HIS EXCELLENCY MOHAMMED AHMED KHALIFA AL SUWAIDI - ELECTRONIC VILLAGE - Spreading Knowledge
Arabic    

القهوة بين العياشي والسديري


2017-09-18
اعرض في فيس بوك
Category : all

 
 
 
 
"القهوة بين العياشي والسديري"
||| #محمد_أحمد_السويدي || #مقالات
للعرب مذاهب ومسالك في الحديث عن #القهوة، ولعلّ البدايات المبكرة في إفراد مؤلفات تناولتها كانت مع كتاب عمدة (الصفوة في حل القهوة) للشيخ محمد بن عبد القادر الجزيري (الجزيرة الفراتية في العراق)، وهو علامة ومؤرخ حنبلي عاش بين عامي 911-977هـ. وحققه ونشره لأول مرة شيخ المستشرقين الفرنسيين سلفستر دي ساسي (سنة ١٨٠٦ م).
وذكر فيه نصوصا رجّح فيها الوقت الذي عرف فيه العرب نقيع البنّ، أو على الأقل شيوعه وانتشاره، وكان ذلك من قبل الشيخ جمال الدين أبي عبد الله بن سعيد الذبحاني المتوفى سنة 875 هـ،، بالرغم من أن أول من ذكر البن كان الرازي في مسرده بكتاب الحاوي، ولكنه أورد ذكره كعلاج وكذلك فعل ابن سينا في قانونه.
أما الذبحاني فلقد سرد حكاية تولي الذبحاني الفتوى في (بر أفريقيا) فوجد أهلها يستعملون القهوة ولم يعلم بخاصيتها، وبعد عودته إلى عدن تعرّض إلى وعكة ألزمته الفراش فتذكر نقيع البن، وشربه فشفي من مرضه، وأدرك أن من خواصها أنها تنشّط البدن وتورثه خفة وعزما.
ثم صار #الصوفيون يستعينون بها ليتمكنوا من قطع طرفيْ ليالي عباداتهم الطويلة، ومن ثم ألفها الناس والفقهاء والعلماء، وبعد ذلك انتقلت إلى الحجاز وبلاد الشام ومصر قبل أن تعرفها أوربا في أوائل القرن السابع عشر من خلال الهولنديين الذين كانوا ينقلونها بسفنهم من ميناء مخا، ومن هذا الميناء ظهرت تسمية الموكا (المخا) لضرب من القهوة.
ثم وبعد ما يزيد قليلا على القرن ذكر #العياشي المتوفي في 1679م ـ 1090 هـ القهوة في رحلته، وسرد جوانبا من اختلاف أهل عصره في شأنها وانقسامهم بين محلّل ومحرّم لشربها.
فلقد كان حريصًا على مخالطة الناس خلال إقامته في الحجاز، وخصوصًا في مكة والمدينة وتدوين مشاهداته، والتنبيه على الظواهر الاجتماعية وتفشّي بعض السلوكيات. فنجده يتطرق بعين ثاقبة وبيده عدّة المؤرخ التي تتحرك في أرجاء المشهد وتقبض بعد تفحّصٍ على الأشياء ثم يبدأ بالتعليل والتحليل، ولقد أشار إلى كثير من الجوانب التي لم يشر إليها أقرانه من الرحالة والمؤرخين كشغف أهل الحجاز بالقهوة، وانتشار البُن في بيوتهم أو تفشي عادة الدخان، في القرن الحادي عشر الهجري.
ودخل في مناظرات مع مجموعة العلماء.
ويهمّنا في هذا المقام ما أورده من مناظرات في تحليل القهوة وتحريمها وما صار إليه أمر العلماء من تناولها، فمنهم من ذهب إلى أن شرب القهوة بذاته مباح خاصة إذا اقترن بالإعانة على السهر في العبادة أو المطالعة الليلية، أما إذا اقترن شربها بإتباع الأهواء و (لهو حضور من لا يحل حضوره من الجواري) فهي في حق هؤلاء محرمة.
وتناول أيضا الخلاف في (شراب يتخذ من قشور البن)، وتوسّع إلى الشطرنج، وتعامل معهما بحسب نتائجهما وطبيعة استعمالهما، فالتحريم عنده لا يكون لذاتهما، بل بحسب استعمالاتهما..
أما التدخين فلقد قال العياشي بضرورة تحريمة متفقا مع كثير من فقهاء عصره. ولكنه كتب في نبرة متشائمة (ولم يزل الأمراء مجتهدين في قطعه ومع ذلك فلا يزاد إلا شهرة)..
ولكن ما أن أقبل القرن العشرين حتى أصبحت القهوة في الخليج شرابا لا محيد عنه، وارتبط بمجموعة من العلاقات والقوانين التي دخلت في صلب النسيج المجتمعي لسكان المنطقة، فيذكر الوالد أن إيران شرابها الشاي الذي قوامه السكّر، وإبان الحرب العالمية الثانية كانت بريطانيا تقوم على تأمين المؤونات بنظام البطاقة للخليج وكان السكر على رأس أولوياتها، وهو الأمر الذي لم يكن يتوفّر في الجهة الأخرى من الخليج، فكان ذلك سببا في رواج تجارة تهريب السكر إلى إيران، فالكيس الذي كان يبلغ ثمنه مئة روبية كان يُباع بألف.
والسبب في ذلك يعود إلى أن أهل الخليج أهل قهوة وتمر، وكان الخليجي، وخصوصا البدوي يكتفي بحمل قبضة من هذه الحبوب في رحلةٍ قد تطول أو تقصر، فكأنه كان يحمل معه قبضة من الذهب.
ولمحمد أحمد السديري الذي عاش بين عامي 1915_1979 في هذا المعنى قصيدة من عيون شعره قال فيها:
يا بجـاد شـب النـار وادن الدلالـي واحمس لنا يا بجاد ما يقعـد الـراس
ودقّة بنجـرن يـا ظريـف العيالـي يجذب لنا ربعن على اكـوار جـلاس
وزلـّه ليامنـّه رقـد كـل سـالـي وخلّه يفـوح وقنـن الهيـل بقيـاس
وصبـّه ومـدّه يـا كريـم السبالـي يبعد همومـي يـوم اشفـه بالانفـاس
فنجـال يغـدى مـا تصـور إببالـي روابعن ناخذ بهـا اخمـاس واسـداس
والقصيدة مبنية في وزنها وغرضها على قصيدة ذاع صيدها منذ القرن التاسع عشر للشاعر دغيّم الظلماوي الذي عاش في منطقة حائل في فترة حكم آل رشيد، والتي قال في بعض أبياتها:
ياكليب شب النـار ياكليـب شبـه عليك شبة والحطب لـك يجابـي 
وعلي أنـا ياكليـب هيلـه وحبـه وعليـك تقليـط الـدلال العذابـي 
وادغث لها ياكليب من سمر جبـه وشبة الي منه غفـى كـل هابـي 
باغـي ليـا شبيتهـا ثــم قـبـة تجلب لنـا ربعـا سـراة غيابـي 
بنسريـةً ياكليـب صلفـا مهـبـه لاهب نسناسـه تقـل سـم دابـي 
سـراة ليـل وناطحيـن مهـبـه متكنفيـن وشوقـهـم بالعـذابـي 
الوالمـة ياكليـب عجـل بصبـه والرزق عند اللي ينشى السحابـي
وقيل أن الأمير محمد بن عبد الله بن علي الرشيد بعد سماعه هذه القصيدة أقسم بأن لا يشتري دغيم الظلماوي القهوة مادام حيّاً وأن تأتيه هدية من إبن رشيد.
ولقد أخبرني الصديق صلاح أن هذه القصيدة كان يسمعها مُغنّاة بالطور البدوي من جده الذي ولد في عام 1872 وكان من ملازمي ابن هذال من شيوخ قبيلة عنزة طيلة ستين عاما، وجال معه البوادي بين لوقا ولينا و عرعر ..
ولعلّها من أكثر القصائد التي عارضها الشعراء، وبعضهم مَن عاصر دغيّم ذاته، منهم الشاعر حسن التبيناوي الشمّري الذي كتب:
يا حسين شب النار يا حسين شبّه بقصيصةٍ ما به دبيبٍ و دابي
باغٍ إلى شبيتها ثم قبّه قلّط ثلاثٍ ميرها بس دابي 
من مير سلطان العرب جبت حبّه واللي تبقى يلحقونه حبابي
كما عارض القصيدة الشيخ سعد بن مسعد الأيدا بقوله:
يا عيد شب النار يا عيد شبّه قلّط دلالٍ .. مكرماتٍ تعابِ
وإسمك ركون البيت وإذروا مهبّه إن هبّت الشمطا .. علينا إنحطابِ
إقصر بماها .. ثم زيدوا بحبّه يصبغ على الفنجال .. لون الخضابِ
ردها على المجلس .. بلطف و محبّة فنجالها يجلا .. عن الوجه غابي
ومن أشهر من عارضه أيضا الشاعر القبالي التميمي راعي قصر العشروات وهو من حاضرة قفار ولقد اشتهر بالكرم أيضا، بقوله:
يا علي شب النار يا علي شبّه لا مال في مشمرخات الهضابِ
باغٍ إلى .. شبيتها .. وإضلهبّه قلّط ثلاثٍ .. لونهن كالغرابِ
حنكيّةٍ ... ما ينفعه لو نربّه بلغودها تلقى ... سنا النار صابِ
يللي تقول: النار ... كلٍ يشبّه الفرق بالمنبا ... ولينَ الجنابِ
زادك و ميسورك و لين المحبة أخير من كبشٍ.. سمينٍ يجابِ
ومن القصائد التي سمعتها من جدّة صديقة لنا، قصيدة يتحاور فيها الشاعر مع قهوته، فيقول:
البارحه نوم الملا ما هناني وأصبحت كني واحد لاحقه دين
من دلة فـنجا لها ما هياني حرقه ولا ادري ويش الأفكار يا حسين
فردت القهوة عليه قائلة:
يابو علي لومك على اللى قلاني لا زين الحمسه ولا لقط الشين
ادفق سريبه والخمر ما يدا وكثر وقيده من قضى يابس وزين
وكثر من المسمار والزعفراني وشوي هيل مع طيوب ارش العين
وأنا الذي من ذاقني ما سلاني وأنا الذي اجمع بشمل المحبين.