة كانت "ڤوتشي دي سان جينارو" التي كانت تحملها ساعية البريد ماريا إلى الكاهن مرتين في الأسبوع ليوزعها على المثقفين في القرية، وهي صدى خافت من أحداث العالم المدوية عبر السلام الأركادي( 11) في أناكابري. لكن لم تكن صدى خافتا تلك التي وصلت آذان المثقفين هذا الوقت من خلال أعمدة "ڤوتشي دي سان جينارو". كانت صاعقة من السماء الزرقاء هزت القرية كلها. إن ما حدث في الأول من مايو كان الزلزال الذي كان العالم يتوقعه منذ وقت طويل. وكانت قبائل أتيلا المتوحشة التي جندها الشيطان قد نهبت قصور الأثرياء وأحرقت مقتنياتهم ودمرتها. كانت بداية النهاية، عقاب الله! عقاب الله! لقد انتشرت الأخبار كالنار في الهشيم في أرجاء كابري كلها. وخبأ الكاهن الجواهر وأواني الكنيسة المقدسة تحت سريره، وسحب الوجهاء مقتنياتهم المنقولة إلى أقبية خمورهم. واندفع الناس إلى الميدان صارخين من أجل قديسهم الراعي ليخرجوا به من مزاره ويحملوه إلى الشوارع للحماية. وفي مساء ذلك اليوم المشؤوم، ذهب باكتشال لاستشارة الكاهن. كان بلداسار قد سبقه إلى هناك وغادر وقد أكد له الكاهن بثقة أن اللصوص بالتأكيد لن يعيروا أي اهتمام لتلك القطع الحجرية والفخرية والأشياء القديمة التي تخص السنيور الدكتور. أما باكتشال الذي كان مسؤولا عن الأشرعة، فقد كان في أسوأ ورطة، كما قال الكاهن. فقد كان إخفاؤها في أقبية النبيذ ستؤدي إلى أخطر مجازفة، لأن الرجال المشتغلين في البحر كانوا مولعين أيضا بالنبيذ الجيد. لماذا لا يحملها إلى مزرعته المنعزلة تحت جرف داميكوتا، فهو المكان الأسلم لها، فاللصوص لن يجازفوا برقابهم وينزلوا ذلك المنحدر الصخري الخطر لكي يأتوا بها من هناك.وبعد أن حل الظلام، قام باكتشال وأخوه ورفيقان مؤتمنان، وهم مسلحون بعصي غليظة، بسحب أشرعتي الجديدة نزولا إلى مزرعته. كان الليل عاصفا، وسرعان ما انهمر وابل من المطر، فانطفأ الفانوس، وجازفوا بحياتهم وهم يتلمسون طريقهم نازلين تلك الجروف الزلقة. وصلوا إلى المزرعة مع انتصاف الليل، وأودعوا أثقالهم في كهف الهولة. جلسوا هناك طوال الأول من مايو على حزمهم من الأشرعة المنقوعة، وكان كل واحد منهم يقف بدوره حارسا على باب الكهف. ومع اقتراب غروب الشمس، أرسل باكتشال أخاه، على كره منه، ليستطلع في القرية دون أن يعرض نفسه لأي مجازفة غير ضرورية. وعاد بعد ثلاث ساعات ليعلن أن لا أثر لقطاع الطرق، وكل شيء يسير كالمعتاد. كان الناس كلهم في الميدان، والشموع مضاءة أمام المذبح في الكنيسة، وقد جاؤوا بسان أنطونيو إلى الميدان ليتلقى دعوات الشكر من أهالي كابري لأنه أنقذ من جديد قريته من الدمار. وعند انتصاف الليل زحفت الجماعة خارجة من الكهف وصعدت الطريق إلى القرية من جديد ومعها أشرعتي المبللة. ولما اكتشف باكتشال المصيبة أراد أن يغرق نفسه، وقالت ابنتاه إنهما لم تجرؤا أن تتركاه خارج نظرهما لعدة أيام وليال. ولم يعد أبدا كما كان من ذلك الحين، ونادرا ما كان يتكلم. لقد لاحظت ذلك بنفسي وسألته مرارا ما خطبه. وقبل أن تنهي جيوڤانينا اعترافها بوقت طويل، زالت عني كل آثار الغضب، وعبثا فتشت عن باكتشال في كل أنحاء القرية لأعلمه بذلك. وأخيرا وجدته في مزرعته جالسا على حجره المعتاد يتطلع إلى البحر متأملا كما هي عادته. قلت له إني أشعر بالخجل لأني رفعت يدي لأضربه. كانت تلك كلها غلطة الكاهن. لم أكن لأهتم بشيء( 12) حول الأشرعة الجديدة، فالقديمة تكفيني بصورة جيدة. كنت أنوي أن أنطلق غدا في رحلة طويلة، وكان عليه أن يأتي معي وسننسى كل شيء متعلق بها. وهو يعرف أني كنت دائما أمقت عمله في حفر القبور، ومن الأفضل أن يتخلى عن ذلك العمل لأخيه ويعود إلى البحر. كان قد ترقى من ذلك اليوم ليصبح الملاح المسؤول عن المركب الشراعي الصغير. كان جاتانو ثملا حتى العمى مرتين في كالابريا وكاد يودي بنا إلى القاع، وكنت عازما على صرفه من الخدمة على أية حال. ولما رجعنا إلى البيت، جعلته يلبس قميص البحارة الجديد الذي وصل قبل حين من إنجلترا وقد طرز على صدره بأحرف حمراء الليدي ڤكتوريا من نادي اليخوت الكندية الملكية. ولم يخلعه قطّ، لقد عاش فيه ومات فيه. لقد  صادفت باكتشال أول مرة وهو رجل مسن، وهو لا يعرف كم عمره، ولا ابنتاه تعرفان، ولا أي شخص آخر. وعبثا حاولت أن أتحرى ميلاده في سجل البلدية الرسمي. لقد تم نسيانه تماما من البداية. ولكنني لن أنساه أبدا. سوف أتذكره دائما كأشرف رجل في أصفى عقل وأكرم خلق واجهته في أي بلد وفي أية مرحلة من الحياة، لطيفا كطفل. وأولاده بذاتهم أخبروني أنهم لم يسمعوا منه كلمة طائشة أو نابية موجهة لأمهم أو لهم. وكان لطيفا حتى مع الحيوان، فقد اعتاد أن يملأ جيوبه بفتات الخبز ليطعم  العصافير في كرمه، وهو الرجل الوحيد على الجزيرة الذي لم ينصب شركا لعصفور ولم يضرب حمارا. إن خادما عجوزا مخلصا يلغي اسم السيد. لقد غدا صديقي، وذلك شرف لي، وكان رجلا أفضل مني بكثير. لقد فهم كل واحد منا الآخر على نحو جيد تماما، مع أنه كان ينتمي إلى عالم آخر غير عالمي، عالم أكاد لا أعرفه. وخلال الأيام والليالي الطويلة التي كنا فيها وحدنا معا على البحر، علمني أشياء كثيرة لم أقرأها في كتبي ولم أسمعها من شفاه رجال آخرين. كان رجلا صموتا، فقد علمه البحر سكوته منذ عهد بعيد. كانت أفكاره قليلة، وذلك في نظره أفضل بكثير. لكن أقواله كانت حافلة بالشعر، وبساطته القديمة في عباراته المجازية كانت إغريقية خالصة. وكثرة من كلماته ذاتها كانت إغريقية، وكان يتذكرها من ذلك الوقت الذي أبحر فيه على امتداد ذلك الساحل ذاته كواحد من البحارة في سفينة يوليسيس. وحين كنا في البيت، كان يواصل حياته كالمعتاد يشتغل في حديقتي أو ينزل ليعمل في مزرعته الحبيبة بجوار البحر. ولم أكن مولعا بهذه الحملات في صعود الجروف الشديدة الانحدار ونزولها، وقد ظننت أن شرايينه ستصاب بتصلب شديد، وأنه غالبا ما يعود من صعوده الطويل منقطع الأنفاس إلى حد ما. وخلافا لذلك، كان يبدو في حالته ذاتها تماما، فلم يشكُ من أي شيء قطّ، ويأكل معكرونته بشهيته المعتادة، وكان على ساقيه من الفجر حتى الغروب. وفجأة رفض في أحد الأيام أن يأكل، حاولنا أن نتملقه بكل ضروب الأشياء، لكنه قال:  لا. قال إنه يشعر بالوهن، متعب قليلا، وبدا راغبا تماما في أن يجلس في حدود يومين تحت العريشة متطلعا إلى البحر. ثم أصر أن ينزل إلى مزرعته، وكان من الصعوبة البالغة أن أقنعه بالبقاء معنا. لا أظن أنه كان يدرك لماذا أراد أن يذهب إلى هناك، لكني أعرف ذلك تماما. إنها غريزة الرجل البدائي التي تدفعه إلى هناك ليتوارى عن عيون الرجال الآخرين ويستلقي ليموت وراء صخرة، أو تحت شجيرة أو في الكهف حيث استلقى بدائيون آخرون ليموتوا منذ ألوف السنين. وحوالي الظهيرة، قال إنه يريد أن يستلقي على سريره قليلا، وهو الذي لم يستلقِ على سرير إطلاقا ولو يوما واحدا في حياته. وسألته عدة مرات بعد الظهر كيف كان يشعر، قال إنه يشعر بأنه على ما يرام تماما، شكرا لك. ومع اقتراب المساء جعلتهم ينقلون سريره إلى جوار النافذه حيث يستطيع أن يرى الشمس وهي تغوص في البحر. ولما رجعت بعد السلام المريمي، كان كل من في البيت، وأخوه، وأصحابه جالسين حول الغرفة. ما من أحد طلب إليهم أن يأتوا، وحتى أنا بنفسي لم أكن أدري أنها قريبة إلى هذا الحد. لم يتكلموا، ولم يصلوا، بل ظلوا جالسين هناك بسكون تام طوال الليل. ولم يكن أحد بجوار السرير، كما هو العرف هنا. كان باكتشال العجوز راقدا تماما هناك بسكون وسلام، وهو يتطلع بعيدا إلى البحر. كان كل شيء هكذا بسيطا ومهيبا، كما كانت تعني تماما حين تكون حياة ما على وشك أن تنتهي. وجاء الكاهن بالسر المقدس الأخير. وقد قالوا لباتشال العجوز أن عليه أن يعترف عن خطاياه ويطلب المغفرة. أومأ برأسه وقبل الصليب. ومنحه الكاهن الغفران. لقد وافق الله العظيم بابتسامة، وقال إن العجوز باكتشال مرحب به في السماء، وأظن أنه كان هناك قبل ذلك لما رفع يده فجأة وربت على خدي بلطف، وبخوف تقريبا.وهمس: "أنت طيب كالبحر!"وأنا لا أكتب هذه الكلمات بخداع، لكني أكتبها بتعجب. من أين جاءت تلك الكلمات؟ لقد جاءت من مكان قصي بكل تأكيد، جاءت كصدى من عصر ذهبي منسي منذ زمن بعيد، يوم كان پان( 13) ما يزال على قيد الحياة، حين كانت الأشجار في الغابات قادرة أن تتكلم، وأمواج البحر قادرة أن تغني، والإنسان قادرا أن يصغي ويفهم.  -------------------------(1 ) G. Suetonius Tranquillus (نحو 69 – ما بعد 122م):  مؤرخ وكاتب سير روماني. (W)( 2) Karl Baedeker (1801 – 1859):  ناشر ألماني لكتب الرحلات. (م)( 3) Jackal:  ابن آوى.. وكذلك هو التابع الخسيس، وقد رأيت أن (ابن آوى) أبلغ. (م)( 4) M. F. Quintilian (35 – 100م):  خطيب روماني بليغ. (W)( 5) L. A. Seneca (4 ق. م –  65م):  فيلسوف وسياسي وكاتب مسرحي روماني. (W)( 6) G. Plinius Secundus (23 – 79 م):  كاتب روماني، معروف باسم بلينيوس الأكبر. (W)( 7) D. J. Juvenalis (من حوالي 55/60 – 127م) شاعر هجائي روماني. (W)( 8) Caprese:  كابروي (نسبة إلى كابري). الكاتب طبيب أعصاب، وهذا يعني أن أبناء كابري كلهم أذكياء في نظره. ولعله هنا يغمز من الغطرسة الإنجليزية. (م)( 9) Salto di Tiberio:  جرف صخري ارتفاعه 330 مترا، زعموا أن تايبريوس كان يقذف بضحاياه منه إلى البحر. (G)( 10) Mithra – مثرا:  إله النور وحامي الحقيقة وعدو الظلام عند الفرس. (المورد)( 11) Arcadia:  منطقة في وسط اليونان عرفت بأنها موطن البسطاء، وهي منتجع المتطلعين إلى حياة السكينة والمسرة والأمان.( 12) وردت في النص حرفان منفصلان بخط هكذا d-n، وفي تقديري أنها damn:  لعين أو شيء تافه لا قيمة له. (م)( 13) Pan:  إله المراعي والغابات والرعاة عند الإغريق. (المورد)--------------------- هذه الملحمة الإنسانية  لاكسيل مونتي يصعب أن نَفيها حقها في مقالة موجزة، خاصة وهو يعبر بعمق وألم عن المعركة الدائرة بين الموت والحياة... فالمعركة منظمة في أدق تفاصيلها وفق قانون من التوازن بين الحياة والموت لا يقبل التغيير... لذا أترك للقارئ متعة قراءتها، كما استمتعت. محمد أحمد السويديبتكليف ورعاية من الشاعر الإماراتي محمد أحمد السويدي، وبدافع من حب المعرفة والسعي لنشرها قامت القرية الإلكترونية بتوفير هذه النسخة من قصة سان ميشيل مترجمة باللغة العربية – ترجمها علي كنعان. (جميع الحقوق محفوظة)صفحتنا الرسمية في فيس بوك :https://www.facebook.com/mohammed.suwaidi.poet/منصتنا في جوجل بلس لمتابعة باقي مشروعاتنا https://plus.google.com/+HisExcellencyMohammedAhmedAlSuwaidi?hl=ar , Electronic Village, His excellency mohammed ahmed khalifa al suwaidi, Arabic Poetry, Arabic Knowledge, arabic articles, astrology, science museum, art museum,goethe museum, alwaraq, arab poet, arabic poems, Arabic Books,Arabic Quiz, القرية الإلكترونية , محمد أحمد خليفة السويدي , محمد أحمد السويدي , محمد السويدي , محمد سويدي , mohammed al suwaidi, mohammed al sowaidi,mohammed suwaidi, mohammed sowaidi, mohammad alsuwaidi, mohammad alsowaidi, mohammed ahmed alsuwaidi, محمد السويدي , محمد أحمد السويدي , muhammed alsuwaidi,muhammed suwaidi....
اعرض في فيس بوك    
, Electronic Village, His excellency mohammed ahmed khalifa al suwaidi, Arabic Poetry, Arabic Knowledge, arabic articles, astrology, science museum, art museum,goethe museum, alwaraq, arab poet, arabic poems, Arabic Books,Arabic Quiz, القرية الإلكترونية , محمد أحمد خليفة السويدي , محمد أحمد السويدي , محمد السويدي , محمد سويدي , mohammed al suwaidi, mohammed al sowaidi,mohammed suwaidi, mohammed sowaidi, mohammad alsuwaidi, mohammad alsowaidi, mohammed ahmed alsuwaidi, محمد السويدي , محمد أحمد السويدي , muhammed alsuwaidi,muhammed suwaidi   قصة سان ميشيل لأكسِل مونتي                                       ترجمة:  علي كنعانالحلقة رقم (29) XXX عيد سان أنطونيو كان....
اقرأ المزيد ...   قصة سان ميشيل لأكسِل مونتي                                       ترجمة:  علي كنعانالحلقة رقم (29) XXX عيد سان أنطونيو كان عيد سان أنطونيو أعظم أيام السنة في أناكابري. كانت القرية طوال أسابيع في هرج ومرج لإحياء الذكرى المهيبة لقديسنا الراعي. ولقد نظفت الشوارع، وجللت الأحصنة التي ستمر في الموكب بالبياض، وزينت الكنيسة بالستائر والأنسجة المزدانة بالصور الملونة، وجلبت الألعاب النارية من نابولي، واستؤجرت الفرقة من توري أنونسياتا، وهي أهم من كل شيء آخر. كان افتتاح سلسلة الاحتفالات مع وصول الفرقة عشية اليوم العظيم. وقد بدأت الفرقة، قبل أن تجتاز  منتصف الطريق عبر الخليج، تصدح بكل ما هي جديرة به، وهي أبعد من أن نسمعها في أناكابري لكنها قريبة بما يكفي، بفضل الريح المواتية، لكي تزعج آذان أهالي كابري في القرية البغيضة أسفل منا. ولدى نزولها في الميناء، نقلت الفرقة وآلاتها الضخمة في عربتين كبيرتين وأخذت إلى أقصى نقطة تم إنجازها في طريق العربات. وكان عليهم أن يتسلقوا في تشكيلات منفصلة الدرجات الفينيقة المنحدرة، وهم ينفخون أبواقهم باستمرار. واستقبلهم تحت سور سان ميشيل وفد من البلدية. كان رئيس الفرقة المرموق في حلته الرسمية، وهي مغطاة بأشرطة ذهبية من الدرجة الممتازة، قد رفع عصاه فواصلت الفرقة دخولها المهيب في أناكابري، وأطفال القرية في مقدمتها، وأعضاؤها يصدحون بأبواقهم وشباباتهم ومزاميرهم بلحن سريع، ويقرعون الطبول والصنوج ويخشخشون الآلات المثلثة بأعلى ما يستطيعون. وقد استمرت حفلة الافتتاح الموسيقية في الميدان المزين كاملا بالأعلام، حتى منتصف الليل، بلا فترة استراحة. ولم ينعم الجنود الإنجليز إلا بقليل من النوم الخالي من الأحلام في ثكنتهم القديمة، وهم راقدون منذ 1806، إذ باغتهم إطلاق الصواريخ الأولى معلنة أن فجر اليوم العظيم قد أطل. وارتفع في الـ 4( 1) صباحا نفير الاستيقاظ عبر القرية صداحا على نحو شهواني في نسيم الصباح الندي. وتلا الكاهن القداس الصباحي في الـ 5 كالمعتاد دائما في الكنيسة، تساعده الفرقة في شرف المناسبة، ومعداتها خاوية. وفي الـ 7 كان الإفطار فنجانا من القهوة السوداء، نصف كيلو من الخبز وجبنة الماعز الطازجة. وفي الـ 8 كانت الكنيسة ممتلئة حتى آخر موضع فيها، الرجال في جانب، والنساء في الجانب الآخر، وأطفالهن نائمون على صدورهن. وكانت الفرقة وسط الكنيسة على منصتها المرتفعة بشكل خاص. وباشر قداس الاحتفال بشجاعة، على ألحان بورجيليسي، اثناعشر قسا من أناكابري في مقاعد الجوقة خلف المذبح العالي، واثقين بالعناية الإلهية والفرقة الموسيقية لتشاركهم في الأداء. وعزفت الفرقة اللحن الإضافي بسرعة عاصفة ومهارة كبيرة، تلقاها المصلون بإعجاب شديد. وفي العاشرة قدم العجوز المسكين دون أنطونيو القداس الكبير من المذبح العالي بأداء انفرادي مؤلم ونغمات احتجاج وصرخات حزن مفاجئة من داخل الأرغن الصغير الذي أبلته فداحة الاستعمال طوال ثلاثة قرون. وفي الـ 11 بدأت من المنبر مراسم إحياء ذكرى سان أنطونيو ومعجزاته، وكل معجزة مصممة ومعدة بشكل مرئي بإيماءات خاصة ولائقة بالمناسبة. الآن( 2) سيرفع الخطيب يديه بوجد صوفي إلى القديسين في السماء، والآن سيشير بسبابته إلى الأرض ليحدد تحتها منازل المحكومين بالهلاك الأبدي. وسيتهاوى الآن على ركبتيه بابتهالات صامتة لسان أنطونيو ويثب فجأة على قدميه مطوحا بنفسه عن المنبر وهو يعاجل ساخرا خفيا بضربة من قبضته. الآن سيحني رأسه بصمت نشوان إلى تراتيل الملائكة السعيدة؛ والآن، وهو ممتقع من الرعب، سيضع يديه على أذنيه لئلا يسمع صرير أسنان الشيطان وصرخات الخاطئين في مراجلهم. وأخيرا، ينكب على وجهه مبللا بالعرق نحو ساعتين من الدموع والشهقات والآثام في درجة حرارة 105 فرنهايت، وسينطرح على أرض المنبر بلعنة رهيبة على البروتستانت. الساعة 12. هياج كبير في الميدان. خرج الموكب! خرج الموكب! الموكب يتقدم. أتىت أولاً مجموعة من الأطفال الصغار، أقرب إلى الرضع، يدا بيد. كان بعضهم يلبس الزي الروماني( 3) الأبيض القصير وله أجنحة ملائكة كأطفال رفائيل المكتنزين. وآخرون عراة كليا ومزينون بأطواق من أوراق الكرمة وأكاليل من الزهر حول جباههم، وكأنهم مفصولون من نقش إغريقي ضئيل البروز. ثم جاءت بنات مريم، صبايا نحيفات طوال في حلل بيضاء وخمر زرقاء طويلة بأوسمة العذراء الفضية على شريط أزرق حول أعناقهن. ثم جاءت التائبات في ثياب سوداء وخمر سوداء، عوانس هرمات حتى اليباس، بقين مخلصات لحبهن الأول، المسيح عيسى. بعدهن جاءت جماعة الإحسان يتقدمها علمها، وتتألف من رجال كبار في مظهر وقور وملابس سوداء قديمة الطراز ومسوح كهنوتية بيضاء من عهد سافونارولا    ( 4). الموسيقا ! الموسيقا !ثم جاءت الفرقة الموسيقية بملابسها الرسمية وأشرطتها الذهبية من عهد ملوك البوربون في نابولي، يتقدمه رئيس الفرقة المهيب صادحا بكل طاقته بمعزوفة البولكا البوهيمية العاصفة، وقد علمت أنها كانت المقطوعة المفضلة لدى القديس. بعد ذلك، ظهر سان أنطونو منتصبا على عرشه، باسطا يده في هيئة مباركة، وهو محاط بجميع الكهنة بلباس المهرجان والمئات يحيونهم بالمفرقعات. كان رداؤه مغطى بالأشرطة النفيسة ومنقوش بالجواهر وتقدمات النذور، وعباءته من القماش الفخم المقصب كانت مثبته على صدره بمشبك من الياقوت الملون. وكان يتدلى من عنقه سلك من خرز البلور الملون وقد علقت به حلية ضخمة من المرجان في شكل قرن لتحميه من العين الشريرة. وجئت في أعقاب سان أنطونيو مباشرة، وأنا حاسر الرأس وفتيل الشمع في يدي، أسير بجوار العمدة – وقد منحوني هذا الشرف بإذن خاص من رئيس أساقفة سورينتو. وبعدنا جاء أعضاء المجلس البلدي وقد أراحوهم في ذلك اليوم من مسؤولياتهم الفادحة. ثم جاء وجهاء أناكابري:  الطبيب، الكاتب العدل، الصيدلي، الحلاق، بائع التبغ، والخياط. بعدئذ جاء الشعب:  البحارة، الصيادون، الفلاحون، وعلى مسافة محترمة منهم كانت جماعتهم من النساء والأطفال. وفي خلفية الموكب كانت تسير بتواضع مجموعة من الكلاب، وزوجان من الماعز وصغيراهما يخبان إلى جانبهما، وخنزير أو اثنان، تحت أنظار أصحابها. وكان المشرفون على الاحتفال والمختارون بعناية، يندفعون جيئة وذهابا على طول الموكب ليحافظوا على نظام المراتب ويضبطوا السرعة، والعصي المذهبة في أيديهم، وعصي الذهب بانتظار القديس. ولما كان الموكب يدور في مسيره خلال الأزقة، كانت تنثر عليه من كل نافذة سلال من الرتم زكي الرائحة، وهو الزهر  المفضل لدى القديس. والرتم في الواقع يدعى زهرة سان أنطونيو. وكان يمتد عبر الشارع هنا وهناك حبل من نافذة إلى أخرى، وعند عبور القديس بجانبها تماما، ترى ملاكا ورقيا زاهي الألوان يندفع طائرا عبر الحبل مرفرفا بجناحيه مثيرا بهجة الجمهور الشديدة. وتوقف الموكب أمام سان ميشيل، ورُفع القديس بإجلال ليوضع على منصة منصوبة خصيصا ليستريح عليها قليلا. وطفق رجال الدين يمسحون العرق عن جباههم، واستمرت الفرقة تنفخ آلاتها بقوة كما كانت تفعل منذ أن انطلقت من الكنيسة قبل ساعتين، وبدا القديس في موقفه مفعما بحب الخير بينما تنثر عليه نساء بيتي من النوافذ باقات من الزهر، وباكتشال العجوز يقرع الأجراس من الكنيسة وبلداسار ينزل العلم عن سطح البيت. كان يوما عظيما لنا جميعا، وكان كل شخص فخورا بالشرف الذي أولونا إياه. كانت الكلاب تراقب ما يجري من التعريشة، بسلوك جيد ومهذب كالمعتاد، وإن كانت قلقة إلى حد ما. كانت السلاحف في الحديقة رائقة لكي تفكر مليا في مشاكلها الخاصة، والنمس أكثر انشغالا من أن يستسلم لفضوله. وكانت البومة الصغيرة واقفة على مجثمها تطرف بعينيها نصف المغلقتين، تفكر بشيء آخر. وبما أن بيلي غير مؤمن، فقد حبس في بيت النسناس، ومن هناك واصل جلبة شيطانية، زاعقا بأعلى صوته، يقرع قارورة الماء بطبق الصفيح، ويخشخش سلسلته، ويهز مزلاجه مستعملا أشد اللغات رعبا.وعدنا إلى الميدان حيث تلقى سان أنطونيو التحية بدوي هائل من المفرقعات ثم أعيد تنصيبه في  مزاره في الكنيسة، وعاد أصحاب الموكب إلى بيوتهم لتناول المعكرونة. وجلست الفرقة إلى وليمة قدمتها السلطات تحت عرائش أوتيل براديسو، ولكل رأس نصف كيلو من المعكرونة ومقدار ما يحب من النبيذ. وفي الرابعة، افتتحت أبواب سان ميشيل، وخلال نصف ساعة كانت القرية بكاملها في الحديقة، أغنياء وفقراء، رجالا ونساء وأطفالا ورضعا، مقعدين ومعتوهين، عماة وعرجانا، وأولئك الذين لم يكونوا قادرين على المجيء بأنفسهم، أتوا محمولين على أكتاف الآخرين. لم يكن غائبا إلا القساوسة، مع أن ذلك لم يكن خطأ منهم. كانوا منهكين من طول التجوال فاستندوا بظهورهم إلى مقاعد المرتلين خلف المذبح العالي، ودخلوا في صلوات حارة للقديس أنطونيو، وربما كان القديس أنطونيو ذاته يسمعهم في ضريحه، ولكن من النادر أن يسمعهم أي شخص آخر يمكن أن يلقي بالمصادفة نظرة داخل الكنيسة الخالية. وامتد صف طويل من الموائد، من طرف العريشة إلى طرفها الآخر، وعليها دنان( 5) ضخمة من أجود أنواع نبيذ سان ميشيل. وكان باكتشال العجوز وبلداسار والمعلم نيكولا منهمكين في العمل وهم يعيدون ملء أقداح الخمر، وكانت جيوڤانينا وروزينا وإليزا يتجولن بينهم ليقدمن السجائر للرجال، والقهوة للنساء، والكعك والحلوى للأطفال. أما الفرقة الموسيقية، وقد أعيرت لي بعد الظهر بتدبير خاص من السلطات، فقد كانت تصدح بألحانها بلا توقف من الرواق الأعلى. لقد ترامى البيت كله منفتحا، لم يغلق بالرتاج على أي شيء، وجميع مقتنياتي النفيسة كانت مطروحة كالمعتاد في فوضاها الواضحة على الطاولات والكراسي والأرض. وكان أكثر من ألف شخص يتجولون أحرارا من غرفة إلى غرفة، ولم يلمسوا شيئا، ولم يفقد أي شيء. ولما دقت الأجراس السلام المريمي انفض الاستقبال وانصرفوا جميعا ملوحين طويلا بأيديهم، وهم في أسعد حال، وذلك هو السر الذي صنعت الخمر من أجله. ومضت الفرقة، وهي في أبهى لباسها الرسمي، في طريقها إلى الميدان. وكان القساوسة الاثنا عشر قد وقفوا في تشكيل محكم خارج أبواب الكنيسة، بعد أن انتعشوا واستردوا سكينتهم بصلوات المساء لدى سان أنطونيو. وأخذ العمدة والمجلس البلدي والوجهاء مقاعدهم على مصطبة البلدية. التقطت الفرقة أنفاسها وصعد أعضاؤها بأنفسهم وآلاتهم إلى المنصة التي نصبت خصيصا لهم. وقف الشعب في الميدان مرصوصا كالسردين. ورفع رئيس الفرقة المهيب عصاه، وبدأت الحفلة الموسيقية الكبرى:  أوبرا ڤيردي ريجوليتو، تروبادور، أوجينوتي( 6)، بيوريتان، رقصة الأقنعة، وتشكيلة مختارة من أغاني نابولي الشعبية، البولكا والمازوركا، والرقصات البطيئة والمرحة في تسلسل متواصل ووقت متزايد باستمرار حتى الحادية عشرة حين انفجر في الهواء كرمى لمجد سان أنطونيو ما يساوي ألفي ليرة من الأسهم النارية والشموع الرومانية ودواليب الهواء( 7) والمفرقعات. وفي منتصف الليل كان المهرجان قد استنزف ولكن ليس أهالي أناكبري والفرقة الموسيقية. لم يذهب أحد إلى السرير، وضجت القرية بالغناء والضحك والموسيقا  طوال الليل. يحيا الفرح! يحيا القديس! تحيا الموسيقا !كان على الفرقة أن تغادر في مركب الساعة السادسة صباحا. وفي طريقها إلى الميناء، توقفت تحت نوافذ سان ميشيل لتعزف كعادتها "سيريناد الوداع" على شرفي. وما زال في إمكاني أن أرى هنري جيمس يطل من نافذة غرفة نومه، وهو يرتج من شدة الضحك في بيجامته. من المؤسف أن الفرقة تناقصت خلال الليل عددا وكفاءة. قائد الفرقة أصيب بهذيان الحمى، واثنان من عازفي المزمار بصقا دما، ونافخ المزمار المزدوج أصيب بالفتاق، وقارع الطبل الكبير خلع عظم كتفه الأيمن، وقارع الصنوج شق طبلتي أذنيه. وعضوان آخران من الفرقة أصيبا بانهيار عاطفي ونقلا إلى الميناء على الحمير. والناجون انطرحوا على ظهورهم وسط الطريق، وهم بآخر أنفاسهم، ليعزفوا لحن الوداع الحزين لسان ميشيل. وبعد أن انتعشوا بفنجان قهوة سوداء، راحوا يجرجرون أقدامهم صامتين ويلوحون أيديهم بمودة وهم يهبطون الدرجات الفينيقية مترنحين إلى الميناء. لقد صار مهرجان سان أنطونيو في خبر كان.   ---------------(1 ) هكذا وردت الساعات (باستثناء العاشرة، موعد القداس) بالأرقام:  4، 5، 7، 8.. 11، 12.. وهي أبلغ وتوحي بالحركة الآلية، وقد آثرت أن أضع أل التعريف قبل الرقم لتستقيم العبارة. (م)( 2) يكرر الكاتب كلمتي (الآن) في هذه الفقرة و(بعدئذ) في الفقرة التالية، وكأنه يلمح إلى الدقة التقليدية الصارمة في برنامج الاحتفال، ويمكن أن نستشعر بذلك نبرة خفية من السخرية. (م)(3 ) Tunic.(4 ) Girolamo Savonarola (1452-1498):  كاهن إيطالي اشتهر بدعوته للإصلاح والوقوف ضد الفساد الكنسي. (م)(5 ) وردت في النص piretti ولم أعثر على معنى لها فاخترت (الدنان) من سياق النص.(6 )Ughenotti   =  Uguenot:  البروتستنتي الفرنسي.(7 ) Catherine weels -------------------- هذه الملحمة الإنسانية  لاكسيل مونتي يصعب أن نَفيها حقها في مقالة موجزة، خاصة وهو يعبر بعمق وألم عن المعركة الدائرة بين الموت والحياة... فالمعركة منظمة في أدق تفاصيلها وفق قانون من التوازن بين الحياة والموت لا يقبل التغيير... لذا أترك للقارئ متعة قراءتها، كما استمتعت. محمد أحمد السويديبتكليف ورعاية من الشاعر الإماراتي محمد أحمد السويدي، وبدافع من حب المعرفة والسعي لنشرها قامت القرية الإلكترونية بتوفير هذه النسخة من قصة سان ميشيل مترجمة باللغة العربية – ترجمها علي كنعان. (جميع الحقوق محفوظة)صفحتنا الرسمية في فيس بوك :https://www.facebook.com/mohammed.suwaidi.poet/منصتنا في جوجل بلس لمتابعة باقي مشروعاتنا https://plus.google.com/+HisExcellencyMohammedAhmedAlSuwaidi?hl=ar , Electronic Village, His excellency mohammed ahmed khalifa al suwaidi, Arabic Poetry, Arabic Knowledge, arabic articles, astrology, science museum, art museum,goethe museum, alwaraq, arab poet, arabic poems, Arabic Books,Arabic Quiz, القرية الإلكترونية , محمد أحمد خليفة السويدي , محمد أحمد السويدي , محمد السويدي , محمد سويدي , mohammed al suwaidi, mohammed al sowaidi,mohammed suwaidi, mohammed sowaidi, mohammad alsuwaidi, mohammad alsowaidi, mohammed ahmed alsuwaidi, محمد السويدي , محمد أحمد السويدي , muhammed alsuwaidi,muhammed suwaidi....
اعرض في فيس بوك    
, Electronic Village, His excellency mohammed ahmed khalifa al suwaidi, Arabic Poetry, Arabic Knowledge, arabic articles, astrology, science museum, art museum,goethe museum, alwaraq, arab poet, arabic poems, Arabic Books,Arabic Quiz, القرية الإلكترونية , محمد أحمد خليفة السويدي , محمد أحمد السويدي , محمد السويدي , محمد سويدي , mohammed al suwaidi, mohammed al sowaidi,mohammed suwaidi, mohammed sowaidi, mohammad alsuwaidi, mohammad alsowaidi, mohammed ahmed alsuwaidi, محمد السويدي , محمد أحمد السويدي , muhammed alsuwaidi,muhammed suwaidi   قصة سان ميشيل لأكسِل مونتي                                       ترجمة:  علي كنعانالحلقة رقم (28) XXIX إلْـ بَمبِينُو(....
اقرأ المزيد ...   قصة سان ميشيل لأكسِل مونتي                                       ترجمة:  علي كنعانالحلقة رقم (28) XXIX إلْـ بَمبِينُو( 1) هزت سانتآنا رأسها وأرادت أن تعرف إن كان من الحكمة أن يرسلوا طفلا صغيرا كهذا في مثل ذلك اليوم العاصف، وهل كان البيت الذي سيأخذون إليه الحفيد محترما، على الأقل؟ وقالت السيدة الكبرى أن ليس هناك ما يدعو إلى القلق، فالطفل سيكون ملفوفا جيدا، وهي تشعر باطمئنان أنه سيكون على ما يرام، فقد كانت دائما تسمع أنهم يرحبون بالأطفال في سان ميشيل. وبما أن الطفل راغب في أن يذهب، فمن الأفضل أن يسمحوا له بذلك، ألم تكن تعلم أن ذلك الصغير، وهو كما هو، كان لديه إرادته الخاصة؟ والقديس جوزيف لم يستشر، وفي الحقيقة لم يكن لديه كثير مما يقوله في العائلة. وحمل المهد من المزار دون سلڤاتور، أصغر قسيس في آناكابري. وأشعل حافظ المقدسات الشموع وانطلقوا خارجين(2 ). وجاء صبي من جوقة المنشدين أولا وهو يقرع الجرس، ثم جاءت فتاتان من بنات مريم باللباس الأبيض والخمار الأزرق، وتلاهما حافظ المقدسات ملوحا بمجمرة البخور، وأخيرا جاء دون سلڤاتور حاملا المهد. وفي حين كانوا يسيرون في أرجاء القرية، كان الرجال يحسرون رؤوسهم، والنسوة يشددن إلى صدورهن أطفالهن الذين ينبغي أن يروا الطفل الملكي، والتاج الذهبي على رأسه، وخشخيشة فضية بشكل ساحرة( 3) حول عنقه، وصبية الشوارع يهتف كل منهم للآخر: "إلْـ بَمبينو! إلـْ بَمبينو!" وأمام باب سان ميشيل وقف أهل البيت جميعا والزهور في أيديهم ليرحبوا بضيفنا. وقد جرى تحويل أفضل غرفة في البيت إلى حضانة ملأى بالزهر وقد تدلت من جدرانها أكاليل من اللبلاب وإكليل الجبل. وعلى الطاولة المكسوة بأفضل ما لدينا من قماش أبيض، أشعلنا شمعتين، لأن الأطفال الصغار لا يحبون أن يتركوا في الظلام. وفي زاوية من غرفة الحضانة، كانت تنتصب العذراء الفلورنسية وهي تحضن طفلها، وتتدلى من الجدران أيقونتان من طفولة لوقا روبيا وأيقونة العذراء المقدسة من إبداع مينو فيسكول وهي تتطلع في إطلالتها على المهد. وكان السراج المقدس يتدلى من السقف، هولا على البيت إذا اضطرب أو انطفأ، لأن ذلك يعني وفاة صاحبه قبل أن تنتهي السنة. وكانت موضوعة إلى جانب المهد قلة من الدمى المتواضعة، مثل تلك التي يمكن أن تنتجها القرية، لتبقى في صحبة البمبينو؛ دمية صلعاء الرأس، هي الوحيدة الباقية من طفولة روزينا وجيوڤانيا، وحمار خشبي مستعار من بنت إليزا الكبرى، وخشخيشة بشكل بوق ضد العين الشريرة. وكانت قطة إليزا تستلقي مع صغارها الستة في سلة تحت الطاولة، وقد جيء بها خصيصا لهذه المناسبة. وكانت تنتصب في جرة خزفية ضخمة على الأرض شجيرة مزهرة من إكليل الجبل. أتعرف لماذا إكليل الجبل؟ لأن العذراء لما أرادت أن تغسل ملابس المسيح عيسى الوليد، كانت تنشر القميص الصغير على شجيرة إكليل الجبل.أودع دون سلڤاتور المهد في مزاره وترك البمبينو في رعاية ما في بيتي من نساء بعد توصيات في غاية التفاصيل ليراقبوه ويوفروا له كل ما يحتاج. وكان أطفال إليزا يلعبون يلعبون على الأرض طوال اليوم ليكونوا في صحبته، وفي السلام المريمي ركعت نسوة البيت أمام المهد وهن يتلين صلاتهن. سكبت جيوفانيا مزيدا من الزيت في المصباح من أجل الليل، وانتظرن بعض الوقت حتى استغرق البمبينو في النوم، ثم انسللن خارجات بصمت قدر الإمكان. ولما أمسى كل شيء ساكنا في البيت، توجهت إلى غرفة الحضانة لألقي نظرة على البمبينو قبل أن أمضي إلى السرير. كان نور السراج المقدس يضيء المهد، واستطعت أن أراه مستلقيا هناك وهو يبتسم في نومه. يا له من طفل صغير باسم مسكين، وهو لا يعرف إلا القليل من  أن يوما سيأتي، وحينئذ لا بد أن نتخلى عنه، نحن الذين كنا جميعا نركع بجوار مهده، وحينئذ لا بد أن يخونه أولئك الذين قالوا إنهم كانوا يحبونه، يوم تنتزع الأيدي الضارية ذلك التاج الذهبي عن جبينه وتضع مكانه تاجا من الأشواك وتسمره على الصليب، وحتى الله سيكون قد تخلى عنه.الليلة التي مات فيها كان ثمة رجل عجوز كئيب يذرع هذه الأرضية الرخامية ذاتها جيئة وذهابا، حيث أقف الآن. لقد نهض عن أريكته مذعورا في نومه بحلم مزعج. كان وجهه داكنا كالسماء من فوقه، والخوف يلمع في عينيه. دعا الفلكيين والحكماء من الشرق وأمرهم أن يخبروه ما تأويل حلمه، ولكن قبل أن يتمكنوا من قراءة الكتابة الذهبية على السماء، اختلجت النجوم واحدا فواحدا وانطفأت. ممن كان عليه أن يخاف، وهو حاكم العالم! ما أهمية حياة رجل واحد لديه، وهو الحكَم على حيوات ملايين الرجال! من كان في استطاعته أن يحاسبه في تلك الليلة على أن يقوم أحد وكلائه بإنزال الموت على رجل بريء باسم إمبراطور روما؟ وحتى وكيله الذي لا يزال اسمه اللعين على شفاهنا، هل كان مسؤولا أكثر من سيده الإمبراطوري الذي وقع أمر إعدام رجل بريء؟ وبالنسبة لهذا، منفذ القانون والتقاليد في مقاطعة عاصية، أكان من العدل أن ينفذ حكم الإعدام برجل بريء؟ وذلك اليهودي الملعون الذي لا يزال هائما عبر العالم باحثا عن الغفران، هل كان يدرك ما فعل؟ أو أنه، لما خان سيده بقبلة حب، كان هو فاعل الشر الأعظم في كل الزمان؟ أكان في وسعه أن يقوم بشيء آخر؟ وهل فعلها بإرادته الحرة؟ كان لا بد من فعلها، كان عليه أن يفعلها، مذعنا لإرادة أقوى من إرادته. ألم يكن هناك على الجلجلة في تلك الليلة أكثر من رجل واحد مستعد أن يتحمل عذاب تلك الخطيئة التي لم يرتكبها؟انحنيت على الطفل الباسم لحظات ثم انسللت خارجا على رؤوس أصابع قدمي.  ------------------(1 ) Il Bambino :  الطفل (بالإيطالية) وقد تركتها بلغتها الأصلية لأن الكاتب يكررها، كما أن الكلمة متداولة في الساحل الشرقي للمتوسط، ولو في حدود، والثقافة وكثير من العبارات متشابهة أو متقاربة في حوض المتوسط. (م)( 2) يمكن ألا تكونوا قد سمعتم بهذا التقليد العريق. لقد اعتدت، خلال إقامتي في سان ميشيل، أن أستقبل زيارة من البمبينو كل سنة، وهذا أعظم شرف يمكن أن يسبغ علينا به. وكان يمكث في سان ميشيل أسبوعا، عادة.(3 ) Siren:  الساحرة، وهي كائن خرافي برأس امرأة وجسم طير، والسيرينات ساحرات أودسيوس في رحلة العودة من حرب طروادة. (م) -------------------- هذه الملحمة الإنسانية  لاكسيل مونتي يصعب أن نَفيها حقها في مقالة موجزة، خاصة وهو يعبر بعمق وألم عن المعركة الدائرة بين الموت والحياة... فالمعركة منظمة في أدق تفاصيلها وفق قانون من التوازن بين الحياة والموت لا يقبل التغيير... لذا أترك للقارئ متعة قراءتها، كما استمتعت. محمد أحمد السويديبتكليف ورعاية من الشاعر الإماراتي محمد أحمد السويدي، وبدافع من حب المعرفة والسعي لنشرها قامت القرية الإلكترونية بتوفير هذه النسخة من قصة سان ميشيل مترجمة باللغة العربية – ترجمها علي كنعان. (جميع الحقوق محفوظة)صفحتنا الرسمية في فيس بوك :https://www.facebook.com/mohammed.suwaidi.poet/منصتنا في جوجل بلس لمتابعة باقي مشروعاتنا https://plus.google.com/+HisExcellencyMohammedAhmedAlSuwaidi?hl=ar , Electronic Village, His excellency mohammed ahmed khalifa al suwaidi, Arabic Poetry, Arabic Knowledge, arabic articles, astrology, science museum, art museum,goethe museum, alwaraq, arab poet, arabic poems, Arabic Books,Arabic Quiz, القرية الإلكترونية , محمد أحمد خليفة السويدي , محمد أحمد السويدي , محمد السويدي , محمد سويدي , mohammed al suwaidi, mohammed al sowaidi,mohammed suwaidi, mohammed sowaidi, mohammad alsuwaidi, mohammad alsowaidi, mohammed ahmed alsuwaidi, محمد السويدي , محمد أحمد السويدي , muhammed alsuwaidi,muhammed suwaidi....
اعرض في فيس بوك    
, Electronic Village, His excellency mohammed ahmed khalifa al suwaidi, Arabic Poetry, Arabic Knowledge, arabic articles, astrology, science museum, art museum,goethe museum, alwaraq, arab poet, arabic poems, Arabic Books,Arabic Quiz, القرية الإلكترونية , محمد أحمد خليفة السويدي , محمد أحمد السويدي , محمد السويدي , محمد سويدي , mohammed al suwaidi, mohammed al sowaidi,mohammed suwaidi, mohammed sowaidi, mohammad alsuwaidi, mohammad alsowaidi, mohammed ahmed alsuwaidi, محمد السويدي , محمد أحمد السويدي , muhammed alsuwaidi,muhammed suwaidi   قصة سان ميشيل لأكسِل مونتي                                       ترجمة:  علي كنعانالحلقة رقم (27) XXVIII ملاذ الطيور كان....
اقرأ المزيد ...   قصة سان ميشيل لأكسِل مونتي                                       ترجمة:  علي كنعانالحلقة رقم (27) XXVIII ملاذ الطيور كان رحيل الكاهن المحترم دون جياتشينتو فجأة إلى عالم آخر بالنار والدخان قد ترك تأثيرا مضنيا على الحالة العامة لراعي كنيستنا دون أنطونيو صحيا ونفسيا. كان كاحله الملتوي قد تحسن بسرعة، وفي الحال صار قادرا على استئناف نزهاته الصباحية المعتادة ليكون حاضرا لدى إفطاري. وكنت أدعوه دائما، وفقا لعادة نابولية، "لتأكل معي"، لكنه كان يرفض دائما أن يأخذ كأس الشاي مني بلباقة: "لا، شكرا، أعفيني منه". إن مجال زيارته الوحيد لي هو أن يجلس إلى مائدة الإفطار مقابلا لي متطلعا إلي وأنا آكل. ولم يكن دون أنطونيو مهتما برؤية الحراج من قبل قطّ في المنطقة المجاورة، وكل ما كنت أقوله أو أفعله كان مصدرا دائما لإثارة فضوله. كان يعلم أنني بروتستانتي، ولكن بعد محاولات ملتبسة في مناقشة الموضوع، اتفقنا على أن نتخلى عن اللاهوت في محادثاتنا وندع البروتستانت وشأنهم. كان ذلك تنازلا عظيما من جانبه، لأنه اعتاد مرة كل أسبوع أن يرسل جميع الأحياء والأموات البروتستانت إلى الجحيم من منبره بأقذع عبارات  الذم الرهيبة. إن البروتستانت كانوا اختصاص دون أنطونيو، ملاذه الأخير في جميع مصاعبه الوعظية. ولست أدري ماذا يمكن أن يفعل بدون البروتستانت. كانت ذاكرة الكاهن واهنة إلى حد ما، وكان مألوفا أن ينقطع خيط مجادلته في أخطر اللحظات إحراجا، ويرين صمت مطبق أثناء عظاته. وكانت جماعته من المؤمنين تعرف ذلك جيدا ولا يشغلها ذلك في أقل تقدير، وكان أفرادها جميعا يواصلون باطمئنان تأملهم في شؤونهم الذاتية، في زيتونهم وكرومهم،  وفي أبقارهم وخنازيرهم. وكانوا يعرفون كذلك ما سوف يلي. كان دون أنطونيو يتمخط بسلسلة من نفخات مدوية وكأنها من صور يوم الحساب، ويغدو في أرض آمنة من جديد."لكن هؤلاء البروتستانت الملاعين، وهذا المبتز لوثر! ليقتلع الشيطان ألسنتهم من أفواههم، وليحطم عظامهم ويشويهم وهم أحياء، حتى الأبد". وصادف أن مررت مع صديق لي أمام باب الكنيسة مرة في أحد الفصح في ذات اللحظة التي فقد فيها الكاهن قدرته على الكلام، وخيم الصمت الغامر المعتاد. همست في أذن صديقي أن علينا أن ندخل من أجل ذلك الآن."لكن هذا المبتز لوثر، وهؤلاء البروتستانت الملاعين! الذين الشيطان..".وفجأة لمحني دون أنطونيو في المدخل. فاسترخت القبضة المطبقة التي رفعها عاليا ليسدد بها ضربة ساحقة للملحدين الملعونين ولوح بيده في مودة واعتذار نحوي:  لكن طبعا ليس السنيور الدكتور! طبعا ليس السنيور الدكتور!نادرا ما انقطعت عن الذهاب إلى الكنيسة في أحد الفصح لآخذ مكاني بجوار الباب إلى جانب متسول أناكابري الرسمي. وكنا نبسط أيدينا معا نحو الداخلين، هو من أجل النقود وأنا من أجل عصفور في جيب رجل، في طيات وشاح امرأة أسود أو في راحات أيدي الأطفال. وهذا يدل بصورة طيبة على الوضع الاستثنائي الذي استمتعت به في تلك الأيام بين القرويين، إذ أنهم قبلوا بلا استياء تدخلي في طريقة احتفالهم بقيامة ربنا الذي تكرسه التقاليد منذ ما يقارب ألفي سنة وما يزال قساوستهم يشجعونهم عليها. كانوا يجهزون الأشراك في كل كرم وتحت كل شجرة زيتون، من أول يوم في أسبوع الآلام. كان صبية القرية جميعا يسحبون مئات من الطيور الصغيرة وهم يطوفون في الشوارع، على مدى أيام. واليوم، يطلقون رموزا مشوهة من الحمام المقدس في الكنيسة لتلعب دورها في إحياء الذكرى البهيجة لعودة المسيح إلى السماء. لكنها لا تعود أبدا إلى سمائها، إنما ترفرف إلى حين عاجزة متحيرة، تكسر أجنحتها على النوافذ، قبل أن تهوي لتموت على أرض الكنيسة. ومع انبلاج الفجر، كنت على سطح الكنيسة والمعلم نيكولا يمسك بالسلم كمساعد لي، على كره منه، لكي أحطم بعض زجاج النوافذ. لكن لم تجد إلا قلة ضئيلة جدًّا، من تلك الطيور المحكومة بالهلاك، طريقها إلى الحرية.الطيور! الطيور! كم كان يمكن لحياتي ألا تكون في مثل هذه السعادة على هذه الجزيرة الجميلة لو لم أكن مولعا بهم كما أفعل! كنت أحب أن أراهم يجيئون كل ربيع آلافا، آلافا، وكان بهجة لأذني أن أسمعهم يغردون في حديقة سان ميشيل. لكن كان ثمة وقت كنت أوشك أن أتمنى فيه لو أنهم لم يأتوا، وذلك لما كنت أود لو أن في إمكاني أن أشير لهم وهم بعيدون فوق البحر أن يظلوا طائرين، أن يواصلوا الطيران عاليا فوق الرؤوس مع أسراب الإوز البري، مباشرة إلى بلادي القصية في الشمال حيث يمكن أن يكونوا في أمان من الإنسان. لأني كنت أدرك أن الجزيرة  الجميلة التي كانت نعيما لي كانت جحيما لهم، كذلك الجحيم الآخر الذي كان بانتظارهم أبعد على طريق الآلام، في هيلجولاند( 1). لقد وصلوا قبل طلوع الشمس تماما. وكان كل ما يطلبونه هو أن يستريحوا قليلا بعد طيرانهم الطويل عبر المتوسط، وكان هدف الرحلة بعيدا جدا، البلاد التي ولدوا فيها والتي عليهم أن ينشئوا صغارهم فيها. جاؤوا بالآلاف:  حمام مطوق، سمَّان، قماري، طائر مخوِّض، سمانى، صُفارية ذهبية، قبرات، عنادل، ذُعرة، صغنج، سنونو، هازج، أبو الحناء وكثير من الفنانين الصغار الآخرين وهم في طريقهم ليمنحوا الغابات والحقول الخرساء في الشمال حفلات الربيع الموسيقية. وبعد ساعتين، أخذوا يصفقون بأجنحتهم عاجزين في الشباك التي مدها رجل ماكر فوق الجزيرة كلها من الجروف الصخرية العالية المطلة على البحر من منحدرات جبل سولارو وجبل باربروسا. وكانوا في المساء معلبين بالمئات في صناديق خشبية صغيرة بلا طعام ولا ماء، ونقلوا على بواخر إلى مرسيليا ليؤكلوا بمتعة في مطاعم باريس الأنيقة. كانت تجارة رابحة، وكانت كابري طوال قرون مقر الأسقف الممول كليا من بيع طيور الصيد بالشباك. وكان يدعى في روما "أسقف السمانى". أتعرف كيف كانوا يصطادونهم بالشباك؟ كانوا يخفون تحت الأدغال، بين الأعمدة، عصافير في أقفاص الشباك، يرددون بلا انقطاع زقزقاتهم  الرتيبة بصورة آلية. لم يكونوا قادرين على التوقف، بل كانوا يصيحون ليلَ نهار حتى يموتوا. وقبل أن يعرف العلم بزمن بعيد أي شيء عن موقع المراكز العصبية في الدماغ البشري، ألهم    الشيطان تلميذه الرجل باكتشافه الفظيع، وهو أن وخز عيني العصفور بإبرة حامية حمراء سيجعل العصفور يغرد بصورة آلية. إنها قصة قديمة، كانت معروفة من قبل لدى الإغريق والرومان، وما زالوا يعملون بها اليوم على امتداد الشواطئ الجنوبية لاسبانيا وإيطاليا( 2) واليونان. ولا ينجو من هذه العملية إلا قلة من الطيور بالمئة، وهي ما تزال تجارة رابحة، فالسمانى العمياء تستحق اليوم خمسا وعشرين ليرة في كابري. وخلال ستة أسابيع من الربيع وستة أسابيع من الخريف، كانت منحدرات جبل بربروسا كلها مغطاة بالأشراك من القلعة الخربة في القمة حتى سور حديقة سان  ميشيل في أسفل الجبل. وكانت تعتبر أفضل صيد على الجزيرة كلها، وغالبا ما يقع ألف طائر في الأشراك هناك في يوم واحد. كان الجبل ملك رجل من البر الرئيس، جزار سابق، خبير مشهور بسمل عيون الطيور، وهو عدوي الوحيد في أناكبري باستثناء الدكتور. والحرب بينه وبيني كانت متواصلة باستمرار، حتى منذ أن بدأت بناء سان ميشيل. وكنت قد قدمت التماسا للحكومة في روما، لكنهم قالوا لي أن لا شيء يمكن فعله، فالجبل ملكه والقانون إلى جانبه. ولقد استنجدت بالسيدة العليا في البلاد، فاستقبلتني بابتسامتها الساحرة التي جعلتها تفوز بقلب إيطاليا كلها، وشرفتني بدعوة أن أبقى على الغداء، وكانت أول كلمة قرأتها في لائحة الطعام "فطيرة محشوة بالقبرة". واحتكمت إلى البابا، فأخبرني كردينال سمين أن قداسة الأب قد حمل في محفته في ذلك الصباح مع الفجر إلى حدائق الڤاتيكان ليشاهد صيد الطيور بالشباك، فالصيد كان وفيرا وقد أمسكوا ما يربو على مئتي عصفور. لقد كشطت الصدأ من المدفع الصغير من عيار رطلين، الذي تركه الإنجليز في الحديقة في 1808 ورحت أطلق النار مرة كل خمس دقائق من منتصف الليل حتى طلوع الشمس أملا بتخويف الطيور وإبعادها عن الجبل القاتل. ورفع الجزار السابق دعوى ضدي لتدخلي في مجال تجارته القانونية. وقد غرموني مئتي ليرة عوض التلف. ولقد دربت جميع الكلاب أن تنبح طوال الليل على حساب النوم الذي لم يبق لي منه إلا القليل. وبعد أيام قليلة مات كلبي ماريما فجأة، وقد وجدت آثار زرنيخ في معدته. لمحت المجرم في الليلة التالية لاطيا خلف السور الحديقة، فطرحته أرضا. فأقام دعوى ثانية، ودفعت غرامة خمس مئة ليرة على ذلك الاعتداء. ولقد بعت مزهرية إغريقية جميلة والسيدة العذراء المحبوبة برغبة إلى سيتجنانو لكي أرفع المبلغ الضخم الذي طلبه مقابل الجبل، أغلى من سعره بمئات المرات. ولما جئت بالمال جدد مناورته القديمة وكشر في وجهي قائلا إن السعر تضاعف. كان يعرف الرجل الذي يتعامل معه. لقد بلغ سخطي درجة كان بإمكاني عندها أن أتخلى عن كل ما أملك لأغدو مالك الجبل. لكن ذبح الطيور استمر كما كان من قبل. وحرمت من نومي، ولم أكن لأفكر بأي شيء آخر. ومن شدة يأسي، هربت من سان ميشيل وأبحرت إلى مونت كريستو لأعود وقد عبرت آخر الطيور الجزيرة.وكان أول شيء سمعته لما رجعت أن الجزار السابق بات مطروحا على حافة الموت. كانت القداسات تتلى مرتين في الكنيسة يوميا لخلاصه، بثلاثين ليرة لكل قطعة، فقد كان واحدا من أغنى الرجال في القرية. ومع اقتراب المساء، وصل الكاهن طالبا مني باسم المسيح أن أزور الرجل الذي يموت. كان طبيب القرية يشتبه بأنها ذات الرئة، والصيدلي متأكد أنها سكتة، والحلاق يعتقد أنها مشكلة دم، والقابلة تظن أنه خوف. والكاهن نفسه كان منتبها للعين الشريرة، وكان ميالا إلى الإصابة بالعين. رفضت أن أذهب. وقلت إني لم أكن قطّ طبيبا في كابري إلا للفقراء وإن الأطباء المقيمين على الجزيرة قادرون أن يتغلبوا على أي من هذه الأمراض. ولن أجيء إلا على شرط واحد، وهو أن يقسم الرجل على الصليب، إذا تجاوز مرحلة الخطر فلن يسمل عيني عصفور، وعليه أن يبيعني الجبل بالسعر الباهظ الذي كان منذ شهر. ورفض الرجل. وفي الليل، أعطي آخر الأسرار المقدسة. ومع الفجر ظهر الكاهن من جديد. لقد قبل شرطي، وأقسم على الصليب. وبعد ساعتين كنت أسحب من غشاء الجنب الأيسر ثُمن غالون من القيح أمام ذعر طبيب القرية ولمجد قديس القرية، وخلافا لتوقعاتي، تماثل الرجل للشفاء – معجزة! معجزة!إن جبل بربروسا اليوم حرم للطير. ألوف من الطيور المتعبة من عبور البحر تستريح على منحدراته كل ربيع وخريف، آمنة من الإنسان والوحش. وكان محظورا على الكلاب أن تنبح عندما تستريح الطيور على الجبل. ولم أسمح بخروج القطط من المطبخ قطّ إلا بجرس إنذار مربوط حول أعناقها. أغلقت على بيلي المتشرد بيت النسناس، فالمرء لا يعرف ما يمكن أن يفعله قرد أو صبي مدرسة. لم أقل حتى الآن كلمة تقلل من شأن المعجزة الأخيرة للقديس أنطونيو، وهي قد أنقذت في أقل تقدير، ولسنوات عديدة، حيوات خمسة عشر ألف طير على أقل تقدير كل سنة. لكن حين انتهى كل شيء لدي، لا أبغي إلا أن أهمس إلى أقرب ملاك، مع كل واجب الاحترام للقديس أنطونيو، أني أنا وليس هو الذي سحب القيح من غشاء الرئة الأيسر للجزار، وأتوسل للملاك أن يمنحني كلمة طيبة، إذا لم يقلها لي أي شخص آخر. وأنا واثق أن الله العظيم يحب الطير، وإلا فإنه لا يمكن أن يعطيها الجناحين ذاتهما اللذين أعطاهما لملائكته.  --------------------------(1 ) Helgoland:  جزر ألمانية في بحر الشمال. (W)(2 ) اليوم محظورة بفعل القانون. -------------------- هذه الملحمة الإنسانية  لاكسيل مونتي يصعب أن نَفيها حقها في مقالة موجزة، خاصة وهو يعبر بعمق وألم عن المعركة الدائرة بين الموت والحياة... فالمعركة منظمة في أدق تفاصيلها وفق قانون من التوازن بين الحياة والموت لا يقبل التغيير... لذا أترك للقارئ متعة قراءتها، كما استمتعت. محمد أحمد السويديبتكليف ورعاية من الشاعر الإماراتي محمد أحمد السويدي، وبدافع من حب المعرفة والسعي لنشرها قامت القرية الإلكترونية بتوفير هذه النسخة من قصة سان ميشيل مترجمة باللغة العربية – ترجمها علي كنعان. (جميع الحقوق محفوظة)صفحتنا الرسمية في فيس بوك :https://www.facebook.com/mohammed.suwaidi.poet/منصتنا في جوجل بلس لمتابعة باقي مشروعاتنا https://plus.google.com/+HisExcellencyMohammedAhmedAlSuwaidi?hl=ar , Electronic Village, His excellency mohammed ahmed khalifa al suwaidi, Arabic Poetry, Arabic Knowledge, arabic articles, astrology, science museum, art museum,goethe museum, alwaraq, arab poet, arabic poems, Arabic Books,Arabic Quiz, القرية الإلكترونية , محمد أحمد خليفة السويدي , محمد أحمد السويدي , محمد السويدي , محمد سويدي , mohammed al suwaidi, mohammed al sowaidi,mohammed suwaidi, mohammed sowaidi, mohammad alsuwaidi, mohammad alsowaidi, mohammed ahmed alsuwaidi, محمد السويدي , محمد أحمد السويدي , muhammed alsuwaidi,muhammed suwaidi....
اعرض في فيس بوك    
, Electronic Village, His excellency mohammed ahmed khalifa al suwaidi, Arabic Poetry, Arabic Knowledge, arabic articles, astrology, science museum, art museum,goethe museum, alwaraq, arab poet, arabic poems, Arabic Books,Arabic Quiz, القرية الإلكترونية , محمد أحمد خليفة السويدي , محمد أحمد السويدي , محمد السويدي , محمد سويدي , mohammed al suwaidi, mohammed al sowaidi,mohammed suwaidi, mohammed sowaidi, mohammad alsuwaidi, mohammad alsowaidi, mohammed ahmed alsuwaidi, محمد السويدي , محمد أحمد السويدي , muhammed alsuwaidi,muhammed suwaidi   قصة سان ميشيل لأكسِل مونتي ترجمة:  علي كنعانالحلقة رقم (25)XXVI مس هول( 1)  إن كثيرا من مرضاي في تلك الأيام سوف يتذكرون مس هول بالتأكيد، ومن رآها مرة....
اقرأ المزيد ...   قصة سان ميشيل لأكسِل مونتي ترجمة:  علي كنعانالحلقة رقم (25)XXVI مس هول( 1)  إن كثيرا من مرضاي في تلك الأيام سوف يتذكرون مس هول بالتأكيد، ومن رآها مرة لا يمكن أن ينساها فعلا. وبريطانيا العظمى وحدها، بريطانيا العظمى في أوج ازدهارها، تستطيع أن تنتج هذا النمط الفريد من عوانس العصر الفكتوري المبكر، بطول ست أقدام وثلاث بوصات، جافة صلبة مثل عصا، ممرضة جافة من الاسكتلنديين الذين لم يولدوا من جيلين على الأقل. لم ألمح أي تغير أبدا في مظهر مس هول خلال السنين الخمس عشرة من معرفتي بها، فالوجه البهي نفسه محافظ دائما على لفات الشعر الذهبية الباهتة ذاتها، واللباس البهيج نفسه دائما وتنسيقة الوردات ذاتها دائما في قبعتها. ولا أدري كم من السنين الهادئة أمضتها مس هول بحثا عن المغامرة في شتى بنسيونات روما من الدرجة الثانية. لكني أعرف أن مهمتها الفعلية في الحياة بدأت في اليوم الذي قابلت فيه تابيو معي في فيلا بورجيز، وقد وجدت نفسها أخيرا. لقد أمضت الصباح وهي تمشط الكلاب وتمسحها بالفرشاة في غرفة جلوسي الخلفية الباردة كالجليد  تحت درجات ثالوث الجبل ولم ترجع إلى فندقها إلا للغداء. وفي الساعة الثالثة انطلقت من منزل كيتس عبر الميدان مع جيوفانينا وروزينا، وهما على جانبيها بنصف حجمها، بأحذيتهما الخشبية ومنديليهما الأحمرين حول رأسيهما، تحيط بهن كلابي كلها وهي تنبح بابتهاج توقعاً لنزهتها في فيلا بورجيز – منظر مألوف لجميع من في ميدان اسبانيا في تلك الأيام. وتنتمي جيوفانينا وروزينا لأسرة سان ميشيل، ولم أرَ خادمات أفضل منهما خفيفات اليد والقدم، تغنيان طوال اليوم في شغلهما. وما من أحد إطلاقا غيري قادراً على أن يحلم بأخذ هاتين الفتاتين نصف المروضتين من أناكابري إلى روما. وفوق ذلك، فإن هذا لا يمكن أن يتم لو لم تظهر مس هول في الوقت المناسب لتصبح كالأم المربية لهما، تعتني بهما عناية بالغة كدجاجة عجوز بفراخها. وقالت مس هول إنها لا يمكن أن تفهم لماذا لا أسمح للفتاتين بالتجوال وحدهما في فيلا بورجيز، فقد كانت تطوف عبر روما كلها وحيدة طوال سنين عديدة من غير أن تلفت انتباه أحد أو يقول لها أي كلمة. وهذا صحيح بالنسبة لنمط مس هول التي لم تفلح أبدا في قول كلمة واحدة من إيطالية مفهومة، لكن الفتاتين يفهمانها بصورة جيدة تماما وهما مولعتان بها، وإن كنت أخشى أنهما لا تأخذانها بجدية أكثر مني. فلم ترَ مس هول مني إلا القليل جدا، وحتى أنا لم أر منها إلا الأقل، وأنا لم أنظر إليها إطلاقا إذا استطعت تلافي ذلك. وفي المناسبات النادرة حين تكون مس هول مدعوة لحضور غدائي، كانت هناك مزهرية كبيرة موضوعة على المائدة بيننا. ومع أن مس هول كانت ممنوعة أن تنظر إلي، فقد حاولت برغم ذلك أن ترفع رأسها فوق المزهرية بين حين وآخر لتسدد علي نظرة من زاوية عينها العجوز. ويبدو أن مس هول لم تدرك قطّ كم كنت أنانيا وجاحدا إلى حد وحشي لقاء كل ما فعلته من أجلي. وباعتبار وسائلها المحدودة في التواصل - لم يكن مسموحا لمس هول أن تسألني أي سؤال – وقد نجحت نوعا ما في استكشاف مقدار كبير مما كان يجري في البيت وأي الناس كنت أرى. لقد حافظت بعين متيقظة على جميع مرضاي من السيدات، وكانت تراقب الميدان طوال ساعات لتراهن داخلات وخارجات أثناء استشاراتي. ولقد وجه ريتز، لدى افتتاح جراند أوتيل، ضربة قاضية لبساطة الحياة في روما وهي في طريق الزوال. لقد بدأ الغزو البربري، والمدينة الخالدة اجتاحتها البهارج الحديثة. كان الفندق الضخم مزدحما بمجموعة أنيقة من لندن وباريس والمليونيريين الأميركيين وكبار مرتادي الريفيرا من الأجانب. كانت مس هول تعرف جميع هؤلاء الناس بأسمائهم، فقد راقبتهم طوال سنين من خلال أعمدة المجتمع في صحيفة "مورننغ بوست". لقد كانت مس هول موسوعة كاملة في النبالة الإنجليزية. كانت تعرف عن ظهر قلب ميلاد أبنائهم وورثتهم وبلوغهم  سن الرشد، خطوبة بناتهم وزواجهن، الملابس التي كن يرتدينها لدى إحضارهن إلى البلاط، ورقصاتهن، وحفلات عشائهن، ورحلاتهن الخارجية. وقد انتهى العديد من هؤلاء الناس الأنيقين إلى أن يصبحوا من مرضاي سواء كانوا يريدون ذلك أم لا، وكم كانت مس هول مبتهجة بذلك. آخرون، لم يكونوا قادرين أن يبقوا لحظة وحيدين، كانوا يدعونني للغداء أو العشاء. وآخرون كانوا يزورون ميدان اسبانيا ليروا الغرفة التي مات فيها كيتس. وآخرون أوقفوا عرباتهم في فيلا بورجيز ليربتوا على كلابي مع بعض كلمات الثناء على مس هول وحسن عنايتها بهم. وبالتدريج انغمسنا، مس هول وأنا، يداً بيد في الدوائر العليا من المجتمع بسبب غموضنا الفطري. فقد خرجت فترة طويلة في ذلك الشتاء. وكان ما يزال لدي الكثير لأتعلم من هؤلاء المتسكعين اللاهين، وقدرتهم على عدم فعل أي شيء، ومعنوياتهم العالية، وكان نومهم المريح يحيرني. وتجهد مس هول الآن للاحتفاظ بمذكرة خاصة للأحداث الاجتماعية في حياتي اليومية. تبتسم  بكبرياء وهي تجري بأبهى ثوب من الفراك موزعة بطاقاتي يمينا ويسارا. إن نجمنا الصاعد ازداد تألقه أكثر فأكثر، وطريقنا أعلى فأعلى، وما من شيء قادر على إيقافنا. ومرة كانت مس هول في جولة مع الكلاب في فيلا بورجيز حين أومأت لها سيدة معها كلبها الأسود (من نوع بودل( 2)) طالبة منها أن تصعد إلى عربتها. ربتت السيدة عل كلب اللاب وقالت إنها هي التي أعطت تابيو، وهو جرو صغير، للدكتور. وشعرت مس هول أن ركبتيها تتقصفان تحتها، فقد كانت سمو الأميرة ولية عهد السويد! كان يجلس إلى جانبها الفخم سيد جميل، وقد مد يده بابتسامة ساحرة وقال مباشرة:  "مرحبا، مس هول، لقد سمعت عنك الكثير من الدكتور".  إنه صاحب السمو ماكس أمير بادن، ولا أقل من زوج ابنة أخت الملكة المحبوبة ألكسندريا! من ذلك اليوم الذي لا ينسى، تخلت مس هول عن جماعة جراند أوتيل الأنيقة لتكرس كل وقت فراغها للأسرة الملكية، وكان هناك نصف دزينة منهن في روما على أقل تقدير في ذلك الشتاء. كانت تقف طوال ساعات خارج فنادقهم منتظرة فرصة أن تراهم داخلين أو خارجين، وكانت تراقبهم بانحناءة من رأسها وهم يمضون بعرابتهم عبر البنتشيو أو فيلا بورجيز، وكانت تتبعهم كبوليس سري إلى الكنائس والمتاحف. وفي أيام الأحد، كانت تجلس في الكنيسة الإنجليزية في شارع بابوينو على مقربة من مقصورة السفير بقدر ما لديها من جرأة، وإحدى عينيها على كتاب الصلاة والأخرى على السمو الملكي، تمط أذنها العجوز لتلتقط النبرة المميزة للصوت الملكي مترنما بين المنشدين، مصليا للعائلة الملكية وقراباتهم في كل أرض بحماسة المسيحيين الأوائل.وفي الحال بدأت مس هول بيوميات أخرى، مكرسة كليا لارتباطاتنا بالأسرة الملكية. في يوم الاثنين الماضي كان لها الشرف أن تحمل رسالة من الدكتور إلى سمو جراندوقة ڤايمار في أوتيل كويرينال. وأعطاها البواب الجواب مزخرفا بكراون دوقي من ساكسيه و ڤايمار. وقد أهدي المغلف لها بفضل كرم الدكتور ليكون ذكرى ثمينة. وعهد إليها يوم الأربعاء بحمل رسالة إلى  سمو الأميرة يولاليا ابنة ملك اسبانيا في جراند أوتيل. ولسوء الحظ لم يكن ثمة من جواب. وبعد ظهيرة أحد الأيام، حين كانت مس هول مع الكلاب في فيلا بورجيز، لاحظت أن سيدة طويلة في حلة سوداء تمشي بسرعة ذهابا وإيابا بجانب زقاق فرعي. وقد عرفتها حالا وهي السيدة ذاتها التي رأتها في حديقة سان ميشيل، واقفة بلا حراك بجوار أبي الهول تتطلع إلى البحر بعينيها الجميلتين الحزينتين. ولما مرت السيدة أمامها، قالت شيئا ما لرفيقتها وهي تمد يدها وتربت على جيالا، الكلبة البُرزيّ( 3). تصور مدى رعب مس هول حين تقدم منها رجل أمن وأمرها أن تبتعد فورا مع الكلاب – إنها صاحبة السمو إمبراطورة النمسا وشقيقتها الكونتيسة تراني! كيف للدكتور أن يكون بهذه القسوة حتى إنه لم يخبرني في الصيف؟ وبالمصادفة المجردة لا غير علمت بعد وقت طويل أن الدكتور، بعد أسبوع من زيارة السيدة لسان ميشيل، استلم رسالة من السفارة النمساوية في روما وفيها عرض لشراء سان ميشيل وأن الشاري المحتمل لم يكن شخصا أقل من إمبراطورة النمسا. ولحسن الحظ رفض الدكتور العرض، وسيكون الأمر مدعاة للشفقة فعلا إذا كان عليه أن يبيع مكانا مثل سان ميشيل بمثل تلك الفرص الفريدة من أجل رؤية العائلة الملكية! ألم تكن طوال أسابيع في الصيف الأخير تراقب من مسافة معتبرة حفيدة ملكتها المحبوبة فكتوريا بذاتها، ترسم في التعريشة! ألم يكن ابن عم القيصر بعينه يعيش هناك طوال شهر كامل! ألم يكن لها الشرف في أن تقف وراء باب المطبخ لترى الإمبراطورة يوجيني تمر على مسافة ذراع من أمامها أول مرة جاءت فيها إلى سان ميشيل. ألم تسمع بأذنيها ذواتيهما أن صاحبة السمو الإمبراطوري تقول للدكتور إنها لم ترَ في حياتها شبها مدهشا لنابليون العظيم أكثر من رأس أغسطس الذي عثر عليه الدكتور بالتنقيب في حديقته! ألم تسمع بعد عدة سنوات الصوت الآمر للقيصر نفسه وهو يحاضر على حاشيته عن شتى الآثار القديمة والأعمال الفنية حين كانوا يمرون عبرها بصحبة الدكتور الذي لا يكاد يفتح فمه! وعلى مقربة من أشجار السرو التي كانت تقف مختبئة وراءها، كان صاحب السمو الإمبراطوري يشير إلى جذع تمثال أنثوي نصف مغطى باللبلاب ويقول للحاشية إن ما رأوه جدير بمكان الشرف في متحفه في برلين، لأن كل ما يعرفه عن (هذه التحفة) أنها يمكن أن تكون رائعة غير مجهولة من أعمال فيدياس نفسه. وأصيبت مس هول بالرعب لما سمعت الدكتور يقول إنها الشظية الوحيدة التي لم تكن جيدة في سان ميشيل. لقد تخلى عنها لدي مريض ودود كان قد اشتراها في نابولي، وهي من أسوأ منحوتات كانوفا. وللأسف الشديد الذي انتاب مس هول أن الجماعة غادرت مباشرة إلى الميناء لتبحر على متن مركبها سلايبنر(4 ) إلى نابولي.وبمناسبة إمبراطورية النمسا، ينبغي أن أعلمك أن مس هول كانت مستشارة النظام الإمبراطوري في سان ستيفان. ولقد منحت مس هول هذا الامتياز الراقي في يوم ما حين كان ضميري في حالة سيئة إلى حد ما، مكافأة لها على خدماتها لي ولكلابي. ولم أفلح قطّ في أن أدرك لماذا ألقي ذلك العبء على نفسي. ولقد استلمت مس هول هذا الوسام من يدي بانحناءة من رأسها وعينين طافحتين بالدموع. وقالت إنها ستأخذه معها إلى القبر. وقلت إني لا أعترض، وهي بالتأكيد ستذهب إلى الجنة على أية حال. لكني لم أكن أتوقع أن تأخذه معها إلى السفارة البريطانية. وكنت قد نجحت في الحصول من اللورد اللطيف دوفرين على دعوة لمس هول لحضور حفلة الاستقبال في السفارة على شرف عيد ميلاد الملكة، فالجالية الإنجليزية جميعا في روما كانت مدعوة باستثناء مس هول. وقد أمضت مس هول عدة أيام مختفية تعمل جاهدة في زينتها، وهي غارقة في التوقع البهيج. تصور مدى ذعري وأنا أقدم مس هول لسفيرها حين رأيته يضع المونوكل على عينه ويحدق إلى صدر مس هول عاجزا عن الكلام. ولحسن الحظ لم يكن اللورد دوفرين إيرلنديا بلا طائل. وكل ما فعله أنه أخذني جانبا بقهقهة من الضحك وجعلني أعد بأن أحتفظ بمس هول بعيدا عن نظر زميله النمساوي. وقالت لي مس هول ونحن في الطريق إلى البيت إنه كان أعز يوم في حياتها. كان اللورد دوفرين في غاية اللطف معها، وكان كل شخص يبتسم لها، وكانت تشعر بالتأكيد أن زينتها كانت نجاحا عظيما.نعم، إنه لأمر حسن جدًّا أن تسخر من مس هول! لكن بودي أن أعرف ماذا سيحصل للعائلة الملكية حين تختفي مس هول من هناك لتحتفظ بيوميات أعمالهم، وتراقبهم بركبتين مرتجفتين ورأس منحن وهي تتجول بالعربة عبر البنتشيو وفي فيلا بورجيز، لتصلي من أجلهم في الكنيسة الإنجليزية في شارع بابوينو؟ ماذا سيحدث لنجومهم وشرائطهم حين تكبر البشرية وتستغني عن اللعب بالدمى؟ لماذا لا يعطونها كلها إلى مس هول ويتخلصون منها! وسيبقى هناك دائما  صليب فكتوريا، فنحن جميعا سنكشف رؤوسنا بشجاعة لنواجه الموت. هل تعلم لماذا يكون صليب فكتوريا نادرا في الجيش البريطاني إلى هذه الدرجة؟ لأن الشجاعة في شكلها الأعلى، شجاعة نابليون الليلية، نادرا ما تحصل على صليب فكتوريا، ولأن الشجاعة التي لا يسعفها الحظ تنزف حتى الموت بلا مكافأة.إن وسام ربطة الساق هو أهم امتياز إنجليزي بعد صليب فكتوريا – وإنه ليوم سيئ للإنجليزي إذا ما انعكس الأمر.  قال اللورد ملبورن: "أنا أحب وسام ربطة الساق، فما له من ميزة لعينة".وأراني صديقي السفير السويدي في روما قبل يومين نسخة من رسالة لي كتبتها منذ عشرين سنة تقريبا. وقال إن الأصل وجهها إلى وزارة الخارجية السويدية للدراسة والتأمل. وكانت جوابا متأخرا لطلب رسمي متكرر من البعثة السويدية بأنه ينبغي علي في أقل تقدير أن أتحلى باللباقة لكي أعترف شاكرا باستلام ميدالية مسينا التي منحتني إياها الحكومة الإيطالية لقاء شيء ما كان من المفترض أن أقوم به أثناء الزلزال. وجاء في الرسالة ما يلي: صاحب السعادة،إن مبدئي الذي أهتدي به في شأن الأوسمة لم يكن حتى الآن إلا قبول وسام، وإن لم أفعل أي شيء مهما كان لأستحقه. إن نظرة إلى الكتاب الأحمر( 5) تجعلك تتحقق من النتائج الرائعة لالتزامي الصارم بهذا المبدأ خلال عديد من السنين. إن الطريقة الجديدة المقترحة في رسالة سعادتكم، وهي أن أسعى للتقدير العام إزاء ما حاولت أن أقوم به من عمل مفيد، على قلته، يبدو لي تصرفا خطرا ذا قيمة عملية مريبة. إنه لا يجلب إلا التشوش في فلسفتي، ويمكن أن يغضب الآلهة المخلدين. لقد انسللت من أحياء الكوليرا البائسة في نابولي دون أن يلحظني أحد، وأنا أبغي أن أقوم بانسلال مماثل من دمار مسينا. إنني لا أحتاج أي ميدالية تذكرني بما رأيت.   *   *  وبالمصادفة، يجب أن أعترف أن هذه الرسالة كلها خداع. فالسفير السويدي لم يرد قطّ ميداليتي عن مسينا إلى الحكومة الإيطالية، فقد عثرت عليها في أحد الأدراج، بضمير رائق ومن دون ارتباك في فلسفتي أكثر من قبل. وفي الواقع لم يكن ثمة من سبب لعدم قبولي الميدالية، لأن ما فعلته في مسينا كان ضئيلا جدًّامقارنة بما يفعله مئات الناس الذين رأيتهم من مجهولي الأسماء وغير مسجلين، وهم يجازفون بحياتهم. ولم أكن بذاتي في أي خطر ما عدا الموت من الجوع أو من حماقتي. صحيح أني أعدت إلى الحياة عددا من الناس نصف المختنقين بطريقة التنفس الاصطناعي، لكن هناك قلة من الأطباء والممرضات أو خفر السواحل الذين لم يقوموا بمثل ذلك مجانا. وأنا أعرف أني سحبت امرأة عجوزا وحيدة اليد مما كان مطبخها، لكنني أعرف أيضا أني تخليت عنها وهي تصرخ في الشارع للمساعدة، ورجلاها مكسورتان. ولم يكن هناك فعلا أي شيء آخر أفعله، حتى وصول أول سفينة مستشفى، ولم يكن ممكنا الحصول على أي مادة للضماد أو دواء من أي نوع كان. وكان هناك أيضا طفل عار وجدته في وقت متأخر من تلك الليلة في فناء الدار، وقد أخذته لقبوي حيث نام بهدوء طوال الليل، منطويا تحت معطفي وهو يمص إبهامي بين حين وآخر أثناء نومه. وفي الصباح أخذته إلى راهبات القديسة تيريزا في ما تبقى من كنيستهن حيث كان هناك أكثر من دزينة أطفال مستلقين على الأرض يصرخون من الجوع، وليس في الإمكان إيجاد قطرة من الحليب في مسينا طوال أسبوع. وكنت أتعجب دائما لعدد الأطفال الذي جرى انتشالهم من بين الأنقاض أو وجدوا في الشوارع، وكان يبدو أن العناية الإلهية قد منحتهم قدرا من الرحمة أكثر بقليل مما أعطت الناس الكبار. كانت قناة الجر قد تحطمت، ولم يكن ثمة من ماء إلا من آبار قليلة نتنة، ملوثة بآلاف الأجسام المتعفنة والمنتشرة  في البلدة كلها. لا خبز، لا لحم، وبالكاد أي معكرونة، لا خضار، لا سمك، ومعظم مراكب الصيد غرقت أو حطمت إلى شظايا بالأمواج المدية التي انقضت على الشاطئ، جارفة ألوف الناس، المحتشدين هناك طلبا للسلامة. مئات منهم قذف بهم على الرمال، حيث ظلوا مطروحين أياما حتى تفسخوا في الشمس. مضيق مسينا كان طافحا بأسماك القرش، وأضخم قرش رأيته في حياتي كان ملقى أيضا على الرمل، وما يزال حيا. راقبته بعينين جائعتين حين انشق منفغرا، وأنا آمل أن أنتزع قطعة لنفسي. كان يقال لي دائما إن لحم القرش جيد جدا. كان في بطنه ساق امرأة بكاملها في جراب صوفي أحمر وحذاء سميكا، وكأنها مبتورة بمبضع جراح. ومن المحتمل تماما أن هناك آخرين غير أسماك القرش تذوقوا لحم البشر خلال تلك الأيام، وكلما قل الكلام عن ذلك كان أفضل. ومن الطبيعي أن ألوف الكلاب والقطط المشردة، تتسلل بين الخرائب أثناء الليل، ولم تكن لتعيش على أي شيء آخر، ما لم يمسك الأحياء بها ويلتهموها كلما واتتهم الفرصة. وأنا بنفسي شويت هرا على مصباحي الكحولي. ومن حسن الحظ أن هناك وفرة من البرتقال والليمون والمندرين للسرقة من الحدائق. والخمر كانت وفيرة، وقد بدأ نهب آلاف أقبية النبيذ ومحلات الخمر في اليوم ذاته، ومعظم الناس كانوا سكارى تقريبا في المساء، وأنا منهم، وكان ذلك بركة حقيقية، أخذت بعيدا الإحساس المتضائل بالجوع، وكان هناك قليل من الناس يمكن أن يحاولوا اللجوء للنوم لو كانوا صاحين. لقد حدثت الهزات كل ليلة تقريبا، متبوعة بضجة البيوت المنهارة وزعقات الرعب المتجددة من الناس في الشوارع. وكنت أنام جيدا إلى حد ما في مسينا برغم الإزعاج من جراء التغيير الدائم لأمكنة نومي. كانت الأقبية أضمن مكان للنوم طبعا إذا استطاع المرء أن يتغلب على ما ينتابه من احتمال الوقوع في الفخ كجرذ من جراء سقوط جدار. ومع ذلك من الأفضل أن تنام تحت شجرة في بستان برتقال، لكن بعد يومين من المطر الغزير أصبحت الليالي أبرد من أن يحتمله رجل كل ما يتدثر به هو جراب المؤونة على ظهره. وحاولت أن أعزي نفسي بقدر ما أستطيع لفقدان كابي الاسكتلندي المحبوب بالتفكير أنه من المحتمل أن يكون ملفوفا حول بعض الثياب البالية أكثر من ثيابي. لكن لم أكن راغبا في اسبدالها بأي شيء أفضل حتى لو أتيحت لي فرصة بذلك. إن الرجل الشجاع وحده يمكن أن يشعر بعدم الراحة في بذلة مقبولة من الثياب بين جميع هؤلاء الناس الناجين في قمصان نومهم، وهم مخبولون بالرعب والجوع والبرد – ومن الممكن ألا يحتفظ بها طويلا. وليس لنا أن نستغرب حدوث السرقة من الأحياء والموتى، والاعتداءات، وحتى القتل غالبا قبل وصول الجنود وإعلان القانون العرفي. وأنا لا أعرف أي بلد لا يمكن أن يحدث فيه ذلك تحت ظروف مماثلة يستعصي  وصفها. ولتزداد الأمور سوءا، فإن قانون السخرية أرادها في حين أن ثمانمئة من البوليس في الكلية العسكرية لم يبق منهم على قيد الحياة إلا أربعة عشر، وقد فتحت الهزة الأولى أكثر من أربعمئة زنزانة لمجرمين محترفين ولصوص محكومين مدى الحياة ولم يصابوا بأذى في السجن القريب من كبوتشيني. وبعد أن قام طيور السجن هؤلاء بنهب مخازن الملابس والسلاح من أجل الثياب والمسدسات، فمن المؤكد أنهم حصلوا على الوقت الحقيقي الطيب لما تبقى من المدينة المترفة، حتى إنهم حطموا خزانة بنك نابولي وفتحوها، وقتلوا اثنين من حراسه الليليين. وعلى أية حال، هكذا كان الرعب وقد ساد كل العقول بأن كثيرا من هؤلاء المجرمين كانوا يفضلون أن يسلموا أنفسهم ويحبسوا في عنابر الباخرة في الميناء، أكثر من بقائهم في هذه المدينة المحكومة بالهلاك، على الرغم من ظروفهم الاستثنائية. وبقدر ما كنت مهتما بالأمر لم يضايقني أحد منهم إطلاقا، بل على العكس كانوا جميعا لطفاء ودودين ومساعدين لي كما كانوا لبعضهم بعضا. إن أولئك الذين يحصلون على أي نوع من الثياب أو الطعام كانوا دائما مسرورين أن يتقاسموه مع أولئك المحرومين من ذلك. وقد أهداني أحد لصوص المتاجر المجهولين حلة نسوية محشوة جميلة، وهي إحدى أحب الهدايا التي استلمتها في حياتي. وفي إحدى الأمسيات، وأنا أمر بجوار خرائب قصر، شاهدت رجلا حسن الهندام يلقي إلى الأسفل ببعض كسرات الخبز وحزمة من الجزر إلى حصانين وحمار صغير محجوزين في اسطبل تحت الأرض، وقد تمكنت من رؤية الحيوانات المعرضة للهلاك من صدع في الجدار. أخبرني أنه يأتي إلى هناك مرتين في اليوم ومعه ما يمكن أن يحصل عليه من فضلات الطعام، إن منظر هذه الحيوانات التعيسة وهي تموت جوعا وعطشا كانت مؤلمة له إلى حد أنه كان يفضل أن يطلق عليها الرصاص من مسدسه، لو امتلك الشجاعة لقتل أي حيوان، ولا حتى طائر سمانى( 6). نظرت باندهاش إلى وجهه الوسيم، الذكي والودي نوعا ما وسألته إن كان صقليا، فقال إنه ليس صقليا لكنه عاش في صقلية عدة سنوات. وطفقت تمطر بغزارة ونحن نمضي مبتعدين. سألني أين كنت أعيش، ولما أجبت بأن لا مكان محددا لي، نظر إلى ثيابي المبتلة واقترح أن يؤويني في تلك الليلة، وكان يعيش مع صديقين في مكان قريب. وتلمسنا طريقنا بين كتل الأبنية الضخمة وأكوام الأثاث المسحوق من جميع الأنواع، ونزلنا عددا من الدرجات ووقفنا في مطبخ كبير تحت الأرض شاحب الإضاءة بمصباح زيتي تحت صورة مادونا ملصقة على الجدار. كان ثمة ثلاث حشايا على الأرض، وقد رحب السنيور أميديو أن أنام على حشيته، فهو وصديقاه سيمضون الليل بطوله بحثا عن بعض أمتعتهم تحت خرائب منازلهم. تناولت عشاء ممتازا، وهو الوجبة اللائقة الثانية منذ وصولي إلى مسينا. كانت الأولى منذ حوالي يومين حين عثرت بصورة مفاجئة على حفلة غداء سارة في حديقة القنصلية الأميركية، وعلى رأسها صديقي الحميم ونثروب تشانلر الذي وصل بيخته في ذلك الصباح محملا بالمؤن للمدينة المشرفة على الهلاك من الجوع. لقد نمت عميقا على حسية السنيور أميديو، ولم أستيقظ إلا على العودة الآمنة لمضيفي وصديقيه من حملتهم الليلية الخطرة – وهي خطرة فعلا، إذ كنت على علم أن لدى الجنود أمرا بإطلاق النار على أي شخص يحاول أن يحمل معه أي شيء، حتى لو كان من بيته ذاته. ألقوا برزماتهم تحت الطاولة وبأنفسهم على حشاياهم وكانوا جميعا غارقين في نومهم حين غادرت. ومع أن مضيفي الكريم كان يبدو متعبا حتى الموت، فهو لم ينس أن يقول لي إنه يرحب بإقامتي معه ما دمت راغبا بذلك، ومن الطبيعي أني لم أكن طالبا أفضل من ذلك. وكان لي عشاء آخر في المساء التالي مع السنيور أميديو، وكان صديقاه قد استسلما سريعا للنوم على حشيتيهما، وكان عليهم، ثلاثتهم، أن ينطلقوا من جديد إلى عملهم الليلي بعد منتصف الليل. ولم أر في حياتي إطلاقا أكرم من مضيفي. ولما سمع أني بلا نقود، اقترح في الحال أن يقرضني خمسمئة لير، ويؤسفني أن أقول إني ما زلت مدينا له بالمبلغ. لم أتمالك نفسي من التعبير عن دهشتي من رغبته بإقراض ماله لغريب لا يعرف عنه أي شيء. أجابني بابتسامة أنني لا يمكن أن أجلس بجانبه لو لم يكن واثقا بي.  وفي أصيل اليوم التالي، وأنا أزحف بين خرائب أوتيل تريناكريا باحثا عن جثة القنصل السويدي،  فوجئت بجندي يصوب نحوي بندقيته، فاعتقلت وأخذت إلى أقرب مخفر. وبعد أن تغلبت على الصعوبة التمهيدية في تحديد موقع بلادي الغامضة والتدقيق في رخصتي الموقعة بالصورة المثلى، أطلق الضابط المسؤول سراحي، وقوام الجرم مؤلف فقط من سجل قنصل سويدي  نصف متفحم. غادرت المخفر قلقا إلى حد ما، لأني لمحت نظرة محيرة نوعا ما في عين الضابط حين أخبرته أني غير قادر على إعطاء عنواني الدقيق، فلم أكن أعرف حتى اسم الشارع الذي يعيش فيه مضيفي الكريم. كان الظلام قد حل، وبدأت أركض حالا، لأني تخيلت أني سمعت خطوات مختلسة خلفي وكأن شخصا ما كان يتبعني، لكني وصلت مكان نومي بلا مزيد من المغامرات. كان السنيور أميديو وصديقاه مستغرقين في النوم على حشاياهما. ولأني جائع كالمعتاد فقد جلست لتناول العشاء الذي تركه لي مضيفي الكريم على الطاولة. أردت أن أبقى مستيقظا حتى كانوا على وشك أن يبدأوا، واقترحت على السنيور أميديو أن أساعده تلك الليلة في بحثه عن أمتعته. كنت أقول لنفسي إن ذلك أقل ما يمكن أن أعمله مقابل أريحيته معي، حين سمعت فجأة صفرة حادة ووقع خطوات. شخص ما كان يهبط الدرج. وقفز الرجال النائمون الثلاثة على أقدامهم في لحظة. سمعت طلقة، وسقط شرطي عن الدرج خابطا رأسه بالأرض  عند قدمي. ولما انحنيت بسرعة عليه لأرى إن كان مات رأيت بوضوح السنيور أميديو يصوب مسدسه نحوي. وفي اللحظة ذاتها امتلأت الغرفة بالجنود، وسمعت طلقة ثانية، وبعد صراع مستميت تم التغلب على الرجال الثلاثة. ولما مر مضيفي أمامي، مكبلا بحبل متين مشدود حول ذراعية وساقيه، رفع رأسه ورمقني بنظرة وحشية خاطفة من كراهية وتأنيب جعلت الدم يتجمد في عروقي. وبعد نصف ساعة رجعت مرة ثانية إلى المخفر، حيث احتجزت طوال الليل. وفي الصباح حقق معي من جديد الضابط ذاته، وربما أدين بحياتي لذكائه ولطفه. وقال لي إن الرجال الثلاثة كانوا سجناء هاربين من حبس مؤبد في السجن القريب من كابوتشيني، وهم جميعا خطرون. وكان أميديو قاطع طريق روّع المنطقة حول جرجينتي لسنوات وفي سجله ثماني جرائم قتل. إنه هو أيضا وعصابته الذين سطوا على بنك نابولي وقتلوا الحارسين قبل ليلة بينما كنت مستغرقا في النوم على حشيته. وقد أعدم الرجال الثلاثة رميا بالرصاص مع الفجر. وكانوا قد طلبوا قسيسا، فاعترفوا عن خطاياهم وماتوا بلا خوف. وقال ضابط البوليس إنه يرغب بأن يقدم لي الثناء على الدور الهام الذي لعبته في القبض عليهم. حدقت في عينه وقلت إني لست فخورا بعملي. فقد تأكدت من زمن بعيد أني لا أصلح للقيام بدور المتهم، ولا أزال أقل صلاحية لدور الجلاد. ليس هذا شأني، وربما كان شأنه، وربما لم يكن. إن الله يعلم كيف يصيب عندما يشاء أن يضرب، وهو يعلم كيف يأخذ الحياة كما يعلم كيف يعطيها.ولسوء حظي وصلت مغامرتي إلى آذان بعض المراسلين الصحافيين المتسكعين خارج المنطقة العسكرية – ولم يستطع أي من المراسلين الصحفيين أن يدخل البلدة في تلك الأيام لأسباب وجيهة – بحثا عن أخبار مثيرة، وكلما كانت غير صحيحة كانت أفضل؛ ومن المؤكد أن هذه ستبدو أبعد ما تكون عن التصديق بما يكفي هؤلاء الذي لم يأتوا إلى مسينا خلال الأسبوع الأول بعد الزلزال. ولم يتقذني من أن أغدو مشهورا إلا الالتباس الميمون باسمي. ولكن لما علمت من  أولئك الذين كانوا يعرفون الأذرع الطويلة للمافيا أن ذلك لن ينجيني من القتل إذا بقيت في مسينا، أبحرت في اليوم التالي مع بعض خفر السواحل عبر مضائق ريجيو.ولم تكن ريجيو ذاتها لتوصف أو تنسى، حيث قتلت الهزة الأولى عشرين ألف إنسان كلية. وما يزال منظر البلدات الساحلية الصغيرة المتناثرة بين بساتين البرتقال، سكيلا، كانيتيلو، فيلا سانت جيوفاني، جاليكو، آركي، سان جريجوريو، أشد رعبا. وربما كانت أجمل منطقة في إيطاليا، وهو اليوم مقبرة واسعة لأكثر من ثلاثين ألفا من الموتى، وعدة ألوف من الجرحى المطروحين بين الخرائب خلال ليلتين من الأمطار الغزيرة بفعل الرياح الشمالية ذات البرودة الجليدية، بلا أي مساعدة من أي نوع كان، وآلاف من الناس يركضون نصف عراة في الشوارع كالمجانين، ويصرخون من أجل الطعام. وأبعد إلى الجنوب كانت شدة الارتجاج الزلزالي على ما يبدو قد بلغت ذروتها. وفي بيلارو، مثلا، حيث لم يبق على قيد الحياة إلا نحو مئتين من سكانها الخمسة آلاف، لم أكن قادرا على تمييز الشوارع أين كانت. والكنيسة التي كانت تغص بالناس المروعين، انهارت في الهزة الثانية، وقتلوا جميعا. وكان فناء الكنيسة مزروعا بالتوابيت المبقورة، وقد قذفت بالمعنى الحرفي من القبور – وقد رأيت من قبل هذا المنظر الفظيع في مقبرة مسينا. وكانت دزينة من النساء قاعدات على ركام الأنقاض حيث كانت الكنيسة مرتعدات في أسمالهن. لم يكن يصرخن، ولا يتكلمن، بل جلسن هناك في سكون تمام برؤوس محنية وعيون نصف مغلقة. وبين حين وآخر كانت إحداهن ترفع رأسها وتحدق بعينين خاويتين نحو قسيس عجوز رث الثياب يومئ بضراوة بين مجموعة من الرجال على مقربة شديدة منه. وبين حين وآخر كان يرفع قبضته المطبقة بلعنة مروعة باتجاه مسينا، عبر المياه، مسينا، مدينة الشيطان، سدوم وعمورية في واحدة، سبب كل شقائهم. ألم يكن دائما يتنبأ أن مدينة الآثمين ستنتهي بـ ــــــ؟ إن سلسلة من حركات كلتا يديه المتموجة في الهواء لم تدع أي شك بالنبوءة التي كان مقدرا لها أن تقع. عقاب الله! عقاب الله!أعطيت من جراب مؤونتي المرأة إلى جانبي وفي حضنها رضيع رغيفا صغيرا من خبز رديء. فاختطفته دون أن تتفوه بكلمة، وناولتني فورا برتقالة من جيبها، اقتطعت لقمة من الخبز ووضعتها في فم المرأة وراءها وهي على وشك أن تصبح أما، وطفقت تلتهم الياقي بنهم مثل حيوان يتضور جوعا. وأخبرتني بصوت واهن رتيب كيف هربت والطفل على صدرها، ولا تدري كيف، لما تداعى البيت عند الهزة الأولى، وكيف جهدت حتى اليوم التالي محاولة أن تنتشل طفليها الآخرين وأبيهما من الدمار، كانت تسمع أناتهم حتى وضح النهار. ثم جاءت هزة ثانية وأصبح كل شيء ساكنا. كان عبر جبهتها جرح فظيع، لكن "صغيرها" – الكلمة المؤثرة التي تدعو الإمهات هنا جميع أطفالهن بها – لم يصب بأذى، شكرا لله. وألقمت الطفل ثديها، وهي تتكلم، وهو صبي صغير رائع، عار تماما، قوي كهرقل الطفل، وكان واضحا أن ذلك ليس الأسوأ إطلاقا لقاء ما حدث. وكان طفل آخر ينام في سلة إلى جانبها تحت حزمة من القش التالف؛ وكانت قد التقطته من الشارع، ولا أحد يعرف لمن كان ينتمي. ولما وقفت لأذهب، بدأ الطفل اللقيط يهتاج، فانتزعته من السلة وألقمته ثديها الآخر. نظرت إلى المرأة الفلاحة المتواضعة من كالابري، بأعضائها القوية وصدرها العريض ورضيعين رائعين يرضعان بقوة من ثدييها، وفجأة تذكرت اسمها. إنها دميتر( 7) بلاد الإغريق العظمى حيث ولدت، أم الرومان العظمى. إنها الطبيعة الأم، ومن صدرها العريض تدفق نهر الحياة كسابق عهده فوق قبور مئات آلاف الموتى. أيها الموت، أين هي لدغتك؟ أيها القبر، أين هو انتصارك؟ *    *    *  ولنرجع إلى مس هول:  لقد غدا من الصعب عليها بشكل متزايد أن تضبط من يأتي ومن يغادر من مريضاتي، إزاء كل هذه العائلات الملكية المهتمة بها. إن أملي في أن أتخلى عن معاينة النساء العصابيات حين غادرت باريس لم يكن ليتحقق، فقد كانت غرفة استشاراتي في ميدان اسبانيا ملأى بهن. كان بعضهن متقدما في السن ومن معارفي الخائفات من شارع ڤيليير، وأخريات كان يلقي بهن علي في أعداد متزايدة باستمرار اختصاصيو الأعصاب المرهقون في دفاع شرعي عن النفس. إن عشرات السيدات المتوترات والمشوشات من جميع الأعمار، اللواتي اعتاد البروفيسور وير-ميتشيل وحده أن يعهد بهن إلي، كن كافيات لاختبار قوة عقل أي رجل وصبره. والبروفيسور كرافت-إيبنغ من ڤيينا، المؤلف الشهير لـ"الاضطرابات العقلية الجنسية"، كان يرسل لي أيضا باستمرار مرضى من الجنسين وبلا جنس، وجميعهم تقريبا يصعب التعامل معهم، ولا سيما النساء. ومع دهشتي البالغة واقتناعي، كنت أشرف مؤخرا على عدد كبير من المرضى باضطرابات عصبية متنوعة، ممن وجههم إلي بلا شك رئيس السلبيتريير، ولكن بلا أي كلمة مكتوبة. وكان كثير من هؤلاء المرضى في حالات غير واضحة الحدود وليسوا مسؤولين عن أعمالهم تقريبا. ولم يكن بعضهم بأقل من جنون كاذب، ولا أي شيء آخر. فمن السهل أن تكون مريضا بالجنون، وأنا أعترف بمحبة خفية لهم. وبقليل من اللطف يمكن للمرء أن يتوصل إلى تفاهم مع معظهم، ويمكن أن يفشل. لكن ليس من السهل أن تكون مريضا بهستيريا النساء، وإذ تكون لطيفا معهن، فمن الأفضل أن تعاود التفكير في الأمر مرتين قبل أن تكون لطيفا معهن، وهن لن يطالبن بأفضل من ذلك. وأنت لا تملك عادة أن تفعل إلا القليل لهؤلاء المريضات، ولا سيما خارج المستشفى. يمكنك أن تدوخ مراكزهن العصبية بمسكن، لكنك لا تستطيع شفاءهن. وهن سيبقين حيث يكن، مبتليات بمركب من الاضطرابات العقلية والبدنية، وباء لهن ولعائلاتهن، ولعنة لأطبائهن. والمعالجة بالتنويم المغناطيسي، وهو مفيد في العديد من الاضطرابات العقلية المستعصية حتى اليوم، لكنه عادة يدل على خطأ في علاج هستيريا النساء من جميع الأعمار، فليس للهستيريا عمر محدد. وينبغي أن تكون محددة في أية حالة بالنسبة لاقتراح شاركو بالدولة المدينة. وهي إلى جانب ذلك غير ضرورية، لأن أولئك  النسوة العاجزات على أية حالة يرغبن أكثر من اللازم بتدخل طبيبهن ليعتمدن عليه أكثر مما ينبغي، وليتصورن أنه الوحيد القادر على فهمهن، ليعبدنه كبطل. وأخذت الصور تنقلب عاجلا أو آجلا، فلا مجال لفعل أي شيء، "يجب أن يمر من هناك"، كما اعتاد شاركو أن يقول بابتسامته المقيتة. كانت كراهيتي للصور منذ عهد بعيد، ولم أخضع شخصيا للتصوير منذ أن كنت في السادسة عشرة إلا في لقطات سريعة لا يمكن تجنبها لأجل جواز سفري حين خدمت في الصليب الأحمر أثناء الحرب. ولم أولِ أي اهتمام قطّ حتى لصور أصدقائي، وأستطيع أن أنسخ ملامحهم غير المنمقة على شبكية عيني حين أشاء بدقة أكثر بكثير من أفضل المصورين. إن الصورة العادية للوجه البشري تظل ذات قيمة ضئيلة لطالب علم النفس. لكن آنا العجوز كانت مهتمة بالصور بشكل هائل. فمنذ ترقيتها، وهو يوم لا ينسى، من أدنى بائعة أزهار في ميدان اسبانيا إلى أن تولت فتح الباب في بيت كيتس، صارت آنا حريصة على جمع الصور. وغالبا، بعد أن أعنفها بقسوة شديدة على بعض أخطائها الكثيرة، اعتدت أن أرسل حمامة السلام وفي منقارها صورة إلى كوخ آنا درج ثالوث الجبال. وأخيرا بعد أن أرهقني الأرق، غادرت بيت كيتس وكان هذا لصالحي، انتزعت آنا درجا كاملا من مكتبي ممتلئا بالصور من جميع القياسات  والأوصاف. وإن أردت الصدق، فقد كنت مصمما على الخلاص منها بسرور. آنا بريئة تماما، وأنا وحدي المجرم. وفي زيارة قصيرة إلى لندن وباريس في الربيع التالي، صدمني تحفظ حتى لا أقول برودة العديد من مرضاي السابقين وأقربائهم. وفي أثناء مروري عبر روما في طريق عودتي إلى كابري كان لدي الوقت تماما لأتغدى في المفوضية السويدية. وقدرت أن السفير بدا متجهما، وحتى مضيفتي الساحرة كانت صامتة بشكل غير معتاد. ولما هممت بالتوجه إلى المحطة لآخذ قطار الليل إلى نابولي، قال لي صديقي القديم إنه وقت مناسب لعودتي إلى سان ميشيل لأمكث هناك حتى آخر أيامي بين كلابي وقردتي. وأنا لا أصلح لأي مجتمع آخر، لقد حطمت سجلي ذاته وآخر إنجازاتي يوم غادرت بيت كيتس. وتابع بصوت غاضب ليخبرني أنه في عشية عيد الميلاد، لدى مروره عبر ميدان اسبانيا، المحتشد بالسياح كالمعتاد في ذلك اليوم، صادف آنا في مدخل بيت كيتس أمام طاولة ملأى بالصور، تنادي العابرين بصوت حاد:   "تعال وانظر هذه السيدة الجميلة بشعرها المجعد، وآخر سعر بليرتين"."انظر هذه السيدة الأميركية، تأمل هذا العقد من اللآلئ، وهذه الأقراط اللامعة، سأعطيك إياها بمئتين وخمسين، إنها صحبة حقيقية!""لا تفقد هذه المركيزة النبيلة، وكلها بالفرو!""انظر هذه المركيزة، وهما غير منفصلين، كأنما في حفلة رقص، والتاج على رأسه، بأربع ليرات، هدية حقيقية!""وتلك سيدة الفم الفاغر، سعر مخفض بليرة ونصف."وهنا السيدة نصف المجنونة، ضاحكة دائما، آخر سعر بنس!"وهذه السيدة ذات الرأس الأحمر وهي تعبق دائما برائحة الكحول، بنس ونصف."وهذه حسناء أوتيل أوربا، كانت مجنونة بالسيد الدكتور بليرتين ونصف".وأنت ترى السيدة الفرنسية التي أخذت مبسم السيجارة من تحت المعطف، سيدة مسكينة، لم تكن غلطته، ولم يكن رأسه راكزا، سعر قليل بنس".وهذه السيدة الروسية التي أرادت أن تقتل البومة، بليرتين ولا بنس أقل"."وتلك البارونة، نصف رجل نصف امرأة. أمي، أنت لا تفهمين شيئا، قال السيد الدكتور إنه ولد مثل ذلك، بليرتين وخمسة وعشرين، فرصة حقيقية."انظر الكونتيسة الشقراء التي أحبها السيد الدكتور بشغف، انظر كم هي فاتنة، لا أقل من ثلاث ليرات!"وهنا..."( 8)    وبينما كنت أغادر بيتي في أحد الأيام استوقفتني لدى الباب فتاة أميركية رائعة المظهر، مثال الصحة، ولا خلل في الأعصاب هذه المرة، والشكر لله. قلت إنها كانت تبدو وكأننا ينبغي أن نؤجل الاستشارة حتى الغد، إذ كنت مستعجلا. قالت إنها كذلك، وقالت إنها جاءت إلى روما لترى البابا والدكتور مونتي الذي حافظ على العمة سالي بعيدا من الأذى طوال سنة، الأمر الذي لم ينجح أي طبيب آخر بعمله. قدمت لها نسخة رائعة من لوحة بوتيشيلي "بريماڤيرا" متمنيا أن تأخذ عمتها معها إلى أميركا، وقالت إنها تود ألا تسمع بها لو أهديتها الأصل. فالعمة لا يمكن الاعتماد عليها. وأنا لا أدري إن كانت جمعية كيتس التي اشترت البيت حين تركته قد ركبت أبوابا جديدة للغرفة التي مات فيها كيتس والتي كان يمكن أن أموت فيها لو انتهى أجلي. وإذا كان الباب القديم ما يزال هناك، فهناك أيضا ثقب رصاصة صغير في الزاوية اليسرى في حدود ارتفاع رأسي، ملأته بالجص ولونته بنفسي. زائرة أخرى مواظبة لعيادتي كانت جبانة المظهر، وهي سيدة حسنة السلوك تماما، لكنها وخزت مرة وهي تبتسم بدبوس قبعة طويل ساق رجل إنجليزي بجوارها على الأريكة. وكان بين هؤلاء الزائرات أيضا زوجان من المصابين بهوس الاختلاس وقد اعتادا أن يحملا تحت معطفيهما أي شيء يمكن أن تقع أيديهما عليه، أمام ذعر خادماتي. وبعض مريضاتي لم يكنَّ مستعدات إطلاقا لدخول غرفة الانتظار، لكنهن يملن للإقامة في المكتبة أو في غرفة الجلوس الخلفية تحت عين آنا اليقظة التي كانت صبورة معهن بشكل عجيب، أكثر مني بكثير. ولكسب الوقت كنت أسمح لبعضهن بدخول غرفة الطعام ليسردن علي حكايات بلائهن وأنا أتناول غدائي. وكانت غرفة الطعام مفتوحة على فناء صغير تحت ثالوث درجات مونتي، حولته إلى نوع من مأوى للعلاج أو النقاهة خاص بحيواناتي المختلفة. ومن بينها بومة صغيرة حبيبة، متحدرة مباشرة من بومة منيرڤا. لقد وجدتها في الريف بجناح مكسور وهي نصف ميتة من الجوع. تماثل جناحها للشفاء، وقد أخذتها مرتين إلى المكان الذي وجدتها فيه وتركتها حرة، وفي المرتين طارت عائدة إلى عربتي لتجثم على كتفي، فهي لا ترغب أن تسمع بفراقنا. ومن ذلك الحين والبومة الصغيرة كانت تستقر على مجثمها في زاوية غرفة الطعام، تنظر بمحبة إلي بعينيها الذهبيتين. وقد تخلت حتى عن النوم في النهار لكي لا تفقد رؤيتي. ولما اعتدت أن ألاطف جسمها الناعم الصغير كانت تغلق عينيها بابتهاج وتقضم شفتي بلطف بمنقارها الحاد الصغير، وكأنها على وشك قبلة كما يمكن لبومة أن تفعل. ومن بين المريضات اللواتي سمحت لهن بدخول غرفة الطعام سيدة روسية شابة، سببت لي الكثير من الإزعاج. هل يمكن أن تصدق أن هذه السيدة انتابتها غيرة شديدة من البومة، وقد اعتادت أن تحملق بالطائر الصغير بضراوة إلى حد أني أعطيت آنا أوامر صارمة ألا تترك أبدا هاتين الاثنتين وحدهما في الغرفة. ولدى دخولي في أحد الأيام للغداء أخبرتني آنا أن السيدة الروسية قد جاءت قبل قليل ومعها فأر ميت ملفوف في ورقة. لقد أمسكت به في غرفتها، واعتقدت بالتأكيد أن البومة تحبه للفطور. وكانت البومة تعرف أفضل، فبعد أن نقرت رأسه، على طريقة البوم، رفضت أن تأكله. أخذته إلى الصيدلي الإنجليزي، فكان يحتوي فيه من الزرنيخ ما يكفي لقتل قطة.   *    * ولكي أعطي جيوڤانيا وروزينا مناسبة طيبة قمت بدعوة أبيهما للمجيء إلى روما لقضاء عيد الفصح معنا. لقد كان باكتشال العجوز صديقا حميما لي طوال سنوات عديدة. كان في أيامه المبكرة صياد مرجان مثل معظم الذكور من سكان كابري في تلك الأيام. وبعد أن تقلب في أشغال مختلفة انتهى إلى أن يغدو حفار القبور الرسمي في أناكابري، شغل سيئ في مكان حيث لا أحد يموت ما دام بعيدا عن الطبيب. وحتى بعد أن جعلته يستقر مع أطفاله في سان ميشيل فهو لا يحب  أن يسمع تخليه عن شغله كحفار قبور. وله محبة خاصة بالتعامل مع الميتين، وهو يستمتع بدفنهم متعة إيجابية. وصل العجوز باكتشال في الفصح الخميس في حالة ذهول تام. فلم يقم أبدا بسفرة قطار من قبل، ولم يزر إطلاقا أي مدينة، ولم يجلس أبدا في عربة. وكان عليه أن ينهض من الثالثة كل صباح وينزل إلى الميدان ليغسل وجهه ويديه في نافورة برنيني تحت نافذتي. وبعدما أخذته مس هول والابنتان ليقبلوا أصابع قدم القديس بطرس البرونزية  وليدب عبر سكالا سانتا بصحبة زميله جيوڤاني من المقبرة البروتستانتية ليعاينا مختلف المقابر في روما، قال إنه لا يريد أن يرى أي شيء آخر. وقد أمضى وقته الباقي جالسا بجوار النافذة مطلا على الميدان بقبعة الصياد الطويلة من طراز فريجيان التي لم يخلعها أبدا  عن رأسه. وكان يقول إنها اجمل منظر في روما، ولا شيء يمكن أن يفوق ميدان اسبانيا. وهذا ما كنت أحسبه في ذلك الشأن. وسألته لماذا كان يحب ميدان اسبانيا أكثر من سواه.أوضح باكتشال العجوز: "لأن فيه دائما جنازات عابرة". -------------------------------(1 ) Miss Hall:  الآنسة هول، لكني آثرت عدم ترجمة الآنسة حفاظا على سلاسة الإيقاع. (م)( 2) Poodle:  كلب ذكي شعره كثيف أجعد. (المورد)( 3) Gialla, the borzoi:  هكذا وردت في النص، والبُرزيّ:  كلب روسي لمطاردة الذئاب. (المورد)( 4) Sleibner (في أساطير الشمال):  حصان بثماني قوائم.( 5)   Red Book: هو الكتاب الذي كتبه كارل غوستاف يونغ بعد خلافه مع فرويد. (G)( 6) لعل من المهم أن يعرف محبو الحيوانات أن هذين الحصانين والحمار الصغير تم إخراجهم أحياء في اليوم السابع عشر بعد الزلزال، وقد استردوا عافيتهم.( 7) Demeter:  إلهة الزراعة عند الإغريق.( 8) نداءات آنا وردت بالإيطالية، والترجمة تقريبية، استنادا إلى قاموس Collins. (م)( 9) Laudanum :  مستحضر أفيوني، صبغة الأفيون. (المورد)    -------------------- هذه الملحمة الإنسانية  لاكسيل مونتي يصعب أن نَفيها حقها في مقالة موجزة، خاصة وهو يعبر بعمق وألم عن المعركة الدائرة بين الموت والحياة... فالمعركة منظمة في أدق تفاصيلها وفق قانون من التوازن بين الحياة والموت لا يقبل التغيير... لذا أترك للقارئ متعة قراءتها، كما استمتعت. محمد أحمد السويدي بتكليف ورعاية من الشاعر الإماراتي محمد أحمد السويدي، وبدافع من حب المعرفة والسعي لنشرها قامت القرية الإلكترونية بتوفير هذه النسخة من قصة سان ميشيل مترجمة باللغة العربية – ترجمها علي كنعان. (جميع الحقوق محفوظة)صفحتنا الرسمية في فيس بوك : https://www.facebook.com/mohammed.suwaidi.poet/منصتنا في جوجل بلس لمتابعة باقي مشروعاتناhttps://plus.google.com/+HisExcellencyMohammedAhmedAlSuwaidi?hl=ar , Electronic Village, His excellency mohammed ahmed khalifa al suwaidi, Arabic Poetry, Arabic Knowledge, arabic articles, astrology, science museum, art museum,goethe museum, alwaraq, arab poet, arabic poems, Arabic Books,Arabic Quiz, القرية الإلكترونية , محمد أحمد خليفة السويدي , محمد أحمد السويدي , محمد السويدي , محمد سويدي , mohammed al suwaidi, mohammed al sowaidi,mohammed suwaidi, mohammed sowaidi, mohammad alsuwaidi, mohammad alsowaidi, mohammed ahmed alsuwaidi, محمد السويدي , محمد أحمد السويدي , muhammed alsuwaidi,muhammed suwaidi....
اعرض في فيس بوك    
, Electronic Village, His excellency mohammed ahmed khalifa al suwaidi, Arabic Poetry, Arabic Knowledge, arabic articles, astrology, science museum, art museum,goethe museum, alwaraq, arab poet, arabic poems, Arabic Books,Arabic Quiz, القرية الإلكترونية , محمد أحمد خليفة السويدي , محمد أحمد السويدي , محمد السويدي , محمد سويدي , mohammed al suwaidi, mohammed al sowaidi,mohammed suwaidi, mohammed sowaidi, mohammad alsuwaidi, mohammad alsowaidi, mohammed ahmed alsuwaidi, محمد السويدي , محمد أحمد السويدي , muhammed alsuwaidi,muhammed suwaidi   قصة سان ميشيل لأكسِل مونتيترجمة:  علي كنعانالحلقة رقم (24) XXV الراهبات الصغيرات المشرفات على الفقراء   كان عدد الراهبات الصغيرات المشرفات على....
اقرأ المزيد ...   قصة سان ميشيل لأكسِل مونتيترجمة:  علي كنعانالحلقة رقم (24) XXV الراهبات الصغيرات المشرفات على الفقراء   كان عدد الراهبات الصغيرات المشرفات على الفقراء في سان بيترو في ڤنكولي نحو خمسين، ومعظمهن فرنسيات، وكن جميعا صديقاتي، وكذلك كان العديد من الرجال والنساء العجائز الثلاثمئة المقيمين في ذلك الملجأ الضخم. والطبيب الإيطالي الذي كان مفترضا أن يشرف على هؤلاء الناس جميعا لم يظهر لي أي إشارة من غيرة مهنية، ولا حتى لما أخذت من جراند أوتيل سجادة مليونير بتسبورغ المطهرة كما ينبغي، ونشرت على أرضية الحجر الجليدية للمصلى لتمنح الراهبات الصغيرات أعظم ابتهاج. وكان لغزا مشكلا علي كيف كانت تلك الراهبات الصغيرات يتدبرن تأمين الطعام والكساء لجميع نزلاء مأواهن. وكان منظرا مألوفا لكل زوار روما في تلك الأيام أن عربتهن العتيقة المخلعة تزحف من فندق إلى فندق لتجمع ما أمكن الحصول عليه من من فضلات الطعام. وكانت عشرون راهبة صغيرة، يمضين اثنتين اثنتين، على أقدامهن من الصباح حتى المساء بسلالهن الكبيرة وحصالات التبرعات. كانت هناك عادة اثنتان منهن تقفان لدى زاوية قاعتي في ساعة الاستشارة، وسوف يتذكرهما بلا شك العديد من مرضاي. وكانتا مثل جميع الراهبات مرحتين وميالتين للمزاح، وتستمتعان تماما بقليل من الحديث كلما أتيحت لهما فرصة لذلك. كانتا صبيتين وجميلتين إلى حد ما – فالأم الكبرى كانت قد أفضت إلي من وقت بعيد أن الراهبات العاديات والكبيرات لا يصلحن لجمع المال. ولقاء ثقتها قلت لها إن للممرضة الشابة ذات المظهر الجذاب حظا أكبر بكثير من العادية باستجابة مرضاي لها، والممرضة المتجهمة لا يمكن أن تكون ممرضة ناجحة. وهؤلاء الراهبات اللواتي لا يعرفن إلا القليل عن العالم بصورة عامة، يعرفن الكثير عن الطبيعة البشرية. وكن من النظرة الأولى يعرفن من هو المحتمل أن يضع شيئا ما في صندوق التبرعات. وأخبرتني هؤلاء الراهبات أن الشباب يعطون عادة أكثر من الكبار، أما الأطفال يا حسرة! نادرا ما يعطون أي شيء إلا إذا أمرتهم بذلك ممرضاتهم الإنجليزيات. والرجال يعطون أكثر من النساء، والمشاة أكثر من الناس الجالسين في عرباتهم. كان الإنجليز زبائنهم المفضلين، ثم جاء الروس. وكان السياح الفرنسيون قلة حولهم. كان الأميركيون والألمان أشد كراهية للتخلي عن أموالهم، والطبقة العليا من الإيطاليين كانت لا تزال أسوأ، لكن الفقراء الإيطاليين كانوا كرماء. ولم تكن الشخصيات الملكية ورجال الدين من جميع الجنسيات في العادة زبائن جيدين جدا. كانت العناية بالرجال العجائز المئة والخمسين إجمالا تجري بسهولة، ولم تكن كذلك حال المئة والخمسين من النساء العجائز اللواتي كن دائما في شجار وعراك، الواحدة مع الأخرى. ولم تكن الغراميات الدرامية نادرة الحدوث بين الجناحين في المأوى، حين كان على الراهبات الصغيرات أن يخمدن النيران الكامنة تحت الرماد في أفضل شكل من فهمهن المحدود.كان مسيو ألفونس الشخص المدلل في الملجأ، وهو أصغر فرنسي يمكن أن تراه، ويعيش خلف ستارة مزدوجة زرقاء في زاوية العنبر، وفيه كاملا ستون سريرا. لم يكن أي من الأسرة الأخرى مزودا بستارة، وقد منحوا مسيو ألفونس وحده هذا الامتياز لأنه أكبر من في الملجأ. هو بنفسه قال إنه في الخامسة والسبعين، وتعتقد الراهبات أنه فوق الثمانين، لكني من معاينة حالة شرايينه، كنت أرى أنه ليس بعيدا عن التسعين. كان قد أتى إلى هناك منذ عدة سنوات، ومعه حقيبة يد صغيرة ومعطف بال وقبعة رسمية، وما من أحد يدري من أين جاء. كان يمضي أيامه وراء الستائر في عزلة صارمة عن جميع النزلاء الآخرين، ولم يكن يظهر إلا أيام الأحد وهو يتهادى ذاهبا إلى الكنيسة، والقبعة السوداء في يده. وما من أحد يعلم ما كان يفعل وراء الستائر طوال اليوم. وقالت الراهبات إنهن لما كن يجلبن له طبق الحساء أو فنجان القهوة، وهذا امتياز آخر، يرينه جالسا في سريره دائما وهو يقلب حزمة من الأوراق في حقيبته القديمة أو يمسح قبعته بالفرشاة. وكان مسيو ألفونس خصوصيا جدًّافي استقبال الزوار. وكان عليك أن تنقر أولا على الطاولة الصغيرة الموضوعة إلى جانب سريره. وسيقوم عندئذ بوضع أوراقه كلها في الحقيبة بحرص ويغلقها، ثم ينادي بصوته الحاد: "ادخل، يا سيد!" ثم يدعوك بتلويحة اعتذارية من يده أن تجلس بجانبه على السرير. يبدو لي أنه كان يستمتع بزياراتي وسرعان ما أصبحنا صديقين حميمين. وقد خابت جهودي في أن أعرف شيئا من حياته الماضية، وكل ما عرفته أنه فرنسي، إنما ليس علي أن أقول باريسي. لم يكن ليتكلم بكلمة إيطالية، ويبدو أنه لا يعرف أي شيء عن روما، حتى إنه لم يزر القديس بطرس، لكنه ينوي أن يذهب إلى هناك في أحد الأيام القادمة، حالما تتاح له فرصة. وقالت الراهبات إنه لن يذهب إلى هناك أبدا، ولن يذهب إلى أي مكان، مع أنه كان قادرا تماما أن يعدو إلى حيثما يريد. والسبب الحقيقي الذي يضطره للمكوث في الملجأ أيام الخميس، وهو يوم خروج الرجال، هو اهتراء قبعته الرسمية ومعطفه القديم من جراء مسحهما الدائم بالفرشاة حتى لا يمكن إصلاحهما.ولما جعلته يجرب ارتداء قبعة مليونير بتسبورغ ومعطف الفراك الجديد، آخر زي أميركي، كان يوما لا ينسى، وقد فتح آخر حجرة في حياة مسيو ألفونس، وربما أسعدها. وقد نزلت راهبات العنابر جميعا، وحتى الأم الكبرى، إلى باب المدخل يوم الخميس التالي لوداعه وهو يخطو داخل عربتي الأنيقة ڤكتوريا، رافعا بوقار قبعته الرسمية لمعجبيه.وتضاحكن ونحن ننطلق بالعربة: "كم هو أنيق! يبدو كلورد إنجليزي!" مضينا في الكورسو  وتجولنا قليلا حول بنسيو قبل أن نتوقف في ميدان اسبانيا حيث كان مسيو ألفونس مدعوا للغداء معي.وبودي أن أرى وجه الرجل الذي يستطيع أن يقاوم الإغراء في أن يجعل هذه الدعوة فرصة دائمة كل خميس، لكي يواصل مراقبة ذلك. فعند الساعة الواحدة تماما في كل خميس من ذلك الشتاء، كانت عربتي الڤكتورية تضع مسيو ألفونس في 26 من ميدان اسبانيا. وحين تبدأ استشاراتي بعد ساعة، كانت ترافقه آنا إلى العربة التي تنتظره للقيام بجولته المعتادة حول البنسيو. وتتوقف بعدئذ نحو نصف ساعة في مقهى أراغنو حيث كان يجلس مسيو ألفونس في الركن المحجوز ليتناول فنجان قهوته وصحيفته "الفيغارو" في هيئة سفير عجوز. وخلال نصف ساعة أخرى من الحياة المجيدة من التجوال بالعربة في الكورسو، متطلعا بلهفة إلى بعض معارفه في ميدان اسبانيا ليرفع لهم قبعته الرسمية. ويختفي بعد ذلك من جديد وراء ستائره الزرقاء حتى الخميس التالي حين يبدأ بمسح قبعته مع الفجر، وفق ما تقوله الراهبات الصغيرات. وبين حين وآخر يأتي صديق أو اثنان للمشاركة في حفلة الغداء وسط بهجة غامرة تنتاب مسيو ألفونس. وما زال أكثر من واحد منهم يتذكره بالتأكيد. ولم يكن لدى أي منهم أقل شك في معرفة من أين جاء. وإلى جانب ذلك، كان يبدو أنيقا ورشيقا جدًّافي معطفه الفضفاض الجميل وقبعته الجديدة التي كان حريصا جدًّاعلى ألا تفارقه حتى وهو على المائدة. لم أكن أدري ماذا أجعل من مسيو ألفونس، وقد انتهيت إلى اعتباره دبلوماسيا متقاعدا. صار جميع أصحابي يخاطبونه بـ"سعادة السفير"، وكانت آنا تدعوه بشكل دائم "صاحب السعادة"، ويا ليتك ترى وجهه! ومن حسن الحظ أنه كان أصم إلى أبعد حد، وكان الحديث بشكل عام محدودا بكلمات مهذبة حول البابا أو حول الريح الشرقية الحارة. وكنت على أية حال أرهف النظر والسمع على كل ما يجري، وأنا جاهز للتدخل في أية لحظة لإبعاد دورق الشراب أو أهب لنجدته من أي سؤال محرج أو حتى أكثر من ذلك، إذ كنت أعفيه من  جواب مربك بعد كأسه الثانية من الفراسكاتي. كان مسيو ألفونس ملكيا متحمسا، وهو مستعد للإطاحة بالجمهورية الفرنسية بأي ثمن. وكان يتوقع الخبر في أي يوم من مصدر موثوق جدًّا للعودة إلى باريس في أي لحظة. وكنا على أرض آمنة حتى الآن، وكنت أسمع كثيرا من الفرنسيين يلغون الجمهورية. لكن حين بدأ يتحدث في شؤون عائلية، وجب علي أن أكون حذرا جدًّا مخافة أن يذيع سر ماضيه الذي كان حريصا على كتمانه خارج الحقيبة. ولحسن الحظ كان صهره دائما يحذرني في الوقت المناسب: "صهري نائب العمدة". وكان مفهوما ضمنا بين أصدقائي وبيني أن نبعد الدورق ولا نسمح بقطرة إضافية من الخمر تصب في كأس مسيو ألفونس حالما تذكر تلك الشخصية السرية.وأتذكرها تماما، كان النحات الأميركي الشهير والدو ستوري، وهو صديق حميم لمسيو ألفونس، يتغدى معنا في ذلك الخميس. وكان مسيو ألفونس في حالة نفسية منكسرة ويثرثر بطريقة غير عادية. وقبل أن ينهي كأسه الأولى من الفراسكاتي، راح يستشير والدو حول تجهيز جيش من جنود غاريبالدي السابقين لاجتياح فرنسا والانقضاض على باريس للإطاحة بالجمهورية. وكل ما في الأمر أنها ليست إلا مسألة مال، إن خمسة ملاييين فرنك ستكون فائضة، وهو نفسه راغب أن يدفع مليونا إذا ساءت الأمور.وخطر لي أنه تورد نوعا ما، وشعرت أن صهره لم يكن بعيدا. أعطيت والدو الإشارة المعتادة لئلا يعطيه قطرة واحدة من الخمر.أطلق ضحكة خافتة: "صهري نائب العمدة..".وتوقف فجأة وأنا أدفع الدورق بعيدا عن متناول يده، وتطلعت إلى طبقه كما اعتاد أن يفعل حين يكون مغتاظا نوعا ما.قلت: "لا بأس، هنا كأس أخرى من الخمر نخب صحتك، وأنا آسف أن أزعجك، ولتسقط الجمهورية! ما دمت تريدها هكذا".وأمام دهشتي لم يمد يده إلى كأسه. ظل ساكنا تماما يحدق في طبقه. كان ميتا. ما من أحد كان يعرف أفضل مني ماذا يمكن أن يعني لمسيو ألفونس ولي، لو أني اتبعت السبيل المعتاد وأرسلت في طلب الشرطة حسب القانون وقيام ضابط الطب الشرعي بفحص الجثمان بعد الوفاة، وتدخل القنصلية الفرنسية، وأخيرا سرقة الشيء الوحيد الذي يملكه الميت، وهو سر ماضيه، ولم يكن ذلك أقل شيء. أرسلت آنا لتخبر الحوذي بأن يجهز حصان العربة، لأن مسيو ألفونس أصيب بنوبة إغماء، وسآخذه إلى البيت بنفسي. وبعد خمس دقائق كان مسيو ألفونس جالسا بجانبي في العربة في زاويته المعتادة، وقبة معطف مليونير بتسبورغ الفضفاض تتدلى على عينيه، وقبعته السوداء تنسدل عميقا على جبينه كما كانت عادته. كان يبدو تماما كما اعتاد أن يظهر، إنما كان يبدو أصغر بكثير مما كان في الحياة، وهذا ما يفعله الموتى جميعا."عبر الكورسو؟" سأل الحوذي."نعم، بالطبع عبر الكورسو، إنها جولة مسيو ألفونس المفضلة".كانت الأم الكبرى قلقة في بادئ الأمر، لكن وثيقة "الموت بالسكتة القلبية" بإمضائي والمؤرخة في البيت جعلت الأمر على ما يرام مع إجراءات الشرطة. وفي المساء كان مسيو ألفونس موضوعا في تابوته مع حقيبته كوسادة لرأسه الهرم ومفتاحها ما زال في شريطه حول عنقه. ولا تسأل الراهبات الصغيرات أي سؤال لا عن الأحياء ولا الموتى. وكل ما يرغبن بمعرفته عن هؤلاء القادمين إليهن بحثا عن ملجأ هو أنهم عجائز وجائعون. وما تبقى هو من شأن الله ولا يعنيهن أو يعني أي شخص آخر. وهن يعرفن تماما أن كثيرا من نزلائهن يعيشون ويموتون بينهن بأسماء مستعارة. أردت أن أدعه يأخذ معه قبعته المحبوبة في التابوت، لكن الراهبات قلن إن ذلك لا يجوز. وقلت إني آسف، كنت أشعر أنه يحبها بالتأكيد.*     *      أوقظوني في إحدى الليالي على رسالة ملحة من الراهبات الصغيرات المشرفات على الفقراء بأن آتي حالا. كانت عنابر المبنى الضخم كلها مظلمة ساكنة، لكني سمعت الراهبات يصلين في الكنيسة الصغيرة. وأوصلوني إلى غرفة في مساكن الراهبات حيث لم أدخلها من قبل قطّ. وكانت تستلقي على السرير راهبة، ما تزال شابة، وكانت شاحبة الوجه كالوسادة تحت رأسها، وعيناها مغلقتان ونبضها يصعب الإحساس به. إنها الأم العامة للراهبات الصغيرات المشرفات على الفقراء والتي وصلت في ذلك المساء من نابولي وهي في طريق عودتها إلى باريس من جولة تفقد حول العالم. كانت في خطر موت وشيك من مرض عضال في القلب. لقد وقفت إلى جانب أسرة ملوك وملكات ورجال مشهورين ساعة حياتهم كانت بين الحياة والموت، وربما حتى في يدي. لكن لم أشعر بمسؤولية مهنتي أشد وطأة مما شعرت في تلك الليلة، لما فتحت تلك المرأة عينيها وتطلعت إلي مغمغمة: "ابذل ما في وسعك، سيدي الطبيب، لأن أربعين ألف فقير يعتمدون علي".    *    *إن الراهبات الصغيرات المشرفات على الفقراء يكدحن من الصباح حتى المساء في عملهن، وهو أجدى شكل عرفته من أعمال الخير، وإن كان لا يقدر حق قدره. لا داعي أن تأتي إلى روما لكي تجدهم، إن الفقر والشيخوخة موجودان في العالم بأسره وكذلك الراهبات الصغيرات المشرفات على الفقراء بسلالهن الفارغة وحصالاتهن الخاوية. ضع ما لديك من ملابس قديمة في سلتهن، لا تهتم بالحجم، فكل المقاسات مفيدة للراهبات الصغيرات المشرفات على الفقراء. ومن الأفضل أن تعطيهن قبعتك الرسمية كذلك، إذا بطل زيها. فهناك في عنابرهن دائما مسيو ألفونس عجوز، مختبئ وراء ستارة زرقاء مزدوجة، وهو منهمك يفرك بالفرشاة قبعته المتهدلة، آخر امتياز باق من الترف الغابر. أرسله يوم فسحته في جولة فرح عبر الكورسو بعربتك الفكتورية الأنيقة. ومن الأفضل لكبدك أن تذهب في نزهة طويلة في الريف مع كلبك. وادعُه الخميس التالي إلى الغداء، فما من مثير لفاقد الشهية أفضل من مراقبة رجل جائع وهو يأكل حتى الشبع. ناوله كأسه من خمر الفراسكاتي حتى تساعده في النسيان، ولكن أبعد عنه الدورق حين يبدأ يتذكر. ضع بعض مدخراتك في حصالة الراهبات الصغيرات، ولو بنسا واحدا، وصدقني بأنك لن تحقق استثمارا أضمن. وتذكر ما كتبته على صفحة أخرى من هذا الكتاب – إنك تفقد كل ما تدخره لنفسك، وما تعطيه للآخرين سيبقى للأبد. وإلى جانب ذلك، ليس من حقك أن تحتفظ لنفسك بهذا المال، فهو لا يخصك، فالمال لا يخص أحدا هنا إطلاقا. إن المال كله ملك الشيطان الذي يجلس إلى منضدته ليلَ نهار وراء أكياسه من الذهب متاجرا  بأرواح البشر. إياك أن تحتفظ طويلا بقطعة النقود القذرة التي يضعها في يدك، تخلص منها حالما تستطيع، وإلا فإن المعدن اللعين سيحرق أصابعك فورا، ويتغلغل إلى دمك، يعمي عينيك، يفسد أفكارك، ويحول قلبك إلى حجر. ضعه في حصالة الراهبات الصغيرات، أو اطرح المادة اللعينة في أقرب بالوعة، إنها المكان اللائق بها! ما الفائدة من تخزين أموالك، وهي ستؤخذ منك بأية حال. إن للموت مفتاحا آخر لخزينتك. إن الآلهة تبيع الأشياء كلها بسعر عادل، قال شاعر قديم. وكان ينبغي أن يضيف أنهم يبيعون أفضل بضائعهم بأرخص سعر. إن كل ما هو مفيد لنا فعلا يمكن أن يشترى بقليل من المال، وليس هناك ما يعرض للبيع بسعر مرتفع إلا الشيء غير الضروري. إن كل ما هو جميل فعلا ليس معروضا للبيع إطلاقا، لكنه يقدم لنا هدية من الآلهة المخلدين. متاح لنا أن نراقب الشمس تشرق وتغيب، الغيوم تبحر جارية في السماء، الغابات والحقول، البحر، كل ذلك من دون أن نصرف بنسا. العصافير تغرد لنا بلا مقابل، والورود البرية يمكن أن نقطفها ونحن نواصل سيرنا في جانب الطريق. ولا أجرة لدخول رواق الليل المضاء بالنجوم. الفقير ينعم بالنوم أكثر من الغني. وللطعام البسيط مذاق في المدى الطويل ألذ من طعام ريتز. إن اطمئنان العقل وسلامه يزدهران في كوخ ريفي صغير أكثر من القصر الفخم في مدينة. قلة من الأصحاب، قليل من الكتب، وقليل جدًّا فعلا، وكلب هي كل ما تحتاج أن يكون في حوزتك ما دمت تمتلك نفسك. ولكن ينبغي أن تعيش في الريف. إن الشيطان هو الذي خطط بناء أول مدينة، لذلك أراد الله أن يدمر برج بابل.هل رأيت الشيطان في حياتك؟ لقد رأيته. كان يقف ساندا ذراعيه إلى حاجز نوتردام. كان جناحيه منطويين، وكان رأسه يستريح في راحتي يديه. كانت وجنتاه غائرتين، ولسانه مندلقا بين شفتيه الكريهتين. وكان يتطلع بوقار وتفكير عميق إلى باريس تحت قدميه، جامدا بلا حراك وكأنه من حجر، كان يقف هناك منذ ما يقارب ألف سنة متأملا في المدينة التي كانت اختياره وكانه لا يستطيع أن ينتزع عينيه بعيدا عما كان يرى. أكان هذا هو رأس الشر الذي كان اسمه ذاته يملأني رعبا منذ أن كنت طفلا، زعيم الشر الرهيب في الصراع بين الحق والباطل؟كنت أنظر إليه باندهاش. وخطر لي أنه كان يبدو أقل شرا مما كنت أتصور، فقد رأيت في حياتي وجوها أسوأ من وجهه. لم يكن في تين العينين الحجريتين بصيص من نشوة النصر، كان يبدو هرما وضجرا، ضجرا من انتصاراته السهلة، ضجرا من جحيمه.يا لإبليس العجوز المسكين! يوم يقال كل شيء، فربما لم تكن غلطتك تماما أن تتردى الأمور إلى هذا الدرك في عالمنا هنا. وبعد كل شيء، فلست أنت الذي أعطى الحياة إلى عالمنا هذا، ولست أنت الذي أطلق الحزن والموت بين الناس. لقد ولدت بأجنحة ولم تولد بمخالب، إن الله هو الذي جعلك شيطانا وقذف بك إلى جحيمه لتكون القيِّم على ملعونيه. لو كنت تحب شغلك فلا يمكن أن تقف هنا بكل تأكيد منذ ألف سنة في العاصفة والمطر على رأس برج نوتردام. وأنا واثق أن من ولد بأجنحة ليس من السهل أن يكون شيطانا. يا أمير الظلام، لمَ لا تطفئ نار مملكتك في جوف الأرض وتخرج لتستقر بيننا في مدينة كبيرة؟  صدقني، إن الريف ليس مكانا لك – كسيد غني مستقل ولا عمل لك طوال اليوم إلا الأكل والشرب وتخزين أموالك. أو إذا أردت أن تزيد رأس مالك أو تضع يدك في عمل جديد مناسب، لم لا تفتح جحيما آخر للقمار في مونت كارلو أو تشرع في ماخور أو تصبح مرابيا للفقراء أو مالكا لمعرض جوّال من من الوحوش المستباحة التي تتضور جوعا وراء قضبانها الحديد! أو إذا أردت أن تغير الهواء فلمَ لا تذهب إلى ألمانيا لتبدأ مصنعا آخر من أجل أحدث غاز سام! ومن غيرك يستطيع أن يوجه غارته الجوية العمياء على نابولي ويلقي قنبلته المحرقة على ملجأ الراهبات الصغيرات المشرفات على المساكين بين نزلائهن الثلاثمئة من الرجال والنساء العجائز!لكن هل تسمح لي أن أسألك سؤالا في مقابل النصيحة التي أعطيتك إياها؟ لماذا تمد لسانك بهذا الشكل؟ لا أدري كيف ينظرون إليه في جهنم، لكن مع كل الاحترام لك، فنحن نراه بيننا كعلامة على التحدي وعدم الاحترام. لا تؤاخذني، يا مولاي، لمن تمد لسانك هكذا طوال الوقت؟ -------------------- هذه الملحمة الإنسانية  لاكسيل مونتي يصعب أن نَفيها حقها في مقالة موجزة، خاصة وهو يعبر بعمق وألم عن المعركة الدائرة بين الموت والحياة... فالمعركة منظمة في أدق تفاصيلها وفق قانون من التوازن بين الحياة والموت لا يقبل التغيير... لذا أترك للقارئ متعة قراءتها، كما استمتعت. محمد أحمد السويديبتكليف ورعاية من الشاعر الإماراتي محمد أحمد السويدي، وبدافع من حب المعرفة والسعي لنشرها قامت القرية الإلكترونية بتوفير هذه النسخة من قصة سان ميشيل مترجمة باللغة العربية – ترجمها علي كنعان. (جميع الحقوق محفوظة)صفحتنا الرسمية في فيس بوك :https://www.facebook.com/mohammed.suwaidi.poet/منصتنا في جوجل بلس لمتابعة باقي مشروعاتنا https://plus.google.com/+HisExcellencyMohammedAhmedAlSuwaidi?hl=ar , Electronic Village, His excellency mohammed ahmed khalifa al suwaidi, Arabic Poetry, Arabic Knowledge, arabic articles, astrology, science museum, art museum,goethe museum, alwaraq, arab poet, arabic poems, Arabic Books,Arabic Quiz, القرية الإلكترونية , محمد أحمد خليفة السويدي , محمد أحمد السويدي , محمد السويدي , محمد سويدي , mohammed al suwaidi, mohammed al sowaidi,mohammed suwaidi, mohammed sowaidi, mohammad alsuwaidi, mohammad alsowaidi, mohammed ahmed alsuwaidi, محمد السويدي , محمد أحمد السويدي , muhammed alsuwaidi,muhammed suwaidi....
اعرض في فيس بوك    
, Electronic Village, His excellency mohammed ahmed khalifa al suwaidi, Arabic Poetry, Arabic Knowledge, arabic articles, astrology, science museum, art museum,goethe museum, alwaraq, arab poet, arabic poems, Arabic Books,Arabic Quiz, القرية الإلكترونية , محمد أحمد خليفة السويدي , محمد أحمد السويدي , محمد السويدي , محمد سويدي , mohammed al suwaidi, mohammed al sowaidi,mohammed suwaidi, mohammed sowaidi, mohammad alsuwaidi, mohammad alsowaidi, mohammed ahmed alsuwaidi, محمد السويدي , محمد أحمد السويدي , muhammed alsuwaidi,muhammed suwaidi   قصة سان ميشيل لأكسِل مونتي ترجمة:  علي كنعانالحلقة رقم (23) XXIV جراند أوتيل  يوم قدم الدكتور بلكينغتون نفسه إلي عميدا للأطباء الأجانب، فقد كان....
اقرأ المزيد ...   قصة سان ميشيل لأكسِل مونتي ترجمة:  علي كنعانالحلقة رقم (23) XXIV جراند أوتيل  يوم قدم الدكتور بلكينغتون نفسه إلي عميدا للأطباء الأجانب، فقد كان مغتصبا اللقب من رجل آخر، أعلى بكثير منا جميعا، نحن الأطباء الأجانب في روما. دعني أكتب اسمه بحروف كاملة هنا كما هي مكتوبة في ذاكرتي بأحرف من ذهب: الدكتور إرهارت العجوز، واحد من أفضل الأطباء، ومن أفضل الرجال طيبي القلب الذين التقيتهم في حياتي. إنه أحد  الناجين من روما الزائلة أيام بيو نونو( 1)، شهرته استمرت على حالها طوال ما يزيد عن أربعين سنة من العمل في المدينة الخالدة. ومع أنه تجاوز السبعين، فهو ما يزال محافظا تماما على نشاطه العقلي والجسدي، مواظبا على عمله ليل نهار، وجاهزا دائما لمساعدة الأغنياء والفقراء، فالجميع لديه سواء. إنه أكمل نموذج رأيته في حياتي من أطباء الأسرة في الأوقات الماضية، أما اليوم فقد انقرضوا تقريبا ـ وهذا أسوأ ما في معاناة البشر. كان من المستحيل ألا تحبه، ومن المستحيل ألا تثق به. وأنا متأكد أنه لم يكن له أي عدو إطلاقا أثناء حياته المديدة ما عدا الدكتور باتشيلي. كان ألماني المولد، ولو كان كثيرون مثله في بلاد الآباء في 1914 لما كانت هناك حرب إطلاقا.وسيبقى سرا غامضا لدي دائما أن كثيرا من الناس، حتى من بين مرضاه السابقين، يندفعون إلى دار كيتس طالبين النصيحة مني ما إذا كان إنسان مثل إرهارت العجوز يعيش في الميدان ذاته. كان الوحيد الذي اعتدت أن أستشيره من بين زملائي في حالة الشك، وكان دائما يثبت أنه مصيب وأنا نادرا ما كنت على صواب، لكنه لم يخذلني أبدا، بل كان يساندني كلما كانت لديه فرصة وغالبا ما كانت كافية. ربما لم يكن مطلعا نوعا ما على حيل الشعوذة في مهنتنا وظل متحفظا إزاء كثير من أحدث أدويتنا العجيبة المسموح بها من جميع البلدان والمعتقدات. لكنه كان يستعمل صيدليته القديمة التي اختبرها جيدا بمهارة الأستاذ، وعيناه الثاقبتان تتحريان أي خلل حيثما كان متواريا، وما من أسرار تبقى في الرئة أو القلب حالما يضع السماعة على أذنه العجوز. ولم يغب عن فطنته أي اكتشاف جديد ذي أهمية. وكان مهتما جدًّابعلم الجراثيم والمداوة بالمصول، وهو علم جديد في ذلك الوقت، وكان على معرفة بطريقة باستور كما كنت في أقل تقدير. وكان أول طبيب في إيطاليا يستعمل مصل بيرنغ التجريبي ضد الدفتيريا، ولم يكن خارج مرحلة التجريب، وغير مرخص للجمهور، لكنه ينقذ الآن مئات ألوف الأطفال كل سنة.وأنا لست ميالا إلى نسيان تجربته هذه. ولقد استدعيت في مساء متأخر إلى جراند أوتيل برسالة ملحة من وجيه أميركي مع توصية من البروفيسور ويرـ ميتشيل. قابلني في البهو رجل قصير غاضب النظر وأخبرني في هياج شديد أنه وصل من باريس قبل قليل في الدرجة الأولى بالقطار. وبدلا من الغرف التي حجزها بأفضل أثاث، حشر هو وعائلته في حجرتين صغيرتين بسريرين دون فسحة للجلوس ولا حتى حمام. برقية المدير التي تفيد أن الفندق كان ممتلئا أرسلت متأخرة جدًّاولم تصل. وقد أبرق إلى ريتز ليحتج ضد هذا النوع من المعاملة. والأسوأ من ذلك، أصيب ابنه الصغير بالحمى، وكان على زوجته أن تسهر معه طول الليل في القطار، فهل يمكن أن أتفضل وآتي لأراه حالا؟ كان هناك طفلان نائمان في سرير واحد، وجها لوجه، وشفاههما متلامسة تقريبا. نظرت إلي الأم بقلق وقالت إن الولد غير قادر على ابتلاع حليبه، وهي تخشى أن يكون بلعومه ملتهبا. كان الولد يتنفس بصعوبة وفمه مفتوح على اتساعه، ووجهه أزرق تقريبا. وضعت الطفلة الصغيرة وهي نائمة على سرير الأم، وقلت لها إن الولد مصاب بالدفتيريا وسأرسل في طلب ممرضة فورا. قالت إنها تريد أن تشرف على الطفل بنفسها. بقيت الليل بطوله أسحب إفرازات الدفتريا من حلق الولد، وكان على وشك الاختناق. ومع اقتراب الفجر أرسلت في طلب الدكتور إرهارت ليساعدني في إجراء فتحة في الرغامى، فالولد كان على حافة الاختناق. وكان القلب في حالة سيئة حتى إنه لم يستطع أن يعطيه المخدر، وقد ترددنا معا في إجراء العملية، فقد خفنا أن يموت الولد تحت المبضع. أرسلت في طلب والده، وحالما سمع كلمة الدفتيريا، ولى هاربا من الغرفة، وبقية مناقشتنا كانت من شق الباب الموارب. لم يكن يرغب أن يسمع بعملية، وتحدث عن استدعاء جميع أطباء روما المتميزين لأخذ رأيهم. قلت إن هذا غير ضروري وهو متأخر أكثر من المحتمل، وظل قرار إجراء العملية أو عدم إجرائها بين إرهارت وبيني. لففت الطفلة الصغيرة بحرام وطلبت منه أن يأخذها لغرفته. قال إنه سيدفع مليون دولار لينقذ ابنه، فقلت له إنها ليست مسألة دولارات وصفقت الباب في وجهه. وبقيت الأم بجانب السرير، تراقبنا والرعب في عينيها، قلت لها إن العملية ينبغي أن تجرى في أية لحظة، ولن نتمكن من إحضار ممرضة قبل ساعة على الأقل، وأن عليها أن تساعدنا. أومأت رأسها بالموافقة دون أن تقول كلمة، وجهها تقلص بجهد لكي تكبح دموعها، كانت امرأة شجاعة ولطيفة. وبينما كنت أضع منشفة نظيفة على الطاولة تحت المصباح وأجهز الأدوات، أخبرني إرهارت أنه بفضل تزامن غريب استلم في ذلك الصباح ذاته عبر السفارة الألمانية عينة من مصل بيرنغ الجديد ضد الدفتيريا أرسل إليه من المختبر بطلب منه. وكنت على علم مسبق أن العديد من العيادات الألمانية جربته بنجاح غير عادي. فهل نجرب المصل؟ لا وقت للنقاش، فالصبي كان في حالة تدهور بسرعة، وتصورنا معا أن الفرصة محدودة جدا. وعزمنا على حقن المصل بموافقة الأم. كان رد الفعل مروعا فورا. فقد أصبح جسمه كله أسود، وقفزت حرارته إلى مئة وست درجات، وانخفضت فجأة إلى ما تحت العادي في نوبة ارتعاش عنيف. وراح ينزف من أنفه وأمعائه، وغدا عمل القلب مضطربا جدا، وبدأت تظهر أعراض الانهيار. لم يغادر أحد منا الغرفة طوال النهار، فقد كنا نتوقع وفاته في أي لحظة. وأمام دهشتنا صار تنفسه أهدأ مع اقتراب المساء، وبدا أن حالة الحلق الموضعية صارت أفضل نوعا ما، وقل اضطراب النبض. رجوت إرهارت العجوز أن يذهب إلى بيته، للنوم ولو ساعتين، فقال إنه مهتم بمراقبة الحالة إلى درجة أنه لا يحس بالتعب. ومع وصول الأخت فيلبيني، الراهبة الإنجليزية السوداء، وهي أفضل الممرضات اللواتي عملن لدي، انتشرت إشاعة الدفتيريا في الطابق الأعلى كحريق هائل في جميع الفندق المحتشد. وأرسل إلي المدير كلمة بأننا يجب أن ننقل الصبي إلى مستشفى أو مأوى للرعاية. وأجبت أننا لا يمكن، لا إرهارت ولا أنا، أن نتحمل المسؤولية لأنه سيموت في الطريق بالتأكيد. وإلى جانب ذلك، لم نكن نعرف أي مكان نأخذه إليه، لأن إجراءات التعامل مع مثل هذه الحالة الطارئة كانت في تلك الأيام غير كافية إلى حد المستحيل. وبعد لحظة أخبرني مليونير بتسبورغ عبر فتحة الباب أنه أمر المدير أن يخلي الطابق الأعلى بكامله على حسابه لأنه كان يفضل أن يشتري جراند أوتيل كله على أن يجازف بنقل ابنه وتعريض حياته للخطر. وفي المساء بدا واضحا أن الأم التقطت العدوى. وفي الصباح التالي جرى إخلاء جناح الطابق الأعلى بكامله. وحتى الندل وخادمة الغرف لاذوا بالفرار. ولم يكن هناك إلا السنيور كورناتشيا، متعهد دفن الموتى، يجوس صاعدا هابطا الممر المهجور وقبعته الرسمية في يده. وبين حين وآخر كان الأب يتطلع من خلال فتحة الباب وهو على وشك الجنون من الرعب. كانت حالة الأم تزداد سوءا لحظة بعد أخرى، فنقلت إلى الغرفة المجاورة تحت إشراف إرهارت وممرضة أخرى، وأنا والأخت فيلبيني بقينا مع الصبي. ومع اقتراب الظهيرة انهار ومات بشلل القلب. وكانت حالة الأم حينئذ حرجة جدًّا حتى إننا لم نجرؤ على إخبارها فقررنا أن ننتظر إلى الصباح التالي. ولما أخبرت الأب أن جثمان الصبي يجب أن يؤخذ إلى مستودع جثث المقبرة البروتستنتية في المساء ذاته ويجب دفنه خلال أربع وعشرين ساعة، ترنح وأوشك أن يتهاوى بين ذراعي السنيور كورناتشيا الذي وقف منحنيا باحترام إلى جانبه. قال إن زوجته لن تغفر له ترك الصبي في بلاد غريبة، فهو ينبغي أن يوارى في مدفن العائلة في بتسبورغ. أجبت أن هذا مستحيل، إن ذلك ممنوع قانونا فلا يمكن إرسال الجثمان بعيدا في مثل هذه الحالة. وبعد لحظة ناولني مليونير بتسبورغ من خلال فتحة الباب شيكا بألف جنيه لأتصرف به كما أشاء، وكان راغبا أن يوقع شيكا آخر بأي مبلغ أريد لكن الجثمان يجب أن يرسل إلى أميركا. أغلقت على نفسي الباب في غرفة أخرى مع السنيور كورناتشيا وسألته عن السعر التقريبي لجنازة وقبر من الدرجة الأولى في المقبرة البروتستنتية. قال إن الوقت صعب، فقد ارتفعت أسعار التوابيت مؤخرا، وهذا ما زاد الأمر سوءا بسبب التناقص غير الملحوظ في عدد الزبائن. إنها مسألة شرف بالنسبة إليه أن يجعل الجنازة ناجحة، وعشرة آلاف لير يمكن أن تغطي كل شيء ومن ضمنه الإكراميات. وهناك أيضا حفار القبر الذي لديه ثمانية أطفال، والورود ستكون إضافية. واتسعت بوضوح  حدقتا السنيور كورناتشيا الجاحظتان الماكرتان حالما أخبرته أني مخول أن أعطيه ضعفي ذلك المبلغ إذا استطاع أن يدبر إرسال الجثمان إلى نابولي ليوضع على الباخرة التالية إلى أميركا. أردت جوابه في ساعتين، وأنا أعلم أن ذلك ضد القانون، وعليه أن يستشير ضميره. وأنا كنت قد استشرت ضميري وقررت تحنيط الجثمان بنفسي في تلك الليلة وجعلتهم يلحمون التابوت الرصاص بحضوري. وبعد أن أقنعت نفسي باستبعاد خطر العدوى، مضيت لتوقيع وثيقة الوفاة بأن سبب الموت تعفن ذات الرئة أعقبه شلل القلب، لاغيا كلمة الدفتريا. وقد أخذت استشارة السنيور كورناتشيا لضميره أقل من المتوقع، ورجع بعد ساعة وقد قبل الصفقة بشرط أن يدفع نصف المبلغ بلا وصل استلام، فناولته المال. وبعد ساعة أجريت مع إرهارت عملية فتح الرغامى للأم، ولا شك أن العملية أنقذت حياتها. إن ذكرى تلك الليلة ما تزال تنتابني كلما قمت بزيارة تلك المقبرة الصغيرة الجميلة بالقرب من سان باولو. كان جيوڤاني، حفار القبور، يقف بانتظاري لدى البوابة ومعه مصباح. ومن طريقته في تحيتي تهيأ لي أنه عب كأسا إضافية من النبيذ ليكون ثابت العزم في عمله الليلي. كان عليه أن يكون مساعدي الوحيد، وكانت لدي أسبابي الوجيهة في ألا أحتاج أحدا سواه. كان الليل عاصفا ومظلما جدًّا مع رشقات من المطر. وأطفأت المصباح هبة ريح مفاجئة، وكان علينا أن نتلمس طريقنا بأفضل ما يمكن في ذلك الظلام الدامس. وفي منتصف الطريق عبر المقبرة تعثرت قدمي في تربة مقلوبة وهويت في قبر نصف محفور. قال جيوڤاني إنه قام بحفره بعد ظهر ذلك اليوم بأمر من السنيور كورناتشيا، ومن حسن الحظ أنه لم يكن عميقا جدا، وكان قبر صبي صغير.لقد تبين لي أن التحنيط كان صعبا وحتى خطرا أن أقوم به. فالجسد كان قد دخل في حالة متقدمة من التعفن. لم يكن النور كافيا، ومما أثار رعبي أني جرحت نفسي في الإصبع جرحا سطحيا. واستمرت بومة كبيرة تنعب طوال الوقت وراء هرم سيستيوس، وأنا أتذكره جيدا لأنه كان المرة الأولى التي بدا فيها الصوت مؤذيا لي، أنا الذي كنت محبا جدًّا للبوم.عدت إلى جراند أوتيل في الصباح باكرا. كانت الأم قد أمضت ليلة حسنة، حرارتها نزلت إلى الوضع الطبيعي، واعتبر إرهارت أنها تجاوزت مرحلة الخطر. كان من غير الممكن أن نؤجل وقتا أطول إخبارها أن ابنها مات. ولم يكن إرهارت ولا الأب قابلا أن يخبرها فقد وقع علي أن أقوم بذلك. قالت الممرضة إنها تظن أنها على علم مسبق بذلك. فبينما كانت جالسة بجانبها، استيقظت الأم فجأة من نومها وحاولت أن تقفز من السرير بصرخة فاجعة، لكنها أصيبت من جديد بإغماء. حسبت الممرضة أنها ماتت فاندفعت لتخبرني حينما دخلت  وقلت إن الصبي مات في تلك اللحظة. كانت الممرضة مصيبة في اعتقادها. وقبل أن ألتقط أنفاسي لأتكلم تطلعت الأم مباشرة في عيني وقالت إنها تعرف أن ابنها مات. بدا إرهارت محطما تماما بموت الصبي، ولام نفسه للإشارة باستعمال المصل. وقد بلغ من كمال هذا الرجل العجوز واستقامته أنه أراد أن يكتب رسالة للأب متهما نفسه بأنه هو السبب تقريبا في  وفاة ابنه. قلت له إنها مسؤوليتي، فأنا كنت متوليا أمر العناية بحالته، وإن مثل تلك الرسالة سيجعل الأب فاقد العقل كليا، فهو الآن نصف مجنون. وفي الصباح التالي نقلت الأم بعربتي إلى بلو سِسترز حيث نجحت في إيجاد غرفة لطفلتها الصغيرة وزوجها. ومن شدة  خوفه من الدفتريا منحني خزانة ملابسه كلها، صندوقين كبيرين ممتلئين بالثياب، بغض النظر عن معطفه الإرلندي الفضفاض وقبعته الرسمية. كنت مبتهجا بذلك، فالثياب المستعملة غالبا ما تكون أكثر فائدة من المخدرات. لقد أقنعته بصعوبة أن يحتفظ بساعة المنبه، وبارومير الجيب المعدني ما زال في حوزتي. وقبل مغادرة الفندق، سدد مليونير بتسبورغ بلا أي اهتمام الفاتورة الباهظة التي جعلتني ذاهلا. وأشرفت بنفسي على تطهير  الغرف، متذكرا حيلتي في أوتيل ڤكتوريا في هيدلبيرغ، وأمضيت ساعة زاحفا على ركبتي في الغرفة لأفك سجادة من صنع بروكسل كانت مسمرة على الأرضية. وكان بعيدا عن إدراكي في تلك اللحظة أن يبقى أي حيز شاغرا في رأسي للتفكير بأولئك الأخوات الصغيرات من الفقراء. وما زلت قادرا أن أرى وجوه موظفي الفندق حين أمرت بنقل السجادة إلى عربتي وأخذها إلى مؤسسة التطهير في البلدية لدى الأڤنتين. وقلت للمدير إن مليونير بتسبورغ أهداني السجادة تذكارا، بعد أن دفع أكثر من ثلاثة أضعاف سعرها.وأخيرا قدت عربتي إلى البيت في ميدان اسبانيا. وكنت قد ألصقت على الباب الخارجي ملاحظة بالفرنسية والإنجليزية تفيد أن الدكتور مريض، الرجاء مراجعة الدكتور إرهارت، ميدان اسبانيا 28. أخذت حقنة تحت الجلد ذات ثلاث جرعات مورفين وانطرحت على  الأريكة في غرفة المعاينة وحنجرتي متورمة وحرارتي مئة وخمس درجات. كانت آنا خائفة تماما وقلقة جدًّاوراغبة في طلب الدكتور إرهارت. قلت لها إني على ما يرام، وكل ما أريد أربع وعشرون ساعة من النوم، وما عليها أن تزعجني ما لم يندلع في البيت حريق.أخذ المخدر المبارك ينشر النسيان والسلام في دماغي المرهق، وحتى الرعب الذي انتابني من جرح إصبعي تهاوى بعيدا عن أفكاري المخدرة. وغرقت في النوم. فجأة بدأ جرس الباب الخارجي يقرع بإلحاح وغيظ. وسمعت من الصالة صوتا مرتفعا لامرأة من جنسية لا يمكن أن أخطئها تجادل آنا بإيطالية مكسرة."الدكتور مريض، أرجوك راجعي الدكتور إرهارت في الباب المجاور".لا، يجب أن تتحدث مع الدكتور مونتي في أمر ملح جدا."الدكتور في سريره، أرجوك انصرفي".لا، يجب أن تراه حالا،"خذي له بطاقتي"."الدكتور نائم، أرجوك..".نائم، مع ذلك الصوت الرهيب زاعقا في الصالة، لا.. ليس أنا!"ماذا تريدين؟"لم تستطع آنا أن تمنعها، رفعت الستارة عن غرفتي، صورة مفعمة بالصحة، قوية كحصان، إنها مسز شارلز و. واشنطن لومنغفيلو بيركنغ ، جونير."ماذا تريدين؟"كانت تريد أن تعرف إن كان هناك أي خطر بالتقاطها الدفتريا في الجراند أوتيل، لأنها أعطيت غرفة في الطابق الأعلى، هل صحيح أن الصبي مات في الطابق الأول، فلا ينبغي لها أن ترتكب أي مجازفة."ما هو رقم غرفتك؟""ثلاثمئة وخمسة وثلاثون"."ابقي حيث أنت، في جميع الأحوال. إنها أنظف غرفة في الفندق كله، فقد طهرتها بنفسي. وهي الغرفة التي مات فيها الصبي".وارتميت في السرير من جديد، وبدا لي من خلال السرير أن المخدر باشر عمله مرة أخرى.ورن جرس الباب الخارجي مرة ثانية. ومن جديد سمعت الصوت الذي لا يرحم ذاته، وهي تخبر آنا في الصالة أنها تذكرت في الحال سؤال آخر وقد جاءت لتسألني، وهو في غاية الأهمية."ألقي بها إلى أسفل الدرج"، صرخت غاضبا بآنا، وهي بنصف حجمها. لا، لن تذهب، لا بد أن تسألني ذلك السؤال."ماذا تريدين؟""كسرت سني، وأخشى أن أضطر لخلعه، ما اسم أفضل طبيب في روما؟""يا مسز واشنطن بيركنز، جونير، هل تسمعينني؟"نعم، تستطيع أن تسمعني تماما بشكل جيد."مسز بيركنز، جونير، أنا آسف لأول مرة في حياتي لأني لست طبيب أسنان، وكم كنت أود أن أنتزع أسنانك كلها".  ------------------( 1)Pope Pius IX  (1792- 1878) البابا بيو التاسع، ظل في كرسي البابوية 31 سنة. (G)-------------------- هذه الملحمة الإنسانية  لاكسيل مونتي يصعب أن نَفيها حقها في مقالة موجزة، خاصة وهو يعبر بعمق وألم عن المعركة الدائرة بين الموت والحياة... فالمعركة منظمة في أدق تفاصيلها وفق قانون من التوازن بين الحياة والموت لا يقبل التغيير... لذا أترك للقارئ متعة قراءتها، كما استمتعت. محمد أحمد السويديبتكليف ورعاية من الشاعر الإماراتي محمد أحمد السويدي، وبدافع من حب المعرفة والسعي لنشرها قامت القرية الإلكترونية بتوفير هذه النسخة من قصة سان ميشيل مترجمة باللغة العربية – ترجمها علي كنعان. (جميع الحقوق محفوظة)صفحتنا الرسمية في فيس بوك :https://www.facebook.com/mohammed.suwaidi.poet/منصتنا في جوجل بلس لمتابعة باقي مشروعاتنا https://plus.google.com/+HisExcellencyMohammedAhmedAlSuwaidi?hl=ar , Electronic Village, His excellency mohammed ahmed khalifa al suwaidi, Arabic Poetry, Arabic Knowledge, arabic articles, astrology, science museum, art museum,goethe museum, alwaraq, arab poet, arabic poems, Arabic Books,Arabic Quiz, القرية الإلكترونية , محمد أحمد خليفة السويدي , محمد أحمد السويدي , محمد السويدي , محمد سويدي , mohammed al suwaidi, mohammed al sowaidi,mohammed suwaidi, mohammed sowaidi, mohammad alsuwaidi, mohammad alsowaidi, mohammed ahmed alsuwaidi, محمد السويدي , محمد أحمد السويدي , muhammed alsuwaidi,muhammed suwaidi....
اعرض في فيس بوك    
, Electronic Village, His excellency mohammed ahmed khalifa al suwaidi, Arabic Poetry, Arabic Knowledge, arabic articles, astrology, science museum, art museum,goethe museum, alwaraq, arab poet, arabic poems, Arabic Books,Arabic Quiz, القرية الإلكترونية , محمد أحمد خليفة السويدي , محمد أحمد السويدي , محمد السويدي , محمد سويدي , mohammed al suwaidi, mohammed al sowaidi,mohammed suwaidi, mohammed sowaidi, mohammad alsuwaidi, mohammad alsowaidi, mohammed ahmed alsuwaidi, محمد السويدي , محمد أحمد السويدي , muhammed alsuwaidi,muhammed suwaidi   قصة سان ميشيل لأكسِل مونتيترجمة:  علي كنعانالحلقة رقم (22) XXIII مزيد من الأطباء في أحد الأيام ظهرت سيدة في غرفة استشاراتي وهي في هيئة حداد عميق ومعها....
اقرأ المزيد ...   قصة سان ميشيل لأكسِل مونتيترجمة:  علي كنعانالحلقة رقم (22) XXIII مزيد من الأطباء في أحد الأيام ظهرت سيدة في غرفة استشاراتي وهي في هيئة حداد عميق ومعها رسالة من القسيس الإنجليزي. كانت في سن النضج بلا ريب، وهي مكتنزة الأعضاء، تلبس حللا فضفاضة هفهافة ذات تفصيل غريب جدا. قالت، وهي تجلس على الأريكة بحذر شديد، إنها غريبة في روما. وقد تركها موت زوجها الفاجع، الكاهن جوناثان، وحيدة ولا حامي لها في العالم. وكان المبجل جوناثان كل شيء في حياتها، الزوج، الأب، المحب والصديق...نظرت بإشفاق إلى وجهها الشاحب وعينيها الساذجتين وقلت إني آسف جدًّا من أجلها.كان المبجل جوناثان...قلت إني في عجلة ملحة لسوء الحظ، فغرفة الانتظار كانت ملأى بالناس، فماذا بإمكاني أن أفعل لها؟ قالت إنها جاءت لتضع نفسها بين يدي، وهي على وشك أن تضع طفلا. قالت إن الكاهن جوناثان كان يرعاها من سمائه، لكنها لا تتمالك نفسها من الشعور بقلق شديد، فهذا طفلها الأول. لقد سمعت عني كثيرا، وهي الآن، بعد أن رأتني، تشعر بالتأكيد أنها ستكون آمنة بين يدي كما كانت بين يدي المبجل جوناثان. لقد كانت دائما تكن محبة كبيرة للسويديين، حتى إنها كانت مخطوبة يوما لقس سويدي، الحب من أول نظرة لكنه لم يدم. وقد فوجئت أني لا أزال شاب المظهر، في مثل سن القس السويدي تماما، حتى إنها حسبت شبها معينا بيننا. ولديها شعور غريب وكأننا التقينا من قبل، وكأننا يمكن أن نتفاهم بلا كلمات. ولما تكلمت نظرت إلي بغمزة من عينها يمكن أن تجعل المبجل جوناثان يشعر بضيق شديد جدًّا إن كان يراقبها من عل في تلك اللحظة تماما.سارعت بإخبارها أني لست مولدا ولكني أشعر بلا ريب أنها ستكون بأمان بين أيدي أي من زملائي الذين كانوا جميعا مختصين في هذا الفرع من مهنتنا، على ما أعرف. وهناك على سبيل المثال زميلي المتميز الدكتور بلكينغتون...كلا، إنها تريدني أنا ولا أي شخص آخر. وبالتأكيد ليس لي القلب الذي يتركها وحيدة بلا حماية بين أيدي غرباء، وحيدة مع طفل بلا أب! وفوق ذلك لا وقت لإضاعته، فالوليد متوقع في أي يوم، أي لحظة. نهضت بسرعة من مقعدي وطلبت عربة أجرة لتأخذها حالا إلى فندق روسيا حيث كانت تقيم.هل هناك من شيء لا يمكن للمبجل جوناثان أن يعطيه، لو أتيح له أن يرى طفلهما، وهو الذي أحب أمه بكل هذه العاطفة المشبوبة! وطفلهما سيكون ثمرة حب إذا قدر لهما يوما أن يرزقا بواحد، انصهار في واحد من حياتين متوهجتين، من روحين متناغمتين. انفجرت في غمرة من الدموع انتهت بنوبة تشنج هزت كل جسدها بطريقة منذرة إلى أقصى حد. وفجأة امتقع وجهها وجلست ساكنة تماما وقد شبكت يديها على بطنها وكأنها تحميه. وتحولت مخاوفي إلى رعب. كانت جيوڤانينا وروزينا في فيلا بورجيس مع الكلاب، وكانت آن بعيدة أيضا، وما من امرأة في البيت، وكانت غرفة الانتظار ملأى بالناس. قفزت عن كرسيي ونظرت إليها بإمعان. وفجأة تعرفت إلى ذلك الوجه من جديد، فأنا أعرفه جيدا، فلم يكن عبثا أني أمضيت خمس عشرة سنة من حياتي بين نسوة يعانين الهستيريا من جميع البلدان ومن كل الأعمار. أمرتها بحزم أن تمسح دموعها، وأن تتماسك وتصغي إلي بلا مقاطعة. وجهت إليها عدة أسئلة مهنية، وقد زادت أجوبتها المراوغة من اهتمامي بالمبجل جوناثان وموته المبكر. مبكر فعلا لأن وفاة زوجها المحزنة تؤكد أنها كانت في وقت حرج جدًّا من السنة الماضية من وجهة نظري كطبيب. وقلت لها أخيرا، وبكل ما أستطيع من لطف، أنها ليست في سبيل وضع أي طفل. قفزت عن الأريكة، وجهها قرمزي من شدة الغضب، واندفعت خارج الغرفة وهي تزعق بأعلى صوتها أني أسأت إلى ذكرى الكاهن جوناثان!يعد يومين قابلت القسيس الإنجليزي في الميدان وشكرته لأنه زكاني لدى السيدة جوناثان، معبرا عن أسفي لأني لم أكن قادرا على الاعتناء بها. ولقد صدمت بتصرف القسيس المتحفظ. وسألته ماذا جرى للسيدة جوناثان. تركني بفظاظة قائلا إنها في يدي الدكتور جونز، وهي تتوقع وليدها في أية لحظة.وانتشر الخبر في أقل من أربع وعشرين ساعة. كل شخص علم به، الأطباء الأجانب كلهم عرفوه وأحبوه، وجميع مرضاهم عرفوه، الصيدليان الإنجليزيان عرفاه، والخباز الإنجليزي في شارع باوينو علم به، والطاهي علم به، وجميع البنسيونات في شارع سستينا علمت به، وفي جميع غرف الشاي الإنجليزية لم يتحدث الناس بأي شيء آخر. وسرعان ما عرف كل(1 ) عضو في الجالية البريطانية في روما أني ارتكبت خطأ فاضحا وأني أسأت إلى ذكرى المبجل جوناثان. كان كل شخص يعرف أن الدكتور جونز لم يغادر فندق روسيا وأنهم أرسلوا في طلب القابلة في منتصف الليل. وفي اليوم التالي انشطرت الجالية الإنجلزية في روما إلى معسكرين معاديين. هل سيكون ثمة وليد أم لن يكون هناك من وليد؟ جميع الأطباء الإنجليز ومرضاهم، رجال الدين ورعاياهم المخلصون، والصيدلي الإنجليزي في شارع كوندوتي، كانوا كلهم متأكدين أن ثمة سيكون وليد. وجميع مرضاي، والصيدلي المنافس في ميدان مغنانيللي، وكل باعة الأزهار في ميدان اسبانيا، وجميع عارضات الأزياء على درجات ثالوث مونتي تحت شبابيكي، وكل المتعاملين مع الأشياء القديمة، وكل الحجارين في شارع مارغوتا، أنكروا جميعا بصورة مؤكدة أن يكون ثمة وليد. وكان الخباز الإنجليزي مترددا. وصديقي القنصل الإنجليزي كان معارضا، ولكنه أرغم على اتخاذ موقف ضدي لأسباب وطنية. وكان وضع السنيور كورناتشيا، متعهد دفن الموتى، حساسا بشكل خاص ويتطلب التعامل معه بعناية. فمن جهة، كانت ثقته في كفاءتي لا تتزعزع لأني متعاون مبدئي معه. والحقيقة الدامغة، من جهة ثانية، أن توقعاته كمتعهد لدفن الموتى كانت أشد سطوعا بكثير إذا ثبت أني مخطئ أكثر من أن أكون مصيبا. وسرعان ما انتشرت الإشاعة أن الدكتور بلكينغتون قد استدعي إلى فندق روسيا للاستشارة وقد اكتشف أن ثمة وليدين بدلا من واحد. وتأكد السنيور كورناتشيا أن السياسة الصحيحة الوحيدة أن ينتظر ويرى. ولما علم الناس أن القسيس الإنجليزي قد أنذر أن يكون على أتم استعداد في أي ساعة من النهار أو الليل للتعميد في لحظة الوفاة في حالة عسر الولادة، لم يعد هناك من مجال للتردد. وانتقل السنيور كورناتشيو للمعسكر المعادي بقضه وقضيضه، متخليا عني لقدري. إن الطفل، من وجهة نظر السنيور كورناتشيا المهنية كمتعد لدفن الموتى، كان جيدا كشخص كبير مكتمل. ولكن لمَ لا يكونان طفلين! ولمَ لا يكونان كذلك...؟ ولما دخلت فندق روسيا ممرضة غرة بزيها الزخرفي من جبال سابين، فإن أمارات جلية من تثبيط الهمة أصبحت مكشوفة بين حلفائي. ولما وصلت من لندن عربة أطفال وعرضعت في بهو الفندق، فقد أمسى وضعي حرجا تقريبا. وقد ألقت جميع السيدات السائحات في الفندق نظرة ودية على العربة وهن يعبرن البهو، وجميع الندل كانوا يقومون بمراهنات على التوأم بنسبة اثنين إلى واحد، وكل رهان، على أن لا طفل، قد توقف نهائيا. ولقد اعترضني عديد من الناس في حفلة الحديقة في السفارة الإنجليزية، حيث شكل الدكتور بلكينغتون والدكتور جونز وباتفاق معلن من جديد، مركزا لمجموعة نشيطة من المستمعين إلى آخر الأنباء من فندق روسيا. وأخذني السفير السويدي جانبا وقال لي بصوت غاضب إنه لا يريد أن يكون له بعد اليوم أي علاقة معي، فلديه أكثر مما يكفي من نزواتي، ولنستعمل كلمة لطيفة. وقد وصل إلى علمه في الأسبوع الأخير أني دعوت طبيباً إنجليزيا كبيرا وجديرا بالاحترام ضبعا. وأمس أخبرت زوجة القسيس الإنجليزي زوجته ذاتها أني أهنت ذكرى كاهن اسكوتلندي. وإذا اعتزمت أن أواصل بهذه الطريقة، فمن الأفضل أن أرجع إلى أناكابري قبل أن تدير الجالية الأجنبية كلها ظهرها لي.وبعد أسبوع آخر من القلق الشديد بدأت علامات ردود الفعل تستقر. وتوقفت المراهنات الآن بين الندل بالتعادل، مع قلة من عروض جبانة بخمس ليرات بأن ليس هناك إطلاقا أي وليد. ولما انتشرت الأخبار بأن الطبيبين تشاجرا وأن الدكتور بلكينغتون انسحب والطفل الثاني تحت سترته الفراك الطويلة، فإن جميع المراهنات على التوأم بلغت منتهاها. ومع مرور الوقت ازدادت أعداد المتخلين يوما بعد يوم، وكان القس الإنجليزي ورعيته ما يزالون محتشدين بجرأة حول عربة الطفل. وكان الدكتور جونز والقابلة والممرضة ما يزالون نائمين في الفندق، لكن السنيور كورناتشيا كان قد هجر السفينة الغارقة من قبل، وقد نبهته إلى ذلك حاسة الشم الحادة لديه.وأخيرا جاءت الضربة الساحقة من رجل اسكوتلندي عجوز ذي نظرة ماكرة لما دخل غرفة معاينتي وجلس على الأريكة حيث جلست أخته من قبل. قال لي إن من سوء حظه أنه أخو السيدة جوناثان. وقال إنه وصل من دندي مساء البارحة. ولا يبدو عليه أنه قد أضاع وقته. فقد سوّى أمره مع الدكتور بلكنغتون بأن دفع له ثلث فاتورته، وقد طرد الدكتور جونز، وراح يسألني عن عنوان أرخص مأوى للمجانين. وكان يرى أن الدكتور ينبغي أن يحتجز في مكان آخر.أعلمته أن حالة أخته لا تستدعي مأوى مجانين، وهذا من سوء حظه. قال: إذا كانت حالتها لا تستدعي مأوى مجانين، فهو لا يدري ما تكون. لقد توفي المبجل جوناثان من الكبر وضعف العقل منذ أكثر من سنة، واحتمال تعرضها لأي غوايات أخرى غير قابل للتصديق، وهو الشيء المخبل المزمن. لقد جعلت نفسها من قبل أضحوكة دندي كلها بالطريقة ذاتها التي جعلت نفسها الآن أضحوكة روما كلها. قال إنه عانى منها ما يكفي، وهو لا يريد أي مزيد في تعامله معها. قلت:  ولا أنا، لقد كنت محاطا بإناث مصابات بالهستيريا طوال خمس عشرة سنة، وأريد أن أستريح. والشيء الوحيد هو أن تعود بها إلى دندي.أما بشأن طبيبها، فأنا متأكد أنه بذل أفضل ما لديه من مهارته. أعرف أنه طبيب عسكري هندي متقاعد وله خبرة محدودة بالهستيريا. وأنا أعتقد أن ما ندعوه بـ"الورم الكاذب" كان نادر الحدوث في الجيش الإنجليزي. لكنه ليس نادرا جدًّامع النساء الهستيريات.هل كنت أعلم أن لديها من الوقاحة ما جعلها تطلب العربة من المخازن باسمه، وكان عليه أن يدفع خمسة جنيهات من أجلها، وكان بإمكانها أن تحصل على عربة مستعملة ممتازة في دندي بجنيهين. هل يمكن أن أساعده في إيجاد من يشتري العربة؟ وهو لا يبغي أي ربح فيها، لكنه يود أن يسترد نقوده.أخبرته أنه إذا ترك أخته في روما فستكون قادرة تماما على طلب عربة اطفال أخرى من المخازن. وبدا متأثرا كثيرا بهذه المناقشة. لقد أعرته عربتي ليأخذ أخته إلى المحطة. ولم أرهما قطّ مرة ثانية.*   *    * إن نبوءة السفير السويدي محققة حتى الآن، وأنا كنت الفائز بسهولة. لكن سرعان ما كان علي أن أتعامل مع منافس أشد خطرا بكثير وقد أخذ يمارس عمله يومئذ في روما. ولقد علمت أن نجاحي السريع هو الذي جعله يتخلى عن عمله الرابح ويستقر في العاصمة، وأعتقد أن هذا صحيح. كان يتمتع بشهرة ممتازة بين أبناء بلده كطبيب ماهر ورجل ساحر.  أصبح في الحال شخصية رائعة في المجتمع الروماني في حين كنت أختفي أكثر فأكثر، وقد تعلم ما أردت أن أعرف. كان يقود عربة أنيقة كعربتي، وقد استمتع كثيرا في  شقته الفخمة في الشارع الرئيسي، وصعوده كان سريعا كما كان شأني. لقد زارني، واتفقنا أن في روما متسعا لكلينا، وكان دمثا معي دائما حيثما التقينا. كان من الواضح أن لديه خبرة كبيرة جدا، وهي مكتسبة بصورة أساسية من الأميركيين، وكثير منهم يحتشدون في روما ليكونوا تحت عنايته، كما علمت. كان لديه مجموعته الخاصة من الممرضات، وداره الخاصة لرعاية الرضع خارج بورتا بيا. كنت أحسبه في البداية طبيب سيدات، لكني سمعت في ما بعد أنه اختصاصي بأمراض القلب. ومن الواضح أنه كان يمتلك موهبة فريدة لزرع الثقة في مرضاه، فلم أسمع اسمه يذكر أبدا إلا بالثناء والامتنان. وهذا ما لم يفاجئني لأنه، بالمقارنة معنا جميعا، شخصية مدهشة حقا، بعينين ثاقبتين وذكيتين بشكل استثنائي، وبراعة رائعة في الكلام، وهذه سمات رابحة. لقد تجاهل كليا زملاءه الآخرين، لكنه طلبني مرتين للاستشارة، في حالات عصبية بشكل خاص. بدا أنه كان يعرف (صاحبه) شاركو بشكل جيد تماما، وقد زار عدة عيادات ألمانية. وكنا تقريبا على اتفاق دائم في التشخيص والعلاج، وسرعان ما توصلت إلى قناعة أنه يتقن مهنته كما أتقنها، على أقل تقدير.وأرسل لي مرة رسالة مخربشة بسرعة طالبا إلي أن أجيء حالا إلى فندق كونستانزي. كان يبدو مستثارا أكثر من المعتاد. أخبرني بكلمات قليلة عاجلة أن المريض كان تحت إشرافه منذ بضعة أسابيع، وقد استفاد كثيرا من العلاج أول الأمر. لكن حالته انقلبت إلى أسوأ في الأيام الأخيرة، وعمل القلب لم يكن كافيا، وهو يود أن يعرف رأيي. وفوق كل شيء، ليس لي أن أنذر المريض ولا عائلته. قدِّرْ مفاجأتي حين تعرفت في مريضه إلى رجل كنت محبا له ومعجبا به طوال سنين كما كان كل شخص يمكن أن يكون التقى به، إنه مؤلف "الشخصية الإنسانية وبقاؤها بعد موت الجسد". كان تنفسه ظاهريا وصعبا، وجهه كان أزرق ومتعبا، ولم يبق منه إلا عيناه الرائعتان. ناولني يده وقال إنه مسرور بأني جئت أخيرا، وكان مشتاقا لعودتي. ذكرني بآخر لقاء لنا في لندن، لما تعشيت معه في جمعية البحث النفسي، وكيف بقينا ساهرين طوال الليل نتحدث عن الموت وما وراءه. وقبل أن ألتقط الوقت لأجيب، أخبره زميلي أن عليه ألا يتكلم مخافة نوبة أخرى ثم ناولني سماعته. ولم يكن ثمة من داع لفحص مطول، لأن ما رأيته كان كافيا. أخذت زميلي جانبا وسألته إن كان أخبر العائلة. وكانت مفاجأة شديدة لي أنه لم يكن متحققا من الوضع، وتحدث عن إعادة حقنات الاستركنين( 2) على فترات قصيرة، ومحاولة مصله في اليوم التالي، وأرسل في طلب زجاجة بورغندي من نوع خاص من الجراند أوتيل. قلت إني ضد المنبهات من أي نوع كان، لأن تأثيرها الوحيد الممكن هو أنها ترفع من جديد قابلية العذاب، التي خفت بفضل الطبيعة الرحيمة. وليس لنا من شيء آخر نفعله من أجله إلا أن نساعده في ألا يتعذب أكثر. وبينما كنا نتحدث، دخل الغرفة البروفيسور وليام جيمس، الفيلسوف الشهير، وأحد أصدقائه المقربين. قلت له إن العائلة ينبغي أن تعلم حالا، إنها مسألة ساعات. وبما أنهم على ما يبدو كانوا جميعا واثقين بزميلي أكثر مني، ألححت أن طبيبا آخر يجب أن يستدعى للاستشارة. وبعد ساعتين وصل البروفيسور باتشيلي، أعظم طبيب استشاري في روما. معاينته كانت أقصر حتى من معاينتي، وقراره كان أقصر."سيموت اليوم"، قال بصوته العميق.وأطلعني وليام جيمس على الميثاق المقدس بينه وبينه صديقه بأن أيا منهما دنا من الموت أولا ينبغي عليه أن يبعث برسالة إلى الآخر لدى عبوره إلى المجهول ـــ وكان كلاهما يعتقد بإمكانية تواصل كهذا. كان مثقلا بالحزن حتى إنه لم يستطع أن يدخل الغرفة، لقد ارتمى على كرسي بالقرب من باب الغرفة، ودفتر مذكراته على ركبتيه، والقلم في يده، جاهزا لتدوين   الرسالة بدقته المنهجية المألوفة. ودخل بعد الظهر في حالة تنفس مضطربة، تلك الإشارة الفاجعة للقلب باقتراب الموت. وطلب الرجل المحتضر أن يتكلم إلي. كانت عيناه هادئتين وادعتين.قال: "أعرف أني سأموت، وأعرف أنك ستساعدني. أهو اليوم أم غدا؟""اليوم"."يسرني أني جاهز، لا أشعر بأي خوف. وأنا سأعرف أخيرا. أخبر وليام جيمس، أخبره..".وتوقف صدره بتنهيدة ساكنا في لحظة رهيبة من سر الحياة.وسألت وأنا أنحني على الرجل الميت: "أتسمعني؟ أتعاني؟"غمغم: "لا، أنا متعب جدًّا وسعيد".كانت هذه كلماته الأخيرة.ولما خرجت مبتعدا، كان وليام جيمس لا يزال جالسا ساندا ظهره إلى كرسيه، ويده على وجهه، ودفتره المفتوح لا يزال على ركبتيه. وكانت الصفحة بيضاء.   لقد رأيت من زميلي شيئا كثيرا والعديد من مرضاه أيضا في ذلك الشتاء. كان يتحدث دائما عن النتائج الرائعة لمصله، وعن دواء آخر لدفتيريا الصدر كان يستعمله مؤخرا في داره للتمريض بنجاح ممتاز. ولما أخبرته كم كنت مهتما بدفتيريا الصدر وافق أن يأخذني إلى مستشفاه الخاص وأراني بعض مرضاه الذين يعالجهم بالدواء الجديد. وقد فوجئت بشدة أن أتعرف بينهم إلى إحدى مرضاي السابقين، وهي سيدة أميركية ثرية ولديها كل أعراض الهستيريا الكلاسيكية، وقد صنفتها كمريضة بالوهم، وهي تبدو بشكل جلي في حالة جيدة كما كانت دائما. كانت في السرير لأكثر من شهر، تشرف عليها ممرضتان ليلَ نهار، وتؤخذ الحرارة كل أربع ساعات، وتحقن تحت الجلد بأدوية غير معروفة عدة مرات في اليوم، وقد نظم أدق تفاصيل حميتها بأقصى وسواس، وكانت تأخذ جرعات النوم ليلا، وفي الواقع كل ما تريد. ولم يعد لديها دفتيريا صدري أكثر مما لدي. ومن حسن حظها أنها كانت قوية كحصان، وهي قادرة على مقاومة أي علاج. قالت لي إن زميلي أنقذ حياتها. وسرعان ما تبين لي أن أكثر المرضى في المشفى الخاص يشكون من حالات متشابهة تقريبا تحت نظام المستشفى الصارم، ولا يعنيهم من الأمر شيء إلا حياة البطالة، فلديهم وفرة من المال أكثر من اللازم، وهم يرغبون بأن يكونوا مرضى ويشرف عليهم الطبيب. إن ما رأيته بدا مهما كالخنّاق الصدري، في أقل تقدير. كيف تم ذلك، وما هي طريقته؟ وبقدر ما استطعت أن أستجلي الأمر، فإن الطريقة تتوقف على وضع النساء في الأسرة من اللقاء الأول بتشخيص مذهل أنهن يعانين من مرض خطير، ويتيح لهن أن يتماثلن للشفاء تدريجيا نازعا عبء الإيحاء من عقولهن المشوشة. وكان سهلا أن أصنف زميلي كأخطر طبيب قابلته في حياتي. ولم أكن مستعدا لتصنيفه مجرد مشعوذ. واعتباري له كطبيب مقتدر كان بطبيعة الحال متناغما تماما مع كونه مشعوذا ــ فالخطان يسيران معا باتساق، وهنا يكمن الخطر الرئيس للمشعوذين. لكن المشعوذ يعمل منفردا كالنشال وقد أخذني هذا الرجل إلى مشفاه ليعرض أخطر ما يقوم به من حالات مدمرة بزهو كبير. كان مشعوذا طبعا، لكنه بالتأكيد مشعوذ من طراز نادر، وهو يستحق دراسة أقرب. وعلى كثرة ما رأيت منه كنت مصدوما بالتسارع المرضي لجهازه العقلي، بعينيه القلقتين، وسرعته الفائقة بالكلام. لكنها طريقته في إعطاء منبه القلب، وهو أقوى وأخطر سلاح في مقاومة أمراض القلب، ما أطلق  أول نغمة إنذار في أذني. وفي إحدى الليالي تلقيت دعوة من ابنة واحد من مرضاه تتوسل إلي أن آتي حالا في طلب ملح من الممرضة. أخذتني الممرضة جانبا وقالت لي إنها أرسلت في طلبي لأنها توجست خوفا من شيء كان غلطا، وهي تشعر بقلق شديد إزاء ما كان يجري. وكانت مصيبة في ذلك. لقد كان مواظبا على إعطاء القلب منبه القمعية لمدة أكثر من اللازم، وكان المريض في خطر مباشر على حياته من تأثير العلاج. كان زميلي على وشك أن يعطيه حقنة أخرى لما انتزعت المحقنة منه وقرأت الحقيقة الرهيبة في عينه. فلم يكن مشعوذا، إنما كان مجنونا.ماذا كان علي أن أفعل؟ أتهمه بأنه مشعوذ؟ إن هذا سيزيد من عدد مرضاه وربما من ضحاياه. أتهمه بالجنون؟ هذا يعني تدمير تام لمجرى حياته يتعذر إصلاحه. أي البراهين يمكن أن أقدم؟ الموتى لا يتكلمون، والأحياء لا يمكن أن يتكلموا. مرضاه، ممرضاته، أصحابه، سيقفون جميعهم ضدي، فأنا الرابح من بين جميع الرجال في سقوطه. ألا أفعل شيئا، وأدعه في مكانه، وسيطا مجنونا للحياة والموت؟قررت بعد طول تردد أن أتكلم إلى سفيره الذي كان، كما أعلم، على علاقة ودية معه. رفض السفير أن يصدقني. كان يعرف زميلي من سنوات، وكان ينظر إليه كطبيب مقتدر ويمكن الاعتماد عليه، وهو نفسه استفاد كثيرا من علاجه وكذلك عائلته. وكان يعتبره دائما سريع الهياج جدًّا وغريب الأطوار إلى حد ما. أما بالنسبة لحالته الذهنية فهو واثق أنه سليم العقل مثلنا. وفجأة انفجر السفير في واحدة من قهقهاته الصاخبة المعتادة. قال إنه لم يتمالك نفسه، والمسألة مضحكة أكثر من اللازم، وهو يشعر بالتأكيد أني لن أستاء منه، وكان يعرف أني أتمتع بحس معين من المرح. وقال لي إن زميلي زاره في صباح اليوم ذاته طالبا منه رسالة تعريف إلى السفير السويدي، ليتحدث إليه في أمر خطير جدا. وهو يرى أن من واجبه أن ينبه السفير السويدي ليبقيني تحت مراقبته، فقد كان مقتنعا أن ثمة خللا ما في عقلي. وأنا بينت للسفير أن هذا دليل ثمين، إنه ما يمكن أن يفعله المجنون بدقة في مثل هذه الظروف، فلا يمكن لأحد أن يبالغ في تقدير مكر المجنون.ولدى عودتي إلى البيت استلمت من زميلي وريقة عسيرة القراءة وقد استنتجت أنها دعوة للغداء في اليوم التالي ــ وقد لفت انتباهي تغير خطه اليدوي. وجدته في غرفة المعاينة، واقفا أمام مرآة، يحدق بعينيه الجاحظتين إلى انتفاخ خفيف في حنجرته، تضخم في الغدة الدرقية كنت قد لاحظته من قبل. وسرعة نبضه فوق المعتاد جعلت التشخيص سهلا. قلت له إن معه مرض جريفز( 3). قال إنه كان يشتبه بذلك وطلب مني أن أساعده. قلت له إنه مرهق وعليه أن يتخلى عن العمل بعض الوقت، وأفضل شيء له هو أن يعود إلى بلاده لاستراحة طويلة، وقد نجحت في إبقائه في السرير حتى جاء وصول أخيه. غادر روما بعد أسبوع، ولم يرجع مرة ثانية. وقد علمت أنه مات في السنة التالية في مأوى الأمراض العقلية. --------------------(1 ) نلاحظ أن الكاتب كرر كلمة "كل" أو "جميع" بشيء من المبالغة في هذه الفقرة، ليسخر من الجهلة الذين صدقوا إشاعة الحمل! (م)  ( 2) Strychnine ( 3)  Graves’ disease -------------------- هذه الملحمة الإنسانية  لاكسيل مونتي يصعب أن نَفيها حقها في مقالة موجزة، خاصة وهو يعبر بعمق وألم عن المعركة الدائرة بين الموت والحياة... فالمعركة منظمة في أدق تفاصيلها وفق قانون من التوازن بين الحياة والموت لا يقبل التغيير... لذا أترك للقارئ متعة قراءتها، كما استمتعت. محمد أحمد السويديبتكليف ورعاية من الشاعر الإماراتي محمد أحمد السويدي، وبدافع من حب المعرفة والسعي لنشرها قامت القرية الإلكترونية بتوفير هذه النسخة من قصة سان ميشيل مترجمة باللغة العربية – ترجمها علي كنعان. (جميع الحقوق محفوظة)صفحتنا الرسمية في فيس بوك :https://www.facebook.com/mohammed.suwaidi.poet/منصتنا في جوجل بلس لمتابعة باقي مشروعاتنا https://plus.google.com/+HisExcellencyMohammedAhmedAlSuwaidi?hl=ar , Electronic Village, His excellency mohammed ahmed khalifa al suwaidi, Arabic Poetry, Arabic Knowledge, arabic articles, astrology, science museum, art museum,goethe museum, alwaraq, arab poet, arabic poems, Arabic Books,Arabic Quiz, القرية الإلكترونية , محمد أحمد خليفة السويدي , محمد أحمد السويدي , محمد السويدي , محمد سويدي , mohammed al suwaidi, mohammed al sowaidi,mohammed suwaidi, mohammed sowaidi, mohammad alsuwaidi, mohammad alsowaidi, mohammed ahmed alsuwaidi, محمد السويدي , محمد أحمد السويدي , muhammed alsuwaidi,muhammed suwaidi....
اعرض في فيس بوك    
, Electronic Village, His excellency mohammed ahmed khalifa al suwaidi, Arabic Poetry, Arabic Knowledge, arabic articles, astrology, science museum, art museum,goethe museum, alwaraq, arab poet, arabic poems, Arabic Books,Arabic Quiz, القرية الإلكترونية , محمد أحمد خليفة السويدي , محمد أحمد السويدي , محمد السويدي , محمد سويدي , mohammed al suwaidi, mohammed al sowaidi,mohammed suwaidi, mohammed sowaidi, mohammad alsuwaidi, mohammad alsowaidi, mohammed ahmed alsuwaidi, محمد السويدي , محمد أحمد السويدي , muhammed alsuwaidi,muhammed suwaidi   قصة سان ميشيل لأكسِل مونتي                                       ترجمة:  علي كنعانالحلقة رقم (21) XXIIميدان اسبانيا كانت....
اقرأ المزيد ...   قصة سان ميشيل لأكسِل مونتي                                       ترجمة:  علي كنعانالحلقة رقم (21) XXIIميدان اسبانيا كانت مريضتي الأولى هي السيدة پي، زوجة المصرفي الإنجليزي الشهير في روما. كانت قد أمضت نحو ثلاث سنين وهي مستلقية على ظهرها بعد أن سقطت عن جوادها وهي تغري الكلاب بالمطاردة في الريف. وقد أشرف على علاجها جميع الأطباء الأجانب في روما، كل بدوره، ومنذ شهر استشارت حتى شاركو الذي أعطاها اسمي، وأنا لم أكن أعلم أنه كان مطلعا على أني مقيم في روما. وحالما عاينتها، أدركت أن نبوءة السفير السويدي كانت في طريقها إلى التحقق. وعرفت أن إلهة الحظ فورتونا كانت تقف إلى جانبي من جديد، ولا يراها أحد سواي. كانت حالة سعيدة لبداية عملي في روما، فقد كانت المريضة أشهر سيدة في الجاليات الأجنبية. ولقد أدركت بوضوح أنها الصدمة ولا من أذى دائم في عمودها الفقري أدى إلى شلل أطرافها، وأن الإيمان والتدليك سيضعانها على ساقيها في غضون شهرين. وقلت لها ما لم يتجرأ أحد إطلاقا أن يخبرها به من قبل، وكنت وفيا لكلمتي. لقد أخذت تتحسن قبل أن أبدأ التدليك. وفي أقل من ثلاثة أشهر كانت تنزل من عربتها في فيللا بورجيس، على مرأى من نصف مجتمع روما المتأنق، وتتمشى بين الأشجار متكئة على عكازها. كانوا ينظرون إلى هذه الحالة كإنجاز أعجوبة، وهي في الواقع حالة سهلة وبسيطة، يتطلب إيمان المريض واصطبار الطبيب. لقد فتحت أبواب جميع البيوت في الجالية البريطانية المتعددة في روما والعديد من البيوت الإيطالية كذلك. وفي السنة التالية أصبحت طبيب السفارة البريطانية وجاءتني أعداد من المرضى الإنجليز أكثر من جميع الأطباء الاثني عشر المولودين في بريطانيا- وأدع لك أن تتخيل كيف كانت مشاعرهم نحوي. وتولى صديق لي من مدرسة الفنون الجميلة أمر تواصلي مع الجالية الفرنسية. والكونت جيوسيب بريمولي، صديق العمر، تغنى بالثناء علي في مجتمع روما، وصدى باهت من نجاحي في شارع ڤيليير فعل الباقي ليملأ غرفة استشاراتي بالمرضى. والأستاذ وير- ميتشيل، اختصاصي الأعصاب المتميز من أميركا، والذي كان لي معه بعض علاقات سابقة  في أيامي الباريسية، استمر في تزويدي بما يفيض عنه من أصحاب الملايين المحطمين وزوجاتهم من ذوات الأعصاب المتوترة. وبناتهم بعاطفتهن الفياضة قد استثمرن غرورهن في أول أمير روماني أمكنهن الحصول عليه، بدأن أيضا يرسلن في استدعائي إلى قصورهن القديمة الكئيبة ليستشرنني في مختلف الأعراض للتخلص من الأوهام. وقد تبعتهن البقية من الجمهور الأميركي الواسع كقطيع من الغنم. وسرعان ما شاطر الأطباء الأميركيون الاثنا عشر زملاءهم البريطانيين مصيرهم المحتوم. والمئات من عارضات الأزياء على درجات ثالوث الجبال الأقدس  تحت نافذتي وهن في أزيائهن المزركشة من الجبال حول مونتيكاسينو كن جميعا من مرضاي. وكان بائعو الأزهار في ميدان اسبانيا يلقون باقات صغيرة من البنفسج في عربتي، وأنا أمر بهم عوضا عن مزيج السعال لبعض أطفالهم الرضع الذين لا يحصى عددهم. إن عيادتي في حي التراستِڤير نشرت شهرتي في جميع الأحياء الفقيرة في روما، وكنت أنام كملك من المساء حتى الصباح ما لم يقوموا بطلبي وهذا ما يحدث غالبا، ولم أكن أعرف ما يعني التعب في تلك الأيام. ولكي أكسب الوقت وأرضي حبي للجياد، رحت حالا أقود في روما بالسرعة القصوى عربة فكتوريا أنيقة حمراء العجلات يجرها حصانان من أفخم الخيول الهنغارية الرائعة، وتابيو الوفي، كلبي اللابي، يجلس إلى جانبي. في مقدوري الآن أن أرى أن في ذلك شيئا من الاستعراض، وقد يعد خطأ بمثابة دعاية لو لم أكن يومئذ قد تجاوزت الحاجة لأي دعاية. وعلى أية حال، لقد لطمت زملائي الأربعة والأربعين في العين على نحو خطير، ولا شك في ذلك. وكان بعضهم يقود في عربات قديمة كئيبة المظهر من عهد بيو نونو، بكل المظاهر وكأنهم عازمون أن يكيفوها في لحظة إشعار كنعوش لمرضاهم الميتين. وكان آخرون يمشون على أقدامهم في مهماتهم الحزينة بسترات "الفراك"( 1) الطويلة وقبعاتهم المنكسة على جباههم وكأنهم في تفكير عميق حول من هو التالي الذي عليهم أن يحنطوه. وسرعان ما تعرفوا علي شخصيا أيضا، سواء كانوا يرغبون بذلك أو لا، وإذا صار مرضاهم على فراش الموت يطلبونني للاستشارة. ولقد حاولت جهدي أن أحافظ بدقة على آداب مهنتنا وأقول لمرضاهم بأنهم محظوظون فعلا لكونهم بين مثل هذه الأيدي الجيدة، ولم يكن ذلك سهلا دائما. كنا في الواقع بحارة محزونين، ومراكبنا محطمة من مختلف البلدان والبحار، رسونا في روما بعدة ضئيلة من المعرفة. وكان علينا أن نعيش في مكان ما، ولم يكن هناك بالتأكيد من سبب لماذا لا ينبغي لنا أن نعيش في روما ما دمنا لا نتدخل في شؤون حياة مرضانا.وسرعان ما غدا من الصعب جدًّا على كل أجنبي في روما أن يموت دون أن يستدعوني للتأكد من حالته. لقد أصبحت للأجانب المشرفين على الموت كما هو البروفيسور المبجل باتشيللي لدى الرومان الميتين – الأمل الأخير، وهذا نادرا ما يتحقق. شخص آخر لم ينقطع عن الحضور في هذه المناسبات هو السنيور كورناتشيا مجهز الموتى لدى الجالية الأجنبية ومدير مقبرة البروتستنت بالقرب من ميناء سان باولو. من الواضح أنه مستعد للحضور بلا طلب، فقد كان حاضرا دائما في الوقت المناسب، ويبدو أن أنفه الكبير المعقوف يشم رائحة الموتى من مسافة كالنسر آكل الجيف. كان يتسكع في الممر، أنيق اللباس بسترة فراك طويلة وقبعة رسمية سوداء، بانتظار دوره بالدخول. وبدا أنه كان يكن لي حبا شديدا، ويحييني بمودة عميقة ملوحا بقبعته كلما قابلني في الشارع. وكان يعبر عن أسفه حينما كنت أول من يغادر روما في الربيع. وحين أعود في الخريف، يحييني دائما بيدين مبسوطتين ومودة: "عودة طيبة، سيدي الدكتور". وحدث شيء من سوء التفاهم بيننا في عيد الملاد الفائت لما أرسل لي اثنتي عشرة زجاجة من النبيذ مع آماله لقاء تعاوننا المثمر في الموسم القادم. وبدا أن عدم قدرتي على قبول هديته جرحته بعمق، قائلا إن أيًّا من زملائي لم يرفض قطّ منه تلك العلامة البسيطة من المشاركة الوجدانية. وسوء التفاهم المؤسف بعينه حدث بيني وبين اثنين من الصيدلانيين الأجانب.  وحدث يوما أن فوجئت جدًّا بتلقي زيارة من الدكتور العجوز بلكينغتون الذي كانت لديه أسباب خاصة جدًّا لكراهيتي. قال إنه وزملاءه انتظروا طويلا وبلا جدوى زيارتي لهم كما تقضي بذلك  آداب السلوك غير المكتوبة. وبما أن الجبل لم يجئ لمحمد، فقد جاء محمد إلى الجبل. وليس بينه وبين محمد أي شيء مشترك إلا لحيته البيضاء الطويلة المبجلة، وهو يبدو كنبي دجال  وليس حقيقيا. وقال إنه جاء بصفته عميد الأطباء الأجانب المقيمين في روما يدعوني لأصبح عضوا في جمعيتهم التي شكلوها حديثا للحماية المتبادلة بهدف وضع حد للحرب الدائرة بينهم منذ أمد طويل. لقد أصبح جميع زملائه أعضاء ما عدا ذلك العجوز الليفي الدكتور كامبل الذي لا يقيم أحد منهم معه أي تفاهم كلامي. والمسألة الشائكة في الأجور المهنية تم إقرارها من قبل برضا كل شخص وباتفاق مشترك حدد الأجر الأدنى بعشرين فرنكا، والأجر الأعلى باختيار كل عضو وفق الظروف. ولا يتم تحنيط رجل امرأة أو طفل بأقل من خمسة آلاف فرنك. كان آسفا أن عليه أن يعلمني أن الجمعية تلقت عدة شكاوى من الإهمال الفظيع في تحصيل أجوري وحتى في عدم تحصيل أي أجر إطلاقا. وحتى يوم أمس، أفضى له السنيور كورناتشيا، متعهد الموتى، والدموع تكاد تطفر من عينيه أني قمت بتحنيط زوجة القسيس السويدي بمئة ليرة، وهذا أكبر خرق مؤسف بحق الوفاء لجميع زملائي. وكان يشعر بثقة أني سأتحقق من مصلحتي بأن أصبح عضوا في جمعيتهم من أجل الحماية المشتركة وسوف يسره أن يرحب بي بينهم في اجتماعهم التالي غدا.أجبت بأني آسف لأني لا أستطيع أن أرى فائدة لي ولا لهم في أن أصبح عضوا، لكني أرغب على أية حال أن أناقش معهم الحد الأعلى للأجر وليس الحد الأدنى. أما في ما يتعلق بالحقن التي يدعونها تحنيط، فإن كلفتها لا تزيد عن خمسين فرنكا. وبإضافة خمسين أخرى لقاء ضياع الوقت، فالمبلغ الذي أخذته لتحنيط زوجة القسيس كان صحيحا. إني أعتزم أن أكسب من الأحياء، وليس من الموتى. أنا طبيب، ولست ضبعا.ولدى سماع كلمة ضبع، نهض من مقعده مع رجاء بألا أزعج نفسي في حال رغبت باستشارته فهو غير موجود.قلت إن هذا ضربة لي ولمرضاي معا، ولكنا سنحاول تدبير ذلك بدونه.آسف أني فقدت أعصابي، وقلت له ذلك في لقائنا التالي، وهذه المرة في منزله في شارع كاترو فونتان. لقد أصيب الدكتور بلكينغتون المسكين بصدمة خفيفة بعد لقائنا بيوم فاستدعاني للإشراف عليه. قال لي إن الجمعية للحماية المشتركة انحلت، وهم جميعا مستعدون للعراك من جديد، وهو يشعر بأنه بين يدي أكثر اطمئنانا من أيديهم. ولحسن الحظ لم يكن في حالته ما يدعو إلى القلق، وبدا لي في الواقع أنه أكثر حيوية بعد الصدمة مما كان عليه من قبل. ولقد حاولت أن أرفع من معنوياته ما استطعت، وقلت أن ليس هناك ما يدعو إلى القلق وأني كنت دائما أعتقد أنه مر من قبل بعدة صدمات خفيفة. وفي الحال وقف على ساقيه، وهو أنشط من أي وقت مضى، وكان لا يزال متألقا عندما غادرت روما. بعد ذلك بوقت قصير تعرفت إلى عدوه اللدود الدكتور كامبل، الذي كان يدعوه بالليفي العجوز. ومن انطباعي الأول في الحكم عليه تبين لي أنه كان مصيبا في تشخيصه هذه المرة. فأنا لم أرَ من قبل رجلا عجوزا أكثر منه همجية في مظهره، عينان ضاريتان محتقنتان بالدم وشفتان قاسيتان، وجه سكير متورد، وكله مغطى بالشعر مثل قرد، ولحية طويلة شعثاء. يقال إنه فوق الثمانين، وقد أخبرني الصيدلي الإنجليزي المتقاعد أنه كان يبدو تماما في المظهر ذاته يوم وصل إلى روما أول مرة قبل ثلاثين سنة. ما من أحد كان يعرف من أين جاء، لكن الإشاعة تقول إنه كان جراحا في الجيش الجنوبي في الحرب الأميركية. كانت الجراحة اختصاصه، وهو فعلا الجراح الوحيد بين الأطباء الأجانب، ولم يكن على علاقة ودية مع أي منهم. وفي يوم ما وجدته يقف بجانب عربتي يربت على تابيو."إني أحسدك على هذا الكلب"، قال بصوت خشن وفظاظة، "هل تحب القردة؟"قلت إني أحب القردة.قال إني الرجل المطلوب، ورجاني أن أجيء معه لألقي نظرة على قرده الذي يتقشر جلده وهو على وشك الموت لأنه قلب إبريقا من ماء يغلي.صعدنا إلى شقته في أعلى بيت على ناصية ميدان مغنانيللي. رجاني أن أنتظر في الصالون وظهر بعد دقيقة حاملا قردا بين ذراعيه، وهو بابون ضخم كان كله ملفوفا بالضمادات."أخشى أن يكون في حالة سيئة جدا"، قال الدكتور العجوز بصوت مختلف جدا، وهو يربت برقة على وجه قرده الضعيف. "لا أدري ما سأفعل إذا مات، إنه صديقي الوحيد. لقد ربيته على الزجاجة منذ أن كان رضيعا، وقد ماتت أمه العزيزة حين وضعته. كانت كبيرة كالغوريلا، ولم تر أبدا عزيزة مثلها، كانت بشرية تماما. لا يهمني إطلاقا أن أفرم أولئك المخلوقات من زملائي إلى  قطع، وبالأحرى أني أحب ذلك، ولكن لم يعد لدي مزيد من الشجاعة أن أكسو جسمه الصغير المقرح، فهو يعاني من ذلك ألما فظيعا عندما أحاول أن أطهر جروحه حتى إني لا أطيق المزيد. وأنا متأكد أنك تحب الحيوانات، فهل تحاول إسعافه؟"أزلنا العصابات المبتلة بالدم والقيح، وكان منظرا مثيرا للشفقة، كان جسمه كله جرحا واحدا فظيعا. هو يعرف أنك صديق وإلا فإنه لا يمكن أن يجلس هادئا كما يفعل، وهو لا يسمح لأي شخص غيري أن يلمسه. لأنه يعرف كل شيء، وله دماغ أكبر من جميع الدكاترة الأجانب في روما لو وضعتهم معا. وهو لم يأكل شيئا منذ أربعة أيام"، تابع الحديث بتعبير رقيق من عينيه المحتقنتين. "بيلي، يا بني، ألا ترضي أباك بتناول هذه التينة؟"قلت أتمنى أن يكون لدينا موز، فلا أحب للقردة من الموز.قال إنه سيرسل فورا برقية إلى لندن من أجل عنقود من الموز، مهما كلف الثمن. قلت إن المهم أن نحافظ على قوته. سكبنا قليلا من الحليب في فمه، لكنه لفظه فورا.وتأوَّه صاحبه: "لا يستطيع أن يبتلع أي شيء، وأنا أدرك معنى ذلك، إنه يموت".استعملنا بارتجال نوعا من أنبوب للتغذية، وفي هذه المرة احتفظ بالحليب واستدعى بهجة الدكتور العجوز.واستمر بيلي في تحسن بطيء. كنت أراه كل يوم على مدى أسبوعين، وانتهى بي الأمر إلى أن أغدو صديقا له ولصاحبه. وبعد حين رأيته جالسا على كرسيه الهزاز المصنوع خصيصا على ترَّاسهم المشمس مقابل صاحبه، وزجاجة من الويسكي على الطاولة بينهما. كان الدكتور العجوز شديد الاعتقاد بالويسكي وفائدتها لليد قبل العملية. وإذا قدرنا عدد زجاجات الويسكي الفارغة في زاوية التراس، فلا بد أن يكون عمله الجراحي جديرا بالاعتبار. يا حسرة! كلاهما كان مدمنا على الشراب. وغالبا ما لمحت بيلي يسكب لنفسه قليلا من الويسكي والصودا من كأس صاحبه. وأخبرني الدكتور أن الويسكي كانت أفضل منشط ممكن للقردة، فقد أنقذت حياة أم بيلي المحبوبة بعد إصابتها بذات الرئة. وصادفتهما في إحدى الأمسيات على تراسهما، وهما في غاية السكر. كان بيلي يؤدي رقصة زنجي على الطاولة حول زجاجة الويسكي، وقد جلس الدكتور العجوز مستندا بظهره إلى كرسيه، مصفقا بيديه تحديدا للوقت، وهو يغني بصوته الأجش:  "بيلي، يا بني، بيلي يا بنا.. ي، بو.. نا... ي!" وهما لم يسمعاني ولم يريا أني جئت. حدقت برعب إلى الأسرة السعيدة. وقد صار وجه القرد الثمل آدميا تماما، وكان وجه السكير العجوز مثل وجه غوريلا ضخمة. إن تشابه العائلة لا تخطئه العين."بيلي، يا بني، بيلي يا بنا.. ي، بو.. نا... ي!" أكان ذلك ممكنا؟ لا، لم يكن ذلك ممكنا طبعا، لكنه جعلني أشعر بالرعب... وبعد نحو شهرين ألفيت الدكتور العجوز واقفا من جديد بجانب عربتي يتحدث إلى تابيو. لا بأس، والشكر لله، إن بيلي على ما يرام، لكن زوجته هي المريضة اليوم، فهل أتفضل عليه بإلقاء نظرة عليها؟صعدنا مرة أخرى إلى شقته، ولم يكن لدي حتى الآن أي فكرة أنه يشارك فيها أحدا غير بيلي. وعلى السرير كانت فتاة صغيرة، طفلة تقريبا، عيناها مغلقتان، ومن الواضح أنها فاقدة الوعي."ظننت أنك قلت إنها زوجتك المريضة، فهل هذه ابنتك؟"لا، إنها زوجته الرابعة، زوجته الأولى انتحرت، الثانية والثالة ماتتا بذات الرئة، وهو يشعر أن هذه ماضية في الطريق ذاته.كان انطباعي الأول أنه مصيب تماما. كانت ذات الرئة لديها مضاعفة، لكن انصبابا هائلا من غشاء الجنب الأيسر كان من الواضح أنه غاب عن فطنته. أعطيتها حقنتين تحت الجلد من الكافور والإتير بمحقنته القذرة، وطفقنا نفرك أعضاءها بقوة، ومن الواضح أنه كان قليل التأثير.قلت: "حاول أن ترفعها، تكلم معها!"انحنى على وجهها المشرق وزمجر في أذنها: "سالي، يا عزيزتي، تماسكي، كوني على ما يرام وإلا فإني سأتزوج من جديد!"سحبت نفسا عميقا وفتحت عينيها بارتعاشة. في اليوم التالي، بزلنا لها سائل ذات الجنب، وقام الشباب بما تبقى، تحسنت ببطء، وكأنها غير راغبة بذلك. لقد اشتبهت بإصابة مزمنة في رئتيها وسرعان ما تمكنت من إيجادها بنجاح. كانت في مرحلة متقدمة من السل. كنت أراها كل يوم ولمدة أسبوعين، ولم أتمالك شعوري بالأسف الشديد  من أجلها. كان واضحا أنها في حالة رعب من الرجل العجوز ولا عجب في ذلك، لأنه كان فظا معها إلى حد فظيع، وربما كان ذلك بغير قصد منه. أخبرني أنها جاءت من فلوريدا. ولما جاء الخريف نصحته أن يعيدها إلى هناك وكلما أسرع كان أفضل، فهي لن تستطيع البقاء حية في شتاء روما. بدا أنه موافق، وسرعان ما تبين لي أن المشكلة الرئيسة ماذا سيفعل مع بيلي. وانتهينا إلى اقتراحي بأن أحتفظ بالقرد أثناء غيابه في ساحة داري الصغيرة تحت درجات ثالوث الجبال، وهي آهلة بمختلف الحيوانات. وعليه أن يعود خلال ثلاثة أشهر. لكنه لم يعد أبدا، ولا أدري ماذا جرى له، ولا أي شخص آخر. سمعت إشاعة بأنه قتل برصاصة في شجار في خمارة، لكن لا أعلم إن كان ذلك صحيحا. وغالبا ما تساءلت من كان هذا الرجل وإن كان طبيبا أم لم يكن إطلاقا كذلك. لقد رأيته مرة يبتر ذراعا بسرعة مذهلة، ولا بد أنه عرف شيئا ما عن التشريح لكن القليل جدًّا عن تطهير الجرح وتضميده، وكانت أدواته بدائية بما لا يصدق. وأخبرني الصيدلي الإنجليزي أنه كان يكتب الوصفة نفسها مخطئا بالإملاء ومقدار الجرعة. وباعتقادي الشخصي أنه لم يكن طبيبا أبدا ولكنه جزار سابق أو ربما عامل رسمي في عربة إسعاف وكان له سبب وجيه بأن يغادر بلاده ذاتها.بقي بيلي معي في ميدان اسبانيا حتى الربيع لما أخذته إلى سان ميشيل حيث عانيت منه عذاب جهنم لقاء بقية حياته السعيدة. لقد عالجته من الإدمان على الكحول، وغدا قردا محترما تماما من عدة وجوه. وستسمعون عنه الكثير في ما بعد.----------------------( 1)  Frock coat الفراك: سترة رجالية سوداء تبلغ الركبتين. (المورد) -------------------- هذه الملحمة الإنسانية  لاكسيل مونتي يصعب أن نَفيها حقها في مقالة موجزة، خاصة وهو يعبر بعمق وألم عن المعركة الدائرة بين الموت والحياة... فالمعركة منظمة في أدق تفاصيلها وفق قانون من التوازن بين الحياة والموت لا يقبل التغيير... لذا أترك للقارئ متعة قراءتها، كما استمتعت. محمد أحمد السويديبتكليف ورعاية من الشاعر الإماراتي محمد أحمد السويدي، وبدافع من حب المعرفة والسعي لنشرها قامت القرية الإلكترونية بتوفير هذه النسخة من قصة سان ميشيل مترجمة باللغة العربية – ترجمها علي كنعان. (جميع الحقوق محفوظة)صفحتنا الرسمية في فيس بوك :https://www.facebook.com/mohammed.suwaidi.poet/منصتنا في جوجل بلس لمتابعة باقي مشروعاتنا https://plus.google.com/+HisExcellencyMohammedAhmedAlSuwaidi?hl=ar , Electronic Village, His excellency mohammed ahmed khalifa al suwaidi, Arabic Poetry, Arabic Knowledge, arabic articles, astrology, science museum, art museum,goethe museum, alwaraq, arab poet, arabic poems, Arabic Books,Arabic Quiz, القرية الإلكترونية , محمد أحمد خليفة السويدي , محمد أحمد السويدي , محمد السويدي , محمد سويدي , mohammed al suwaidi, mohammed al sowaidi,mohammed suwaidi, mohammed sowaidi, mohammad alsuwaidi, mohammad alsowaidi, mohammed ahmed alsuwaidi, محمد السويدي , محمد أحمد السويدي , muhammed alsuwaidi,muhammed suwaidi....
اعرض في فيس بوك    
, Electronic Village, His excellency mohammed ahmed khalifa al suwaidi, Arabic Poetry, Arabic Knowledge, arabic articles, astrology, science museum, art museum,goethe museum, alwaraq, arab poet, arabic poems, Arabic Books,Arabic Quiz, القرية الإلكترونية , محمد أحمد خليفة السويدي , محمد أحمد السويدي , محمد السويدي , محمد سويدي , mohammed al suwaidi, mohammed al sowaidi,mohammed suwaidi, mohammed sowaidi, mohammad alsuwaidi, mohammad alsowaidi, mohammed ahmed alsuwaidi, محمد السويدي , محمد أحمد السويدي , muhammed alsuwaidi,muhammed suwaidi   قصة سان ميشيل لأكسِل مونتي                                       ترجمة:  علي كنعانالحلقة رقم (20) XXIمعجزة سان أنطونيو قام....
اقرأ المزيد ...   قصة سان ميشيل لأكسِل مونتي                                       ترجمة:  علي كنعانالحلقة رقم (20) XXIمعجزة سان أنطونيو قام سان أنطونيو بمعجزة أخرى. كنت أعيش في بيت ريفي صغير في أناكابري(1 )، نظيف وناصع البياض، وله تعريشة مشمسة خارج الشبابيك المفتوحة، وأناس طيبون بسطاء يحيطون بي من كل جانب. ماريا العجوز ساعية البريد، مارغريتا الجميلة، أناريلا وجوكوندا.. كن جميعا مسرورات لعودتي ورؤيتي بينهن. كانت كابري دون بيونيسيو البيضاء أحسن من أي وقت مضى وقد اتضح لي أكثر فأكثر أن كابري القس الحمراء كانت جيدة بقدر مماثل. ومن مشرق الشمس حتى مغربها، كنت أعمل جاهدا في ما كان حديقة السيد ڤنسنزو، أحفر أساسات الأقواس الضخمة للرواق خارج بيتي المستقبلي. وكان المعلم نيكولا وأبناؤه الثلاثة يحفرون إلى جانبي، ونصف دزينة من الفتيات بعيون ضاحكة وأرداف رجراجة كن ينقلن التراب في سلال ضخمة على رؤوسهن. وتحت السطح بذراع، عثرنا فوق الجدران الرومانية على عمل فني صلب كالغرانيت مع حوريات وكاهنات باخوس يرقصن على جص بومبي الأحمر. وقد ظهرت تحتها أرضية فسيفساء مؤطرة بأوراق كرمة سوداء من القدم ورصيف مكسور من المرمر الجميل وسط الكوخ الضخم. وهناك عمود مزخرف يدعم الكوخ الصغير في الفناء الداخلي، ملقى عبر الرصيف حيث سقط منذ ألفي سنة، مهشما في سقوطه مزهرية كبيرة من الرخام الباروسي، ومقبضها المتوج بأسد يتربع الآن على طاولتي الخشبية، وقال المعلم نيكولا وهو يلتقط رأس أغسطس المبتور وقد انشق إلى شطرين"يمكنك أن تراه اليوم في الكوخ".ولما كانت المعكرونة جاهزة في مطبخ القس دون أنطونيو دقت أجراس الكنيسة منتصف النهار، وجلسنا جميعا لوجبة لذيذة حول صينية ضخمة من سلطة الخس والبطاطا، حساء الخضار السميك أو المعكرونة، وفي الحال استأنفنا العمل حتى الغروب. وحين دقت الأجراس تحتنا في كابري سلام مريم رسم جميع زملائي العاملين إشارة الصليب وذهبوا قائلين:  استراحة طيبة، ممتازة، ليلة سعيدة يا سيدي. وتناهت أمنيتهم إلى سمع سان أنطونيو، فقام بمعجزة ثانية، فقد نمت الليل بطوله نوما عميقا، كما لم أنم من سنين. نهضت مع الشمس، وقفزت نازلا إلى المنارة لحمامي الصباحي ورجعت إلى الحديقة وقد عاد الآخرون للعمل من قداس الساعة الخامسة صباحا.ما من أحد بين زملائي العمال كان يعرف القراءة أو الكتابة، ولا واحد منهم عمل في بناء أي من البيوت الأخرى أكثر من مساكنهم الفلاحية، وكلها متشابهة تقريبا. لكن المعلم نيكولا كان يعرف كيف يبني قنطرة كما كان يفعل والده وجده منذ أجيال غير محدودة، وكان الرومان معلميهم في ذلك. وبما أن هذا سيكون منزلا مختلفا عن أي بيت رأوه من قبل، فقد اتضح لهم ذلك، وكانوا جميعا مهتمين للغاية، ولا أحد كان يعرف كيف سيكون، ولا حتى أنا. وكل ما اهتدينا له هو نمط  تقريبي من مخطط أولي قمت برسمه على حائط الحديقة الأبيض بقطعة من الفحم، وأنا لا أستطيع رسم أي شيء، فبدا وكأنه مرسوم بيد طفل.وقلت لهم موضحا: "هذا هو بيتي، وغرفه المعقودة ستكون مدعومة بأعمدة رومانية ضخمة، وهناك بالطبع أعمدة قوطية صغيرة لكل الشبابيك. هذا هو البيت بقناطره المتينة، وسوف نقرر عما قريب كم سيكون فيه من القناطر. وهنا ستكون تعريشة الممر المؤدي إلى الكنيسة، وفيه أكثر من مئة عمود، ولا تنسوا أن الطريق العام يمر الآن عبر تعريشتي، ولا بد من تحويله. وهنا سيقوم مبنى آخر يطل على قلعة بربروسا، لا أدري في الوقت الحاضر كيف سيكون تماما، لكني متأكد أنه سينبثق في رأسي في اللحظة المناسبة. وهذا فناء داخلي صغير، كله من الرخام الأبيض، نوع من الردهة وفي وسطها نافورة ماء بارد، وحولها في الجدران كوى لرؤوس أباطرة رومان. وهنا خلف البيت، سوف نخفض سور الحديقة ونبني رواقا يشبه لاتيرانو في روما. وهنا سيقام تِرَّاس( 2) واسع حيث سترقصن جميعا، يا بنات، رقصة الترَنتِللا في أماسي الصيف. وفي أعلى الحديقة سنقتلع الصخرة ونبني مسرحا إغريقيا مفتوحا للشمس والريح من جميع الجوانب. وهذا مشجر بالسرو يؤدي إلى الكنيسة التي سنبنيها طبعا كنيسة ذات رواق ومقاعد ونوافذ ملونة الزجاج، وأنوي أن أجعلها مكتبتي. وهذه ستكون بصف من أعمدة قوطية ملوية تحيط بالكنيسة، وتشرف من هنا على خليج نابولي، وسنرفع تمثالا ضخما من الغرانيت لأبي الهول المصري، أقدم من تبريوس نفسه. إنه المكان اللائق بأبي الهول. ولا أرى في الوقت الحاضر من أين سأحصل عليه لكني واثق أنه سيصل في وقته.كانوا مبتهجين جميعا وتواقين لإنهاء البيت في الحال. وأراد المعلم نيكولا أن يعرف من أين سيأتي الماء للنافورة.من السماء طبعا، من حيث كان كل ماء الجزيرة يأتي. لقد عزمت على شراء جبل بربروسا كله،  وسأبني هناك خزانا ضخما لتجميع ماء المطر، وأزود القرية كلها بالماء، وهي اليوم بحاجة ماسة إليه، وهذا أقل ما أفعله من أجلهم لأرد لهم كل ما قدموه لي من معروف. وحين رسمت الخطوط الخارجية للرواق الصغير بعصاي في الرمل، فقد رأيته حالا كما هو مقام الآن، محيطا برواقيه الرائعين الفناء الصغير من أشجار السرو والظبي الصغير يرقص وسطه. ولما عثرنا على مزهرية ملأى بالنقود الرومانية، صاروا مستثارين جدًّا وكل فلاح في الجزيرة أراد أن يلقي نظرة على كنز تمبريو الباقي منذ ألفي سنة. وفي وقت لاحق حين قمنا بتنظيف النقود ألفيت بينها قطعة ذهبية جديدة وكأنها سكت اليوم، "لم يتداولونها" فعلا، وهي أروع شبه رأيته للإمبراطور العجوز. وعلى مقربة منها وجدنا نعلين من البرونز لتمثال فروسي، وأحدهما ما زال بين مقتنياتي، والآخر سرقه سائح بعد ذلك بعشر سنين. كانت الحديقة كلها ملأى بآلاف وآلاف من ألواح مصقولة من المرمر الملون، أفريقية، مرقشة، صفراء قديمة، خضراء قديمة، بصلية، وكلها تشكل الآن رصيف البيت الكبير، الكنيسة، وجزءا من السطيحة. وظهر لنا، ونحن نحفر، فنجان مكسور من الغرانيت الشفاف بديع الشكل، وعدة مزهريات إغريقية مكسورة وغير مكسورة، وشظايا لا تعد من التماثيل الرومانية الأولية ومن بينها ساق تمبيريو، كما قال المعلم نيكولا، وعشرات المخطوطات الإغريقية والرومانية. وبينما كنا نغرس السرو على طرف الممر القصير المؤدي إلى الكنيسة، وجدنا قبرا يضم هيكلا عظميا في فمه قطعة نقود إغريقية، العظام لا تزال هناك، والجمجمة تستقر الآن على طاولة مكتبي.الرواق الضخم للبيت ارتفع بسرعة عن الأرض، وانتصبت مئات الأعمدة البيضاء للتعريشة، واحدا فواحدا، في وجه السماء. ووما كان يوما بيت السيد ڤنسنزو ومحل نجارته تحول شيئا فشيئا واتسع لكي يصبح بيتي المستقبلي. وليس في وسعي أن أدرك كيف تم ذلك، ولا في وسع أي شخص آخر ممن يعرفون تاريخ سان ميشيل الحالي. لم أكن أعرف إطلاقا أي شيء عن العمارة، ولا أي من زملائي العمال، ولا أحد ممن يعرف القراءة والكتابة كان بإمكانه أن يقوم بالعمل، ولم نستشر أبدا أي مهندس معماري، ولم يقم أحد برسم أو مخطط مناسب، ولم تؤخذ أي مقاييس دقيقة إطلاقا. كان كله شغل "العين" كما دعاه المعلم نيكولا.وغالبا ما اعتدت، في كل مساء بعد أن يذهب الآخرون بعيدا، أن أجلس وحدي على حاجز المتراس المكسور خارج الكنيسة الصغيرة حيث سينتصب أبو الهول الذي يخصني، أراقب بعين عقلي قلعة أحلامي ترتفع منبثقة من الشفق. وغالبا ما خيل إلي، وأنا جالس هناك، أني أرى زَولا ممشوقا بمعطف طويل يجوس إلى الأسفل تحت القناطر نصف المنتهية من البيت، وهو يتفحص عمل اليوم بعناية، مختبرا متانة البنيان الجديد، منحنيا على الخطوط الأولية التي رسمتها على الرمل. من كان ذلك المشرف الغامض؟ أكان القديس المبجل أنطونيو بعينه هو الذي هبط سرا من مزاره في الكنيسة ليقوم بمعجزة ثانية هنا؟ أم كان شيطان شبابي الذي وقف بجانبي على هذه البقعة ذاتها منذ اثني عشر عاما ليقدم لي مساعدته لقاء مستقبلي؟ لقد زادت العتمة حتى لم يعد في مقدوري أن أرى وجهه، لكني أظن أني رأيت نصل سيف يلمع تحت معطف أحمر. ولما عدنا للعمل في صباح اليوم التالي، وفي النقطة التي توقفنا قليلا عندها مساء البارحة بارتباك حول ماذا نعمل وكيف نعمله، بدا أن كل صعوباتي قد أزيلت خلال الليل. والتردد كله تركني. لقد رأيتها كلها في عين عقلي بوضوح وكأن مهندسا معماريا رسمها بأدق تفاصسلها.وقبل يومين حملت إلي ماريا ساعية البريد رسالة من روما. ألقيت بها دون أن أفتحها في درج مكتبي لتشارك دزينة من الرسائل الأخرى غير المقروءة. ليس للعالم خارج كابري أي وقت لدي، ولا من بريد في السماء. ثم حدث ما لم يسمع به أحد من قبل هناك، فقد وردت إلى أناكابري برقية. من المؤلم أن الإشارة أرسلت قبل يومين من تحويلة المحطة في ماسا لوبرينس وقد وصلت إلى كابري بفضل قوس الطبيعة. دون تشيتشيو، المشرف على التحويلة، بعد تخمين غامض قدمها بدوره إلى عدة أشخاص في كابري. ولم يستطع أحد أن يفهم كلمة منها، ولا أحد أراد أن يعمل أي شيء بها. وعندئذ تقرر أن تحال إلى كابري، وقد وضعت في أعلى سلة السمك الخاصة بماريا ساعية البريد. وماريا ساعية البريد، التي لم تر برقية أبدا من قبل، سلمتها بكل احتراس إلى القسيس. والمحترم دون أنطونيو، الذي ليس من عادته أن يقرأ أي شيء لا يعرفه بفضل قلبه، أشار على ساعية البريد ماريا أن تأخذها لمعلم المدرسة المحترم دون ناتال، أفضل رجل متعلم في القرية. ودون ناتال كان واثقا أنها مكتوبة بالعبرية، لكنه غير قادر على ترجمتها بسبب سوء التهجئة. فقال لساعية البريد ماريا أن تأخذها إلى المحترم دون ديونيسيو الذي كان في روما ليقبل يد البابا وهو الرجل المناسب لقراءة الرسالة الغامضة. ودون دونيسيو، أعظم سلطة على المقتنيات القديمة في القرية، ميزها فورا بأنها مكتوبة بالرمز البرقي السري ليمبيريو بذاته، ولا عجب أن أحدا لم يستطع أن يفهمها. وقد دعمت الصيدلانية رأيه ولكن الحلاق ناقضها بشدة وأقسم أنها مكتوبة بالإنجليزية. واقترح بمكر أنها ينبغي أن تؤخذ إلى  الحسناء مارغريتا التي كانت عمتها قد تزوجت إبجليزيا. وانفجرت الحسناء مارغريتا بالدموع حالما رأت البرقية، فقد حلمت ليلا أن عمتها كانت مريضة، وشعرت بالتأكيد أن البرقية لها وأن اللورد الإنجليزي أرسلها ليعلن وفاة عمتها. وبينما كانت ساعية البريد ماريا تدور بالبرقية من بيت إلى بيت، ازداد الهياج في القرية أكثر فأكثر، وسرعان ما توقف العمل. وانطلقت إشاعة أن حربا قد نشبت بين إيطاليا والأتراك وقد قوبلت بإشاعة أخرى عند الظهر جاء بها صبي حافي القدمين من كابري تقول إن الملك اغتيل في روما. وقد دعي المجلس البلدي بشكل طارئ لكن دون دييغو، العمدة، قرر أن ينكس العلم إلى نصف السارية حتى تأتي برقية أخرى تؤكد الخبر المحزن. وقبيل الغروب وصلت ساعية البريد ماريا ومعها البرقية إلى سان ميشيل، مصحوبة بحشد من الشخصيات البارزة من كلا الجنسين. نظرت إلى البرقية وقلت إنها ليست لي. لمن هي إذن؟ قلت لا أدري، فأنا لم أسمع بأي شخص حي أو ميت مبتلى بما يشبه هذا الاسم،  وهو ليس اسما، بل يبدو أنه من أبجدية لسان غير معروف. ألم يكن علي أن أحاول قراءة البرقية وأعلن عما فيها؟ لا، لست ملزما بذلك، فأنا أكره البرقيات. ولم أكن راغبا بمعرفة أي شيء متعلق بها. هل صحيح أن هناك حربا بين إيطاليا والأتراك؟ زعق الحشد عند حائط الحديقة من تحت. لا أدري، ولم أكن معنيا بأن تكون هناك حرب ما دمت متروكا بسلام لأنكش في حديقتي.وانهارت ماريا العجوز ساعية البريد خائرة القوى على العمود البصلي، قائلة إنها ما زالت على قدميها مع البرقية منذ الفجر ولم تأكل شيئا، وليس في إمكانها أن تفعل أي شيء آخر. وفوق ذلك كان عليها أن تذهب لتعلف للبقرة. ألا يمكن أن أحتفظ بالبرقية حتى صباح الغد؟ من الممكن ألا تكون في مأمن إذا تركت في عهدتها، مع كل أولئك الأحفاد الذين يلعبون حول الغرفة، بغض النظر عن الدجاج والخنزير. كانت العجوز ماريا ساعية البريد صديقة حميمة لي.  وضعت البرقية في جيبي، وهي ستستأنف تجوالها معها في صباح اليوم التالي.غاصت الشمس في البحر، ودقت الأجراس السلام المريمي، وذهبنا جميعا إلى البيت لتناول العشاء. وبينما كنت جالسا تحت التعريشة وأمامي زجاجة من أحسن خمور دون ديونيسيو، لمعت في رأسي فكرة مرعبة – تصور لو أن البرقية كانت لي بعد كل ما جرى! حصنت نفسي بزجاجة أخرى من الخمر، ووضعت البرقية أمامي على الطاولة أمامي وباشرت العمل، محاولا ترجمة معناها الغامض إلى لغة بشرية. لقد استهلكت زجاجة الخمر بكاملها حتى اقتنعنت أن البرقية لم تكن لي، وغلبني النوم، ورأسي على الطاولة والبرقية في يدي.وتأخرت في نومي في الصباح التالي. لا حاجة للسرعة، فلا أحد يعمل في حديقتي اليوم، فمن المؤكد أنهم كلهم في الكنيسة، لأداء قداس الصباح، بمناسبة الجمعة الحزية. تمشيت إلى سان ميشيل بعد نحو ساعتين، وأدهشني جدًّاأن أجد المعلم نيكولا مع أولاده الثلاثة وجميع الفتيات يعملون بجد في الحديقة كالمعتاد. وكانوا يعرفون طبعا كم كنت حرصا على أن أواصل العمل بالسرعة القصوى، لكن لم يكن من أحلامي إطلاقا أن أطلب إليهم العمل في الجمعة الحزينة. كان ذلك كرما منهم فعلا، وقلت لهم إني ممتن جدا. نظر إلي المعلم نيكولا باندهاش واضح وقال إنه ليس يوم عيد."أليس اليوم عطلة!" ألا يعرف أنه يوم الجمعة الحزينة، يوم صلب سيدنا المسيح عيسى؟رد المعلم نيكولا: "حسنا، ولكن المسيح ليس قديسا"."هو قديس طبعا، أعظم قديس بينهم"."لكنه ليس عظيما كسان أنطونيو الذي قام بأكثر من مئة معجزة". ونظر إلي بمكر سائلا: "كم فعل عيسى المسيح؟"لا أحد أفضل مني كان يعرف أن سان أنطونيو لا يجارى في فعل المعجزات، فهل من معجزة أعظم من إعادتي إلى هذه القرية؟ تجنبت سؤال المعلم نيكولا وقلت مع كل الاحترام الواجب للقديس أنطونيو فهو ليس إلا رجل، بينما عيسى المسيح هو ابن ربنا في السماء الذي عانى الموت على الصليب في مثل هذا اليوم لكي يخلصنا جميعا من جهنم."هذا غير صحيح". قال المعلم نيكولا وهو يتابع الحفر بقوة. "لقد أعلنوا موته البارحة ليختصروا الحفلة في الكنيسة".ولم أكد أسترد رشدي من هذا الإعلان حتى ناداني باسمي صوت معروف جدًّا من خارج سور الحديقة. إنه صديقي السفير السويدي الذي جرى تعيينه حديثا في روما. كان غاضبا لأنه لم يتلقَّ ردا على رسالته، مبينا عزمه على المجيء لقضاء الفصح معي، وهو ما زال يشعر بمزيد من الاستياء لأني لم أتمتع باللياقة الكافية لكي ألاقيه في الميناء ومعي حمار لدى وصول زورق البريد، كما رجاني أن أفعل في البرقية. ولم يكن مضطرا أن يجيء إلى أناكابري لو كان يدري أن عليه أن يصعد سبعمئة وسبعين درجة فينيقية حتى يصل وثبا إلى قريتي التعيسة. هل كان لدي من قلة الأدب ما يكفي لأقول إني لم أستلم برقيته؟ طبعا استلمتها، استلمناها جميعا، وأوشكت أن أسكر عليها. ولما ناولته البرقية راق قليلا، وقال إنه سيأخذها إلى روما ليريها إلى وزير البريد والتلغراف. خطفتها من يده، وحذرته أني سأقف بإصرار ضد أي محاولة لتحسين الاتصالات البرقية بين كابري والبر الرئيس.ولقد سرني أن أطلع صديقي على الموقع بكامله وأوضح له كل أعاجيب سان ميشيل المستقبلية بالرجوع احيانا إلى مخططي الأولي على الجدار لأجعله ملما به بشكل أوضح، لأنه كان بحاجة ماسة إلى ذلك الإيضاح كما قال. كان مفعما بالإعجاب، ولما أطل من الكنيسة على الجزيرة الجميلة دون قدميه قال إنه أجمل منظر في العالم على ما يعتقد. ولما دللته على مكان التمثال الهائل لأبي الهول المصري وهو من الغرانيت الأحمر، رمقني بنظرة جانبية متوجسة، وحين أريته الجبل الذي سينسف لإقامة مسرح إغريقي قال إنه يشعر بشيء من الدوار وطلب إلي أن آخذه إلى بيتي وأعطيه كأسا من النبيذ، لأنه أراد أن يتحدث معي بهدوء. طافت عيناه في أرجاء الغرفة المبيضة بالكلس وسألني إذا كانت هذه هي الفيللا، فأجبت بأني لم أنعم أبدا بمثل هذه الراحة في حياتي. وضعت دورقا من خمر دون ديونيسيو على طاولة الصنوبر، ودعوته للجلوس على كرسي وألقيت بنفسي على السرير مستعدا للإصغاء إلى ما كان يود قوله. سألني صديقي إن كنت قد أمضيت كثيرا من الوقت في السلبيتريير بين كثير أو قليل من الناس المشوشين والمنحرفين، المهزوزين نوعا ما في الدور العلوي؟قلت إنه لم يجانب الحقيقة، لكني تخليت عن السلبيتريير تماما. قال إنه مسرور جدًّا لسماع ذلك، وكان يفكر أنه وقت حاسم، وأن من الأفضل لي أن أختار  حقلا آخر من الاختصاص. إنه يكن لي محبة شديدة، وفي الحقيقة أنه جاء ساعيا لإقناعي أن أرجع حالا إلى وضعي الممتاز في باريس بدلا من إضاعة وقتي بين هؤلاء الفلاحين في في أناكابري. ولقد غير رأيه الآن بعد أن رآني، فقد توصل إلى الاقتناع أني كنت بحاجة إلى راحة تامة.قلت إني مسرور جدًّابموافقته على قراري، فأنا فعلا لا أستطيع احتمال مزيد من التوتر، فقد كنت منهكا."عقليا؟"، سألني بتعاطف.قلت له أن لا جدوى من اقتراحه أن أعود إلى باريس، وسوف أمضي بقية أيامي في أناكابري."تقصد أن تقول إنك ستمضي حياتك في هذه القرية الصغيرة البائسة وحيدا تماما بين هؤلاء الفلاحين الذين لا يعرفون القراءة ولا الكتابة! أنت الرجل المثقف، فمع من ستقيم صحبة؟""مع نفسي وكلابي وربما مع قرد"."كنت دائما تقول إنك لا تستطيع أن تعيش بلا موسيقا، فمن سيغني لك، ومن سيعزف لك؟""العصافير في الحديقة، والبحر دائما حولي. أنصت! أتسمع تلك الصداحة العجيبة؟ إنها الصفَّارية الذهبية، أليس صوتها أعذب من صوت مواطنتنا الشهيرة ريستين نيلسون أو باتي بذاتها؟ أتسمع ذلك الهدير المهيب الراقراق من الأمواج، أليس أجمل من الحركة البطيئة في سمفونية بيتهوڤن التاسعة؟"وعاجلني صديقي بتغيير مجرى الحديث، ليسألني من كان مهندسي المعماري وبأي طراز سيكون بناء البيت؟أخبرته أن ليس هناك أي مهندس معماري، وحتى الآن لا أعرف بأي طراز سيبنى البيت، وكل ذلك سيتم وفق استمرار العمل بالذات.رمقني متوجسا بنظرة جانبية أخرى وقال إنه في أقل تقدير مسرور بأن يعلم أني غادرت باريس رجلا غنيا، ومن المؤكد أن بناء مثل هذه الڤيللا الرائعة كما وصفتها له يحتاج إلى ثروة كبيرة.  فتحت درج طاولتي الصنوبر وأريته رزمة من الأوراق النقدية مطوية في جورب. قلت إنها كل ما أملك في هذا العالم بعد اثني عشر عاما من العمل الشاق في باريس، وأعتقد أنها تبلغ حوالي  خمسة عشر ألف فرنك، وربما تزيد قليلا، وربما تنقص قليلا، ومن المحتمل أن تكون أقل."أيها الحالم الذي لا يرجى علاجه،أنصت إلى صوت صديق"، قال السفير السويدي. وتابع، وهو ينقر بإصبعه على جبهته: "أنت لا ترى أوضح من مرضاك السابقين في السلبيتريير، وقد تفشى المرض بهم بوضوح. ابذل جهدا كي ترى الأمور كما هي في الواقع وليس في أحلامك. إن جوربك سيكون خاويا في مدة شهر، حسب المعدل الذي تسير فيه، وحتى الآن لا أرى أي أثر لغرفة واحدة لتعيش فيها، فأنا لا أرى إلا أروقة، وسطيحات، وممرات مسقوفة، ومداخل معرشة. بماذ ستبني بيتك؟""بيدي"."وحين تستقر في بيتك، بماذا ستقتات؟""بالمعكرونة"."سيكلفك نصف مليون لتبني سان ميشيلك كما تراه في خيالك، من أين ستحصل على المال؟"لقد صعقت. فأنا لم أفكر بهذا أبدا، كل ما في الأمر كان وجهة نظر جديدة.وقلت أخيرا، وأنا أحدق إلى صديقي: "بحق السماء، ماذا علي أن أفعل؟"أجاب صديقي بصوته الحازم: "سأقول لك ماذا عليك أن تفعل. عليك أن توقف العمل حالا في مشروعك الجنوني هذا في سان ميشيل، انصرف من غرفتك المطلية بالكلس، وبما أنك ترفض العودة إلى باريس، عليك أن تذهب إلى روما لتبدأ عملك الطبي من جديد. روما هي المكان المناسب لك. ولا تحتاج إلا أن تمضي الشتاء هناك، وسيكون لديك الصيف بطوله لتواصل بناءك. لقد علق سان ميشيل في دماغك، لكنك لست أحمق، أو أن معظم الناس على الأقل لم يكتشفوا ذلك بعد. وأنت فوق ذلك محظوظ في كل ما تضع يديك عليه. لقد علمت أن أربعة وأربعين طبيبا أجنبيا يعملون في روما، فإذا حزمت أمرك وانطلقت في عملك بجد فأنت قادر أن  تطرحهم جميعا بيدك اليسرى. فإذا عملت بلا كلل وسلمتني ما تكسبه فأنا واثق أنك ستنال كل ما تحب، وذلك أنك في أقل من خمس سنوات سيكون لديك ما يكفي من المال لتنهي مشروعك في سان ميشيل وتعيش بقية حياتك سعيدا بصحبة كلابك وقردتك". وبعد أن غادر صديقي، أمضيت ليلة رهيبة وأنا أروح جيئة وذهابا في غرفتي الريفية كحيوان في قفص. ولم أجرؤ حتى على أن أذهب إلى الكنيسة لأقول ليلة سعيدة لأبي الهول الخاص بأحلامي كما كانت عادتي. كنت خائفا أن المغوي بمعطفه الأحمر يمكن أن يقف إلى جانبي في الغسق. ولما ارتفعت الشمس اندفعت هابطا إلى المنارة وألقيت بنفسي في البحر. وحين سبحت نحو الشاطئ كان رأسي صافيا وباردا كمياه الخليج.وبعد أسبوعين كنت أقيم باستقرار كطبيب في منزل كيتس في روما.  -----------------------(1 ) Anacapri:  معناها كابري العليا وهي مقاطعة في الشطر الجنوبي من جزيرة كابري. (G)( 2) Terrace - بعض المعاجم ترجمتها: سطيحة، شرفة، دكة، مصطبة، لكن هذه المفردات لا تؤدي المعنى الدقيق. (م)  -------------------- هذه الملحمة الإنسانية  لاكسيل مونتي يصعب أن نَفيها حقها في مقالة موجزة، خاصة وهو يعبر بعمق وألم عن المعركة الدائرة بين الموت والحياة... فالمعركة منظمة في أدق تفاصيلها وفق قانون من التوازن بين الحياة والموت لا يقبل التغيير... لذا أترك للقارئ متعة قراءتها، كما استمتعت. محمد أحمد السويديبتكليف ورعاية من الشاعر الإماراتي محمد أحمد السويدي، وبدافع من حب المعرفة والسعي لنشرها قامت القرية الإلكترونية بتوفير هذه النسخة من قصة سان ميشيل مترجمة باللغة العربية – ترجمها علي كنعان. (جميع الحقوق محفوظة)صفحتنا الرسمية في فيس بوك :https://www.facebook.com/mohammed.suwaidi.poet/منصتنا في جوجل بلس لمتابعة باقي مشروعاتنا https://plus.google.com/+HisExcellencyMohammedAhmedAlSuwaidi?hl=ar , Electronic Village, His excellency mohammed ahmed khalifa al suwaidi, Arabic Poetry, Arabic Knowledge, arabic articles, astrology, science museum, art museum,goethe museum, alwaraq, arab poet, arabic poems, Arabic Books,Arabic Quiz, القرية الإلكترونية , محمد أحمد خليفة السويدي , محمد أحمد السويدي , محمد السويدي , محمد سويدي , mohammed al suwaidi, mohammed al sowaidi,mohammed suwaidi, mohammed sowaidi, mohammad alsuwaidi, mohammad alsowaidi, mohammed ahmed alsuwaidi, محمد السويدي , محمد أحمد السويدي , muhammed alsuwaidi,muhammed suwaidi....
اعرض في فيس بوك    

 1  2  3