HIS EXCELLENCY MOHAMMED AHMED KHALIFA AL SUWAIDI - ELECTRONIC VILLAGE - Spreading Knowledge
Arabic    

فاطمة ومسعود


2017-09-19
اعرض في فيس بوك
Category : all

 
 
فاطمة ومسعود
فص (1)
غالبا ما نصادف في جولاتنا أشخاصا من أعراق وجنسيات مختلفة في لندن، إنها مدينة يمكنها أن تشتمل على الشيء ونقيضه في آن واحد، ويمكن أن تتطلع في شارع لتجد الخصم والحكم يتجولان على مقربة من بعضهما، وبقليل من التبصّر ستكتشف المتنبي وكافور يتبضّعان من المحل نفسه. وإذا أصخت سمعك فستكتشف أن سليمان وحده القادرعلى تفكيك عشرات الألفاظ التي تعود إلى ألسنة وحضارات عديدة (فما تُفهم الحدّاث إلا التراجمُ). ناهيك عن الأشكال والسحنات والهيئات. وفي الريجنت الذي نتردد عليه في جولاتنا اليومية تعرّف الوالد على أناس ينحدرون من أعراق وألسنة وحضارات شتى، ومنهم أمرأة تدعى فاطمة، ولقد أملى عليّ الوالد شيئا عنها وقال دوّنه في قرطاسك، فبدأت أدوّن: 
فاطمة سيدة من غانا، في الخمسين من عمرها، تكسب عيشها من عملها في تنظيف المرافق الصحية، نراها كلما ترددنا على المقهى الصغير (بينوجو) المطل على شارع (شستر)، والذي يرتاده عديدٌ من رواد الحديقة الجميلة والواسعة والمتشعبة، وهناك من الرواد من يعطف على فاطمة ومن معها في المهنة تشجيعا لهم، قال الإبن محمد (هكذا املاني الوالد): فاطمة تقدم خدمة جليلة لرواد هذه الحديقة، وهذا بلا ريب أسلوب أخلاقي رفيع، فعوضا عن جرح مشاعر فاطمة وزملائها ممن يمتهنون هذا الضرب من المهن، يرفع المرء بالثناء عليهم من معنوياتهم. فاطمة امرأة مسيحية، بينما زميلها ورفيقها في العمل (مسعود) مسلم، وهما من ذات البلد (غانا)، وأخبرنا مسعود أن أخاه سيؤدي فريضة الحج هذا العام. شكرناهما على حسن معاملتهم واستقبالهم لنا ولرواد هذه الحديقة، ودعونا لهما بالنجاح والتوفيق في حياتهما العملية. ثم وقبيل مغادرتنا مقهى الحديقة التقط الإبن محمد بن أحمد صورا لهما، كان يوما لندنيا دافئا بلغت درجة الحرارة فيه 27 مئوية. (انتهى نصّ الوالد).
فص (2)
في البدء كان الوالد وكلمته، ولقد دوّنها كما اعتاد أن يفعل طيلة سنوات من خلال ما رصده بعينه التي لا تكفّ عن القبض على التفاصيلٍ، تفاصيل كل ما تقع عليه عينه . وعندما جمعني حديث مع فاطمة الغانية علمت منها أن عدد العمال الغانيين في الريجنت يبلغ خمسة، وعندما سألتها عن الإدارة وهيكل العمل فيها وتراتبيتها الوظيفية، وجدتها لا تعلم شيئا أبعد من دائرة عملها وتخصصها ورفاقها الذين يشاركونها العمل في ذات الفرع. اعتاد الوالد كلما قصد المقهى أن تطلّ عليه فاطمة فينفحها بسخاء، ويسأل أحيانا عن رفاقها ويصلهم بالعطايا التي لا تنقطع. وفي هذا اليوم تحديدا الذي يصادف 28 أغسطس أطلّت فاطمة كعادتها، فسألها الوالد: هل تعرفين كوامي نكروما يا فاطمة؟ فقالت: نعم، أعرفه وأعرف زوجته المصرية فتحيّة. وكوامي هو الزعيم الغاني المولود في عام 1909 ويُعدّ من المناضلين الأفارقة الأوائل ضد الاستعمار، وهو أول رئيس لغانا بعد استقلالها، وأبرز من دعى إلى ضرورة قيام الوحدة الأفريقية وأحد مؤسسي منظمة الوحدة الإفريقية. أصبح منذ مارس من عام 1952 رئيسا للوزراء، وتوصل من خلال المفاوضات مع بريطانيا إلى دستور عام 1954 الذي كرّس الوحدة الوطنية وصار بموجبه جميع الوزراء من الأفارقة. وفي عام 1957 وافقت بريطانيا على استقلال غانا التي كان يُطلق عليها ساحل الذهب. وفي مايو 1960 أجري استفتاء شعبي أسفر عن إعلان جمهورية غانا وانتخاب نكروما أول رئيس للجمهورية المستقلة.
وبينما كان الوالد يجاذب فاطمة أطراف الحديث، أطلّ رفيقها مسعود، فأكرمه الوالد أيضا، وبدأ بتعريف نفسه فشرع بالقول أنه من غانا أيضا، وهو مسلم وسيذهب أخاه في هذا العام لإداء فريضة الحجّ. وبعد أن أصغى قليلا إلى حديث الوالد عن نكروما، استغرب مسعود وفغر فاه متعجبا من هذا الخليجي الذي هبط إلى أعماق الذاكرة الغانية، وعاد لهم بنكروما الذي توفي في عام 1972 في رومانيا التي وصلها بعد أن أطاح به انقلاب عام 1971. وقالت فاطمة أن الرئيس السابق لغانا يعود إلى ذات الأصل العائلي الذي تنحدر هي منه، وهما ينتسبان إلى القبيلة نفسها. ثم حان موعد درس الوالد في اللغة الفرنسية، فاستأذنهما بالمغادرة وبينما كان يهمّ بالخروج أردت أن أقبض على بقايا نكروما الذي تلامح أمامي في فاطمة ومسعود واستعاده الوالد في هذا اليوم اللندني الدافئ. فقلت لهما: يا فاطمة يا مسعود، انظرا إلى مرتادي الحديقة، إنهم لا يدركون عملكم في صياغة الجنائن والإشراف عليها. إنكم تكدحون من أجل سعادتهم، وهذا أمر وعمل أقرب إلى الصلاة وسيتقبّله الله منكم كما يتقبّل صلاة المؤمنين من عباده. فارتسمت على وجوههم ابتسامة عذبة ودافئة كانت أقرب إلى العرفان، وشكرا لي هذا الثناء. واستحسن الوالد ما صدر مني، فأملى عليّ النصّ الذي جاء في الفصّ الأول من المقالة.