محمد أحمد خليفة السويدي - القرية الإلكترونية - Spreading Knowledge - محمد أحمد السويدي - محمد السويدي
Arabic    

ليوناردو دافنشي: رحلات العقل - 8 - تنفيذ لوحة العشاء الأخير


2019-06-08
اعرض في فيس بوك
التصنيف : مشروعات الترجمة

 

 

 

ليوناردو دافنشي: رحلات العقل
8-تنفيذ لوحة العشاء الأخير
عندما كان طفلاً في تسعينيات القرن الخامس عشر، كان الروائي المستقبلي ماتيو بانديلو راهباً جديداً في الدير الدومينيكي بالقديسة ماريا ديل غرازي في ميلانو، حيث كان عمه فينسينزو آمراً على الدير. كان يمضي أوقاته هناك مراقباً ليوناردو في عمله على الحائط الشمالي من قاعة الطعام، يلوّن القطعة الفنية العظيمة من عهد سفورزا، لوحة العشاء الأخير أو [Cenacolo].
كان يأتي باكراً، ويصعد على السقالة، ويشرع في العمل. كان يبقى هناك في بعض الأحيان إلى غروب الشمس، دون أن يضع فرشاته ولو لمرة، ناسياً أن يأكل أو يشرب، كان يرسم دون توقف. 
في أوقات أخرى كان يظل ليومين، وثلاثة أو أربعة أيام دون أن يمس فرشاته، بل يمضي الساعات الطوال أمام عمله وذراعاه مربعتان، يفحص وينتقد الأشكال بنفسه. لقد رأيته أيضاً وهو تحت تأثير إلحاح فجائي، في وقت الظهيرة، عندما كانت الشمس في كبد السماء، رأيته يغادر المحكمة القديمة حيث كان يعمل على حصانه الطيني العملاق، ليأتي إلى الدير، وبدون أن يتخذ ساتراً يظلّه من الشمس، صعد إلى السقالة، والتقط الفرشاة، ووضع ضربة أو اثنتين، ثم مضى مرة أخرى. 
كان بيناديلو يكتب هذا بعد عقود من الحادثة. هناك شيء من بُعد النظر: لقد بدأ ليوناردو على الأرجح رسم لوحة العشاء الأخير في عام 1495، وبالتالي لم يكن هنالك "عمل على" الحصان الطيني- الذي عُرض في أواخر عام 1493- في الوقت نفسه. لكن مع ذلك فهذه لمحة أصيلة للمعلم وهو منهمك في العمل. وهي تعبر عن إيقاعه الإبداعي، وسلسلة من الاجتهادات التي تتخللها تلك التعاويذ الملّحة من التفكير الصامت الذي يميل الآخرون-خاصة أولئك الذين يدفعون له- إلى تفسيرها خطأّ بالبطالة الحالمة. وتمنحنا تلك الصورة الرائعة لليوناردو وهو يسير في الطرقات، تحت شمس الظهيرة، لا يفكر في راحة أو مأوى من القيظ، وليس أي شيء آخر عدا وضع حَدٍ لمشكلة صغيرة ما في أحد تفاصيل اللوحة على نحو مفاجيء. فتلك "الضربة أو الضربتان" تذكرانا بالطبيعة التراكمية المضنية. والتدفق المهول للسرد البصري الذي يراه المرء على حائط الدير، ماهو إلا تراكم للضربات الخفيفة للفرشاة، وآلاف القرارات الميكروسكوبية. والإلفة التي تتسم بها اللوحات المشهورة عالمياً، تجعلها تبدو حتمية إلى حَدٍ ما- كيف يمكن أن تكون شيئاً غير ماهي عليه؟- وخرجت كل بوصة منها من رحم المعاناة والتعب والكد في العمل. 
تقع كنيسة سانتا ماريا ديل غرازي، وراء بوابة فيرسيلينا القديمة إلى الغرب من القلعة. ولقد ظلت لعدة سنوات (ربما سمعت بعضهم يتمتم بهذا) موقعَ بناءٍ افتراضي. ففي 1492 تم هدم قاعة الكورال والمحراب لبناء منبر وقبة جديدين مكانهما من تصميم برامانتي، وعقب ذلك صدر قرار بتوسيع مبنى الدير المجاور. كان تجديد حجرة الطعام قد اكتمل بحلول 1495 دون شك- هذا هو التأريخ الوارد في جصيّة الصَلْب لدوناتو دي مونتوربانو، التي تزيّن الجدار الجنوبي. العشاء الأخير، على الحائط المقابل، كان قد بدأ على الأرجح في تلك السنة. كان لودوفيكو وراء برنامج التجديدات هذا بكامله، فهو من أمر به وهو من تكفل بنفقاته، وكان يأمل أن يصبح المبنى الجديد ضريحاً مستقبلياً لسفورزا، وصِرحاً يلائم الأسرة الدوقية. أصبح هذا الدافع أكثر إلحاحاً بعد الوفاة المفاجئة لزوجته، بياتريس، وابنته بيانكا في 1497. وقد كانت وطأة هذين الفقدين ثقيلة على الأسمر، وكانتا سبباً في دخوله حالة من الورع الحزين: أصبح استثماره في كنيسة الغرازييه عاطفياً ومادياً بالدرجة نفسها، وكان دائماً ما يتناول وجباته في حجرة الطعام التابعة لها. وعليه فقد كانت جدارية ليوناردو العظيمة- ليست جصّية بشكل فني، إذ أنّها مرسومة بألوان الزيت- وجبة رئيسية في مشروع سفورزا الفخم: عمل حديث بكل مافيه ليتوّج هذه العصرنة الأنيقة. 
 
دراسات من أجل لوحة العشاء الأخير: الأعلى: رسوم تمهيدية أولى على ورقة في ويندسور. الأسفل: دراسات لرؤوس يهوذا(اليسار) والقديس جيمس الأكبر.
لتتبع تنفيذ "هذه التحفة الفنية المفعمة بالحركة"، كما يسميها بوركهارت، يتعيَّن على المرء أولاً أن يلتفت إلى ورقة في ويندسور، تحتوي على دراسة إنشائية أولية بالقلم والحبر.  وما تزال متأصلة في صور العشاء الأخير التقليدية- يهوذا في موقع قصي، يرى من الخلف، على الجانب الأقرب من الطاولة، والقديس يوحنا يظهر وهو نائم بجانب المسيح، في إشارة إلى "اتكاءته على حجر يسوع" عندما وقع الإنذار بالخيانة. وسوف يتخلى عن كلا الشكلين في النسخة النهائية. 
هنالك رسمان منفصلان على الورقة. الرسم على اليد اليمنى فيه عشر شخصيات: وربما تم قطع الورقة على الأرجح فذهبت الشخصيات الثلاث المتبقية. كانت هنالك أقواس مرسومة بخفة خلف المجموعة- يُعتقد أنَّ الأول من خلفية اللوحة، "الحجرة العلوية" التي كانت مكاناً للعشاء. ويظهر أربعة أشخاص في الرسم على اليد اليمنى، ولكنّه في الأساس عبارة عن دراسة للمسيح ويهوذا. هنا كان تركيز ليوناردو منصباً على درامية لحظة التعرّف: " الذي يغمس يده معي في الصحفة هو يسلمني."  (إنجيل متى 26:23). صعد يهودا على مقعد، ومد يده إلى الطبق. وقد تناول ليوناردو يد المسيح في وضعين- مرفوعة كما لو أنّها ممدودة، وأنّها وصلت إلى الطبق وتتحرك في لحظة من التلامس المؤثر مع يد الخائن. كان التركيز الأقوى في الرسم الأصغر، إذ وجد نقطة الارتكاز الأساسية- تلك اللحظة الأثيرية من التماس. وبالتركيز في هذه اللحظة، كان ليوناردو بالفعل ينتقل بالقصة إلى الوراء مبتعداً قليلاً عن التصوير الأكثر تقليدية للعشاء الأخير باعتباره تأسيساً لمبدأ القربان المقدس أو ما يعرف بالمناولة[الافخارستيا].
ومن المقوّمات الأخرى لهذا الرسم التمهيدي الأصغر حجماً؛ صورة يوحنا المعمدان النائم وذراع يسوع الممتدة على ظهره: وهي تجسيدٌ للوداعة يصلح للنحت- فيوحنا هو التلميذ "الذي أحبّه يسوع"ن ولكن الأوساط المتشككة غير المتدينة فسرت "الاتكاء على حضن يسوع" كإشارة على المثلية الجنسية. ومن ضمن الزندقات المنسوبة لكريستوفر مارلوي بعد مائة سنة كانت أنّ المسيح أحبّ القديس يوحنا "بمحبة غير عادية"، و"استخدمه كما فعل خاطئو سدوم". ويتذكر المرء هنا مسلسل سالتاريللي، والذي اُستخدم نصه الثانوي من شجبٍ رسمي لاستخدام النماذج الصغيرة المخنثة في تصوير الملائكة والمسيح طفلاً. فَصَل ليوناردو بين الشخصيتين في اللوحة النهائية، بيد أنّ يوحنا ظل هو الأجمل والأكثر شباباً من بين التلاميذ كافة. 
عقب ذلك بقليل، ربما، فإذا بالرسم التمهيدي الموجود في الأكاديمية في البندقية، قد تحول من الطباشير الأحمر إلى الحبر بيد شخص آخر.  لقد بدا أغلظ، بسبب التحبير في الأساس، ولكن هنالك شيء ما في الإيقاع التركيبي لللوحة بدأ يظهر. كان التلاميذ قد بدأوا يتشكلون في مجموعات: هنالك تركيز على سماتهم الفردية، أصبحوا مميزين بسرعة بديباجات مكتوبة (تم ذكر فيليب مرتين). ولكن ظل يهوذا على الجانب الذي يلينا من الطاولة، ويوحنا متكيء في إغفاءته.
هذه لمحات في مفهوم التلوين في اللوحات الأولى: مخططات مصغرة، منفذة بسرعة، وتركيز ومزاج تشكيكي- أهذه الطريقة أم تلك؟ ولكن، كما هو الحال في الغالب مع ليوناردو، تضرب جذور التلوين إلى الأعماق، بيد أنّ هذه الدراسات الأولى بالفعل هي للوحة العشاء الأخير الخاصة بكنيسة الغرازي، فنجد في خزانة رسوماته التمهيدية ورقة أقدم، يعود تأريخها إلى 1480، ومعها ثلاثية من رسوم تمهيدية مرتبطة مع بعضها: مجموعة من الناس يجلسون على مائدة، وهنالك شخص يقف جانباً حاملاً رأسه في كفيه، وشخص لا بدَّ أنّه المسيح، يشير بأصبعه إلى الصحْفة القدَريّة.
 وهذه الدراسات لم تُجر من أجل لوحة العشاء الأخير تحديداً: والمجموعة ليست التلاميذ، فقط خمسة رجال على طاولة، يمضون الوقت في حوار محتدم- وربما كان في احتفال قروي ما، وهنالك رجال يجلسون على شكل دائرة حول منضدة خشبية. ولكن خطر شيء ما بذهن ليوناردو، الذي أدرك في الرسم التمهيدي المؤثر لمناولة المسيح على ذات الورقة، والذي يخرج إلى النور في عمل فنيّ ميلانيّ عظيم بعد خمسة عشر عاماً. 
ومن الدراسات التركيبية الموجودة في ويندسر والبندقية ينتقل التركيز إلى ملامح الأفراد، وهكذا نصل إلى أشهر سلسلة للرؤوس في ويندسر، بالطباشير الأحمر في الغالب وبعضها مكتمل. ونرى الشخصيات تخرج من الضباب: يهوذا، وبطرس، والقديس جيمس الأكبر، والقديس فيليب (لقد رُسم الاخيران باستخدام المثال نفسه دون شك، بيد أنّهما مميزان في اللوحة) . وهنالك دراسة جميلة لكفَّي القديس يوحنا، وكُّمِ القديس بطرس.  وهنالك بعض الاستحسان الذي تضمنته التعليقات المقتضبة في كرّاسات فورستر- بأنّ شخصاً معيناً يدعى اليساندرو من بارما هو من قدّم مثالاً ليد المسيح: وأنَّ "كريستوفانو دا كاستيغليوني الذي يعيش في بيتا، كان حسن شكل الرأس." وهنالك أيضاً مذكرة تحمل عنوان "المسيح"، يكتب تحتها ليوناردو: " جيوفاني كونتي، هو صاحب الكاردينال مارتارو"، يعطينا هذا السطر فكرة عن اسم مثال المسيح. ووفقاً للمصدر المطلع لويجي من أراغون، الذي رأى اللوحة في 1517، فقد كان بعض التلاميذ "لوحات وجه حقيقية لبعض أدباء ميلانو وأعيانها". 
وفي قطعة مشهورة، يدرج ليوناردو بعض ردود أفعال التلاميذ: 
الذي كان يشرب، وترك الكأس في مكانها، ثم التفت برأسه تجاه المتحدث.
آخر يشبك أصابع يديه معاُ، ويلتفت بحاجب مقطّب إلى رفيقه، وبيديه المبسوطتين يظهر كفيه ويرفع كتفيه إلى مستوى أذنيه، ويصنع تعبيراً عن الدهشة بفمه... الآخر الذي التفت، حاملاً سكيناً في يده، يطرق كأساً موضوعة على الطاولة...  وآخر ينحني إلى الأمام ليرى محدثه، مظللاً عينيه بكفه. 
بعض هذه الحركات وجدت طريقها إلى اللوحة المكتملة- القديس أندرو ذو اللحية البيضاء (الثالث من اليسار) مبيّناً راحتيه، ورافعاً كتفيه. والآخرون محوّرون، ولذلك يلتفت الرجل حامل السكين بيده(القديس بطرس) منفصلاً عن الرجل الذي يطرق على الكوب، ويصبح الأخير رجلاً(يهوذا)، يُسقط المملحة. تظهر واحدة من هذه الإيماءات على الأقل في ذلك الرسم التمهيدي التركيبي في ويندسر: المجموعة الصغرى، الشخص في الوسط بين المسيح ويهوذا "يظلل عينيه بكفه".
وفي هذه الحركات العاطفية، كما في التخطيط التركيبي بالقدر نفسه، يتجذر المفهوم الجديد للوحة العشاء الأخير لليوناردو، مخالفاً التقاليد المتوارثة منذ العصور الوسطى والتي كان فيها التلاميذ يصطفون في خط جامد على جانب واحد من الطاولة. لا بدّ أنّه رأى في فلورنسا النسخ التي نفذها تادو جادّي، وأندريه ديل كاستانو، وفرا انجليكو، ودومينيكو غيرلاندايو ، والجصِّية الأنيقة الباهتة غالباً في غرفة الطعام بالأوغنيسانتي، التي اكتملت قبل فترة قصيرة من مغادرة ليوناردو إلى ميلانو. وفي نسخة ليوناردو اختلت استقامة جلوس التلاميذ بشكل ساحر. فلدينا بدلاً عن ذلك مجموعة تجلس على هيئة موجية، قارنها بيترو ماراني بالأشكال البيضاوية في مخطوطة باريس ج.  وتتشكل الموجات من أربع مجموعات فرعية، كلٌ منها تضمّ ثلاثة تلاميذ: عقد وتكدسات من الرجال يجدون أنفسهم فجأة في أزمة. وعثر ليوناردو هو الآخر على لحظته الدرامية: ليس تأسيس طقس المناولة، ولا التعرّف على يهوذا، ولكن الصدمة الأولى لإعلان المسيح- "الحق أقول لكم إنَّ واحداً منكم سيسلمني.. فحزنوا جداً" (متى 26: 21،2). عليه فإنَّ الطلاقة الجديدة للتركيب؛ هي جزءٌ من إنتاج قرار السرد- تكاد تكون سينمائية: اللحظة التي تروي لنا القصة. ولقد جاء وصف هذه اللحظة بشكل جيد في واحدة من أولى التعليقات المدونة على الجدارية، وهي لوقا باشيولي، في إهداء كتابه النِسَب الإلهية، المؤرخ في 14 ديسمبر 1498، حيث كتب:  
لا يستطيع المرء تخيل الرُّسل وهم أكثر انتباهاً لصوت الحقيقة المطلقة التي تقول، "Unus vestrum me traditurus est" "لابدّ أنّ واحداً منكم سيسلمني"، بالنظر إلى حركاتهم وإيماءاتهم، لقد بدا وهم يتحدثون في ما بينهم- رجل إلى الآخر، وهو إلى غيره-  مصابين بشعور عميق من الذهول. وهكذا أنشأها صاحبنا ليوناردو بجدارة بيده الرقيقة." 
كان وصف باشيولي جميلاً لعلاقته بليوناردو في ذلك الوقت: فهو ربما كان يحتوي انعكاساً لتصريحات ليوناردو نفسه- على نوعية "اليقظة" و"الذهول" التي تضيع معها الكثافة الدرامية للتركيز على المسيح، وبمعنى تفاعل الرسل في ما بينهم. هذه هي كيفية عمل اللوحة: الأشخاص ليسوا في صف واحد، بل متشابكون، يتحدثون" أنا والآخر، ألآخر وأنا". 
ثم هنالك يهوذا: شرير اللوحة، وفي الصورة الجانبية له في دراسة بويندسر(صفحة 294) رجل أقبح من الشر- يكاد يكون مسخاً، ولكنْ بملامح مفعمة بالندم، والنفور من الذات، مما أضفى على الرسم شيئاً من المأساوية، أو الغفران المسيحي في الحقيقة. (أعادت الترميمات الأخيرة للوحة تغطية رقة الوجوه، والتي ضاعت تحت أعمال التلوين اللاحقة، فيهوذا، يعتبر مثالاً على وجه هو الآن أقرب إلى الرسم التمهيدي منه إلى اللوحة قبل إعادة الترميم.) فهو انعكاس لكلمات المسيح، حتى عندما تتحرك يده بإصرار ناحية قطعة الخبز التي سيغمسها في الصحفة".
وهنالك حكاية معروفة لوجه يهوذا في لوحة العشاء الأخير في كتاب فازاري: كيف كان آمر الغرازي يلحّ على ليوناردو "بالإسراع وإكمال العمل"، واشتكى إلى الدوق مماطلة الفنان. والتي استجابة لها قال ليوناردو للودوفيكو أنّه مازال يبحث عن وجه به ما يكفي من الشر لتمثيل يهوذا، ولكن إن لم ينجح " فربما يكون بإمكانه دائماً استخدام رأس ذلك الآمر عديم الصبر واللباقة" كمثال. وتدوي ضحكة الدوق على هذه الدعابة، و" تقاعد الآمر التعِس في حيرة مما أثار قلق العاملين في حديقته." وهذه واحدة من تلك الحكايا الفازارية التي ثبت أنّها لا تخلو من لبّ الحقيقة وجوهرها، على الأقل بين الشهود المعاصرين. لقد اقتبست القصة من خطاب لغيامباتيستا جيرالدي شينتو، المنشور في 1554، وأخذها شينتو بالمقابل من والده، كريستوفور جيرالدي، دبلوماسي فيراريّ عرف ليوناردو بشكل شخصي في ميلانو. ونسخة جيرالدي من القصة تزعم بأنّها تسجيل لكلمات ليوناردو: 
بقي لي أن أرسم رأس يهوذا، والذي أتى بخيانة عظمى، كما تعرفون جميعاً، وعليه فهو يستحق أن يُرسم بوجه يعبر عن كل وقاحته..وعليه فإني –ولسنة كاملة حتى الآن، وربما أكثر، كنت أذهب يومياً، صباحاً ومساءً، إلى البورغيتو حيث تعيش جميع الشخصيات الحقيرة والخسيسة، ومعظهم أوغاد وأشرار، آملاً أن أرى وجهاً يناسب هذا الرجل الشرير. ولم أجد واحداً إلى هذا اليوم...وإن بدا لي أنني سوف لن أجد واحداً، فسوف أستخدم وجه هذا الأب الموقر، الآمر" 
وسواءٌ أكانت هذه القصة حقيقية أو لا، فنحن قريبون هنا من توثيق أصلي لليوناردو. هكذا يتذكر كريستوفور جيرالدي، الذي كان يعرف ليوناردو، أو يتخيله يتحدث: ogni giorno, sera e mattina, mi sono ridotto in borthetto…"
بدأت لوحة العشاء الأخير بتغطية جدار حجرة الطعام بطبقة مستوية من الجص الذي يشكل القاعدة الهيكلية للجدارية.  وتجصيص الجزء الأوسط، حيث سيتم تلوين الجزء العمل الرئيسي- سيكون أكثر خشونة، لزيادة قابلية التصاق طبقات الدهان عليه: والفاصل بين القسمين يبدو كخط أفقي خفيف بجانب الجزء الأوسط من السقف المنخفض. أحد الاكتشافات التي خرجت من آخر أعمال الترميم، هي أثر لصليب، أو رسم تخطيطي، على اللوحة مباشرة- "خطوط حمراء دقيقة إلى حد بعيد، منفذة باليد مع دفق من ضربات الفرشاة..لتحديد الأجسام في لوحته". وبعد عمل هذا الجصّ أو الخلفية، أظهر تحليل حديث أنَّ هذا عبارة عن: مزيج رملي يبلغ سمكه 100-200 ميكرون، مكوّن من كربونات الكالسيوم والمغنسيوم بالإضافة إلى عامل لصق بروتيني"، وفوقه أساس رقيق من الرصاص الأبيض. وفي هذه المرحلة تم عمل عدد من الشقوق في السطح، والمميزة لوجهة النظر المعمارية وأشكالها، ولحظة غريبة من الدقة، ثقب صغير كان قد حُفر في مركز الصورة: نقطة التلاشي. من الممكن رؤية هذا الثقب في صورة مكبّرة: إنه في نقطة تقع على الصدغ الأيمن للمسيح.
جميع هذه الإعدادات تذكرنا بأنّ هنالك عملاً جماعياً في المرسم (وهي نقطة أغفلتها شهادة بانديلو، التي تتسم بنبرة مضللة من العزلة الفنية). لم يعمل ليوناردو على اللوحة لوحده، كما فعل مايكل آنجلو في لوحة كنيسة سيستين، ولكنْ كان معه فريق من المساعدين- ربما كان من ضمنهم ماركو دي أوغيانو، الذي سوف تخرج على يديه واحدة من أقدم نسخ الجدارية، وسالاي، الذي هو في السادسة عشرة من عمره الآن ويعمل كصبي، وتوماسو ماسيني، الذي وُثقت مساهماته في الجدارية الضخمة اللاحقة (جصّية الانغياري في فلورنسا). ويمكن أن نضيف إلى هؤلاء المساعدين الموثوقين دفعة جديدة من التلاميذ والمساعدين الذين وجدت اسماؤهم في ورقتي مخطوطة أتلانتكس. 
جاء إيوديتي في 8 سبتمبر على دوكات في الشهر
بينيديتو وصل في 17 اكتوبر على 4 دوكات بالشهر.
والسنة المشار إليها قد تكون 1496 أو 1497. أربعة دوكات هي الأجرة التي حددها ليوناردو مقابل إقامتهم، ومعاشهم، وعليه فيجوز لهم أن يجنوا المال على عملهم كسعاة، وهكذا بنهاية السنة كان بينيديتو قد كسب حوالي 39 ليرة- أقل بقليل من 10 دوكات- وهو المبلغ الذي يدين به تقريباً مقابل إقامته وإعاشته في فترة الأسابيع العشرة تلك. يظهر اسم بينيدتو أيضاً على ورقة غير مؤرخة، مقطوعة من هامشها، وهي تسجل قوة عمل المرسم في ذلك الوقت تقريباً: 
[...]نكو 4
[...]يبردو 4
غيانماريا 4
بينيديتو 4
جيانبيترو 4
سالاي 3
بارتولوميو 3
جيراردو 4
يُرجح أنَّ الاسم الأول هو "فرانكو" وربما كان المقصود هو فرانسسكو غالي، والمعروف بالنابوليّ، والخامس ربما كان غيامبيترينو ريتسولي، والاسم قبل الأخير والذي كان يدفع الرسوم الأقل أي 3 دوكات، ربما كان بارتولوميو سواردي، والمعروف بإل برامانتينو، تلميذ بارامانتي صديق ليوناردو. 
ربما بدأ العمل في اللوحة نفسها بالشعار ثلاثي الأهلّة في أعلى المشهد المصوّر، وقد لحقها الآن كثير من التخريب، ولكن تبقت أجزاء من الشعار والنقوش التي عليها، وما زال بالإمكان رؤية إكليل الثمار والأعشاب الجميل. وربما بدأ تلوين الجزء المركزي من المشهد بالجانب الأيمن. فنحن هنا ندلف إلى العهد الذي وصفه ماتيو بانديلو- من العمل المكثّف وتأمل الأيدي المكتوفة، ولقد أكدت البيانات الفنية صدق وصف بانديللو: " تؤكد بضعُ دراساتٍ بطءَ تقدم ليوناردو، وكذلك الإتقان الواضح للتفاصيل المهمة.. فكل شخصية وكل غرض على الطاولة يشف عن مراجعة للخطوط العامة مهما كانت دقيقة أو سطحية، والتي ضاعت في الألوان المجاورة، ما يؤكد حقيقة أنَّ ليوناردو منح نفسه قدراً كبيراً من الحرية في العودة إلى مراجعة أجزاء اللوحة أكثر من مرة."  ومن ضمن المراجعات التي اكتشفها المرممون؛ تعديلُ موقع أصابع المسيح، التي كانت تمتد على حيزٍ أكبر في النسخة الأصلية.
في صيف 1496، وبينما ليوناردو يعمل على لوحة العشاء الأخير، كان في الوقت نفسه يقوم بتزيين غرف معينة (غرف الملابس) وهي في الغالب مخادع الدوقة بياترس، في قلعة سفورزا. هذي هي المهمة ذاتها التي ذكرها في خطابه المقتطع الذي اقتبسته في موضع سابق: "تذَكّر التكليف بطلاء الغرف..."
في 8 يونيو 1496 كان هنالك مشهدٌ من نوع ما، أحد الأوقات القليلة التي فقد فيها هدوءه. وهي ملاحظة أوردها أحد أمناء سر الدوق إذ قال كاتباً: " الرسام الذي كان يزين غرف الملابس، تسبب في شيء مخزٍ اليوم، وغادر لهذا السبب."  كان هذا التوتر هو على الأرجح ذا صلة بمسوَّدة خطابٍ مقتطعٍ آخر موجَّهٍ إلى الدوق، يشكو فيه ليوناردو من ضغوطات مادية: " ما يثير حنقي بشدة أنكم قد لمستم احتياجي، و...أنّ ضرورة السعي لكسب عيشي أجبرتني على التوقف عن العمل والوقوف على أمور أقل أهمية بدلاً عن متابعة العمل الذي أوكلتموه لي سيادتكم."  العمل المهم هو بلا شك لوحة العشاء الأخير، والعمل "الأقل" أهمية الذي أنصرف إليه ربما كان تزيين غرف الدوقة. 
نبرة هذا الخطاب مفعمة بالسخط: ضع في اعتبارك التهكم الذي يوشك أن يعلن عن نفسه في العبارة "ضرورة السعي لكسب العيش"- انزعاج لم يكن الدوق معتاداً عليه. ويستمر الخطاب: " ربما لم توعز سيدي إلى السيد غوالتيري، ظانين أنَّ لدي من المال ما يكفي..إنْ اعتقدتم سيدي أنَّ لدي المال، فقد غُرر بكم." الإشارة إلى غوالتيرو باسكابي الذي ورد وصفه في مكان آخر بصفته [Ducalis iudex dationum] قاضي الدوق للمِنح، أي القائم على توزيعها. وقد ظهر أنَّ بعض "المنح" المتوقعة لم تسلّم: والمقصود بالمنح هنا هي بالضرورة مبالغ مالية تم تقديمها بحيث لا يمكن اعتبارها رواتب نسبة لعدم انتظام ورودها. وحسابات ليوناردو المالية الخاصة بعمل العشاء الأخير تتباين بصورة كبيرة. 
ووفقاً لبانديلو، كان يتلقى راتباً شهرياً يبلغ 2000 دوكات، ولكن بحسب مصدر مطلع آخر (غيرولامو بوغاتي، أخٌ في دير الغرازي في أواسط القرن السادس عشر) فإنّ الأسمر لم يدفع لليوناردو سوى 500 دوكات بالسنة.  ويعتبر هذا المبلغ على قلته كبيراً مقارنة بما أخذه ليوناردو على لوحة عذراء الصخور التي طالب ليوناردو وامبروغيو دي بيرديس بمبلغ 1200 ليرة نظير عملها ، أو ما يعادل 300 دوكات تقريباً. 
وفي هذا الخطاب المحكم، بانفجار مزاجي غير متوقع- " شيءٌ ما مخزٍ" في القلعة- لقد حصلنا على امتياز لمحة من وراء الكواليس لليوناردو وهو يرزح تحت وطأة ضغط إبداعي كبير هو إكمال جدارية العشاء الأخير التي كان ضغطها يتفاقم على الدوام دون أن يبدده اللهو أو تعينه عليه التسلية. إنّه ليوناردو ذاته الذي التقط بانديلو صورةً له، يمشي متجهماً في الشوارع الصامتة المستعرة باتجاه كنيسة الغرازي.
ولبناديلو قصة أخرى، يظهر فيها ليوناردو في مزاج أكثر استرخاء- يتحدث مع زائر مميز للكنيسة، هو الحبر رايموند بيراود، أسقف الجورك. وتؤكد الوثائق وجود الحبر في ميلانو في أواخر يناير 1497.  يتدلى ليوناردو من السقالة ليحييه. " لقد تحدثا في عدة أمور،" يتذكر بانديلو، و" على التحديد في تميز اللوحة، وقال بعض من كانوا هناك أنهم تمنوا لو استطاعوا رؤية هذه التحف واللوحات التي امتدحها المؤلفون العظام، حتى يتسنى لهم الحكم على فناني اليوم بأنّهم في مصاف القدماء أم لا". كما كان ليوناردو هو الآخر يسليّ رفيقه بقصة تشرد فيلبي ليبي اليافع الذي قبض عليه "المشارقة" واستعبدوه، وأعتق في آخر المطاف بسبب مهارته في الرسم. وهي قصة معروفة من حياة فيلبي ليبي بقلم فازاري.  ويقفز هنا سؤالان: هل أخذ فازاري القصة عن بانديلو؟ هل بانديلو سمعها للمرة الأولى فعلا من شفاه ليوناردو دا فينشي؟ أكثر ما نستطيع قوله أنَّ كلا الاحتمالين وارد. رواية بانديلو صدرت لأول مرة في لوكا في 1554- بعد أربع سنوات من صدور الطبعة الأولى من حيوات فازاري- ولكنهما مكتوبتان في وقت سابق بالتأكيد، وربما كانتا متوفرتين على هيئة مخطوطات. وكما بالنسبة لليوناردو فإنه ربما سمع القصة من ابن فيلبو فيليبينو، الذي عرفه في فلورنسا عام 1470، والذي كانت له علاقات ودية معه. ومن الممكن بالقدر نفسه أنَّ الانتهازي بانديلو كان يصنع قصصاً أفضل بكثير بنسبتها زوراً لليوناردو.  
كان ليوناردو ما زال يعمل على لوحة العشاء الأخير في صيف 1497. فقد كان هنالك مدخلة في سجل الدير لتلك السنة. تسجيل دفع مبلغ 37 ليرة لبعض العمال" نظير عملهم على نافذة في حجرة الطعام حيث كان ليوناردو يرسم الرسل". وفي 29 يونيو عام 1497 يكتب لودوفيكو خطاباً لأمين سره، ماركيزينو ستانغا، يقول في متنه أنّه يأمل أن:" يكمل ليوناردو الفلورنسي العمل الذي بدأه في حجرة الطعام في وقت قريب"، حتى يتسنى له "الالتفات إلى الجدار الآخر منها".  ويمكن هنا تمييز النبرة المتعجلة للدوق هنا بوضوح. 
ومن المعروف أيضاً أنّ جدارية ليوناردو العظيمة كانت مبتكرة بأقل تقدير. لقد استخدم مزيجاً من الزيت والصبغة للتلوين، بدلاً عن أسلوب الجصً الجيد التقليدي في التلوين على الخلفية اللينة. وقد مكنّه هذا من العمل بشكل أكثر بطئاً، ومن إعادة التلوين، ولكن من مساوئه أنّه أصبح من الواضح أن الطلاء بدأ يتقشر عنها. وهي مشكلة تورثها الرطوبة التي فاقمت من سوء الوضع. فتدهور سطح الرسم كان واضحاً للعيان بالفعل أثناء حياته. وفي عام 1517 ذكر كاتب المذكرات أنطونيو دي بيتس أنَّ الجدارية  كانت قد "بدأت تفسد"، وبحلول الوقت الذي رأها فيه فازاري في خمسينيات القرن السادس عشر، "لم يكن هنالك شيء يمكن رؤيته سوى فوضى من البقع".  وهذا بلا شك هو السبب في عمل كثير من النسخ الأولى لها: اثنتنان منها لماركو دا أوغيانو وجيامبيترينو- وبريشة الفنانين الذين كانوا مشاركين على الأرجح في صنع اللوحة الأصلية. كما كان ذلك أيضاً هو السبب وراء مشاريع الترميم المكثفة والغير دقيقة، والتي تعود أولاها من حيث التوثيق إلى بدايات القرن الثامن عشر، ولكنْ على الأرجح لم تكن الأولى. وفي ثلاثينيات القرن العشرين، وبمقارنة الحالة الراهنة للجدارية بتلك النسخ الأولى، وبالدراسات التمهيدية في ويندسور، رثى كينيث كلارك خسارة جزء كبير من التعابير على يد المرمم القاتلة: لقد اعتقد أنَّ "النوع المقطب المبالغ فيه، بنكهة مايكل آنجلو في لوحة يوم القيامة،" تدل على" ضعف أساليب القرن السادس عشر".  
وقد تأصلت في اللوحة هشاشة ذاتية يبدو أنّها جزء لا يتجزأ من سحرها، والتي تحولت خلال بضعة عقود إلى " فوضىً من البقع"، وخرّبت على أيدي جنود نابليون في أوائل القرن التاسع عشر، وأخطأتها قنابل الحلفاء بالكاد في صيف 1943. إنّ نجاتها من جميع تلك الأهوال لمعجزة في حد ذاتها. 
وآخر أعمال الترميم وأكثرها طموحا، كانت تحت إشراف بيني برامبيلا بارشلون، والتي كشف عنها الستار في 1999، بعد أكثر من عشرين عاماً من العمل بتكلفة تقدر ب20 مليون ليرة( 6 ملابيين جنيه استرليني تقريباً). استهدفت في غالبها إزالة أخطاء أعمال الترميم السابقة: القشرة التي كونتها الملمعات والألوان الزائدة والتي كشطت عنها، وأزيلت باستخدام التقشير الميكرسكوبي أملاً في أن تظل بعض الألوان الأصلية في مكانها. وبكلمات بارامبيللا بارشلون، تمت معاملة اللوحة "كما لو كانت غير صالحة تماماً".  فلقد كان للترميم نقاده، كما هو الحال دائماً- لقد "فقدت روح" الأصل- ولكن ما نراه الآن هو أقرب إلى ما رسمه ليوناردو ومساعدوه على ذلك الجدار، وراقبها الصبي بانديلو ذو العينين الواسعتين، قبل خمسمائة سنة خلت. أقرب ولكنها بالطبع جزئية- نجا منها حوالي 20 بالمائة فقط من سطح الصورة الأصلية. وأصبحت اللوحة معلقة مثل شبح على الجدار، عتيقة لكنها تعج بالتعابير والإيماءات كما السحر، وبالتفاصيل تلك الوجبة الأخيرة البسيطة ولكنّها ملحّة: الكؤوس الملأى لأنصافها بالنبيذ، والنسيج المزركش المخرم على مفرش الطاولة، والسكين التي تلتمع فيها مشاعر اللحظة التي يلتقطها القديس بطرس مثل سلاح في يد أحد القتلة.
 
 
 
------------------------------------------------
 ليوناردو دافنشي: رحلات العقل
تأليف: تشارلز نيكول
ترجمة: أميمة حسن قاسم
محاولة استعادة شيء من ليوناردو الإنسان هي مهمة هذا الكتاب- ذلك هو، ليوناردو الإنسان الحقيقي، الذي عاش في وقت حقيقي، وأكل أطباقاً حقيقية من الحساء، مقابل ليوناردو الرجل الخارق، متعدد التخصصات.
بتكليف ورعاية من الشاعر الإماراتي محمد أحمد السويدي، وبدافع من حب المعرفة والسعي لنشرها  قامت القرية الإلكترونية بتوفير هذه النسخة من كتاب ليوناردو دافنشي: رحلات العقل | تأليف: تشارلز نيكول | ترجمة: أميمة حسن قاسم
وسوف نقوم بنشرها على حلقات تباعاً هنا في جوجل بلس نأمل أن تحوز إعجابكم وأن تكون مساهمة في #نشر_المعرفة
صفحتنا الرسمية في فيس بوك :
منصتنا في جوجل بلس لمتابعة باقي مشروعاتنا 
https://plus.google.com/+HisExcellencyMohammedAhmedAlSuwaidi?hl=ar
(جميع الحقوق محفوظة)

      ليوناردو دافنشي: رحلات العقل   8-تنفيذ لوحة العشاء الأخير عندما كان طفلاً في تسعينيات القرن الخامس عشر، كان الروائي المستقبلي ماتيو بانديلو راهباً جديداً في الدير الدومينيكي بالقديسة ماريا ديل غرازي في ميلانو، حيث كان عمه فينسينزو آمراً على الدير. كان يمضي أوقاته هناك مراقباً ليوناردو في عمله على الحائط الشمالي من قاعة الطعام، يلوّن القطعة الفنية العظيمة من عهد سفورزا، لوحة العشاء الأخير أو [Cenacolo]. كان يأتي باكراً، ويصعد على السقالة، ويشرع في العمل. كان يبقى هناك في بعض الأحيان إلى غروب الشمس، دون أن يضع فرشاته ولو لمرة، ناسياً أن يأكل أو يشرب، كان يرسم دون توقف.  في أوقات أخرى كان يظل ليومين، وثلاثة أو أربعة أيام دون أن يمس فرشاته، بل يمضي الساعات الطوال أمام عمله وذراعاه مربعتان، يفحص وينتقد الأشكال بنفسه. لقد رأيته أيضاً وهو تحت تأثير إلحاح فجائي، في وقت الظهيرة، عندما كانت الشمس في كبد السماء، رأيته يغادر المحكمة القديمة حيث كان يعمل على حصانه الطيني العملاق، ليأتي إلى الدير، وبدون أن يتخذ ساتراً يظلّه من الشمس، صعد إلى السقالة، والتقط الفرشاة، ووضع ضربة أو اثنتين، ثم مضى مرة أخرى.  كان بيناديلو يكتب هذا بعد عقود من الحادثة. هناك شيء من بُعد النظر: لقد بدأ ليوناردو على الأرجح رسم لوحة العشاء الأخير في عام 1495، وبالتالي لم يكن هنالك "عمل على" الحصان الطيني- الذي عُرض في أواخر عام 1493- في الوقت نفسه. لكن مع ذلك فهذه لمحة أصيلة للمعلم وهو منهمك في العمل. وهي تعبر عن إيقاعه الإبداعي، وسلسلة من الاجتهادات التي تتخللها تلك التعاويذ الملّحة من التفكير الصامت الذي يميل الآخرون-خاصة أولئك الذين يدفعون له- إلى تفسيرها خطأّ بالبطالة الحالمة. وتمنحنا تلك الصورة الرائعة لليوناردو وهو يسير في الطرقات، تحت شمس الظهيرة، لا يفكر في راحة أو مأوى من القيظ، وليس أي شيء آخر عدا وضع حَدٍ لمشكلة صغيرة ما في أحد تفاصيل اللوحة على نحو مفاجيء. فتلك "الضربة أو الضربتان" تذكرانا بالطبيعة التراكمية المضنية. والتدفق المهول للسرد البصري الذي يراه المرء على حائط الدير، ماهو إلا تراكم للضربات الخفيفة للفرشاة، وآلاف القرارات الميكروسكوبية. والإلفة التي تتسم بها اللوحات المشهورة عالمياً، تجعلها تبدو حتمية إلى حَدٍ ما- كيف يمكن أن تكون شيئاً غير ماهي عليه؟- وخرجت كل بوصة منها من رحم المعاناة والتعب والكد في العمل.  تقع كنيسة سانتا ماريا ديل غرازي، وراء بوابة فيرسيلينا القديمة إلى الغرب من القلعة. ولقد ظلت لعدة سنوات (ربما سمعت بعضهم يتمتم بهذا) موقعَ بناءٍ افتراضي. ففي 1492 تم هدم قاعة الكورال والمحراب لبناء منبر وقبة جديدين مكانهما من تصميم برامانتي، وعقب ذلك صدر قرار بتوسيع مبنى الدير المجاور. كان تجديد حجرة الطعام قد اكتمل بحلول 1495 دون شك- هذا هو التأريخ الوارد في جصيّة الصَلْب لدوناتو دي مونتوربانو، التي تزيّن الجدار الجنوبي. العشاء الأخير، على الحائط المقابل، كان قد بدأ على الأرجح في تلك السنة. كان لودوفيكو وراء برنامج التجديدات هذا بكامله، فهو من أمر به وهو من تكفل بنفقاته، وكان يأمل أن يصبح المبنى الجديد ضريحاً مستقبلياً لسفورزا، وصِرحاً يلائم الأسرة الدوقية. أصبح هذا الدافع أكثر إلحاحاً بعد الوفاة المفاجئة لزوجته، بياتريس، وابنته بيانكا في 1497. وقد كانت وطأة هذين الفقدين ثقيلة على الأسمر، وكانتا سبباً في دخوله حالة من الورع الحزين: أصبح استثماره في كنيسة الغرازييه عاطفياً ومادياً بالدرجة نفسها، وكان دائماً ما يتناول وجباته في حجرة الطعام التابعة لها. وعليه فقد كانت جدارية ليوناردو العظيمة- ليست جصّية بشكل فني، إذ أنّها مرسومة بألوان الزيت- وجبة رئيسية في مشروع سفورزا الفخم: عمل حديث بكل مافيه ليتوّج هذه العصرنة الأنيقة.    دراسات من أجل لوحة العشاء الأخير: الأعلى: رسوم تمهيدية أولى على ورقة في ويندسور. الأسفل: دراسات لرؤوس يهوذا(اليسار) والقديس جيمس الأكبر. لتتبع تنفيذ "هذه التحفة الفنية المفعمة بالحركة"، كما يسميها بوركهارت، يتعيَّن على المرء أولاً أن يلتفت إلى ورقة في ويندسور، تحتوي على دراسة إنشائية أولية بالقلم والحبر.  وما تزال متأصلة في صور العشاء الأخير التقليدية- يهوذا في موقع قصي، يرى من الخلف، على الجانب الأقرب من الطاولة، والقديس يوحنا يظهر وهو نائم بجانب المسيح، في إشارة إلى "اتكاءته على حجر يسوع" عندما وقع الإنذار بالخيانة. وسوف يتخلى عن كلا الشكلين في النسخة النهائية.  هنالك رسمان منفصلان على الورقة. الرسم على اليد اليمنى فيه عشر شخصيات: وربما تم قطع الورقة على الأرجح فذهبت الشخصيات الثلاث المتبقية. كانت هنالك أقواس مرسومة بخفة خلف المجموعة- يُعتقد أنَّ الأول من خلفية اللوحة، "الحجرة العلوية" التي كانت مكاناً للعشاء. ويظهر أربعة أشخاص في الرسم على اليد اليمنى، ولكنّه في الأساس عبارة عن دراسة للمسيح ويهوذا. هنا كان تركيز ليوناردو منصباً على درامية لحظة التعرّف: " الذي يغمس يده معي في الصحفة هو يسلمني."  (إنجيل متى 26:23). صعد يهودا على مقعد، ومد يده إلى الطبق. وقد تناول ليوناردو يد المسيح في وضعين- مرفوعة كما لو أنّها ممدودة، وأنّها وصلت إلى الطبق وتتحرك في لحظة من التلامس المؤثر مع يد الخائن. كان التركيز الأقوى في الرسم الأصغر، إذ وجد نقطة الارتكاز الأساسية- تلك اللحظة الأثيرية من التماس. وبالتركيز في هذه اللحظة، كان ليوناردو بالفعل ينتقل بالقصة إلى الوراء مبتعداً قليلاً عن التصوير الأكثر تقليدية للعشاء الأخير باعتباره تأسيساً لمبدأ القربان المقدس أو ما يعرف بالمناولة[الافخارستيا]. ومن المقوّمات الأخرى لهذا الرسم التمهيدي الأصغر حجماً؛ صورة يوحنا المعمدان النائم وذراع يسوع الممتدة على ظهره: وهي تجسيدٌ للوداعة يصلح للنحت- فيوحنا هو التلميذ "الذي أحبّه يسوع"ن ولكن الأوساط المتشككة غير المتدينة فسرت "الاتكاء على حضن يسوع" كإشارة على المثلية الجنسية. ومن ضمن الزندقات المنسوبة لكريستوفر مارلوي بعد مائة سنة كانت أنّ المسيح أحبّ القديس يوحنا "بمحبة غير عادية"، و"استخدمه كما فعل خاطئو سدوم". ويتذكر المرء هنا مسلسل سالتاريللي، والذي اُستخدم نصه الثانوي من شجبٍ رسمي لاستخدام النماذج الصغيرة المخنثة في تصوير الملائكة والمسيح طفلاً. فَصَل ليوناردو بين الشخصيتين في اللوحة النهائية، بيد أنّ يوحنا ظل هو الأجمل والأكثر شباباً من بين التلاميذ كافة.  عقب ذلك بقليل، ربما، فإذا بالرسم التمهيدي الموجود في الأكاديمية في البندقية، قد تحول من الطباشير الأحمر إلى الحبر بيد شخص آخر.  لقد بدا أغلظ، بسبب التحبير في الأساس، ولكن هنالك شيء ما في الإيقاع التركيبي لللوحة بدأ يظهر. كان التلاميذ قد بدأوا يتشكلون في مجموعات: هنالك تركيز على سماتهم الفردية، أصبحوا مميزين بسرعة بديباجات مكتوبة (تم ذكر فيليب مرتين). ولكن ظل يهوذا على الجانب الذي يلينا من الطاولة، ويوحنا متكيء في إغفاءته. هذه لمحات في مفهوم التلوين في اللوحات الأولى: مخططات مصغرة، منفذة بسرعة، وتركيز ومزاج تشكيكي- أهذه الطريقة أم تلك؟ ولكن، كما هو الحال في الغالب مع ليوناردو، تضرب جذور التلوين إلى الأعماق، بيد أنّ هذه الدراسات الأولى بالفعل هي للوحة العشاء الأخير الخاصة بكنيسة الغرازي، فنجد في خزانة رسوماته التمهيدية ورقة أقدم، يعود تأريخها إلى 1480، ومعها ثلاثية من رسوم تمهيدية مرتبطة مع بعضها: مجموعة من الناس يجلسون على مائدة، وهنالك شخص يقف جانباً حاملاً رأسه في كفيه، وشخص لا بدَّ أنّه المسيح، يشير بأصبعه إلى الصحْفة القدَريّة.  وهذه الدراسات لم تُجر من أجل لوحة العشاء الأخير تحديداً: والمجموعة ليست التلاميذ، فقط خمسة رجال على طاولة، يمضون الوقت في حوار محتدم- وربما كان في احتفال قروي ما، وهنالك رجال يجلسون على شكل دائرة حول منضدة خشبية. ولكن خطر شيء ما بذهن ليوناردو، الذي أدرك في الرسم التمهيدي المؤثر لمناولة المسيح على ذات الورقة، والذي يخرج إلى النور في عمل فنيّ ميلانيّ عظيم بعد خمسة عشر عاماً.  ومن الدراسات التركيبية الموجودة في ويندسر والبندقية ينتقل التركيز إلى ملامح الأفراد، وهكذا نصل إلى أشهر سلسلة للرؤوس في ويندسر، بالطباشير الأحمر في الغالب وبعضها مكتمل. ونرى الشخصيات تخرج من الضباب: يهوذا، وبطرس، والقديس جيمس الأكبر، والقديس فيليب (لقد رُسم الاخيران باستخدام المثال نفسه دون شك، بيد أنّهما مميزان في اللوحة) . وهنالك دراسة جميلة لكفَّي القديس يوحنا، وكُّمِ القديس بطرس.  وهنالك بعض الاستحسان الذي تضمنته التعليقات المقتضبة في كرّاسات فورستر- بأنّ شخصاً معيناً يدعى اليساندرو من بارما هو من قدّم مثالاً ليد المسيح: وأنَّ "كريستوفانو دا كاستيغليوني الذي يعيش في بيتا، كان حسن شكل الرأس." وهنالك أيضاً مذكرة تحمل عنوان "المسيح"، يكتب تحتها ليوناردو: " جيوفاني كونتي، هو صاحب الكاردينال مارتارو"، يعطينا هذا السطر فكرة عن اسم مثال المسيح. ووفقاً للمصدر المطلع لويجي من أراغون، الذي رأى اللوحة في 1517، فقد كان بعض التلاميذ "لوحات وجه حقيقية لبعض أدباء ميلانو وأعيانها".  وفي قطعة مشهورة، يدرج ليوناردو بعض ردود أفعال التلاميذ:  الذي كان يشرب، وترك الكأس في مكانها، ثم التفت برأسه تجاه المتحدث. آخر يشبك أصابع يديه معاُ، ويلتفت بحاجب مقطّب إلى رفيقه، وبيديه المبسوطتين يظهر كفيه ويرفع كتفيه إلى مستوى أذنيه، ويصنع تعبيراً عن الدهشة بفمه... الآخر الذي التفت، حاملاً سكيناً في يده، يطرق كأساً موضوعة على الطاولة...  وآخر ينحني إلى الأمام ليرى محدثه، مظللاً عينيه بكفه.  بعض هذه الحركات وجدت طريقها إلى اللوحة المكتملة- القديس أندرو ذو اللحية البيضاء (الثالث من اليسار) مبيّناً راحتيه، ورافعاً كتفيه. والآخرون محوّرون، ولذلك يلتفت الرجل حامل السكين بيده(القديس بطرس) منفصلاً عن الرجل الذي يطرق على الكوب، ويصبح الأخير رجلاً(يهوذا)، يُسقط المملحة. تظهر واحدة من هذه الإيماءات على الأقل في ذلك الرسم التمهيدي التركيبي في ويندسر: المجموعة الصغرى، الشخص في الوسط بين المسيح ويهوذا "يظلل عينيه بكفه". وفي هذه الحركات العاطفية، كما في التخطيط التركيبي بالقدر نفسه، يتجذر المفهوم الجديد للوحة العشاء الأخير لليوناردو، مخالفاً التقاليد المتوارثة منذ العصور الوسطى والتي كان فيها التلاميذ يصطفون في خط جامد على جانب واحد من الطاولة. لا بدّ أنّه رأى في فلورنسا النسخ التي نفذها تادو جادّي، وأندريه ديل كاستانو، وفرا انجليكو، ودومينيكو غيرلاندايو ، والجصِّية الأنيقة الباهتة غالباً في غرفة الطعام بالأوغنيسانتي، التي اكتملت قبل فترة قصيرة من مغادرة ليوناردو إلى ميلانو. وفي نسخة ليوناردو اختلت استقامة جلوس التلاميذ بشكل ساحر. فلدينا بدلاً عن ذلك مجموعة تجلس على هيئة موجية، قارنها بيترو ماراني بالأشكال البيضاوية في مخطوطة باريس ج.  وتتشكل الموجات من أربع مجموعات فرعية، كلٌ منها تضمّ ثلاثة تلاميذ: عقد وتكدسات من الرجال يجدون أنفسهم فجأة في أزمة. وعثر ليوناردو هو الآخر على لحظته الدرامية: ليس تأسيس طقس المناولة، ولا التعرّف على يهوذا، ولكن الصدمة الأولى لإعلان المسيح- "الحق أقول لكم إنَّ واحداً منكم سيسلمني.. فحزنوا جداً" (متى 26: 21،2). عليه فإنَّ الطلاقة الجديدة للتركيب؛ هي جزءٌ من إنتاج قرار السرد- تكاد تكون سينمائية: اللحظة التي تروي لنا القصة. ولقد جاء وصف هذه اللحظة بشكل جيد في واحدة من أولى التعليقات المدونة على الجدارية، وهي لوقا باشيولي، في إهداء كتابه النِسَب الإلهية، المؤرخ في 14 ديسمبر 1498، حيث كتب:   لا يستطيع المرء تخيل الرُّسل وهم أكثر انتباهاً لصوت الحقيقة المطلقة التي تقول، "Unus vestrum me traditurus est" "لابدّ أنّ واحداً منكم سيسلمني"، بالنظر إلى حركاتهم وإيماءاتهم، لقد بدا وهم يتحدثون في ما بينهم- رجل إلى الآخر، وهو إلى غيره-  مصابين بشعور عميق من الذهول. وهكذا أنشأها صاحبنا ليوناردو بجدارة بيده الرقيقة."  كان وصف باشيولي جميلاً لعلاقته بليوناردو في ذلك الوقت: فهو ربما كان يحتوي انعكاساً لتصريحات ليوناردو نفسه- على نوعية "اليقظة" و"الذهول" التي تضيع معها الكثافة الدرامية للتركيز على المسيح، وبمعنى تفاعل الرسل في ما بينهم. هذه هي كيفية عمل اللوحة: الأشخاص ليسوا في صف واحد، بل متشابكون، يتحدثون" أنا والآخر، ألآخر وأنا".  ثم هنالك يهوذا: شرير اللوحة، وفي الصورة الجانبية له في دراسة بويندسر(صفحة 294) رجل أقبح من الشر- يكاد يكون مسخاً، ولكنْ بملامح مفعمة بالندم، والنفور من الذات، مما أضفى على الرسم شيئاً من المأساوية، أو الغفران المسيحي في الحقيقة. (أعادت الترميمات الأخيرة للوحة تغطية رقة الوجوه، والتي ضاعت تحت أعمال التلوين اللاحقة، فيهوذا، يعتبر مثالاً على وجه هو الآن أقرب إلى الرسم التمهيدي منه إلى اللوحة قبل إعادة الترميم.) فهو انعكاس لكلمات المسيح، حتى عندما تتحرك يده بإصرار ناحية قطعة الخبز التي سيغمسها في الصحفة". وهنالك حكاية معروفة لوجه يهوذا في لوحة العشاء الأخير في كتاب فازاري: كيف كان آمر الغرازي يلحّ على ليوناردو "بالإسراع وإكمال العمل"، واشتكى إلى الدوق مماطلة الفنان. والتي استجابة لها قال ليوناردو للودوفيكو أنّه مازال يبحث عن وجه به ما يكفي من الشر لتمثيل يهوذا، ولكن إن لم ينجح " فربما يكون بإمكانه دائماً استخدام رأس ذلك الآمر عديم الصبر واللباقة" كمثال. وتدوي ضحكة الدوق على هذه الدعابة، و" تقاعد الآمر التعِس في حيرة مما أثار قلق العاملين في حديقته." وهذه واحدة من تلك الحكايا الفازارية التي ثبت أنّها لا تخلو من لبّ الحقيقة وجوهرها، على الأقل بين الشهود المعاصرين. لقد اقتبست القصة من خطاب لغيامباتيستا جيرالدي شينتو، المنشور في 1554، وأخذها شينتو بالمقابل من والده، كريستوفور جيرالدي، دبلوماسي فيراريّ عرف ليوناردو بشكل شخصي في ميلانو. ونسخة جيرالدي من القصة تزعم بأنّها تسجيل لكلمات ليوناردو:  بقي لي أن أرسم رأس يهوذا، والذي أتى بخيانة عظمى، كما تعرفون جميعاً، وعليه فهو يستحق أن يُرسم بوجه يعبر عن كل وقاحته..وعليه فإني –ولسنة كاملة حتى الآن، وربما أكثر، كنت أذهب يومياً، صباحاً ومساءً، إلى البورغيتو حيث تعيش جميع الشخصيات الحقيرة والخسيسة، ومعظهم أوغاد وأشرار، آملاً أن أرى وجهاً يناسب هذا الرجل الشرير. ولم أجد واحداً إلى هذا اليوم...وإن بدا لي أنني سوف لن أجد واحداً، فسوف أستخدم وجه هذا الأب الموقر، الآمر"  وسواءٌ أكانت هذه القصة حقيقية أو لا، فنحن قريبون هنا من توثيق أصلي لليوناردو. هكذا يتذكر كريستوفور جيرالدي، الذي كان يعرف ليوناردو، أو يتخيله يتحدث: ogni giorno, sera e mattina, mi sono ridotto in borthetto…" بدأت لوحة العشاء الأخير بتغطية جدار حجرة الطعام بطبقة مستوية من الجص الذي يشكل القاعدة الهيكلية للجدارية.  وتجصيص الجزء الأوسط، حيث سيتم تلوين الجزء العمل الرئيسي- سيكون أكثر خشونة، لزيادة قابلية التصاق طبقات الدهان عليه: والفاصل بين القسمين يبدو كخط أفقي خفيف بجانب الجزء الأوسط من السقف المنخفض. أحد الاكتشافات التي خرجت من آخر أعمال الترميم، هي أثر لصليب، أو رسم تخطيطي، على اللوحة مباشرة- "خطوط حمراء دقيقة إلى حد بعيد، منفذة باليد مع دفق من ضربات الفرشاة..لتحديد الأجسام في لوحته". وبعد عمل هذا الجصّ أو الخلفية، أظهر تحليل حديث أنَّ هذا عبارة عن: مزيج رملي يبلغ سمكه 100-200 ميكرون، مكوّن من كربونات الكالسيوم والمغنسيوم بالإضافة إلى عامل لصق بروتيني"، وفوقه أساس رقيق من الرصاص الأبيض. وفي هذه المرحلة تم عمل عدد من الشقوق في السطح، والمميزة لوجهة النظر المعمارية وأشكالها، ولحظة غريبة من الدقة، ثقب صغير كان قد حُفر في مركز الصورة: نقطة التلاشي. من الممكن رؤية هذا الثقب في صورة مكبّرة: إنه في نقطة تقع على الصدغ الأيمن للمسيح. جميع هذه الإعدادات تذكرنا بأنّ هنالك عملاً جماعياً في المرسم (وهي نقطة أغفلتها شهادة بانديلو، التي تتسم بنبرة مضللة من العزلة الفنية). لم يعمل ليوناردو على اللوحة لوحده، كما فعل مايكل آنجلو في لوحة كنيسة سيستين، ولكنْ كان معه فريق من المساعدين- ربما كان من ضمنهم ماركو دي أوغيانو، الذي سوف تخرج على يديه واحدة من أقدم نسخ الجدارية، وسالاي، الذي هو في السادسة عشرة من عمره الآن ويعمل كصبي، وتوماسو ماسيني، الذي وُثقت مساهماته في الجدارية الضخمة اللاحقة (جصّية الانغياري في فلورنسا). ويمكن أن نضيف إلى هؤلاء المساعدين الموثوقين دفعة جديدة من التلاميذ والمساعدين الذين وجدت اسماؤهم في ورقتي مخطوطة أتلانتكس.  جاء إيوديتي في 8 سبتمبر على دوكات في الشهر بينيديتو وصل في 17 اكتوبر على 4 دوكات بالشهر. والسنة المشار إليها قد تكون 1496 أو 1497. أربعة دوكات هي الأجرة التي حددها ليوناردو مقابل إقامتهم، ومعاشهم، وعليه فيجوز لهم أن يجنوا المال على عملهم كسعاة، وهكذا بنهاية السنة كان بينيديتو قد كسب حوالي 39 ليرة- أقل بقليل من 10 دوكات- وهو المبلغ الذي يدين به تقريباً مقابل إقامته وإعاشته في فترة الأسابيع العشرة تلك. يظهر اسم بينيدتو أيضاً على ورقة غير مؤرخة، مقطوعة من هامشها، وهي تسجل قوة عمل المرسم في ذلك الوقت تقريباً:  [...]نكو 4 [...]يبردو 4 غيانماريا 4 بينيديتو 4 جيانبيترو 4 سالاي 3 بارتولوميو 3 جيراردو 4 يُرجح أنَّ الاسم الأول هو "فرانكو" وربما كان المقصود هو فرانسسكو غالي، والمعروف بالنابوليّ، والخامس ربما كان غيامبيترينو ريتسولي، والاسم قبل الأخير والذي كان يدفع الرسوم الأقل أي 3 دوكات، ربما كان بارتولوميو سواردي، والمعروف بإل برامانتينو، تلميذ بارامانتي صديق ليوناردو.  ربما بدأ العمل في اللوحة نفسها بالشعار ثلاثي الأهلّة في أعلى المشهد المصوّر، وقد لحقها الآن كثير من التخريب، ولكن تبقت أجزاء من الشعار والنقوش التي عليها، وما زال بالإمكان رؤية إكليل الثمار والأعشاب الجميل. وربما بدأ تلوين الجزء المركزي من المشهد بالجانب الأيمن. فنحن هنا ندلف إلى العهد الذي وصفه ماتيو بانديلو- من العمل المكثّف وتأمل الأيدي المكتوفة، ولقد أكدت البيانات الفنية صدق وصف بانديللو: " تؤكد بضعُ دراساتٍ بطءَ تقدم ليوناردو، وكذلك الإتقان الواضح للتفاصيل المهمة.. فكل شخصية وكل غرض على الطاولة يشف عن مراجعة للخطوط العامة مهما كانت دقيقة أو سطحية، والتي ضاعت في الألوان المجاورة، ما يؤكد حقيقة أنَّ ليوناردو منح نفسه قدراً كبيراً من الحرية في العودة إلى مراجعة أجزاء اللوحة أكثر من مرة."  ومن ضمن المراجعات التي اكتشفها المرممون؛ تعديلُ موقع أصابع المسيح، التي كانت تمتد على حيزٍ أكبر في النسخة الأصلية. في صيف 1496، وبينما ليوناردو يعمل على لوحة العشاء الأخير، كان في الوقت نفسه يقوم بتزيين غرف معينة (غرف الملابس) وهي في الغالب مخادع الدوقة بياترس، في قلعة سفورزا. هذي هي المهمة ذاتها التي ذكرها في خطابه المقتطع الذي اقتبسته في موضع سابق: "تذَكّر التكليف بطلاء الغرف..." في 8 يونيو 1496 كان هنالك مشهدٌ من نوع ما، أحد الأوقات القليلة التي فقد فيها هدوءه. وهي ملاحظة أوردها أحد أمناء سر الدوق إذ قال كاتباً: " الرسام الذي كان يزين غرف الملابس، تسبب في شيء مخزٍ اليوم، وغادر لهذا السبب."  كان هذا التوتر هو على الأرجح ذا صلة بمسوَّدة خطابٍ مقتطعٍ آخر موجَّهٍ إلى الدوق، يشكو فيه ليوناردو من ضغوطات مادية: " ما يثير حنقي بشدة أنكم قد لمستم احتياجي، و...أنّ ضرورة السعي لكسب عيشي أجبرتني على التوقف عن العمل والوقوف على أمور أقل أهمية بدلاً عن متابعة العمل الذي أوكلتموه لي سيادتكم."  العمل المهم هو بلا شك لوحة العشاء الأخير، والعمل "الأقل" أهمية الذي أنصرف إليه ربما كان تزيين غرف الدوقة.  نبرة هذا الخطاب مفعمة بالسخط: ضع في اعتبارك التهكم الذي يوشك أن يعلن عن نفسه في العبارة "ضرورة السعي لكسب العيش"- انزعاج لم يكن الدوق معتاداً عليه. ويستمر الخطاب: " ربما لم توعز سيدي إلى السيد غوالتيري، ظانين أنَّ لدي من المال ما يكفي..إنْ اعتقدتم سيدي أنَّ لدي المال، فقد غُرر بكم." الإشارة إلى غوالتيرو باسكابي الذي ورد وصفه في مكان آخر بصفته [Ducalis iudex dationum] قاضي الدوق للمِنح، أي القائم على توزيعها. وقد ظهر أنَّ بعض "المنح" المتوقعة لم تسلّم: والمقصود بالمنح هنا هي بالضرورة مبالغ مالية تم تقديمها بحيث لا يمكن اعتبارها رواتب نسبة لعدم انتظام ورودها. وحسابات ليوناردو المالية الخاصة بعمل العشاء الأخير تتباين بصورة كبيرة.  ووفقاً لبانديلو، كان يتلقى راتباً شهرياً يبلغ 2000 دوكات، ولكن بحسب مصدر مطلع آخر (غيرولامو بوغاتي، أخٌ في دير الغرازي في أواسط القرن السادس عشر) فإنّ الأسمر لم يدفع لليوناردو سوى 500 دوكات بالسنة.  ويعتبر هذا المبلغ على قلته كبيراً مقارنة بما أخذه ليوناردو على لوحة عذراء الصخور التي طالب ليوناردو وامبروغيو دي بيرديس بمبلغ 1200 ليرة نظير عملها ، أو ما يعادل 300 دوكات تقريباً.  وفي هذا الخطاب المحكم، بانفجار مزاجي غير متوقع- " شيءٌ ما مخزٍ" في القلعة- لقد حصلنا على امتياز لمحة من وراء الكواليس لليوناردو وهو يرزح تحت وطأة ضغط إبداعي كبير هو إكمال جدارية العشاء الأخير التي كان ضغطها يتفاقم على الدوام دون أن يبدده اللهو أو تعينه عليه التسلية. إنّه ليوناردو ذاته الذي التقط بانديلو صورةً له، يمشي متجهماً في الشوارع الصامتة المستعرة باتجاه كنيسة الغرازي. ولبناديلو قصة أخرى، يظهر فيها ليوناردو في مزاج أكثر استرخاء- يتحدث مع زائر مميز للكنيسة، هو الحبر رايموند بيراود، أسقف الجورك. وتؤكد الوثائق وجود الحبر في ميلانو في أواخر يناير 1497.  يتدلى ليوناردو من السقالة ليحييه. " لقد تحدثا في عدة أمور،" يتذكر بانديلو، و" على التحديد في تميز اللوحة، وقال بعض من كانوا هناك أنهم تمنوا لو استطاعوا رؤية هذه التحف واللوحات التي امتدحها المؤلفون العظام، حتى يتسنى لهم الحكم على فناني اليوم بأنّهم في مصاف القدماء أم لا". كما كان ليوناردو هو الآخر يسليّ رفيقه بقصة تشرد فيلبي ليبي اليافع الذي قبض عليه "المشارقة" واستعبدوه، وأعتق في آخر المطاف بسبب مهارته في الرسم. وهي قصة معروفة من حياة فيلبي ليبي بقلم فازاري.  ويقفز هنا سؤالان: هل أخذ فازاري القصة عن بانديلو؟ هل بانديلو سمعها للمرة الأولى فعلا من شفاه ليوناردو دا فينشي؟ أكثر ما نستطيع قوله أنَّ كلا الاحتمالين وارد. رواية بانديلو صدرت لأول مرة في لوكا في 1554- بعد أربع سنوات من صدور الطبعة الأولى من حيوات فازاري- ولكنهما مكتوبتان في وقت سابق بالتأكيد، وربما كانتا متوفرتين على هيئة مخطوطات. وكما بالنسبة لليوناردو فإنه ربما سمع القصة من ابن فيلبو فيليبينو، الذي عرفه في فلورنسا عام 1470، والذي كانت له علاقات ودية معه. ومن الممكن بالقدر نفسه أنَّ الانتهازي بانديلو كان يصنع قصصاً أفضل بكثير بنسبتها زوراً لليوناردو.   كان ليوناردو ما زال يعمل على لوحة العشاء الأخير في صيف 1497. فقد كان هنالك مدخلة في سجل الدير لتلك السنة. تسجيل دفع مبلغ 37 ليرة لبعض العمال" نظير عملهم على نافذة في حجرة الطعام حيث كان ليوناردو يرسم الرسل". وفي 29 يونيو عام 1497 يكتب لودوفيكو خطاباً لأمين سره، ماركيزينو ستانغا، يقول في متنه أنّه يأمل أن:" يكمل ليوناردو الفلورنسي العمل الذي بدأه في حجرة الطعام في وقت قريب"، حتى يتسنى له "الالتفات إلى الجدار الآخر منها".  ويمكن هنا تمييز النبرة المتعجلة للدوق هنا بوضوح.  ومن المعروف أيضاً أنّ جدارية ليوناردو العظيمة كانت مبتكرة بأقل تقدير. لقد استخدم مزيجاً من الزيت والصبغة للتلوين، بدلاً عن أسلوب الجصً الجيد التقليدي في التلوين على الخلفية اللينة. وقد مكنّه هذا من العمل بشكل أكثر بطئاً، ومن إعادة التلوين، ولكن من مساوئه أنّه أصبح من الواضح أن الطلاء بدأ يتقشر عنها. وهي مشكلة تورثها الرطوبة التي فاقمت من سوء الوضع. فتدهور سطح الرسم كان واضحاً للعيان بالفعل أثناء حياته. وفي عام 1517 ذكر كاتب المذكرات أنطونيو دي بيتس أنَّ الجدارية  كانت قد "بدأت تفسد"، وبحلول الوقت الذي رأها فيه فازاري في خمسينيات القرن السادس عشر، "لم يكن هنالك شيء يمكن رؤيته سوى فوضى من البقع".  وهذا بلا شك هو السبب في عمل كثير من النسخ الأولى لها: اثنتنان منها لماركو دا أوغيانو وجيامبيترينو- وبريشة الفنانين الذين كانوا مشاركين على الأرجح في صنع اللوحة الأصلية. كما كان ذلك أيضاً هو السبب وراء مشاريع الترميم المكثفة والغير دقيقة، والتي تعود أولاها من حيث التوثيق إلى بدايات القرن الثامن عشر، ولكنْ على الأرجح لم تكن الأولى. وفي ثلاثينيات القرن العشرين، وبمقارنة الحالة الراهنة للجدارية بتلك النسخ الأولى، وبالدراسات التمهيدية في ويندسور، رثى كينيث كلارك خسارة جزء كبير من التعابير على يد المرمم القاتلة: لقد اعتقد أنَّ "النوع المقطب المبالغ فيه، بنكهة مايكل آنجلو في لوحة يوم القيامة،" تدل على" ضعف أساليب القرن السادس عشر".   وقد تأصلت في اللوحة هشاشة ذاتية يبدو أنّها جزء لا يتجزأ من سحرها، والتي تحولت خلال بضعة عقود إلى " فوضىً من البقع"، وخرّبت على أيدي جنود نابليون في أوائل القرن التاسع عشر، وأخطأتها قنابل الحلفاء بالكاد في صيف 1943. إنّ نجاتها من جميع تلك الأهوال لمعجزة في حد ذاتها.  وآخر أعمال الترميم وأكثرها طموحا، كانت تحت إشراف بيني برامبيلا بارشلون، والتي كشف عنها الستار في 1999، بعد أكثر من عشرين عاماً من العمل بتكلفة تقدر ب20 مليون ليرة( 6 ملابيين جنيه استرليني تقريباً). استهدفت في غالبها إزالة أخطاء أعمال الترميم السابقة: القشرة التي كونتها الملمعات والألوان الزائدة والتي كشطت عنها، وأزيلت باستخدام التقشير الميكرسكوبي أملاً في أن تظل بعض الألوان الأصلية في مكانها. وبكلمات بارامبيللا بارشلون، تمت معاملة اللوحة "كما لو كانت غير صالحة تماماً".  فلقد كان للترميم نقاده، كما هو الحال دائماً- لقد "فقدت روح" الأصل- ولكن ما نراه الآن هو أقرب إلى ما رسمه ليوناردو ومساعدوه على ذلك الجدار، وراقبها الصبي بانديلو ذو العينين الواسعتين، قبل خمسمائة سنة خلت. أقرب ولكنها بالطبع جزئية- نجا منها حوالي 20 بالمائة فقط من سطح الصورة الأصلية. وأصبحت اللوحة معلقة مثل شبح على الجدار، عتيقة لكنها تعج بالتعابير والإيماءات كما السحر، وبالتفاصيل تلك الوجبة الأخيرة البسيطة ولكنّها ملحّة: الكؤوس الملأى لأنصافها بالنبيذ، والنسيج المزركش المخرم على مفرش الطاولة، والسكين التي تلتمع فيها مشاعر اللحظة التي يلتقطها القديس بطرس مثل سلاح في يد أحد القتلة.         ------------------------------------------------  ليوناردو دافنشي: رحلات العقل تأليف: تشارلز نيكول ترجمة: أميمة حسن قاسم محاولة استعادة شيء من ليوناردو الإنسان هي مهمة هذا الكتاب- ذلك هو، ليوناردو الإنسان الحقيقي، الذي عاش في وقت حقيقي، وأكل أطباقاً حقيقية من الحساء، مقابل ليوناردو الرجل الخارق، متعدد التخصصات. بتكليف ورعاية من الشاعر الإماراتي محمد أحمد السويدي، وبدافع من حب المعرفة والسعي لنشرها  قامت القرية الإلكترونية بتوفير هذه النسخة من كتاب ليوناردو دافنشي: رحلات العقل | تأليف: تشارلز نيكول | ترجمة: أميمة حسن قاسم وسوف نقوم بنشرها على حلقات تباعاً هنا في جوجل بلس نأمل أن تحوز إعجابكم وأن تكون مساهمة في #نشر_المعرفة صفحتنا الرسمية في فيس بوك : https://www.facebook.com/mohammed.suwaidi.poet/ منصتنا في جوجل بلس لمتابعة باقي مشروعاتنا  https://plus.google.com/+HisExcellencyMohammedAhmedAlSuwaidi?hl=ar (جميع الحقوق محفوظة) , Electronic Village, His excellency mohammed ahmed khalifa al suwaidi, Arabic Poetry, Arabic Knowledge, arabic articles, astrology, science museum, art museum,goethe museum, alwaraq, arab poet, arabic poems, Arabic Books,Arabic Quiz, القرية الإلكترونية , محمد أحمد خليفة السويدي , محمد أحمد السويدي , محمد السويدي , محمد سويدي , mohammed al suwaidi, mohammed al sowaidi,mohammed suwaidi, mohammed sowaidi, mohammad alsuwaidi, mohammad alsowaidi, mohammed ahmed alsuwaidi, محمد السويدي , محمد أحمد السويدي , muhammed alsuwaidi,muhammed suwaidi,,

Related Articles

قصة سان ميشيل لأكسِل مونتي - الحلقة رقم 27 - ملاذ الطيور
قصة سان ميشيل لأكسِل مونتي - الحلقة رقم 28 - إلْـ بَمبِينُو(1)
قصة سان ميشيل لأكسِل مونتي - الحلقة رقم 29 - عيد سان أنطونيو
قصة سان ميشيل لأكسِل مونتي - الحلقة رقم 30 - سباق الزوارق
قصة سان ميشيل لأكسِل مونتي - الحلقة رقم 31 - بداية النهاية
قصة سان ميشيل لأكسِل مونتي - الحلقة رقم 32 - في البرج القديم
قصة سان ميشيل لأكسِل مونتي - الحلقة رقم 33