Arabic    

كتاب منزل في صقلية - الفصل الثاني عشر- الآثار


2019-09-29
اعرض في فيس بوك
التصنيف : منزل في صقلية

 

 

بيت في صقلية
تأليف: دافني فيليبس | ترجمة أميمة الزبير | الفصل الثاني عشر- الآثار
 
لم أكن أهتم بالآثار بشكل مباشر إلا بعد إتمامي السنة السادسة في صقلية. وقد كان هذا الاهتمام ينبع من علاقتي بآرثر إيفانز من مدينة كنوسوس، والذي كان قريباً لفيلب، وقد نشأ في كنف عمتي الكبرى فرانسيس فيلبس عندما توفت والدته بعد ميلاده بوقت قصير، فكرّس مهاراته وثروته الخاصة على مدى خمسة وعشرين عاماً لعمليات التنقيب عن آثار كنوسوس في تكريت، وقد قابلته مرة واحدة عندما كان فوق التسعين من العمر وفاقد البصر. كنت طفلة لكن الرجل العجوز كان لا يزال يتمتع بذاكرة حديدية.
في 1963 قابلت عالمة آثار رومانية كانت قد وصلت حديثاً إلى مدينة جيلا على الساحل الجنوبي الغربي من صقلية، والتي أسسها الإغريق الوافدون من روديس وتكريت في القرن السابع قبل الميلاد. وصممت إحدى صديقاتي التي كانت تقيم معي بأن نذهب بالسيارة عبر الجزيرة لمعرفة ما يحدث في جيلا. لسوء الحظ كانت تعاني من أزمة ربوية حادة، حيث أصيبت فجأة بأسوأ نوبة شاهدتها على الإطلاق بينما كنا في إحدى الحانات بمدينة نوتو الباروكية الذهبية الرائعة، فأشارت لي إذ كانت عاجزة عن النطق، بأن أحقنها بالدواء على الفور. وهناك، على درجة مرتفعة وأمام من بدوا لي كجميع السكان الذكور في نوتو- حيث لا تظهر النساء أمام الرجال- كان علي أن أغرس إبرة غير معقمة في عضلة فخذها. كان أثر الدواء سحرياً، لقد تعافت قبل أن أهدأ من هول الصدمة بفترة طويلة.
قدنا السيارة إلى مدينة جيلا حيث فاجأنا أن نجد في هذه المدينة الفقيرة فندقاً عصرياً يملكه ويديره الاسكندنافيون. قبل النوم، اقترحت، حتى تهدأ أعصابي المنهارة ولو قليلاً، المشي على الرصيف البحري. كان وصول سيدتين أجنبيتين في سيارة لا يقودها رجل أمراً جليلاً في تلك البلدة النائية. اقتربت منا امرأة، وحدقت فينا ثم سألت بحماس في لهجة صقلية نقية: " E Quanno comm …? متى نبدأ؟ كانت لهجتها تفوق قدرتي على التكيف وانتهى الحوار.
بعد وقت قصير أتى أحد رجال الشرطة. ومرة أخرى حدّجنا بنظراته ثم قال: E quando” inciano?”
"نبدأ ماذا؟"
"السيرك!"
بدا ظهورنا غريبا في أعين السكان المحليين حتى أنّا بدونا كأن لا علاقة لنا إلا بتلك المجموعة المنتظرة من الممثلين.
أثناء الليل هبت ريح قوية حملت الكثير من الرمال وألقت بها على نوافذ غرفتنا فكانت سبباً في أزمة ربو أخرى، ولكن في هذه المرة كانت جوان قادرة على التعامل معها بنفسها. كانت هذه الرمال التي أتت، قبل قرون من الزمان، أسرع حتى من هجمات القرطاجيين، في طمر أسوار مدينة جيلا. كانت هي تلك الرمال التي بدأ عالما الأثار النشطين والمتحمسين بيرو اورلانديني من بارما في شمال إيطاليا، ودينو أداميستيانو وهو لاجيء روماني من الشيوعية في حفر وإزالة آلاف الأطنان منها على جانب البحر بسرعة وشجاعة بمساعدة جرّافة آلية. كانت السرعة ضرورية لتحقيق النتائج اللازمة لوصول مزيد من الدعم المالي من الوزارة في روما. قابلنا في الصباح التالي اثنين من علماء الآثار. سررت لمعرفة أنّ آرثر إيفانز جاء هنا مع حماه (البروفيسور فريمان، الذي اكتمل كتابه ذو الأجزاء الأربعة "تأريخ صقلية" في عام 267 قبل الميلاد) وقبل أن يتم استخدام التصوير الجوي في رسم الخرائط لتتبع ما يعتقد أنّه الأسوار التي تمتد لعدة كيلومترات وتقع تحت الرمال.
صنع خارطة من مستوى الأرض، و بدون استخدام التصوير الجوي، لتتبع ما كان يعتقد أنّه أسوار مطمورة تحت الرمال ، وتمتد لعدة كيلومترات. وقد صدقت توقعاته.
وعندما جاء دون باستيانو كما يناديه العاملون معه، إلى قصر كوسيني في المرة الأولى تعرّف على أربع حقائق جميلة في الحديقة كونها تعود إلى القرن الرابع قبل الميلاد والحضارة الإغريقية. كان خالي قد اكتشفهما تحديداً في مرحلة حفر أساسات المنزل، وأعجب بهما دون أن يتعرف حتى عليهما بما كانا عليه، فأنقذهما واضعاً رأس أسد على البركة في المدخل إلى الحديقة مع جدول يعبر من خلال فمه، وبنى وجهاً صغيراً مرحاً قال (دون باستيانو أنّه “صُنع لإلهاء طفل") على الحائط، قاعدة التمثال المكسورة لأحد الأعمدة أو معبد عائلي صغير، والذي قلبه بونيري العجوز رأساً على عقب ليفزع دون باستيانو وملأه بالتراب الذي زرع فيه نبات إبرة الراعي. كانت الرابعة إمفورا كاملة ما زال المنزل يحتضنها في أمان. تعجّب دينو وقال في حماس: " كان الإغريق بالطبع سيتخذون في هذا المكان قصراً، لا أحسبهم يفوتون هذا المشهد. هذا الموقع، وذلك المسرح اليوناني كانا الأفضل في تورمينا". وهنالك ثلاثة آبار إغريقية في الحديقة لتوفير المياه الضرورية، وما زلنا نستخدمها للري.
شكّل عالِما الآثار فريقاً ممتازاً من العمال في جيلا من خامات غير واعدة في تلك المدينة التي يخيم على أرجائها الفقر المدقع. وقبل وصولنا بقليل كان الرجال عن بكرة أبيهم شيوعيين أميين عاطلين عن العمل ناقمين. أما الآن فليس ثمة شيوعي واحد بينهم.
لقد اختار الدكتوران بأيديهما من كان منهم في الفترة التجريبية ومنحوهما وظائف دائمة بشرط واحد هو أن يتعلموا القراءة والكتابة.
"مستحيل!" كيف لنا ذلك؟
"هنالك فصل مسائي لتعليمكم."
" تديره سيدة في العشرين. كيف يستقيم ونحن رجال متزوجون في الثلاثين من العمر أن نجلس لدى قدميها؟"
لقد تحدثنا إلى السيدة، ووافقت على تدريسكم."
"ولكن نحن لا نستطيع." كانت الفصول تقام في الممر حيث نسير في الطريق الرئيسي جيئة وذهاباً لمقابلة أصدقائنا. لا يمكن!"
"حسناً، لكم ما شئتم."
وفي غضون ستة أشهر تعلم جميعهم القراءة والكتابة بما يكفي لحفظ بيانات الحفر: لم يطل الوقت حتى أصبحوا خبراء في تمييز الشظايا كالإغريقية والرومانية من التركية، واستطاعوا أيضاً تخمين القرن الذي تعود إليه. وأخبرني كلا العالمين بأنّهما لم يقابلا عمالاً أشد منهم ذكاءً وأقوى إرادة وجاهزية للتأقلم مع الصعوبات الحقيقية في موقع للحفر على جبل ناءٍ، عندما كانوا ينامون حتى في المدافن الإغريقية المفتوحة. طوى النسيان الممر، وكذلك الولائم العظيمة في جيلا. بعد أيام طويلة من العمل الشاق، والساخن كانوا يجلسون في الظلام يستمعون في اهتمام شديد إلى تأريخ أجدادهم القدماء. لقد كانوا فخورين بإنجازاتهم ومخلصين للعالمين اللذين ساعداهما على تحقيقها وجلب التغيير إلى حيواتهم التي لم تعرف سوى الإحباط.
ذكرني هذا شعور الأشخاص العاديين في تورمينا بالامتنان حيال خالي لاحترامه إياهم. ونادراً ما فعل الأشخاص من ذوي المكانة الاجتماعية الأعلى ذلك- ماعدا في أيام الانتخابات.
حان الوقت لأن أتلقى نصيبي من الاحترام عندما طلب مني بيرو ودينو ترجمة "دليل جيلا " سوف يعني هذا الحصول على حفنة من المال، لكن شرف عظيم،" قال بيرو. لم تكن بالمهمة السهلة إذ أنني كنت قد تعلمت المصطلحات التقنية الإيطالية، ولم أتعلم الإنجليزية، ولكني مُنحت الوقت وفي الوقت المناسب خرجت الترجمة. كنت ضيفة جيلا إبان افتتاح المتحف الرائع الجديد، وحصلت على بركة أحد الكرادلة.
وكان لواحدة من بين مئات المعروضات الرائعة التي ضمها المتحف مكانة رفيعة: رأس حصان بديع بالحجم الطبيعي مصنوعة من الطين. تم العثور عليها في بئر تم ضمها الآن إلى المتحف. وقد أثار تأملي لها ذكريات واسعة: " لقد وجدوا رأس حصان في عهد خالي في بئرنا في قصر كوسيني،" لقد تذكرت فجأة.
استرعى ذلك انتباه دينو في الحال: " من؟ ماذا؟ أين؟" عندما وصلت لتوي وكنت غارقة في لجة من المشكلات، وكان فهمي للغة الإيطالية ضعيفاً، ذكر أحد العاملين في المنزل الأمر. وحاولت فهمه- أو فهمها، لا أذكر من كان هو- لأحدد. " لقد كانت تحفة." " ما حجمها؟" " هكذا تقريباً...." وقاموا بالإشارة إلى حجم أصغر بقليل من رأس حصان متوسط الحجم. لقد تساءلت عما إذا كانت قد نحتت، أو كانت جمجمة حصان جيش شهير، أو فائز في سباق، والذي كنت أعتقده بشكل واسع أنّها كانت تكرّم وتحنّط. كانت لغة المخبر الإيطالية ممزوجة بالصقلية وكان مشغولاً ومرهقاً في آن واحد، لذا استسلمت ونسيت أمرها تماماً.
في الحال، عدت من جيلا، وسألت ماريا، التي كانت ما تزال على قيد الحياة آنذاك. لم تكن تعرف شيئاً. " ثم، إذن هو بونيري، أو توريدو." ولكن أقسم كلاهما بأنّهما لم يعرفا شيئاً عنها أو يقولا لي شيئاً عنها.
مرة أخرى كان علي الاستسلام، الشيء الذي أثار خيبة أمل دينو، ولكن حتى هو، في زيارته التالية عندما حاول استقصاء الخبر، عاد صفر اليدين على الرغم من الطلاقة في اللغة الصقلية وبالطبع الخبرة في استجواب الأشخاص المحليين حول ما قاموا به من اكتشافات. لقد كان يظن أنني رأيت ذلك في حلم دون شك، ولكني علمت أنّي كنت على حق. لم أعرف عندها حتى أن الناس عندما يهربون من الغزاة يلقون بكنوزهم التي لم يستطيعوا حملها معهم في الآبار، أملاً في العودة يوماً واستعادتها. نادراً ما كانوا يفعلون، ودائماً ما يقوم الآثاريون بتفتيش الآبار جيداً.
بعد عدة سنوات، كنت أجلس بجانب التايمز أتنزه، وأستعيد الذكريات مع إيفا، عندما سألتني فجأة، " ماذا حدث لرأس الحصان الإغريقي؟"
قلت في غمرة المفاجأة،" أنى لك أن تعرفي أي شيء عنه؟"
أجابت: " لقد رأيته في متجر في الطريق الرئيسي."
قمت باستجوابها للحصول على كل ما تتذكره من تفاصيل حوله، حجمه صحيح على ما يبدو، هذا بالطبع كان الصفة الوحيدة التي حصلت عليها قبل سنوات. لابد أنّه جاء من بئرنا. وهكذا أدركت أننا كنا على خطأ فادح عندما هنأنا أنفسنا على الاحتفاظ بملكية جميع الأغراض التي كانت بالمنزل المختوم بالشمع. كنت آمل فقط أنّه انتهى إلى أحد المتاحف وليس في ضمن مجموعة خاصة لأحد الشامتين بنا. لقد أثرى تاجر التحف بشكل كبير على حسابنا بكل تأكيد.
إن حماية اللقية الأثرية خاصة في صقلية لا تقل أهمية عن اكتشافها وحفظها.
لقد كان جميع زعماء المافيا على علم بقيمتها. وكانوا يتجسسون على العالمين من البعد، عبر المناظير الزجاجية ويلاحظون الأماكن التي تبدو مواقع أثرية واعدة. كانت منطقة جيلا واسعة، لم تكن هنالك المدينة فقط، بل عدد من التلال، المنتشرة على هيئة مروحة في الخلف، جميعها كانت محصنة بما يكفي لتوفير الحماية ضد الهجمات المعادية من جهة البحر. وبعد تأكيد الحفريات الاستكشافية للانطباعات الأولية لم يكن من الممكن في أغلب الأوقات حماية الاكتشافات خلال فصل الشتاء وفي الأحوال الجوية السيئة فيدخلها ال tombaroli أو لصوص المدافن للسطو عليها ونهب محتوياتها. وكثيراً ما كانوا يصنعون فتحات كبيرة بما يكفي للسماح لطفل صغير بالمرور عبرها إلى المقبرة، ليناولهم الكنوز المدفونة مع الموتى. لم يقوموا فقط بالسطو بل تسببوا بأضرار فادحة في المقابر ذاتها.
وفي إحدى المرات كنت أتناول وجبة الغداء مع بيرو في الفندق في جيلا عندما أخبرني أحد النُدُل بأن هنالك رجلاً يريد التحدث إليّ. لم يكن يسأل عني بالاسم. بدا هذا الأمر غريباً. ألم يكن يعرفني؟ تقدم إليّ بعد الغداء وهو يحمل طرداً ملفوفاً في جريدة، وقال إنّها مزهرية إغريقية. ويسأل عما إذا كنت أود شراءها. كان بيرو خلفي، وعلى الرغم من استغرابي الشديد، قلت لا دون تردد. اقترب بيرو الذي كان له الحق في مصادرة أية مسروقات أثرية فوراً، وهو يقول إنّه مهتم. كان الأمر الغريب أنَّ الرجل لا يعرف من هو، ولم يكن من الطبيعي ألا يكلف نفسه بمعرفة هوية الرجلين الوحيدين اللذين كانا يملكان الحق في المصادرة.
وتشجع الرجل الذي يفترض أنّه البائع، وقام بفتح الطرد. طلب مبلغ 12.000 ليرة على ما بدا لعيني غير الخبيرة باطية سوداء ذات مقبضين، وفي حال جيدة. تفحصها بيرو جيداً، وقلبها في كل الاتجاهات، ثم قال أخيراً إنّه لا يريدها. قام الرجل بإعادة لفها في خيبة ومضى لحال سبيله.
“فيم يستخدم ذلك الشي؟ ماهو؟"
"باطيّة سوداء"
"أصلية؟"
"نعم"
"إذن لم لم تصادرها؟"
"لدينا بالفعل ثلاث أخريات مثلها. إن صادرنا كل شيء يُعرض علينا، فسوف لن يكون لنا أصدقاء من الفلاحين. نحن نريدهم أن يحضروا إلينا ما يجدونه بدلاً عن الذهاب مباشرة إلى المافيا."
يبدو الأمر منطقياً، لكنني كنت لأحب شراء تلك المزهرية.
أضحى إخلاص العمّال للعالمين معروفاً في اللهجة بعبارة I Picciotti، مرّ باختبارات شديدة ولكنه صمد. لقد أدركوا أنَ ما عثروا عليه ملك للدولة وأدركوا تماماً أنّ أهميتها العلمية تعني ضرورة ألا تتسرب بعيداً.
والآن، لسوء الحظ، صارت جيلا واحدة من أولى المدن من حيث عدد جرائم العنف والقتل في صقلية، بسبب المعارك المستميتة بين عصابات المافيا المتنافسة التي تتنازع السيطرة على تجارة المخدرات والنفط الذي تم اكتشافه في المنطقة. كان العالمان قد تقاعدا منذ زمن طويل، لكن ظلت أسوار المتحف الرائع قائمة.

    بيت في صقلية تأليف: دافني فيليبس | ترجمة أميمة الزبير | الفصل الثاني عشر- الآثار   لم أكن أهتم بالآثار بشكل مباشر إلا بعد إتمامي السنة السادسة في صقلية. وقد كان هذا الاهتمام ينبع من علاقتي بآرثر إيفانز من مدينة كنوسوس، والذي كان قريباً لفيلب، وقد نشأ في كنف عمتي الكبرى فرانسيس فيلبس عندما توفت والدته بعد ميلاده بوقت قصير، فكرّس مهاراته وثروته الخاصة على مدى خمسة وعشرين عاماً لعمليات التنقيب عن آثار كنوسوس في تكريت، وقد قابلته مرة واحدة عندما كان فوق التسعين من العمر وفاقد البصر. كنت طفلة لكن الرجل العجوز كان لا يزال يتمتع بذاكرة حديدية. في 1963 قابلت عالمة آثار رومانية كانت قد وصلت حديثاً إلى مدينة جيلا على الساحل الجنوبي الغربي من صقلية، والتي أسسها الإغريق الوافدون من روديس وتكريت في القرن السابع قبل الميلاد. وصممت إحدى صديقاتي التي كانت تقيم معي بأن نذهب بالسيارة عبر الجزيرة لمعرفة ما يحدث في جيلا. لسوء الحظ كانت تعاني من أزمة ربوية حادة، حيث أصيبت فجأة بأسوأ نوبة شاهدتها على الإطلاق بينما كنا في إحدى الحانات بمدينة نوتو الباروكية الذهبية الرائعة، فأشارت لي إذ كانت عاجزة عن النطق، بأن أحقنها بالدواء على الفور. وهناك، على درجة مرتفعة وأمام من بدوا لي كجميع السكان الذكور في نوتو- حيث لا تظهر النساء أمام الرجال- كان علي أن أغرس إبرة غير معقمة في عضلة فخذها. كان أثر الدواء سحرياً، لقد تعافت قبل أن أهدأ من هول الصدمة بفترة طويلة. قدنا السيارة إلى مدينة جيلا حيث فاجأنا أن نجد في هذه المدينة الفقيرة فندقاً عصرياً يملكه ويديره الاسكندنافيون. قبل النوم، اقترحت، حتى تهدأ أعصابي المنهارة ولو قليلاً، المشي على الرصيف البحري. كان وصول سيدتين أجنبيتين في سيارة لا يقودها رجل أمراً جليلاً في تلك البلدة النائية. اقتربت منا امرأة، وحدقت فينا ثم سألت بحماس في لهجة صقلية نقية: " E Quanno comm …? متى نبدأ؟ كانت لهجتها تفوق قدرتي على التكيف وانتهى الحوار. بعد وقت قصير أتى أحد رجال الشرطة. ومرة أخرى حدّجنا بنظراته ثم قال: E quando” inciano?” "نبدأ ماذا؟" "السيرك!" بدا ظهورنا غريبا في أعين السكان المحليين حتى أنّا بدونا كأن لا علاقة لنا إلا بتلك المجموعة المنتظرة من الممثلين. أثناء الليل هبت ريح قوية حملت الكثير من الرمال وألقت بها على نوافذ غرفتنا فكانت سبباً في أزمة ربو أخرى، ولكن في هذه المرة كانت جوان قادرة على التعامل معها بنفسها. كانت هذه الرمال التي أتت، قبل قرون من الزمان، أسرع حتى من هجمات القرطاجيين، في طمر أسوار مدينة جيلا. كانت هي تلك الرمال التي بدأ عالما الأثار النشطين والمتحمسين بيرو اورلانديني من بارما في شمال إيطاليا، ودينو أداميستيانو وهو لاجيء روماني من الشيوعية في حفر وإزالة آلاف الأطنان منها على جانب البحر بسرعة وشجاعة بمساعدة جرّافة آلية. كانت السرعة ضرورية لتحقيق النتائج اللازمة لوصول مزيد من الدعم المالي من الوزارة في روما. قابلنا في الصباح التالي اثنين من علماء الآثار. سررت لمعرفة أنّ آرثر إيفانز جاء هنا مع حماه (البروفيسور فريمان، الذي اكتمل كتابه ذو الأجزاء الأربعة "تأريخ صقلية" في عام 267 قبل الميلاد) وقبل أن يتم استخدام التصوير الجوي في رسم الخرائط لتتبع ما يعتقد أنّه الأسوار التي تمتد لعدة كيلومترات وتقع تحت الرمال. صنع خارطة من مستوى الأرض، و بدون استخدام التصوير الجوي، لتتبع ما كان يعتقد أنّه أسوار مطمورة تحت الرمال ، وتمتد لعدة كيلومترات. وقد صدقت توقعاته. وعندما جاء دون باستيانو كما يناديه العاملون معه، إلى قصر كوسيني في المرة الأولى تعرّف على أربع حقائق جميلة في الحديقة كونها تعود إلى القرن الرابع قبل الميلاد والحضارة الإغريقية. كان خالي قد اكتشفهما تحديداً في مرحلة حفر أساسات المنزل، وأعجب بهما دون أن يتعرف حتى عليهما بما كانا عليه، فأنقذهما واضعاً رأس أسد على البركة في المدخل إلى الحديقة مع جدول يعبر من خلال فمه، وبنى وجهاً صغيراً مرحاً قال (دون باستيانو أنّه “صُنع لإلهاء طفل") على الحائط، قاعدة التمثال المكسورة لأحد الأعمدة أو معبد عائلي صغير، والذي قلبه بونيري العجوز رأساً على عقب ليفزع دون باستيانو وملأه بالتراب الذي زرع فيه نبات إبرة الراعي. كانت الرابعة إمفورا كاملة ما زال المنزل يحتضنها في أمان. تعجّب دينو وقال في حماس: " كان الإغريق بالطبع سيتخذون في هذا المكان قصراً، لا أحسبهم يفوتون هذا المشهد. هذا الموقع، وذلك المسرح اليوناني كانا الأفضل في تورمينا". وهنالك ثلاثة آبار إغريقية في الحديقة لتوفير المياه الضرورية، وما زلنا نستخدمها للري. شكّل عالِما الآثار فريقاً ممتازاً من العمال في جيلا من خامات غير واعدة في تلك المدينة التي يخيم على أرجائها الفقر المدقع. وقبل وصولنا بقليل كان الرجال عن بكرة أبيهم شيوعيين أميين عاطلين عن العمل ناقمين. أما الآن فليس ثمة شيوعي واحد بينهم. لقد اختار الدكتوران بأيديهما من كان منهم في الفترة التجريبية ومنحوهما وظائف دائمة بشرط واحد هو أن يتعلموا القراءة والكتابة. "مستحيل!" كيف لنا ذلك؟ "هنالك فصل مسائي لتعليمكم." " تديره سيدة في العشرين. كيف يستقيم ونحن رجال متزوجون في الثلاثين من العمر أن نجلس لدى قدميها؟" لقد تحدثنا إلى السيدة، ووافقت على تدريسكم." "ولكن نحن لا نستطيع." كانت الفصول تقام في الممر حيث نسير في الطريق الرئيسي جيئة وذهاباً لمقابلة أصدقائنا. لا يمكن!" "حسناً، لكم ما شئتم." وفي غضون ستة أشهر تعلم جميعهم القراءة والكتابة بما يكفي لحفظ بيانات الحفر: لم يطل الوقت حتى أصبحوا خبراء في تمييز الشظايا كالإغريقية والرومانية من التركية، واستطاعوا أيضاً تخمين القرن الذي تعود إليه. وأخبرني كلا العالمين بأنّهما لم يقابلا عمالاً أشد منهم ذكاءً وأقوى إرادة وجاهزية للتأقلم مع الصعوبات الحقيقية في موقع للحفر على جبل ناءٍ، عندما كانوا ينامون حتى في المدافن الإغريقية المفتوحة. طوى النسيان الممر، وكذلك الولائم العظيمة في جيلا. بعد أيام طويلة من العمل الشاق، والساخن كانوا يجلسون في الظلام يستمعون في اهتمام شديد إلى تأريخ أجدادهم القدماء. لقد كانوا فخورين بإنجازاتهم ومخلصين للعالمين اللذين ساعداهما على تحقيقها وجلب التغيير إلى حيواتهم التي لم تعرف سوى الإحباط. ذكرني هذا شعور الأشخاص العاديين في تورمينا بالامتنان حيال خالي لاحترامه إياهم. ونادراً ما فعل الأشخاص من ذوي المكانة الاجتماعية الأعلى ذلك- ماعدا في أيام الانتخابات. حان الوقت لأن أتلقى نصيبي من الاحترام عندما طلب مني بيرو ودينو ترجمة "دليل جيلا " سوف يعني هذا الحصول على حفنة من المال، لكن شرف عظيم،" قال بيرو. لم تكن بالمهمة السهلة إذ أنني كنت قد تعلمت المصطلحات التقنية الإيطالية، ولم أتعلم الإنجليزية، ولكني مُنحت الوقت وفي الوقت المناسب خرجت الترجمة. كنت ضيفة جيلا إبان افتتاح المتحف الرائع الجديد، وحصلت على بركة أحد الكرادلة. وكان لواحدة من بين مئات المعروضات الرائعة التي ضمها المتحف مكانة رفيعة: رأس حصان بديع بالحجم الطبيعي مصنوعة من الطين. تم العثور عليها في بئر تم ضمها الآن إلى المتحف. وقد أثار تأملي لها ذكريات واسعة: " لقد وجدوا رأس حصان في عهد خالي في بئرنا في قصر كوسيني،" لقد تذكرت فجأة. استرعى ذلك انتباه دينو في الحال: " من؟ ماذا؟ أين؟" عندما وصلت لتوي وكنت غارقة في لجة من المشكلات، وكان فهمي للغة الإيطالية ضعيفاً، ذكر أحد العاملين في المنزل الأمر. وحاولت فهمه- أو فهمها، لا أذكر من كان هو- لأحدد. " لقد كانت تحفة." " ما حجمها؟" " هكذا تقريباً...." وقاموا بالإشارة إلى حجم أصغر بقليل من رأس حصان متوسط الحجم. لقد تساءلت عما إذا كانت قد نحتت، أو كانت جمجمة حصان جيش شهير، أو فائز في سباق، والذي كنت أعتقده بشكل واسع أنّها كانت تكرّم وتحنّط. كانت لغة المخبر الإيطالية ممزوجة بالصقلية وكان مشغولاً ومرهقاً في آن واحد، لذا استسلمت ونسيت أمرها تماماً. في الحال، عدت من جيلا، وسألت ماريا، التي كانت ما تزال على قيد الحياة آنذاك. لم تكن تعرف شيئاً. " ثم، إذن هو بونيري، أو توريدو." ولكن أقسم كلاهما بأنّهما لم يعرفا شيئاً عنها أو يقولا لي شيئاً عنها. مرة أخرى كان علي الاستسلام، الشيء الذي أثار خيبة أمل دينو، ولكن حتى هو، في زيارته التالية عندما حاول استقصاء الخبر، عاد صفر اليدين على الرغم من الطلاقة في اللغة الصقلية وبالطبع الخبرة في استجواب الأشخاص المحليين حول ما قاموا به من اكتشافات. لقد كان يظن أنني رأيت ذلك في حلم دون شك، ولكني علمت أنّي كنت على حق. لم أعرف عندها حتى أن الناس عندما يهربون من الغزاة يلقون بكنوزهم التي لم يستطيعوا حملها معهم في الآبار، أملاً في العودة يوماً واستعادتها. نادراً ما كانوا يفعلون، ودائماً ما يقوم الآثاريون بتفتيش الآبار جيداً. بعد عدة سنوات، كنت أجلس بجانب التايمز أتنزه، وأستعيد الذكريات مع إيفا، عندما سألتني فجأة، " ماذا حدث لرأس الحصان الإغريقي؟" قلت في غمرة المفاجأة،" أنى لك أن تعرفي أي شيء عنه؟" أجابت: " لقد رأيته في متجر في الطريق الرئيسي." قمت باستجوابها للحصول على كل ما تتذكره من تفاصيل حوله، حجمه صحيح على ما يبدو، هذا بالطبع كان الصفة الوحيدة التي حصلت عليها قبل سنوات. لابد أنّه جاء من بئرنا. وهكذا أدركت أننا كنا على خطأ فادح عندما هنأنا أنفسنا على الاحتفاظ بملكية جميع الأغراض التي كانت بالمنزل المختوم بالشمع. كنت آمل فقط أنّه انتهى إلى أحد المتاحف وليس في ضمن مجموعة خاصة لأحد الشامتين بنا. لقد أثرى تاجر التحف بشكل كبير على حسابنا بكل تأكيد. إن حماية اللقية الأثرية خاصة في صقلية لا تقل أهمية عن اكتشافها وحفظها. لقد كان جميع زعماء المافيا على علم بقيمتها. وكانوا يتجسسون على العالمين من البعد، عبر المناظير الزجاجية ويلاحظون الأماكن التي تبدو مواقع أثرية واعدة. كانت منطقة جيلا واسعة، لم تكن هنالك المدينة فقط، بل عدد من التلال، المنتشرة على هيئة مروحة في الخلف، جميعها كانت محصنة بما يكفي لتوفير الحماية ضد الهجمات المعادية من جهة البحر. وبعد تأكيد الحفريات الاستكشافية للانطباعات الأولية لم يكن من الممكن في أغلب الأوقات حماية الاكتشافات خلال فصل الشتاء وفي الأحوال الجوية السيئة فيدخلها ال tombaroli أو لصوص المدافن للسطو عليها ونهب محتوياتها. وكثيراً ما كانوا يصنعون فتحات كبيرة بما يكفي للسماح لطفل صغير بالمرور عبرها إلى المقبرة، ليناولهم الكنوز المدفونة مع الموتى. لم يقوموا فقط بالسطو بل تسببوا بأضرار فادحة في المقابر ذاتها. وفي إحدى المرات كنت أتناول وجبة الغداء مع بيرو في الفندق في جيلا عندما أخبرني أحد النُدُل بأن هنالك رجلاً يريد التحدث إليّ. لم يكن يسأل عني بالاسم. بدا هذا الأمر غريباً. ألم يكن يعرفني؟ تقدم إليّ بعد الغداء وهو يحمل طرداً ملفوفاً في جريدة، وقال إنّها مزهرية إغريقية. ويسأل عما إذا كنت أود شراءها. كان بيرو خلفي، وعلى الرغم من استغرابي الشديد، قلت لا دون تردد. اقترب بيرو الذي كان له الحق في مصادرة أية مسروقات أثرية فوراً، وهو يقول إنّه مهتم. كان الأمر الغريب أنَّ الرجل لا يعرف من هو، ولم يكن من الطبيعي ألا يكلف نفسه بمعرفة هوية الرجلين الوحيدين اللذين كانا يملكان الحق في المصادرة. وتشجع الرجل الذي يفترض أنّه البائع، وقام بفتح الطرد. طلب مبلغ 12.000 ليرة على ما بدا لعيني غير الخبيرة باطية سوداء ذات مقبضين، وفي حال جيدة. تفحصها بيرو جيداً، وقلبها في كل الاتجاهات، ثم قال أخيراً إنّه لا يريدها. قام الرجل بإعادة لفها في خيبة ومضى لحال سبيله. “فيم يستخدم ذلك الشي؟ ماهو؟" "باطيّة سوداء" "أصلية؟" "نعم" "إذن لم لم تصادرها؟" "لدينا بالفعل ثلاث أخريات مثلها. إن صادرنا كل شيء يُعرض علينا، فسوف لن يكون لنا أصدقاء من الفلاحين. نحن نريدهم أن يحضروا إلينا ما يجدونه بدلاً عن الذهاب مباشرة إلى المافيا." يبدو الأمر منطقياً، لكنني كنت لأحب شراء تلك المزهرية. أضحى إخلاص العمّال للعالمين معروفاً في اللهجة بعبارة I Picciotti، مرّ باختبارات شديدة ولكنه صمد. لقد أدركوا أنَ ما عثروا عليه ملك للدولة وأدركوا تماماً أنّ أهميتها العلمية تعني ضرورة ألا تتسرب بعيداً. والآن، لسوء الحظ، صارت جيلا واحدة من أولى المدن من حيث عدد جرائم العنف والقتل في صقلية، بسبب المعارك المستميتة بين عصابات المافيا المتنافسة التي تتنازع السيطرة على تجارة المخدرات والنفط الذي تم اكتشافه في المنطقة. كان العالمان قد تقاعدا منذ زمن طويل، لكن ظلت أسوار المتحف الرائع قائمة. , Electronic Village, His excellency mohammed ahmed khalifa al suwaidi, Arabic Poetry, Arabic Knowledge, arabic articles, astrology, science museum, art museum,goethe museum, alwaraq, arab poet, arabic poems, Arabic Books,Arabic Quiz, القرية الإلكترونية , محمد أحمد خليفة السويدي , محمد أحمد السويدي , محمد السويدي , محمد سويدي , mohammed al suwaidi, mohammed al sowaidi,mohammed suwaidi, mohammed sowaidi, mohammad alsuwaidi, mohammad alsowaidi, mohammed ahmed alsuwaidi, محمد السويدي , محمد أحمد السويدي , muhammed alsuwaidi,muhammed suwaidi,,

Related Articles

كتاب منزل في صقلية - الفصل الثالث عشر- عرَّابة الدمى المتحركة
كتاب منزل في صقلية - الفصل الثاني عشر- الآثار
صور توثيقية من كتاب منزل في صقلية
كتاب منزل في صقلية - الفصل الحادي عشر- العمل الاجتماعي في صقلية
كتاب منزل في صقلية - الفصل العاشر- العرّاب
كتاب منزل في صقلية - الفصل التاسع - السيد ديلان توماس
كتاب منزل في صقلية - الفصل الثامن - كونستا