Arabic    

في سبيلها يحلو كلّ شيّ (2-2)


2020-08-02
اعرض في فيس بوك
التصنيف : مشروعنا أدب الرحلة

 
 
في سبيلها يحلو كلّ شيّ (2-2)
بيروت برلين بيروت (1941/1942)
لكامل مروّة
- ألا تعرف أن أينوموتو رجل خطر ذو اتصالات خطرة؟
- سمعت شيئاً من ذلك. ولكن مثلي في الأمر مثل أحد المارة في الشارع، يستطيع أن يعرض نفسه للخطر إذا ما ألقى بنفسه أمام إحدى السيارات العابرة، وما دمت أسير على الرصيف فلا أخشى خطراً.
وساد الصمت بضع دقائق، ثم عاد أمين بك إلى الكلام:
- كان ينبغي لك أن تلتزم جانب الحذر، ولا ترضى بالتعرف على كل من أراد الاتصال بك. ثم جاءت الوثائق المدسوسة، فلم نر بُدَّاً من التحقيق.
- أنا لا أخشى الدس إذا كان يرافقه التحقيق.
- صحيح، فالتحقيق لم يثبت عليك شيئاً حتى الآن. ومع ذلك فإنني أعتقد أن مصلحتك تقتضي عليك مغادرة هذه البلاد.
قلت: أهي نصيحة أم أمر أم إيحاء؟
فأجاب: قد تكون هذا أو ذاك. لا أدري، أو بالأحرى لا أدري بعد. ولكنني أستطيع أن أؤكد لك بأن "العين حمراء" عليك، وأن بقاءك في استنبول لم يعد مقبولاً في نظر بعضهم. وأعتقد أنك ستخرج قريباً من السجن، ولكنني أعتقد في الوقت نفسه أنهم لن "يحلّوا" عنك. وإذا كانت الوثائق هذه المرة لم تؤت الثمرة المرجوة، فإنهم قد يُوَفَّقون في المرة المقبلة إلى إحكام الحلقة، فخذ حذرك.
- هل لك أن تصارحني فتعين لي من تعني؟
- لقد ذهبت في الصراحة معك إلى أبعد من الحد اللازم. نحن لا نريد أن نلحق بك وبرفاقك أي أذى، بل نود العكس أن نعامل اللاجئين العرب بأقصى ما يكون من التساهل. ولكن لا تنسى أولاً أننا دولة محايدة، وثانياً أنكم لستم محايدين ومهما حاولتم التنصل من هذه التهمة فإن نشاطكم السياسي قبل قدومكم إلى هذه البلاد يفضي عليكم لوناً معيناً. أنتم خصوم أحد الطرفين المتحاربين، وإن لم تكونوا حلفاء الطرف الآخر، وما دمتم لا تتمتعون بالحماية الرسمية من قبل أحد الطرفين، فإننا نجد أنفسنا مرغمين على الإذعان لكل طلب ملح يوجه إلينا من أحدهما في صددكم، أحتراماً لحيادنا.
وشعرت بأن في أقوال الرجل كثيراً من الحقيقة. فقد وشت بنا دولة أجنبية كما يزعمون فلم يتردد الأتراك في اعتقالنا إكراما لها وليس للوشاية، ولم يتقدم أحد للدفاع عنا، إذ لم يكن لنا دولة –يومئذ– ننتمي إليها، ولم يكن لنا ممثل ديبلوماسي يدافع عنا، ولم يكن بيننا وبين الطرف المحارب الآخر من العلاقات ما يبرر تدخله لدى الأتراك لمصلحتنا.
- وماذا تريدوننا إذن أن نفعل؟
- إما أن تغادروا بلادنا أو تنتقلوا إلى الأناضول، حيث تكونون بمعزل عن التيارات الأجنبية.
وتَطلَّع أمين بك إلى ساعة الحائط، ثم نهض وقال:
- لا تنس أنَّ الحديث الذي دار الآن بيني وبينك هو حديث شخصي لا علاقة له بالرسميات وبالتحقيق.
واتجه نحو خزانة كبيرة، وأخرج منها بضع كتب، فناولني إياها قائلاً: خذها معك إلى حجرتك، فإنها تساعدك على قتل الوقت.
ولما جاء الحارس ليرافقني قال له:
- أعطوا كامل بيه ما يطلب من كتب وصحف ومجلات، واسمحوا له أن يشتري ما يريد من الخارج.
***
يُسدون إلينا النصيحة بالذهاب، فأين نذهب؟ هذا هو السؤال الذي ظَلَّ يتردد في خاطري عند عودتي إلى الحجرة بعد مقابلة أمين بك. أنعود إلى الوطن حيث تنتظرنا معسكرات الاعتقال، أم نسافر إلى أوروبا حيث تنتظرنا الحرب؟ كلا إن المنافذ كلها موصدة في وجوهنا، فلا خير في سفر على كره. ولا بد من البقاء في تركيا إذا كنا نريد المحافظة على حيادنا، وتجنب العواصف. ولكن إذا كان البقاء يعني الانتقال إلى الأناضول، فخير منه أن نضرب أرض الله الواسعة، مهما عصفت الأقدار وتجهم الأفق.
هبط الليل علينا وأنا غارق في هذه الأفكار، أحدق إلى الجدار كأن خريطة العالم منشورة عليه أمامي. وخطر لي أن أرسم عليه خريطة، وأن أدرس عليها ما أُريد أن أدرسه، لولا أن سمعت صوت واصف يخترق الصمت، وينطلق منشداً بحنان وعذوبة:
عليك مني السلام يا أرض أجدادي
ففيك طاب المقام وطاب إنشادي
رد الله غربتك يا واصف. لقد كانت حياتك كلها مرحة متواصلة من الجهاد، فلم تترك ناحية من نواحيه إلا وخضت غمارها. ترى هل خطر لك أن أناشيدك في السجن كانت هي أيضاً نفحة من نفحات ذلك الجهاد؟
وما إن سمعت هذا الصوت، حتى نسيت أمين بك، وتحذيرات أمين بك، ونصائح أمين بك، وأصبحت الدنيا كلها في عيني تردد:
عليك مني السلام يا أرض أجدادي
عليك مني السلام يا أرض أجدادي
لم إذن القلق والتساؤل؟ سيان إن بقينا في استنبول، أم نزحنا إلى الأناضول أم نفرنا إلى أوروبا. أجل سيان ما دامت "أرض أجدادي" هي الوسيلة والغاية، ففي سبيلها يحلو كل شيء.
______________
اغتيل كامل مروّة مساء السادس عشر من أيّارـمايو من العام 1966.

    في سبيلها يحلو كلّ شيّ (2-2) بيروت برلين بيروت (1941/1942) لكامل مروّة - ألا تعرف أن أينوموتو رجل خطر ذو اتصالات خطرة؟ - سمعت شيئاً من ذلك. ولكن مثلي في الأمر مثل أحد المارة في الشارع، يستطيع أن يعرض نفسه للخطر إذا ما ألقى بنفسه أمام إحدى السيارات العابرة، وما دمت أسير على الرصيف فلا أخشى خطراً. وساد الصمت بضع دقائق، ثم عاد أمين بك إلى الكلام: - كان ينبغي لك أن تلتزم جانب الحذر، ولا ترضى بالتعرف على كل من أراد الاتصال بك. ثم جاءت الوثائق المدسوسة، فلم نر بُدَّاً من التحقيق. - أنا لا أخشى الدس إذا كان يرافقه التحقيق. - صحيح، فالتحقيق لم يثبت عليك شيئاً حتى الآن. ومع ذلك فإنني أعتقد أن مصلحتك تقتضي عليك مغادرة هذه البلاد. قلت: أهي نصيحة أم أمر أم إيحاء؟ فأجاب: قد تكون هذا أو ذاك. لا أدري، أو بالأحرى لا أدري بعد. ولكنني أستطيع أن أؤكد لك بأن "العين حمراء" عليك، وأن بقاءك في استنبول لم يعد مقبولاً في نظر بعضهم. وأعتقد أنك ستخرج قريباً من السجن، ولكنني أعتقد في الوقت نفسه أنهم لن "يحلّوا" عنك. وإذا كانت الوثائق هذه المرة لم تؤت الثمرة المرجوة، فإنهم قد يُوَفَّقون في المرة المقبلة إلى إحكام الحلقة، فخذ حذرك. - هل لك أن تصارحني فتعين لي من تعني؟ - لقد ذهبت في الصراحة معك إلى أبعد من الحد اللازم. نحن لا نريد أن نلحق بك وبرفاقك أي أذى، بل نود العكس أن نعامل اللاجئين العرب بأقصى ما يكون من التساهل. ولكن لا تنسى أولاً أننا دولة محايدة، وثانياً أنكم لستم محايدين ومهما حاولتم التنصل من هذه التهمة فإن نشاطكم السياسي قبل قدومكم إلى هذه البلاد يفضي عليكم لوناً معيناً. أنتم خصوم أحد الطرفين المتحاربين، وإن لم تكونوا حلفاء الطرف الآخر، وما دمتم لا تتمتعون بالحماية الرسمية من قبل أحد الطرفين، فإننا نجد أنفسنا مرغمين على الإذعان لكل طلب ملح يوجه إلينا من أحدهما في صددكم، أحتراماً لحيادنا. وشعرت بأن في أقوال الرجل كثيراً من الحقيقة. فقد وشت بنا دولة أجنبية كما يزعمون فلم يتردد الأتراك في اعتقالنا إكراما لها وليس للوشاية، ولم يتقدم أحد للدفاع عنا، إذ لم يكن لنا دولة –يومئذ– ننتمي إليها، ولم يكن لنا ممثل ديبلوماسي يدافع عنا، ولم يكن بيننا وبين الطرف المحارب الآخر من العلاقات ما يبرر تدخله لدى الأتراك لمصلحتنا. - وماذا تريدوننا إذن أن نفعل؟ - إما أن تغادروا بلادنا أو تنتقلوا إلى الأناضول، حيث تكونون بمعزل عن التيارات الأجنبية. وتَطلَّع أمين بك إلى ساعة الحائط، ثم نهض وقال: - لا تنس أنَّ الحديث الذي دار الآن بيني وبينك هو حديث شخصي لا علاقة له بالرسميات وبالتحقيق. واتجه نحو خزانة كبيرة، وأخرج منها بضع كتب، فناولني إياها قائلاً: خذها معك إلى حجرتك، فإنها تساعدك على قتل الوقت. ولما جاء الحارس ليرافقني قال له: - أعطوا كامل بيه ما يطلب من كتب وصحف ومجلات، واسمحوا له أن يشتري ما يريد من الخارج. *** يُسدون إلينا النصيحة بالذهاب، فأين نذهب؟ هذا هو السؤال الذي ظَلَّ يتردد في خاطري عند عودتي إلى الحجرة بعد مقابلة أمين بك. أنعود إلى الوطن حيث تنتظرنا معسكرات الاعتقال، أم نسافر إلى أوروبا حيث تنتظرنا الحرب؟ كلا إن المنافذ كلها موصدة في وجوهنا، فلا خير في سفر على كره. ولا بد من البقاء في تركيا إذا كنا نريد المحافظة على حيادنا، وتجنب العواصف. ولكن إذا كان البقاء يعني الانتقال إلى الأناضول، فخير منه أن نضرب أرض الله الواسعة، مهما عصفت الأقدار وتجهم الأفق. هبط الليل علينا وأنا غارق في هذه الأفكار، أحدق إلى الجدار كأن خريطة العالم منشورة عليه أمامي. وخطر لي أن أرسم عليه خريطة، وأن أدرس عليها ما أُريد أن أدرسه، لولا أن سمعت صوت واصف يخترق الصمت، وينطلق منشداً بحنان وعذوبة: عليك مني السلام يا أرض أجدادي ففيك طاب المقام وطاب إنشادي رد الله غربتك يا واصف. لقد كانت حياتك كلها مرحة متواصلة من الجهاد، فلم تترك ناحية من نواحيه إلا وخضت غمارها. ترى هل خطر لك أن أناشيدك في السجن كانت هي أيضاً نفحة من نفحات ذلك الجهاد؟ وما إن سمعت هذا الصوت، حتى نسيت أمين بك، وتحذيرات أمين بك، ونصائح أمين بك، وأصبحت الدنيا كلها في عيني تردد: عليك مني السلام يا أرض أجدادي عليك مني السلام يا أرض أجدادي لم إذن القلق والتساؤل؟ سيان إن بقينا في استنبول، أم نزحنا إلى الأناضول أم نفرنا إلى أوروبا. أجل سيان ما دامت "أرض أجدادي" هي الوسيلة والغاية، ففي سبيلها يحلو كل شيء. ______________ اغتيل كامل مروّة مساء السادس عشر من أيّارـمايو من العام 1966. , Electronic Village, His excellency mohammed ahmed khalifa al suwaidi, Arabic Poetry, Arabic Knowledge, arabic articles, astrology, science museum, art museum,goethe museum, alwaraq, arab poet, arabic poems, Arabic Books,Arabic Quiz, القرية الإلكترونية , محمد أحمد خليفة السويدي , محمد أحمد السويدي , محمد السويدي , محمد سويدي , mohammed al suwaidi, mohammed al sowaidi,mohammed suwaidi, mohammed sowaidi, mohammad alsuwaidi, mohammad alsowaidi, mohammed ahmed alsuwaidi, محمد السويدي , محمد أحمد السويدي , muhammed alsuwaidi,muhammed suwaidi,,

Related Articles

في سبيلها يحلو كلّ شيّ (2-1)
حج إلى نجد - الليدي آن بلنت - ج2
العثور على آثار جنغ خه في نانجينغ
في قلب نجد والحجاز | رحلة في 1927 لمحمد شفيق مصطفى
قصص الدم والعظام الحج الى نجد 1878-1879 لآن بلنت
العياشي في القاهرة
سرنتو (1/3)