Arabic    

الخروج من الكهف لفرج بيرقدار


2019-09-03
اعرض في فيس بوك
التطبيقات : ارتياد الآفاق
التصنيف : إرتياد الآفاق (كتب)

 
 
الخروج من الكهف لفرج بيرقدار
الكتاب الحائز على جائزة ابن بطوطة لليوميات 2011
 
يا أين أنت يا نهر العاصي؟
 
في الليل تهدأ ليدن. إنها تنام باكراً لتستيقظ باكراً، ما عدا أيام العطل التي ينتقم فيها الهولنديون لأنفسهم، فيمنحون ليلهم كل ما يختزنونه من مواهب الحياة، ونهارَهم كل ما يليق بطمأنينة نوم مرتاحي البال والضمير.
الليل الآن لي وحدي. أضواء دار البلدية تنعكس على مرآة نهر الراين، مثل نجوم راعشة تمضي ولا تنتهي. آلاف النجوم تذهب في اتجاه جريان الماء وآلاف باقية وتتبعها.
شاهدت الراين لأول مرة في ألمانيا. لا أعرف لماذا يسمونه نهراً ذلك المهيب الجامح المتدفق على هواه!
يأتي من هناك رامحاً، ليخترق هولندا من الشرق، مفترعاً سهولها المطواع بما يكفي لترويضه، وإغرائه بالانشقاق والتشعُّب، والذهاب إلى مواعيد وجهات تأخذ منه ما تريد، ثم تردُّه إلى نفسه بين سهل وآخر، لتعاود استدراجه من جديد.
 
يا أين أنت يا نهر العاصي؟!
(سرَّحتُ أسئلتي 
وكان النهرُ فاتحةَ القصائدِ 
صافياً كالحزن في الأعراس 
علَّمني البلاغةَ والغموضَ 
وظلَّ جرحاً ذاهلَ الإيقاعِ 
منتشياً بما يمضي إليه من المعاني 
واشتقاقِ الصمتِ 
والجريان).
هكذا عرفتُ العاصي في طفولتي. شربتُ من مائه، واصطدتُ من أسماكه، وأكلتُ مما في سريره من القرَّة والجرجير والنعناع، ومن تينه ورمَّانه المشاعيين. 
سبحتُ فيه، ولعبت على ضفافه، وحضَّرت لامتحاناتي في ظلال أشجاره، ومنه تعلَّمتُ معنى العصيان.
فيما بعد تعرَّض العاصي لعملية اغتيال كيميائية. ما زلت أتذكر بمرارة يوماً نزلت فيه إلى النهر، لأرى سطحه وقد غطته الأسماك الكبيرة والصغيرة. 
في ذلك اليوم لم أكن أعرف ما معنى الكيمياء. كنت سعيداً مع أقراني ونحن نصطاد الأسماك بوفرة وسهولة على غير العادة. بعد ذلك لم يقل أحد إنه شاهد فيه لو سمكة واحدة.
في السجن جاهدتْ ذاكرتي في تنقيح صورة العاصي والاحتفاظ بها، مثلما كانت في أيام الطفولة، ولكني حين عدت إليه، بعد سنوات طويلة من الأسر، لم أجده، أعني لم يكن موجوداً لا ماءً ولا سمكاً. لقد رحل تاركاً مجراه مثل قبر موحش، تغطِّيه أعشاب ونباتات غريبة، تشبه أصداء النشيج.
يا أين أنت يا نهر العاصي؟!
 
الليل الآن لي وحدي. تعكَّرت مياه الراين من كثرة المطر، وغابت نجوم الأضواء. 
لا بأس.. حضور المطر بهذا القدر من جنون الكرم والسخاء، يعوضني عن غياب الأضواء التي كانت تتلألأ منذ قليل. حبَّات كبيرة شبعانة تعزف بغزارةِ عشرين أوركسترا قدسية على زجاج واجهة الصالون.
أيام الطفولة كان لأهلي ثلاث غُرَف، الأولى مسقوفة بألواح التوتياء، والثانية بالقرميد، والثالثة بالخشب والقصب والطين.
في تلك الأيام، أعني قبل أن يضرب التصحُّر الطبيعة والبشر والقيم، كانت تمطر كثيراً. قَرْعُ المطر على ألواح التوتياء هستيري، عدوانيٌّ، ويغلق الروح بالوحشة. 
في غرفة القرميد الأمر يختلف. كنت أسمع لوقع حبات المطر أصداء رنين، يمتزج فيه الأمان بشيء من الحزن الشفيف والبهجة الغامضة. 
في تلك الأجواء تشكَّلتْ الملامح الأولى لتأملاتي، ثم لقصائدي فيما بعد.
 
ليدن الآن لي وحدي. أعيد تشكيلها لتشبه مدينة حمص أيام الطفولة، بل ربما أعيد تشكيل حمص على هيئة ليدن، ولا سيما في هذه الليلة التي يستحمُّ فيها كل شيء. 
ليدن مدينة صافية النية، قريبة جداً من القلب، وقريبة جداً من بحر الشمال، سبعة كيلومترات فقط، ولا بدَّ لها أن تتمتع بحصة وافرة من حق الجيرة. 
ألا نتمتع نحن بحصة وافرة أيضاً من حق جيرتنا للصحراء؟!

    الخروج من الكهف لفرج بيرقدار الكتاب الحائز على جائزة ابن بطوطة لليوميات 2011   يا أين أنت يا نهر العاصي؟   في الليل تهدأ ليدن. إنها تنام باكراً لتستيقظ باكراً، ما عدا أيام العطل التي ينتقم فيها الهولنديون لأنفسهم، فيمنحون ليلهم كل ما يختزنونه من مواهب الحياة، ونهارَهم كل ما يليق بطمأنينة نوم مرتاحي البال والضمير. الليل الآن لي وحدي. أضواء دار البلدية تنعكس على مرآة نهر الراين، مثل نجوم راعشة تمضي ولا تنتهي. آلاف النجوم تذهب في اتجاه جريان الماء وآلاف باقية وتتبعها. شاهدت الراين لأول مرة في ألمانيا. لا أعرف لماذا يسمونه نهراً ذلك المهيب الجامح المتدفق على هواه! يأتي من هناك رامحاً، ليخترق هولندا من الشرق، مفترعاً سهولها المطواع بما يكفي لترويضه، وإغرائه بالانشقاق والتشعُّب، والذهاب إلى مواعيد وجهات تأخذ منه ما تريد، ثم تردُّه إلى نفسه بين سهل وآخر، لتعاود استدراجه من جديد.   يا أين أنت يا نهر العاصي؟! (سرَّحتُ أسئلتي  وكان النهرُ فاتحةَ القصائدِ  صافياً كالحزن في الأعراس  علَّمني البلاغةَ والغموضَ  وظلَّ جرحاً ذاهلَ الإيقاعِ  منتشياً بما يمضي إليه من المعاني  واشتقاقِ الصمتِ  والجريان). هكذا عرفتُ العاصي في طفولتي. شربتُ من مائه، واصطدتُ من أسماكه، وأكلتُ مما في سريره من القرَّة والجرجير والنعناع، ومن تينه ورمَّانه المشاعيين.  سبحتُ فيه، ولعبت على ضفافه، وحضَّرت لامتحاناتي في ظلال أشجاره، ومنه تعلَّمتُ معنى العصيان. فيما بعد تعرَّض العاصي لعملية اغتيال كيميائية. ما زلت أتذكر بمرارة يوماً نزلت فيه إلى النهر، لأرى سطحه وقد غطته الأسماك الكبيرة والصغيرة.  في ذلك اليوم لم أكن أعرف ما معنى الكيمياء. كنت سعيداً مع أقراني ونحن نصطاد الأسماك بوفرة وسهولة على غير العادة. بعد ذلك لم يقل أحد إنه شاهد فيه لو سمكة واحدة. في السجن جاهدتْ ذاكرتي في تنقيح صورة العاصي والاحتفاظ بها، مثلما كانت في أيام الطفولة، ولكني حين عدت إليه، بعد سنوات طويلة من الأسر، لم أجده، أعني لم يكن موجوداً لا ماءً ولا سمكاً. لقد رحل تاركاً مجراه مثل قبر موحش، تغطِّيه أعشاب ونباتات غريبة، تشبه أصداء النشيج. يا أين أنت يا نهر العاصي؟!   الليل الآن لي وحدي. تعكَّرت مياه الراين من كثرة المطر، وغابت نجوم الأضواء.  لا بأس.. حضور المطر بهذا القدر من جنون الكرم والسخاء، يعوضني عن غياب الأضواء التي كانت تتلألأ منذ قليل. حبَّات كبيرة شبعانة تعزف بغزارةِ عشرين أوركسترا قدسية على زجاج واجهة الصالون. أيام الطفولة كان لأهلي ثلاث غُرَف، الأولى مسقوفة بألواح التوتياء، والثانية بالقرميد، والثالثة بالخشب والقصب والطين. في تلك الأيام، أعني قبل أن يضرب التصحُّر الطبيعة والبشر والقيم، كانت تمطر كثيراً. قَرْعُ المطر على ألواح التوتياء هستيري، عدوانيٌّ، ويغلق الروح بالوحشة.  في غرفة القرميد الأمر يختلف. كنت أسمع لوقع حبات المطر أصداء رنين، يمتزج فيه الأمان بشيء من الحزن الشفيف والبهجة الغامضة.  في تلك الأجواء تشكَّلتْ الملامح الأولى لتأملاتي، ثم لقصائدي فيما بعد.   ليدن الآن لي وحدي. أعيد تشكيلها لتشبه مدينة حمص أيام الطفولة، بل ربما أعيد تشكيل حمص على هيئة ليدن، ولا سيما في هذه الليلة التي يستحمُّ فيها كل شيء.  ليدن مدينة صافية النية، قريبة جداً من القلب، وقريبة جداً من بحر الشمال، سبعة كيلومترات فقط، ولا بدَّ لها أن تتمتع بحصة وافرة من حق الجيرة.  ألا نتمتع نحن بحصة وافرة أيضاً من حق جيرتنا للصحراء؟! , Electronic Village, His excellency mohammed ahmed khalifa al suwaidi, Arabic Poetry, Arabic Knowledge, arabic articles, astrology, science museum, art museum,goethe museum, alwaraq, arab poet, arabic poems, Arabic Books,Arabic Quiz, القرية الإلكترونية , محمد أحمد خليفة السويدي , محمد أحمد السويدي , محمد السويدي , محمد سويدي , mohammed al suwaidi, mohammed al sowaidi,mohammed suwaidi, mohammed sowaidi, mohammad alsuwaidi, mohammad alsowaidi, mohammed ahmed alsuwaidi, محمد السويدي , محمد أحمد السويدي , muhammed alsuwaidi,muhammed suwaidi,,

Related Articles

غوته - رحلة إيطالية - يوميات شاعر القرنين بين الأدب والفنون
الخروج من ليوا - في الطريق إلى "العين" (2-2)
الخروج من ليوا - في الطريق إلى "العين" (2-1)
واحد - صفر للقتيل لكمال رياحي (2-2)
واحد - صفر للقتيل لكمال رياحي (2-1)
من دمشق إلى حيفا - الحرب تترك المخفر الأممي في سلام
كتاب من دمشق إلى حيفا - مخفر كودنه على الجبل