Electronic Village
نص البحث
Arabic    

في مجلس الوالد...


2017-05-03
اعرض في فيس بوك
التصنيف : أخرى

 

في مجلس الوالد...
السيدة سو سيلر

امرأة في الثامنة والسبعين، دخلت يتقدّمها إرث يمتدّ لما يزيد على الأربعة عقود من الزمن، شعرها قد وخطه البياض وقامتها فقدت بضع سنتيمترات وصوتها يستدعي المنجّم بيل سرّوبي للحضور ووجهها الذي عملت به آلة الزمن يخبئ الكثير من القصص والأخبار.
إنها السيدة (سو سيلر) السكرتيرة التي عملت مع الوالد في لندن قبل قيام دولة الاتحاد.

استقبلناها اليوم في مجلس الوالد في لندن، وبدت لبرهة كما لو أنها جاءت من كتاب قديم أو كمن خرج من جبّ، بعد طول عهد بآخر لقاء جمعها بالوالد.

شعرت وأنا أتطلّع إليها بما كانت تقصده من مفردة المصادفات التي قادتها للعمل مع الوالد، إنها ضرب من المواقف التي تكرّرت في حياتها مرّات عديدة، وتلك المصادفات هي من صنعت المرأة التي تنتصب الآن بمجلس الوالد وتنهض وفي صوتها أجيال من الحكايات التي لن أدعها تنفرط، بل سأبادر إلى تدوينها والقبض عليها.
أول تلك المصادفات هو تقدمها للعمل إلى السيّد ألفريد جورج العامل شركة استشارات هندسية تعمل في أبوظبي أشرفت على تجهيز أول مكتب تمثيليّ لإمارة أبو ظبي في لندن في يوليو 1968، وكانت من ضمن مرشّحين آخرين للوظيفة بسبب شغفها بالعمارة، ولكنّها فوجئت بوظيفة ما خطرت لها على بال، وهو العمل لدى إمارة قيد النشوء وأوّل إتحاد عربيّ قيد التشكّل، قالت لمّا دخلت المكتب أوّل مرّة: لم يكن هناك شيئا لا آلة كتابة ولا أوراق ولا أقلام ولا مدير فقط بضع مزهريّات وتليفون يتيم.

كان أوّل عهدها بالعمل عندما التحقت بمتجر هارودز الشهير، كان العاملون ملزمين بارتداء الملابس السوداء والوقوف طيلة ساعات العمل لقاء أجر لا يزيد على الثلاثة جنيهات وثلاثة وثلاثين شلناً.
قالت: بدأت العمل في محلات هارودز في السابعة عشرة من عمري وكانت تلك أولى تجاربي واستغرق العمل هناك قرابة الأشهر الثلاث، وذات مرّة أعادوني إلى البيت لأنني كنت أرتدي حذاء أحمر، ولكنني تعلّمت من تلك التجربة الصبر على أطياف من الزبائن يفيض بهم هارودز من مشارب مختلفة ومتعددة.
كنت أصغي إليها وأنا أفكّر أن عملها كان يشتمل على نوعٍ غير منظور من الترويض للبؤة، كان عليها أن تصدّق تلك المقولة الحصيفة: الزبون على حقّ دائما، حتى لو كان البائع من برج الأسد مثل السيدة سو سيلر.
كان عملها اللاحق في المكتب التمثيلي لإمارة أبوظبي في مرحلة كانت فيها أبو ظبي ممثّلة بالشيخ زايد بن سلطان (رحمه الله) على وشك أن تقود مجموعة من الإمارات الصغيرة إلى اتحاد قويّ في زمن قيادة تاريخية انتقلت بها من الفقر إلى الغنى، وكان أن تقاطعت أثناء عملها مع أحداث كثيرة وشخصيات هامّة جعلت بصبرها ودأبها أبو ظبي والدولة عموما على الصورة التي تبدو عليها الآن.
عملت السيدة سو سيلر مع والدي بين عامي (1968 _ 1981) في المكتب التمثيلي لإمارة أبوظبي وبعد ذلك في سفارة دولة الإمارات في 30 شارع برنسيس جيت والتي تمّ شراؤها في 1970، قبل أن تترك العمل وتسافر في صحبة زوجها صوب نيوزيلندا. كان مبنى السفارة قالت سو يحتاج إلى صيانة كاملة لأنه كان مهجورا وما كان إلاّ مسكنا للحمام.
أما زوجها السفير السابق جيم تريدول سفير بريطانيا في أبوظبي (1968-1971) فلقد قادتها إليه مصادفات من نوع آخر، مصادفات لا يقّدرها إلاّ من يحسن قراءة الأبراج، فلقد التقته أثناء عملها في ذات المكتب التمثيلي لإمارة أبو ظبي.
ومنذ البرهة الأولى التي قدّم بها نفسه باقتضاب وتهذيب بالغين شعرت أنه سيكون رجل حياتها.
"إنّني مدينة لكم على الفرصة التي منحتموني"، قالت ذلك وهي تلتفت جهة الوالد وقالت له: فلولاكم لما التقيت جيم. فهو لم يكن في سلوكه شبيها بالسلوك المتعجرف الذي يظهر على رجالات الدبملوماسية والعاملين في الخارجية البريطانيّة على وجه العموم، قبل أن تأتي تاتشر وتنتف ريش الطواويس عن رجالات السلك الديبلوماسي على حدّ قولها.
لقد كان الرجل في غاية من اللطف والكياسة والتهذيب، وعندما صار بمواجهتها قال بهدوء: مرحبا سيدتي، أنا جيم تردول.
التقت السيدة سو سيلر بالوالد لآخر مرة عام 1996، في السّنة التي عقد فيها معالي محمد الحبروش على بنت العم عبد الله بن شيبان رحمه الله. وها قد مضى عقدان على ذلك اللقاء، ولكنها عندما حضرت اليوم فإنها لم تشأ أن تصل دون أن تصطحب ذاكرتها معها، فحملت الصور هدية عن ذلك الماضي البعيد الذي أعاد ترتيب حياتها الداخلية، سواء على المستوى الوظيفي أو العائلي.
كانت صورا تدّخر الكثير من الذكريات والأزمنة الجميلة والأمكنة الرائعة، بعضها تناول زيارة الوالد إلى رحيم يار خان في باكستان في يناير 1971 مع زوجها السفير جيم تريدول للقاء الشيخ زايد، وصور مع الشيخ زايد، ومجموعة أخرى في المعرض الكبير في أوساكا اليابان 1970، الذي كانت له أهمية كبرى بسبب أن اليابانيين كانوا يدركون على وجه اليقين أنهم أمام المسؤولين الذين يمثّلون الآفاق المستقبيلية لإمارة نفطية واعدة، لذا فقد نظّم مدراء الشركات النفطيّة في اليابان لقاء للوالد ومرافقيه مع رئيس الوزراء ووزير الخارجيّة ووزير الماليّة وغيرهم.

كما اشتملت المجموعة على صور تعود إلى عام 1969 تجمع زوجها بالشيخ زايد، وأخرى للشيخ محمد بن خليفة ولعبد الرحيم المحمود، والسير وليم روس، وجفري آرثر القنصل المقيم في البحرين، قالت سو وهي تسمّي الأشخاص في الصور بمسميّاتهم: لقد شخت وما شاخت الذاكرة، كان هناك صورا لعلي الشرفة وصورا لخلف العتيبة وهلال المنصوري وللوالد مع أحمد المسعود ، وأخرى للوالد مع جيشا (يابانيّة) عجوز، كان الوالد يتفرّس في الصور وعندما بلغ الصورة التي تجمعه بالجيشا اليابانيّة قلت: كلّما كانت الجيشا أهرم، كلّما كانت على حدّ زعمهم أفخم. وإذا اراد اليابانيون أن يبالغوا بإكرامك فإنهم يحيطون حضورك بصفّ من الجيشا، وتذكّرتُ أن ذات الموقف حدث معي أثناء زيارة رسمية لليابان وكنت رئيسا للوفد، وفي وجبة عشاء فخمة دفعوا إليّ بامرأة نغصّت عليّ تلك السهرة. قالت سو سيلر: وزار الشيخ زايد مكتبنا في بوند، وذهب بعد ذلك في رحلة صيد مع ابنه الشيخ خليفة بن زايد إلى اسكتلندا وأقام في قطار معدّ له هناك.
سألها الوالد عن زوجها جيم، فأطرقت لحظة قبل أن تقول: لقد توفي قبل خمس سنوات، ولو عاش لكان بلغ الآن الخامسة والتسعين، لقد مرض في آخر عامين وتولّيت رعايته حتى وفاته.
كان لتلك الصور وما استدعته من ذكريات وحالات أثرا في استعادة الوالد للكثير من الذكريات القديمة، وأراد أن يلاطفها فقال: كان الرجال في رحلة باكستان معجبين بك يا سو.
فقالت وهي تبتسم: نعم، فلقد كنت أغطّي ذراعيّ، ولكنني في الوقت ذاته أرتدي فستانا قصيرا. ثم أردفت ضاحكة: لعلّهم كانوا معجبين بركبتيّ.
كان الحديث عن زوجها مناسبة لاستدعاء أحد الأحداث التي سردها بما يقتضيه الموقف من دعابة فلقد اقترح عليهم زوجها جيم زيارة مدينة كجرات في باكستان، قائلا لهم: ستشاهدون فيها أجمل فتيات باكستان، قالت: وقصدنا كجرات مسترشدين برأي جيم، وإذا بنا لا نرى أو نصادف إلا المنقبات من النسوة، فالغالب على نساء كجرات أن يكنّ من رهينات البيوت، فلا يكدن يخرجن إلاّ للضرورة.
ثمّ انتقلنا مع سو والوالد إلى طاولة الطعام التي كانت تزخر بأصناف مختلفة من الأطباق ومختلف الأسماك وبسلطة أعدّها السيّد بو وطفة دسّ فيها البلسمك مع دبس التفاح فسألت سو أيّ مطبخ من مطابخ العالم تفضّل فقالت فورا: أحب الأسماك وخصوصا تلك التي بلا عظام فعرفت أنّ الوالد أمر لها بما تشتهيه نفسها وما تحبّه.
وبعد أن انتهينا من وجبة الغداء تناولنا القهوة والشاي فتحدّثت سو وقالت: إنها دخلت مكتب تمثيل أبوظبي الكائن في 72 نيو بوند ستريت لأول مرّة قبل 47 سنة، وكان مقفرا إلا من هاتف بدا وحيدا في ذلك اليوم. ولم تكن قد التقت بعد بمديرها السيد أحمد العبيدلي فلقد كان في أبوظبي.
لقد كان هذا المكتب جزءا حقيقيا وراسخا من تاريخ أبو ظبي قبل أن تنضج فكرة الاتحاد، ولقد زاره الشيخ زايد عام 1968، وفي العام التالي وصل الشيخ زايد في أوّل زيارة رسمية لبريطانيا، وأقام في ذلك الحين في جناح أوليفر ميسر في فندق (الدورشستر)، قالت سو: وعندما رآني لاول مرّة قال مداعبا: لو علمت بوجودك هنا لبكّرت بالمجيء.
كان المكتب يتعامل مع كلّ متطلبات حكومة أبوظبي ويتابع شؤون الزوّار والطلاّب والمرضى والجيش وازدادت إثر ذلك وتيرة التوضيف فالتحق كثير من الموظفين الجدد بالمكتب، قالت سو في ذلك العام وضعت الشيخة شمسة إبنها البكر في هامستيد.
كان أمد زيارته الرسمية ثلاثة ايام (الخميس-السبت) يوليو 1969، قبل أن تمتدّ لتصبح ثلاثة اسابيع.
في اليوم التالي (الجمعة) على الزيارة دعت الملكة اليزابيث الشيخ زايد والوالد والشيخ حمدان بن محمد إلى وجبة غداء، يقابلهم على الجهة الأخرى من الطاولة الملكية الملكة اليزابيث وزوجها فيليب والأميرة آن.
واختممت الزيارة بمشاهدة ترووبنج اوف كولور أي استعراض الألوان وهو عرض للحرس الملكي يقام بمناسبة عيد ميلاد الملكة.
وكان اللقاء قد اكتسب هذا المستوى من الأهمية لما تمثّله أبو ظبي من قوة اقتصادية بسبب حجم العائدات النفطية التي ترد من الإمارة.
كان الوالد والسيدة سو سيلر يتناوبان سرد حديث الذاكرة عندما توقفت لبرهة وهي تستعيد أمرا لطالما كانت تواجهه كلما أرادت أن تستخرج فيزا زيارة للوالد، فلقد كان تاريخ ميلاده يشير إلى عام 1937 وهو عام ميلادها ذاته، وكانت كثيرا ما تسأل: كيف حدث أن تكوني بعمر مديرك يا سو سيلر؟. ثم سألت الوالد إذا كان عام 1937 هو عام ميلاده.
فرد الوالد وهو يحتفظ بابتسامة: وكيف تريدينني يا سو أن أكون متأكدا من السنة وأنا مولود في خيمة بمدينة العين؟.
ثم تناولت تلك الفترة من تاريخ الإمارة وتحديدا اوّل زيارة للأمم المتحدة وكان الوفد ممثلا في كل من محمد بن عبد اللطيف (من مكتب القصر)، والسيّد عدنان الباجه جي والسيدة سوزان سيلر.
وكانت الزيارة الثانية للأمم المتحّدة في نوفمبر-ديسمبر 1971 برئاسة معالي محمد الحبروش ومرافقيه عدنان الباجه جي وسو سيلر كسكرتيرة، وتمّ يومها التصويت على الإمارات العربيّة المتّحدة كعضو في الأمم المتّحدة، وكان يوثانت البورمي 1961-1971 هو الأمين العام حينها.
وفي الزيارة التالية في سبتمبر 1972 كان الوفد برئاسة الوالد الذي القى خطبة عصماء باللغة العربيّة في مبنى الأمم المتحدة. والتفتت إليّ السيدة سو لتقول وهي تحاول أن تشدّد على كلّ حرف: لو كنت قد سمعتها يا محمد ستكون فخورا بوالدك. وتذكر سو أنّ نوّاف ذياب خرج مع الوالد وعبد الرحيم المحمود وفرانكي هيرد ومعها في العطلة الأسبوعيّة لجولة مذهلة في اللونج آيلاند التي يعرفها جيّدا،
ثم قالت بمرارة ظاهرة: عندما آن التقاط صورة تحت علم الإمارات خارج مبنى الأمم المتحدة تجمع الوالد ووفده المرافق مع الأمين العام للأمم المتحدة، كنت أقف إلى جانب عدنان الباجه جي الذي حرص على دفعي بعيدا حتى لا يظهر وجه امرأة انجليزية تحت علم الإمارات.

 

الرئيسية | الأخبار | اتصل بنا | خدماتنا | عن الشركة | تطبيقات الجوال

جميع الحقوق محفوظة © 2016 - القرية الإلكترونية - أبو ظبي