HIS EXCELLENCY MOHAMMED AHMED KHALIFA AL SUWAIDI - ELECTRONIC VILLAGE - Spreading Knowledge
Arabic    

في طلب الناقة البجاوية - رحلة إلى سوق دراو


2017-04-13
اعرض في فيس بوك
Category : مشروعنا أدب الرحلة

 

 



في طلب الناقة البجاوية «رحلة إلى سوق دراو»


(الجزء الأول)

ندعوكم لمطالعة هذه الرحلة التي قام بها الباحث بالقرية الإلكترونية / محمد السقا، بمبادرة وتكليف من الشاعر الإماراتي/ ‫#‏محمد_أحمد_السويدي عبر رحلة إلى دراو لتقصي آثار الناقة البجّاويّة التي اتّخذها أبو الطيب مطيّة في طريقه من مصر إلى الكوفة. ومدحها بقوله:
أَلا كل ماشيـــة الخـيزلـى ** فـدا كــل ماشيـة الهيذبى
وَكُلِّ نَجَاةٍ بُجَاوِيَّةٍ خَـنُوفٍ ** وَمَـا بيَ حُســنُ المِشَــى
وَلَكِنّهُنّ حِبَـــالُ الحَيَــــاةِ ** وَكَيدُ العُداةِ وَمَيْطُ الأذَى

ننشرها تباعاً على حلقتين ضمن مشروعنا #أدب_الرحلة نرجو أن تحوز رضاكم.
____________________
طرف الخيط
في طريق ضيق غير ممهد يبعد عن مدخل مدينة دراو بحوالي خمسمائة متر، يمر بين عدد من المنازل المتناثرة التى لا تعلو لأكثر من طابقين، يوجد أكبر سوق لتجارة الجمال في مصر، وهو المعبر الثاني -بعد سوق شلاتين- لدخول الجمال إلى مصر.
كانت نبرات صوت الشاعر والمفكر/ محمد أحمد السويدي، كفيلة باستنفار مكامن الطاقة في نفسي لإنجاز المهمة التي كلفني بها، اهتمامه بالمتنبي وعصره جعل كل التفاصيل المرتبطة بالمتنبي تبدو كأيقونات تحتاج إلى تنشيط، أهداني طرف الخيط عبر قصيدة لأبي الطيب المتنبي ذكر فيها "الناقة البجاوية" ووصفها بوصف مميز حيث يقول:

أَلا كل ماشيـــة الخـيزلـى ** فـدا كــل ماشيـة الهيذبى
وَكُلِّ نَجَاةٍ بُجَاوِيَّةٍ خَـنُوفٍ ** وَمَـا بيَ حُســنُ المِشَــى
وَلَكِنّهُنّ حِبَـــالُ الحَيَــــاةِ ** وَكَيدُ العُداةِ وَمَيْطُ الأذَى

المهمة إذن هي تقصي آثار الناقة البجّاويّة، أسرع الإبل في العالم على الإطلاق، تلك التي فرّ عليها أبو الطيب المتنبي من مصر، إلى العراق، في شهر ربيع الأول سنة 351هـ / 963م هرباً من كافور الإخشيدي. في رحلة استغرقت ثلاثة شهور.

خرج أبو الطيب ليلة عيد النحر بعد أن تظاهر بالاستعداد للتضحية، وكان قد اختار لنفسه أن يعلن عن عزمه بقصيدة مدح لزعيم من زعماء قيس النازلة في تلك الأيام بجوار بلبيس.
تروي الكتب كيف تدبر المتنبي شراء ناقة "بجاوية" جاءت من نواحي حلايب وعيذاب، كانت في ذلك العهد بمثابة سيارة دفع رباعي من أفضل طراز.
ليس هناك تاريخ محدد لدخول الجمل إلى منطقة البجاوة جنوب مصر وشمال السودان، فالإبل التي نشأت في أواسط آسيا، ثم دخلت الجزيرة العربية ثم وصلت إلى منطقة الشام ثم سيناء ومنها انتقلت إلى إفريقيا. إلا أنه من المؤكد أن الجمل قد دخل إلى تلك المناطق في تاريخ سابق لسنة 25 ق م فقد وُجد تمثال برونزي للجمل في مقبرة لحاكم تولى حكم "مروى" مابين 25 : 15 ق.م، وقد شاع استخدامه في العهد الروماني.

تواعدت مع الباحث مصطفى عوض، الذي صحبني في الرحلة كطفلٍ يحدوه الفضول؛ وافق فور علمه أننا سنذهب إلى أقصى جنوب مصر بالطائرة التي لم يكن ركبها في حياته من قبل، فهو أقرب ما يكون إلى ناسك يتعبد بين الكتب في مكتبة. استيقظت مبكراً، وخرجت من محافظة كفر الشيخ على ضفاف النيل في أقصى شمال مصر، وهاتفت مصطفى الذي خرج من محافظة الغربية وبعد أربع ساعات بالسيارة، التقينا عند مدخل مدينة القاهرة، استقلينا تاكسي العاصمة إلى مطار القاهرة، قطعنا المسافة في الاستماع إلى قصص السائق التي ترمي إلى زيادة بضع جنيهات على أجرته ليدخل بنا إلى داخل سور المطار فأعطيناه ما طلب. ودخلنا المطار. في يسر تمت الإجراءات، أعطتنا موظفة الخطوط الجوية المحلية وجبة الطائرة التي لم تكن أكثر من مياه غازية باردة، وأردفت أن الرحلة قصيرة، لن تزيد عن خمسة وأربعين دقيقة. حلقت الطائرة فوق المحروسة صوب الجنوب بمحاذاة نهر النيل الرابض في حُضْنِها كَذَكَرٍ يمنحُ أُنثَاهُ الحَيّاة. بمحاذاته تماما كان مسار الرحلة. وصلنا إلى مطار أسوان، لم نكن نعرف أن هناك مفاجأة بانتظارنا.. رفع المطار درجة استعداده إلى الحالة القصوى ، مطار أسوان الحربي الذي كان هادئاً وخالياً وكأن شيئاً غريبا يحدث، فهمست في أذن صديقي: هل نحن مهمون لهذه الدرجة؟ .. كان صوتي مسموعاً لضابط الجوازات الذي أخبرنا أن طائرة تقل نائب رئيس الوزراء ووزير الداخلية قد حطت للتو في مدرج المطار، فضلاً عن أن مجموعة من كبار الضباط والموظفين الحكوميين كانوا على متن الطائرة التي كنا عليها .. وعلينا سرعة إنهاء الإجراءات.. خروجي المبكر من منزلي وانشغالي بترتيب الرحلة، حجبني عن معرفة الأخبار؛ فلم أعرف سر وجود نائب رئيس الوزراء ووزير الداخلية في أسوان على وجه طارئ! .

الدبابودية والهوارية يتهاوشون

خارج المطار قاولنا سائق سيارة أسواني؛ ليقلنا إلى المكان الذي نريده قرب سوق مدينة دراو للجمال، كان وجه السائق بشوشاً ممزوجاً بالسمرة والطيبة، تبدو عليه أمارات النباهة ولباقته لم تكن غريبة على شاب حاصل على الليسانس في القانون، ولقمة العيش اضطرته للعمل كسائق.
سألنا: إن كنا سمعنا بماحدث؟، فأجبنا بالنفي، فأخبرنا أن ثمة مهاوشة تطورت إلى معركة بالأسلحة النارية بين قبيلتي" دابود" النوبية و"بني هلال" الهوارية بأسوان، بسبب أن طالباً في الثانوية العامة من الدابودية غازل فتاة في المدرسة تنتمي إلى قبيلة هوارة المعروفة بالعصبية، وأن إطلاق النار لم يكف منذ الصباح، وقد استمر نحو أربعة أيام، فيما قطعت الجموع الغاضبة الطريق الموصلة للقاهرة، وكذا توقفت حركة القطارات بين الصعيد والقاهرة وأسفرت المعركة عن سقوط مايزيد عن العشرين قتيلاً.

صرح ضخم وسط الصحراء

على مقربة من الطريق لفت انتباهي صرح عظيم يتم تشييده وسط الصحراء، سألت السائق عنه فأخبرني أنه مركز الطبيب المصري مجدي يعقوب الجراح الشهير، والذي أنشأه هنا بجهود ذاتية لخدمة أهل الصعيد بتقديم خدمات طبية عالمية بتكلفة متواضعة كعمل إنساني، فثمنته، فيما تمتم مصطفى بالدعاء له، والثناء على مصريته.

توصلنا لرجل يدعى كرار البشاري من قبائل بيجاوة، ويعمل تاجر جمال، وقد شرح لنا أن الجمال ثلاثة أنواع كان الرجل متعجباً من معرفتي بالأنواع التي ذكرها، والفضل يرجع إلى تلك المعلومات التي زودني بها الأستاذ / محمد السويدي- والأنواع الثلاثة هي :
جمال للحم للذبح والأكل. والنوع الثاني هي الجمال المعدة للزراعة والعمل في الحقول، والنوع الثالث وهي الجمال المعدة للركوب السريع والسباق وهذا النوع من الجمال هو الأغلى في ثمنه، يقدر البعض ثمنه بــما يقارب العشرون ألف دولار. ويؤكد أن الأنواع الثلاثة هي لجمال بيجاوة السودانية وهي تأتي من أماكن عدة من السودان ومنها إلى حلايب وشلاتين ثم إلى سوق "دراو" بأسوان جنوب مصر. والعجيب أن أهميتها في دراو أكبر بكثير من أهميتها في موطنها الأصلي حيث يفضل التجار المحليون والمستوردون الخليجيون أن يأخذوها من مصر وتحديداً من سوق دراو، وبعد الشراء وإنهاء إجراءات الحجر الصحي يمكن نقل الجمل بمعرفة البائع حتى الدلتا في شمال مصر ومنها إلى أحد الموانئ عبر سيناء أو البحر الأحمر، ومن ثمّ إلى دول الخليج عبر الشحن البري وحتى الجوي، يؤكد التجار أنهم يبيعون سنوياً عشرات الإبل البجّاويّة من نوعية جمال السباق إلى المهتمين بالنوق والجمال في السعودية وقطر والإمارات، وغيرها، وأن التسليم يبدأ في الدلتا بشمال مصر، أو في سيناء لقضاء فترة تدريب للجمل قبل سفره. ونادراً ما يكون التسليم في السودان. كان لقائي بـالعم /كرار البشاري فاتحاً لشهيتي لسبر أغوار المعرفة، من خلال زيارتي للسوق.

حفاوة الصعيد

على بعد ثمانمائة كيلو مترا من القاهرة، يقع سوق دراو،وكان اسمها قديماً بلدية دراو، وهي محاطة بجبال ومناطق صحراوية، تمتعنا بالنظر إليها، يسكنها أبناء قبائل سودانية، وقبائل أصولها من جزيرة العرب، كما يسكنها حضريون وعائلات نزحت من شمال مصر.
عند وصولنا كان في انتظارنا صديق قديم يدعى الحاج صلاح عثمان – من أبناء قرية الكواحلة التابعة لدراو، استضافنا في منزله الذي كان قد فرغ لبنائه، على الطريقة الشعبية سقفه من جريد النخل المكسو بطبقة من المشمع البلاستيك لمنع المطر، وصلنا مساء السبت في الخامس من إبريل عام ألفين وأربعة عشر، وبعد تناولنا لوجبة عشاء صنعتها زوجته بحفاوة، الخبز البلدي الذي يشتهر به أهل الصعيد، والجبن القديم، والملوخية الخضراء الساخنة، وتسامرنا قليلاً مع صاحب المنزل، والذي أعد لنا المبيت في ملحق زوده بالتليفزيون والتكييف الصحراوي والسقف الصاج. لم يكن الفراش وثيراً بقدر ما كان كريماً معي إذ وهب جسدي المتعب لحظات استرخاء هادئة، كنت في حاجة إليها بعد يوم شاق بدأناه في الصباح، راح بصري يجول في جنبات الغرفة وصورة الشيخ ذو العمامة الخضراء المعلقة على الحائط تحدثني عن ارتباط أهل هذا المكان بمشايخ الطرق الصوفية، فيما عزف صديقي مصطفى والأخ صلاح سيمفونية النوم التقليدية بمشاركة التكييف الصحراوي ذو الصوت الضخم. خطفني النوم، فيما تسرعت الشمس في الإشراق وتسللت عبر الفتحات إلى الغرفة، مداعبة وجوهنا، فنهضنا، قاصدين السوق بصحبة صلاح بعد تناول وجبة الإفطار.

في الطريق إلى السوق

ركبنا متزاحمين في شاحنة نصف نقل "بيك أب" تحمل البشر -كما تحمل غيرهم-، ثم ركبنا توك توك صغير حتى وصلنا إلى مبتغانا عند السوق المحاط بسور قديم متهالك، والذي يرجع موقعه الأول إلى عام 1940 م، وموقعه الحديث منذ 2001م. مئات الجمال افترشت أرض السوق مع ملاكها، الذين جلسوا تحت العشش يحتسون القهوة والشاي، فيما جلس بعضهم حول طاولات خشبية ترتفع قليلا عن الأرض لتناول طعام مكون من الفول والطعمية والخبز البلدي والجبن والبصل والخضروات. يتبعونها بتناول الشيشة والدخان.

* "رحلة إلى سوق دراو" محمد السقا / (الجزء الأول)
تابعونا في الجزء الثاني من الرحلة. (يتبع)