نص البحث
Arabic    

رحلة البحث عن شجرة عود الأجار (العود الهندي) (2)


2017-04-13
اعرض في فيس بوك
التصنيف : أخرى

رحلة البحث عن شجرة عود الأجار
(العود الهندي) (2)
في إطار مشروع ((ارتياد الآفاق))، وبتكليف من الشاعر/ محمد أحمد السويدي، ستصدر قريباً سلسلة من الرحلات الاستكشافية والثقافية الحديثة، ومن هذه الرحلات (( البحث عن شجرة عود الأجار )) في الهند التي يستخرج منها دهن العود، قامت بهذه المهمة بعثة استكشافية مؤلفة من الدكتور سعدي الحديثي باحثاً تاريخياً، والدكتور عبد الناصر الجفري باحثاً علمياً، وراجا بالاكرشنان كاتباً ومصوراً، يساعده في التصوير محيي الدين كويا. ونعرض في ما يلي موجزاً عن وقائع الرحلة بقلم راجا بالاكرشنان,

وفي أثناء ذلك، وصل الدكتور جوجوي من منطقة جولاجهات وهي تبعد نحو (400) كيلومتر من هوجاي؛ وهو يعمل أستاذاً ورئيساً لقسم علم النبات في كلية دبراج روي. وحدثنا الدكتور جوجوي كثيراً عن تاريخ شجر الأجار قائلاً: إن الأجار قد استعمل منذ أكثر من ثلاثة قرون مضت، وبأن أحد الملوك ويدعى كومار بهاسكر فيرما قد أهدى عود الأجار إلى الرحالة الصيني هيروني تشينج وروى لنا قصة مفادها أن الملك رفض إرسال العود إلى الخارج بشكل منتظم. وعندما ألح الصينيون في طلبه رد عليهم الملك بأن عود الأجار يجب أن يبقى داخل البلاد ولا يعطى للآخرين. وهناك أيضاً قصة أخرى وردت على لسان المؤلف كاليداس في كتابه المعروف ((شاكونثالا)) وهي زوجة الملك التي اشتهرت بجمالها الباهر ، ويحكى عنها أنها كانت تقوم بخلط مسحوق الأجار وخشب الصندل ومعجون الحليب لعمل مزيج تقوم بدهن وجهها وجسمها به لاستمالة زوجها، كما كانت تقوم أيضاً بحرق عود الأجار والتطيب بعطره لنفس الغرض، ويروى أيضاً أن المغول كانت تستهويهم رائحة دهن الأجار لدرجة أن ممتاز محل زوجة شاجاهان عندما توفيت ودفنت في قبرها الشهير في تاج محل، تم حرق أفضل أنواع العود على قبرها حتى تشعر روحها بالسعادة الدائمة، كما تقول الروايات.

كما أوضح الدكتور بادمسوار جوجوي، كيف كان لحاء شجر الأجار يستخدم كأوراق للكتابة، وذلك بعد غمسه في مادة كبريتية حمضية تعطي الورق اللون الأصفر وتساعد على حفظه لآلاف السنين. وعرض علينا إحدى تلك الأوراق، وقد كتب عليها قبل (200) عام، وأدهشنا أنها مازالت محتفظة برونقها وكأنها جديدة، إضافة لذلك فإن الحبر المستعمل كان يتم صنعه من النباتات الطبيعية، مما يكسبه خصائص معينة، يصعب معها إزالته أو محوه حتى باستخدام أقوى أنواع المواد المزيلة. وفي حقيقة الأمر، أننا عرفنا أشياء كثيرة عن تاريخ عود الأجار. أخبرنا الدكتور أيضاً أن هناك شجرة للأجار يرجع عمرها إلى (120) عاماً مضت، وأنه يتوجب علينا مشاهدتها على الطبيعة بأعيننا لتصديق ذلك. عدنا إلى دار الضيافة في وقت متأخر، وتناولنا طعام العشاء، ثم ذهبنا للنوم.

وفي الواقع، إنني لم أستطع النوم لانشغالي بأمر تلك الشجرة الكبيرة، وظللت أفكر في كيفية مشاهدتها وتصويرها، وما هو السبيل إلى ذلك في ظل الإجراءات الأمنية الموجودة التي لم تكن تمثل مشكلة لي شخصياً، وإنما لمن هم في صحبتي، أقصد السيدين الآخرين. وأخيراً قررت أن أبقي هذا الأمر معلقاً حتى يحين الوقت المناسب. في اليوم التالي خططنا لزيارة المصنع، بعد أن تم نقل جثمان المتوفى إلى بلدته، ولم يعد هناك ما يشغل المشرفين المسؤولين عن تلك الصناعة فتوجهنا إلى هناك.
يتم تصنيف خشب الأجار الذي تم جمعه إلى نوعيات وبعد ذلك يحمل على الشاحنات وفقاً لهذا التصنيف، علما بأن النوعية يتم تحديدها بناء على درجة إصابة الخشب بالعدوى. قابلنا السيد أنور مدير المصنع وهو رجل على دراية تامة بكل ما يتعلق بخشب ودهن الأجار، و قد تفضل مشكوراً بتقديم شرح مفصل عن المراحل المختلفة لصنع دهن الأجار، وكيفية العثور على العود في الأشجار.

أغاني السهر
خلال فترة التصنيع ترى العاملين في هذا المجال ينشدون الأغاني، وفي بعض الأحيان يقومون بتلاوة القرآن الكريم، كي يظلوا في حالة يقظة دائمة طوال الليل. وفيما يلي نموذج لإحدى هذه الأغاني:
في منتصف الليل ....
عندما يكون الجميع نياماً ملء جفونهم
تجدنا نعمل محاولين البقاء في حالة يقظة..
وذلك لكي ينعم الأغنياء بالعطر الجميل
الذي جاء نتيجةً لجهدنا وعرقنا...
إن معظم أهالي القرية لا يعرفون سوى هذه المهنة التي يعملون فيها منذ أجيال عديدة، وسوف يستمرون في العمل فيها طالما بقي الطلب على الدهن والعود مستمراً. يتم طحن بقايا الخشب المغلي وتحويلها إلى مسحوق يتم استخدامه في صناعة أقراص عطرية (تستخدمها النساء عادة)، وكذلك عيدان البخور التي يتم لفها يدوياً على أعواد (لاستخدامه في طقوس العبادة في الديانة الهندوسية والبوذية). كنت شديد التلهف لرؤية الشجرة البالغة (120) عاماً، ولذلك خططنا لمغادرة هوجاي في المساء دون اصطحاب الدكتور عبد الناصر والدكتور سعدي تفادياً للقيود الأمنية.

كان علينا قطع مسافة (400) كيلومتر لمشاهدة تلك الشجرة، تحركنا في الساعة (6) مساءً ونحن في حالة من القلق، وحتى حلول الظلام لم يكن هناك ما نخشاه، ولكن بعد أن قطعنا مسافة (100) كيلومتر، استوقفنا رجال الأمن واستفسروا عن هويتنا؛ وأثناء دخولنا مدينة جولاجا، استوقفنا رجل شرطة دون أن يقترب منا خشية أن نكون من الإرهابيين، وطلب منا الترجل من السيارة واضعين أيدينا خلف ظهورنا، وبدأ يطرح علينا العديد من الأسئلة، ولكن نظراً لكوننا هنوداً ونستطيع التكلم اللغة نفسها، استطعنا إقناعه وتجاوز الموقف.
وأخبرنا المرافقون أن "الإرهابيين" أنفسهم يرتدون ملابس شبيهة بملابسنا للحصول على المعلومات، كما أنهم أكثر قوة من الحكومة، لما لديهم من أسلحة متطورة مما يجعل رجال الشرطة يخشونهم. وفي نهاية الأمر وصلنا إلى بيت الضيافة في الساعة الثانية صباحاً وقضينا الليلة هناك.

الشجرة المعمرة
في صباح اليوم التالي، اصطحبنا الدكتور جوجاي إلى مكان الشجرة البالغة (120) عاماً. كانت الشجرة كبيرة حقاً، ومحاطة بأشجار أخرى صغيرة نمت من بذورها، كانت الشجرة مصابة بالعدوى، ولكن لم يتم قطعها بسبب بعض المشاكل في المنطقة، طُلِبَ منا عدم إضاعة الوقت في هذا المكان لما فيه من خطورة، مما جعلنا نسرع بالتصوير والانتقال إلى مكان آخر بحثاً عن أشجار أخرى للأجار.
دخلنا إلى مقبرة بها العديد من أشجار الأجار، لا يزيد عمرها على (30) سنة، ولاحظنا وجود نباتات زاحفة تغطي أرض المقبرة، ووجدنا العديد من أشجار الأجار المصابة بالعدوى، وبالسؤال عن السبب الذي لم يجعلهم يقطعونها، علمنا أن مثل هذه الأشجار لا توفر أنواعاً جيدة من العود، كما أنها عتيقة ولا تصلح لإنتاج دهن العود.
كانت خطوتنا التالية هي الدخول إلى غابة نامبار وهي عبارة عن محمية طبيعية كثيفة مساحتها 65015 فداناً، وأتيحت لنا فرصة التحدث إلى الضباط المسؤولين عن الغابة الذين كانوا يتحاشون إعطاءنا معلومات أثناء التصوير، ولذلك تظاهرت بالنظر بعيداً عن الكاميرا، وتركتها تسجل الصور تلقائياً. أخبرنا الضباط أن الغابة مكان خطير للغاية نظراً لوجود ((الإرهابيين)) ومهربي الأجار الذين يقتلون الحيوانات، ويصطادون الطيور، وهم لا يأمنون على حياتهم إلا بعد الخروج من الغابة.
سرنا داخل الغابة قرابة (5) كيلومترات مما جعلنا نشعر بالعطش الشديد، ولم يكن معنا ماء؛ عندئذ قام الدكتور جوجاي بقطع فرع من أحد أنواع النباتات المتسلقة، وطلب منا أن نشرب من السائل الذي بداخله، كان طعمه طيباً، مما أطفأ ظمأنا. في أثناء السير مررنا بالقرب من شلالات بديعة المنظر، استوقفتني لتصوير جمالها. قضينا هناك بعض الوقت إلى أن جاءنا أحد المرشدين قائلاً إن علينا مغادرة المكان لأنه سمع صوت حيوان، فعدنا أدراجنا، وأدهشتنا رؤية آثار أقدام أفيال متوحشة، ونمر بنغالي لم نرها عند دخولنا الغابة.
أسعار
يتراوح السعر ما بين ( 4000- 15000 دولار) للكيلو الواحد، وهناك أساليب مختلفة يتم فيها خلط العود مع أخشاب عادية مما يخدع العديد من الناس، أدهشني أن معظم التجار كانوا يتجنبون إجراء مقابلات معنا بسبب مشكلاتهم مع الحكومة من جهة، وعدم رغبتهم في إطلاع الآخرين على التكلفة الحقيقية وأسعار البيع من جهة أخرى، وخصوصاً أن معظم زبائنهم من الدول العربية (دول الخليج تحديداً). غادرنا مومباي بتاريخ الأول من مارس / آذار 2000م، على طائرة الساعة الثالثة بعد الظهر، ووصلنا إلى دبي في الساعة التاسعة مساءً. ولسوء الحظ، فإن حقائبنا التي تحتوي على كل ما أنجزناه من عمل، لم تصل معنا على نفس الطائرة، وبعد يومين من المعاناة والقلق، وصلت الحقائب أخيراً، كنا كفريق عمل نشعر بسعادة غامرة لما حققناه من إنجاز لم يستطع غيرنا تحقيقه من قبل، ولا أظنهم سيحاولون ذلك في المستقبل القريب.

 

الرئيسية | الأخبار | اتصل بنا | خدماتنا | عن الشركة | تطبيقات الجوال

جميع الحقوق محفوظة © 2016 - القرية الإلكترونية - أبو ظبي