محمد أحمد خليفة السويدي - القرية الإلكترونية - Spreading Knowledge - محمد أحمد السويدي - محمد السويدي
Arabic    

محادثات مع غوته - الجزء الخامس عشر


2018-07-10
اعرض في فيس بوك
التصنيف : مشروعات الترجمة

 
 
 
الجزء الخامس عشر
 
تقوم «القرية الإلكترونية» بتكليف من الشاعر الإماراتي محمد أحمد السويدي، بدافع من الشغف بجوته وبكل ما كتب عنه، بترجمة يوميات من حياة شاعر ألمانيا الكبير "جوته"، المعنونة بـــ «محادثات مع غوته»، من تأليف: «يوهان بيتر إيكرمان*»، وهي عبارة عن يوميّات كتبها "إيكرمان" عن السنوات الأخيرة من حياة شاعر ألمانيا الكبير «غوته Goethe»، وتمت ترجمتها من الألمانية للإنجليزية بواسطة «جون أوكسنفورد»، وسوف نقوم بنشرها على حلقات تباعاً هنا في الصفحة نأمل أن تحوز إعجابكم.
___________________________________
*«يوهان بيتر إيكرمان» Johann Peter Eckermann 1792-1854: عمل كأمين خاص لجوته في الفترة الأخيرة من حياة الأخير. وسرعان ما أصبح كتابه محادثات مع غوته، ذو شعبية تخطت الحدود الألمانية، ولعب دوراً مهما في إحياء الاهتمام والتقدير لأعمال جوته في وقت لاحق.
 
 
 
محادثات مع غوته
تأليف: يوهان بيتر إيكرمان
ترجمة من الألمانية للإنجليزية:  جون اوكسنفورد
ترجمة من الإنجليزية: سماح جعفر
---
الجزء الخامس عشر
 
 
 
"لقد درس بشكل عميق للغاية المسار المتغير لمسيرتي الدنيوية، وحالتي الذهنية، وكان لديه القدرة على رؤية ما لم أعرب عنه، وما يمكن أن يقرأ بين السطور، إذا جاز التعبير. كيف لاحظ حقًا أنني بالكاد قمت بأي شيء خلال السنوات العشر الأولى من حياتي العملية والمحاكمية في فايمار. هذا اليأس قادني إلى إيطاليا. ومع فرحة الإنتاج الجديدة، قرأت تاريخ تاسو لتحرير نفسي من الانطباعات المرهقة والمؤلمة والموجعة في حياتي في فايمار من خلال معالجة هذا الموضوع المقبول. لذلك فقد سمي تاسو المرحلة الأسمى لآلام الشاب فرتر.
"وفيما يتعلق بفاوست، فإنَّ ملاحظاته ليست أقل ذكاءً، حيث أنه لا يلاحظ فقط السخرية القاتمة والساخنة للشخصية الرئيسية كجزء من نفسي، ولكن أيضًا الاحتقار والحقد المرير لمفستوفيليس".
بروح مماثلة من التقدير، كثيرًا ما تحدث غوته عن إمبير. كنا نتحدث عنه باهتمام؛ سعينا لتصور مظهره، وبما أننا لم ننجح في ذلك، اتفقنا على الأقل أنه يجب أن يكون رجلًا في منتصف العمر لفهم الفعل المتبادل للحياة والشعر على بعضهما البعض. لذلك، فوجئنا للغاية عندما وصل إمبير إلى فايمار قبل بضعة أيام، وبدا أنه شاب نشيط، عمره نحو العشرين عامًا، ولم نكن أقل دهشة عندما أخبرنا في سياق تواصل آخر أنَّ جميع المساهمين في "غلوب"، الذين أعجبنا دومًا بحكمتهم واعتدالهم، ودرجة تهذيبهم العالية كانوا كلهم شبابًا مثله.
قلت، "أستطيع أن أفهم جيدًا أنَّ المرء يمكن أن يكون شابًا وينتج شيئًا من الأهمية - مثل بروسبير ميريميه، على سبيل المثال، الذي كتب قصصًا ممتازة في سن العشرين؛ لكن أن يملك شخص في عمر مبكر مثل هذه الرؤية الشاملة، وهذه البصيرة العميقة، للوصول إلى حكم ناضج مثل سادة "غلوب"، هو بالنسبة لي شيئًا جديدًا تمامًا".
أجاب غوته، "بالنسبة لك في شبابك لم يكن الأمر سهلًا للغاية؛ ونحن أيضًا أجبرنا في ألمانيا الوسطى، على شراء حِكْمَتنا الصغيرة بثمنٍ غالٍ. علاوة على أننا جميعًا عشنا حياة بائسة ومعزولة جدًا! وكذلك لأننا نستمد من الناس ثقافة قليلة جدًا. كما تنتشر مواهبنا ورجالنا العباقرة في جميع أنحاء ألمانيا. بعضهم في فيينا، وآخرون في برلين، وآخرون في كونيغسبرغ، وآخر في بون أو دوسلدورف- كلهم على بعد مائة ميل بعيدًا عن بعضهم البعض، بحيث يمكن اعتبار الاتصال الشخصي والتبادل الشخصي للفكر ندرة. أشعر بهذا على وجه الخصوص عندما يأتي شخص مثل ألكسندر فون هومبولت إلى هنا، وفي يوم واحد يقودني إلى ما أسعى إليه، وما أحتاج إلى معرفته، وما كان ينبغي لي أن أفعله بسنوات وحدتي.
''ولكن الآن تصور مدينة مثل باريس، حيث يتم تجميع جميع المواهب العليا في مملكة عظيمة في مكان واحد، وبتبادل المعرفة اليومي، والكفاح، والمنافسة، يوجهون ويدعمون بعضهم البعض؛ حيث أفضل الأعمال، سواء من الطبيعة أو الفن، من كل ممالك الأرض، مفتوحة للفحص اليومي؛ - تصور تلك المدينة العالمية، حيث كل نزهة على جسر أو عبر ساحة تذكرك بماضٍ عظيم، وحيث يرتبط حدث تاريخي بكل ركن من أركان الشارع. بالإضافة إلى كل هذا، لا تتصور باريس المملة، اللا روحية، ولكن باريس في القرن التاسع عشر، والتي خلال ثلاثة أجيال، حافظ رجال مثل موليير، فولتير، ديدرو على مثل هذا تيار فكري كما لا يمكن العثور عليه مرتين في مكان واحد في العالم كله، وسوف تفهم أنَّ رجلًا موهوبًا مثل أمبير، الذي نشأ وسط هذه الوفرة، يمكن بسهولة أن يحقق شيئًا في سنته الرابعة والعشرين".
قال غوته، "لقد قلت للتو إنه بإمكانك أن تفهم جيدًا كيف يمكن لأي شخص في سنته العشرين أن يكتب قطعًا جيدة مثل تلك التي قدمها ميريميه. ليس لديَّ شيء لمعارضة هذا؛ وأنا، على وجه العموم، متفق مع وجهة نظرك أنَّ الإنتاج الجيد أسهل من الحكم الجيد في سن الشباب. ولكن في ألمانيا من الأفضل أن لا يحاول المرء عندما يكون شابًا مثل ميريميه أن ينتج شيئًا ناضجًا كما فعل مريميه في عمله "كلارا جازول". صحيح أنَّ شيلر كان صغيرًا جدًا عندما كتب "اللصوص"، "الحب والمكيدة"، و "المؤامرة"؛ ولكن، للتعبير عن الحقيقة، فإنَّ جميع الأجزاء الثلاثة هي بالأحرى إشارة لموهبة استثنائية أكثر من كونها علامات على نضج المؤلف. مع ذلك، هذا ليس خطأ شيلر، بل نتيجة لحالة ثقافة أمتنا، والصعوبة الكبيرة التي نواجهها جميعًا في مساعدة أنفسنا لإيجاد طريقنا الفردي.    
"من ناحية أخرى دعنا نتناول بيرنغر. ابن أبوين فقيرين، سليل خياط فقير. وفي وقت ما، متدرب فقير، تم وضعه لاحقًا في أحد المكاتب براتب صغير: لم يذهب أبدًا إلى مدرسة أو جامعة كلاسيكية؛ ومع ذلك، فإنَّ أغانيه مليئة بالموهبة الناضجة، ومليئة بالذكاء والمفارقة الأكثر صقلًا، كما أنه يمتلك الكمال الفني والمعالجة المتقنة للغة، وهو يستحق الإعجاب بسبب ذلك، ليس فقط في فرنسا، بل بكل أوروبا المتحضرة.
"لكن تخيل هذا البيرنغر نفسه - بدلًا من أن يولد في باريس، وينشأ في تلك المدينة العالمية - كان ابن خياط فقير في فيينا أو فايمار، ودعه يبدأ مسيرته، بطريقة بائسة بالقدر نفسه، في أماكن صغيرة، واسأل نفسك ما الفاكهة التي يمكن أن تنتجها هذه الشجرة نفسها التي نمت في مثل هذه التربة وفي مثل هذا الجو.
"لذلك، يا صديقي العزيز، أكرر ذلك، إذا تطورت الموهبة بسرعة وبسعادة، فإنَّ النقطة العظيمة هي أنه يجب أن يكون هناك قدر كبير من الفكر والثقافة السليمة في الدولة.  
"نحن معجبون بتراجيديات الإغريق القدماء. ولكن، لكي نلقي نظرة صحيحة على الحالة، يجب علينا أن نعجب بالفترة والأمة التي كان إنتاج المؤلفين الفرديين فيها ممكنًا؛ على الرغم من أنَّ هذه القطع تختلف قليلًا عن بعضها البعض، وعلى الرغم من أنَّ أحد هؤلاء الشعراء يظهر بشكل أكبر وأكمل من الآخرين، لكن بأخذ كل الأشياء معًا، إلا أنَّ شخصية واحدة فقط تتجه نحو الكل.
"هذه هي طبيعة العظمة، واللياقة، والسلامة، والكمال البشري، والحكمة المرتفعة، والفكر السامي، والحدس البحت والقوي، وكل الصفات الأخرى التي يمكن تعدادها. لكن عندما نجد كل هذه الصفات، ليس فقط في الأعمال الدراماتيكية التي جاءت إلينا، ولكن أيضًا في الأعمال الغنائية والملحمية، في الفلاسفة، والخطباء، والمؤرخين، و بالدرجة العالية نفسها في أعمال الفن التشكيلي الذي يأتي إلينا، يجب أن نشعر بأننا مقتنعون بأنَّ هذه الصفات لا تنتمي فقط للأفراد، بل هي ملكية حالية للأمة والفترة بأكملها.
"الآن ، تناول روبرت برنز. كم هو عظيم، فقد نشأ من خلال الظروف التي عاشتها جميع أغاني أسلافه في فم الشعب ، - التي، إذا جاز التعبير، غنيت له في مهده. إنه كصبي نشأ بينهم، وبفضل التميز العالي لهذه النماذج كان لديه أساس جيد يستطيع المضي قدمًا من خلاله. مرة أخرى، لماذا هو عظيم، ولمَ وجدت أغانيه الخاصة آذاناً حساسة بين مواطنيه وغناها الحاصدون والفلاحون، ورددوها مراراً وتكراراً في الحقل، وأنَّ أصحابه الرائعين كانوا يغنونها للترحيب به في المنزل؟ لذلك لا بد أنَّ شيئًا من هذا القبيل قد تمت كتابته من قبل.
"من ناحية أخرى ، يالها من كتابات مثيرة للرثاء، تلك التي صنعناها نحن الألمان! من أغانينا القديمة - التي لا تقل أهمية عن تلك الموجودة في اسكتلندا - بدأ هيردر وخلفاؤه في جمع تلك الأغاني وإنقاذها من النسيان؛ ثم تمت طباعتها على الأقل في المكتبات. ثم في الآونة الأخيرة، كم من تلك الأغنيات لحنها بورغر وفوس! من يستطيع أن يقول إنها أقل أهمية أو أقل شعبية من تلك الخاصة ببرنز؟ تلك الأغنيات تتم كتابتها وطبعها، وتبقى في المكتبات، بما يتفق مع المصير العام للشعراء الألمان. ربما تغني واحدة من تلك الأغنيات فتاةٌ جميلةٌ على البيانو؛ لكن بين الناس، ليس لديهم صوت.
نحن الألمان من الماضي. لقد كانت موهبتنا تنمو بشكل صحيح لقرن من الزمان؛ لكن ستمضي بضعة قرون أخرى  قبل أن تصبح العقول العبقرية والثقافة العالية متداولة بين شعوبنا لدرجة أن يتمكنوا من تقدير جمال كتابات كالتي قدمها الإغريق، ويبتهجون بأغنية جميلة.
 
الجمعة، 4 مايو 1827.
أقيم عشاءٌ كبيرٌ في منزل غوته، تكريمًا لأمبير وصديقه ستابفر. كانت المحادثة صاخبة ومبهجة ومتنوعة. أخبر أمبير غوته الكثير عن ميريميه، ألفريد دي فيجني، ومواهب أخرى ذات أهمية. كما قيل الكثير عن بيرنغر، الذي تسيطر أغانيه يوميًا على أفكار غوته. كان هناك نقاش حول ما إذا كانت أغاني بيرنغر الغرامية المبهجة أو أغانيه السياسية تستحق الأفضلية. عندئذ، أعرب غوته عن رأيه بأنَّ الموضوع الشاعري البحت يتفوق على الموضوع السياسي بشكل عام، لأنَّ الحقيقة الخالدة الأبدية للطبيعة هي روح الشيء.  
استمر غوته، "ومع ذلك أظهر بيرنغر نفسه في قصائده السياسية كفاعل خير لأمته. بعد غزو الحلفاء، وجد الفرنسيون فيه أفضل موصِّل لمشاعرهم المكبوتة. وقد حول انتباههم إلى مجد جيشهم في ظل الإمبراطور، الذي لا تزال ذاكرته تعيش في كل كوخ، وخصائصه التي أحبها الشاعر، دون الرغبة في استمرار نفوذه الاستبدادي. والآن، في ظل البوربون، لا يبدو مرتاحًا للغاية، لأنهم في الواقع عرق متدهور؛ والفرنسي في يومنا هذا يريد من يملكون صفات عظيمة على العرش، رغم أنه يحب المشاركة في الحكومة، ويضع كلمته الخاصة".
بعد العشاء تفرق الجمع في الحديقة، وأشار لي غوته لنقوم بجولة حول الغابة على الطريق إلى تايفورت، بينما كان في العربة بدا مسرورًا ولطيفًا للغاية. وأعرب عن سعادته بتشكيله علاقة حميمة مع أمبير، ووعد نفسه، نتيجة لذلك، بعواقب مبشرة فيما يتعلق بالاعتراف بالأدب الألماني ونشره في فرنسا.
قال غوته، "أمبير متفوق بالفعل في الثقافة حتى إنَّ التحيزات الوطنية، المخاوف، وضيق أفق العديد من مواطنيه، لا تؤثر عليه أبدًا؛ وبعقليته المتفتحة فهو يبدو كمواطنٍ عالمي أكثر بكثير من كونه مواطنًا باريسيًا. لكنني أرى أنَّ الوقت سيأتي عندما يكون هناك الآلاف في فرنسا الذين يفكرون مثله.
 
 
 
الأحد، 6 مايو 1827.
حفلة عشاء ثانية في منزل غوته، جاء فيها الأشخاص نفسهم  من يوم أمس. قيل الكثير عن "هيلينا" و "تاسو". أخبرنا غوته أنّه في العام 1797، شكّل خطة لمعالجة فلهلم تل كقصيدة ملحمية سداسية التفاعيل والتي كتبها شيلر لاحقًا كمسرحية.
قال، "في العام نفسه كنت قد قمت بزيارة المقاطعات الصغيرة، وبحيرة المقاطعات الأربع، وتلك الطبيعة الساحرة الرائعة مدتني بذلك الانطباع، لدرجة أنها دفعتني لكتابة قصيدة متنوعة وثرية بالمناظر الطبيعية التي لا تضاهى. ولكن بطريقة نثرية لإضفاء المزيد من السحر، والاهتمام، والحياة في عملي، اعتبرت أنه من الجيد للناس أن يروا هذه المنطقة المثيرة للإنتباه مع شخصياتها المدهشة بالقدر نفسه، ولهذا السبب بدا لي أنَّ الإعدادات المتعلقة بفلهلم تل مجهزة بشكل مثير للإعجاب.
"صورت تل لنفسى كرجل بطولى، يمتلك قوة قومية، لكنه راض عن نفسه، وفى حالة من البراءة الطفولية. كان تل يعبر المقاطعات ويعمل حمالًا، ومعروفًا ومحبوبًا فى كل مكان، وفى كل مكان جاهز للمساعدة. يعمل بشكل سلمي، ويوفر الطعام لزوجته وطفله، ولا يزعج نفسه من اللورد أو من التابع.
"غيسلر، على النقيض من ذلك، تصورته كطاغية. كرجل شخصيته متناقضة، يفعل الخير عندما يناسبه ذلك ويسبب الأذى عندما يناسبه ذلك، ولا يبالي بالناس في سرائه أو ضرائه وكأنهم غير موجودين.
"الصفات الأسمى والأفضل للطبيعة البشرية، كحب الوطن، والشعور بالحرية والأمان في ظل حماية قوانين البلاد، والشعور بخزي القهر، وأحيانًا سوء المعاملة، من قبل فاسق أجنبي، وأخيرًا، قوة العقل الناضج للتصميم على التخلص من كل هذا البغض، - كل هذه الصفات العظيمة والجيدة قسمتها بين الرجال النبلاء، والتر فورست، ستاوفاشر، وينكلريد، وآخرين؛ وهؤلاء كانوا أبطالي اللائقين، أصحاب السلطات العليا، الذي يتصرفون بوعي، في حين أنَّ تل وغيسلر، اللذيْن كانا يظهران في بعض الأحيان، كانا على العموم شخصيتين ذات طبيعة سلبية.
"لقد كنت متحمسًا تمامًا لهذا الموضوع الجميل، وكنت أقوم بالفعل بطباعة قصائدي سداسية التفاعيل. رأيت البحيرة في ضوء القمر الهادئ، وسحبًا مضاءة في عمق الجبال. ثم رأيت ذلك في ضوء الشمس الأكثر جمالًا في الصباح - رأيت الابتهاج والحياة في الغابة والمرج. ثم وصفت عاصفة، عاصفة رعدية، اجتاحت البحيرة. لم يكن هناك أي عوز لسكون الليل، ولا اجتماعات سرية في الجسور.
"لقد أخبرت شيلر بكل هذا، وشكّلت مشاهدي الطبيعية وشخصياتي التمثيلية نفسيهما في دراما داخل روحه. ولأنه كانت لدي أشياء أخرى للقيام بها، قررت تأجيل تنفيذ العمل أكثر فأكثر، ومن ثم تخليت عن موضوعي كليًا لشيلر، الذي قام بعد ذلك بكتابة مسرحيته المثيرة للإعجاب".
كنا سعداء بهذا التواصل، الذي كان ممتعًا لنا جميعًا. لاحظت أنه يبدو لي كما لو أنَّ الوصف الرائع لشروق الشمس، في المشهد الأول من الفصل الثاني من "فاوست"، الذي كتب كموشح، تم تأسيسه على انطباعات مستوحاة من بحيرة المقاطعات الأربع.
قل غوته، "لن أنكر أنَّ هذه التأملات تنطلق من ذلك المصدر؛ بل إنه من دون الانطباعات الجديدة من تلك المشاهد الرائعة، لم أكن لأتصور أبدًا موضوع ذلك الموشح. ولكن هذا هو كل ما صغته، وتركت الباقي لشيلر، الذي، كما نعلم، استخدمه بأجمل طريقة ممكنة". تحولت المحادثة الآن إلى "تاسو"، والفكرة التي سعى غوته لتمثيلها بها.
قال غوته "الفكرة! في الحقيقة فأنا لا أعرف أي شيء عنها. كان لي حياة تاسو، كان لي حياتي الخاصة. وعندما جمعت شخصيتين غريبتين في خصالهما، نشأت صورة تاسو في ذهني، والتي عارضتها باعتبارها نقيضًا نثريًا لأنطونيو، الذي لم أفتقر إلى نماذج منه أيضًا. كانت التفاصيل الإضافية لحياة البلاط وشؤون الحب في فايمار كما كانت في فيرارا، ويمكنني أن أقول حقًا عن إنتاجي، إنه جزء من عظامي ولحم جسدي.
"الألمان، بالتأكيد، أناس غريبون. بأفكارهم العميقة  التي يسعون إليها في كل شيء ويضمنونها في كل شيء، يجعلون الحياة أكثر صعوبة مما هو ضروري. ليس عليك سوى التحلي بالشجاعة للاستسلام لانطباعاتك، اسمح لنفسك أن تشعر بالسعادة، انتقل، ارتقِ، لا بل تثقف واحصل على الإلهام لأجل شيء عظيم. لكن لا تتخيل كل شيء هباء، إذا لم يكن مجرد فكرة مجردة.
"ثم يأتون ويسألون، ما الفكرة التي قصدت تجسيدها في فاوست؟" كما لو كنت أعرف، وبإمكاني أن أخبرهم. من السماء، خلال العالم، إلى الجحيم، سيكون في الواقع شيء ما؛ لكن هذه ليست فكرة، فقط مسار عمل. والأكثر من ذلك، أنَّ الشيطان يفقد الرهان؛ وأنه يجب إعتاق الرجل الذي يكافح باستمرار من المشاكل الصعبة التي تواجهه في بحثه عن شيء أفضل، وبالنسبة للكثيرين قد تبدو هذه فكرة جيدة؛ لكنها ليست فكرة تكمن في أساس العمل بأكمله، وفي كل مشهد فردي. كان ليكون الأمر رائعًا في الواقع إذا تمكنت من تقديم حياة غنية ومتنوعة وزاخرة للغاية كتلك التي قدمتها في فاوست على سلسلة نحيلة من فكرة واحدة منتشرة.
تابع غوته، "باختصار لم يكن بمقدوري حينها كشاعر أن أسعى جاهدًا لتجسيد أي شيء مجرد. تلقيت في ذهني انطباعات حسية وتعابير ساحرة ومتنوعة، من مئات الأنواع، تمامًا كما قدمها لي الخيال المفعم بالحيوية؛ ولم يكن بإمكاني كشاعر سوى تشكيل وإكمال هذه الآراء والانطباعات فنيًا ووضعها، وتقديمها بشكل حيوي بحيث حين يحصل الآخرين على الانطباع نفسه لدى سماع أو قراءة العمل.  
"إذا ظلت الرغبة في تقديم فكرة حية داخلي دائمًا فسأفعلها في القصائد القصيرة، حيث يمكن أن تسود الوفرة، وحيث سيكون المسح الشامل ممكنًا. على سبيل المثال، في استحالة الحيوانات التي تعيش في الكوكب، فإنَّ قصيدة إرث (Vermachtniss) وقصائد أخرى تقدم مثالًا جيدًا جدًا. إنَّ الإنتاج الوحيد إلى حد كبير الذي أدرك فيه أنني قد جاهدت لطرح فكرة منتشرة، هو على الأرجح الانتماءات الاختيارية (Wahlverwandtschaften). وبالتالي أصبحت هذه الرواية مفهومة للإدراك. لكنني لن أقول إنها أفضل بسبب ذلك. أنا مع وجهة النظر القائلة، إنه كلما كان الإنتاج الشعري غير متناظر، وأكثر استعصاء على الفهم كان ذلك أفضل بكثير.
 
الثلاثاء 15 مايو، 1827.
لقد كان هير فون فونتي، من باريس، موجودًا هنا منذ بعض الوقت، وقد حظي باستقبال كبير في كل مكان، بسبب شخصيته وموهبته. كما تشكلت علاقة ودية للغاية بينه وبين غوته وعائلته.
كان غوته يزور حديقة منزله لعدة أيام متتالية، حيث كان سعيدًا جدًا بنشاطه الهادئ. ذهبت إليه هناك اليوم، ووجدته مع هير فون هولتي والكونت شولنبرغ، الذي كان أول من أخذ إجازته من أجل الذهاب إلى برلين مع أمبير.
الأربعاء 20 يونيو 1827.
تم تجهيز الطاولة لخمسة أفراد. كانت الغرف شاغرة ومنعشة ومرضية للغاية، بالنظر إلى درجة الحرارة المرتفعة في الخارج. ذهبت إلى غرفة فسيحة بجوار قاعة الطعام، حيث السجاد المنسوج والتمثال الضخم لجونو.
بعد أن تمشيت جيئة وذهابًا لفترة قصيرة، سرعان ما جاء غوته من غرفة العمل، واستقبلني بأسلوبه الودي. كان يجلس على كرسي بجانب النافذة. قال، "خذ كرسيًا أيضًا واجلس معي؛ سنتحدث قليلًا قبل وصول الآخرين. أنا سعيد لأنك تعرفت على الكونت ستيرنبرغ في منزلي. لقد غادر، وأنا الآن مرة أخرى في حالتي المتميزة والنشطة".
قلت، "إنَّ مظهر وطريقة الكونت كانا رائعين جدًا بالنسبة لي، فضلًا عن إنجازاته العظيمة. مهما التهبت المحادثة يكون دائمًا هادئًا، ويتحدث عن كل شيء بأقصى الدرجات سهولة، وإن كان بعمق ودقة".  
قال غوته، "نعم، إنه رجل رائع للغاية، ونفوذه واتصالاته في ألمانيا واسعة للغاية. إنه عالم نبات، وهو معروف في جميع أنحاء أوروبا بفضل " فلورا سوبترانيريا"، وهو متميز بشكل استثنائي أيضًا في علم المعادن. هل تعرف تاريخه؟"
قلت، "لا، لكنني أود أن أسمع شيئًا عنه. لقد رأيته ككونت ورجل من العالم، وأيضًا كشخصٍ ضليعٍ في مختلف فروع العلم. هذا لغز أود أن أراه يُحل".
أخبرني غوته أنَّ الكونت في شبابه كان مقدرًا للكهنوت، وبدأ دراسته في روما. ولكن بعد ذلك، عندما سحبت النمسا بعض المزايا، ذهب إلى نابولي. بعد ذلك، واصل غوته بطريقة أكثر عمقًا وإثارة للاهتمام، ليحكي حياة رائعة، كانت ستزين سنوات المغامرة ''Wanderjahre''، لكنني لا أشعر أنني أستطيع أن أكررها هنا، وكان من دواعي سروري أن أستمع إليه، وشكرته بروحي كلها على ذلك. تحولت المحادثة الآن إلى المدارس البوهيمية، ومزاياها الكبيرة، لا سيما من أجل ثقافة جمالية شاملة.
أتت فراو فون غوته، غوته الصغير وفريولين أولريكا، وجلسنا على الطاولة. كانت المحادثة لطيفة ومتنوعة، وكان بعض أهل مدن شمال ألمانيا الورعين موضوعًا غالبًا ما عُدنا إليه. كان من الملاحظ أنَّ هذا الفصل بدعوى الورع قد دمر انسجام العائلات بأكملها.
استطعت أن أعطي مثالًا من هذا النوع، بعد أن فقدت صديقًا ممتازًا لأنه لم يستطع أن يحولني إلى آرائه. كان، كما قلت، مقتنعًا تمامًا بأنَّ الأعمال الصالحة والامتيازات الخاصة بالمؤسسة ليست مجدية، وأنَّ الرجل لا يمكن أن يربح إلا مع الألوهية بنعمة المسيح.  
عقَّبت فراو فون غوته، "امرأة صديقة قالت لي شيئًا من هذا القبيل. لكن حتى الآن بالكاد أعرف ما المقصود بالنعمة وما هي الأعمال الصالحة".
قال غوته، "وفقًا للمناهج الحالية للعالم، في التحدث عن كل هذه المواضيع لا يوجد شيء سوى مزيج؛ وربما لا يعلم أحد منكم من أين يأتي. سأخبركم. إنَّ عقيدة الأعمال الصالحة هي عقيدة كاثوليكية - أي أن الإنسان وبالأفعال الجيدة والموروثات والمؤسسات النافعة - يمكن أن يتجنب عقوبة الخطيئة ويعمل لصالح الله. لكن الإصلاحيين، وبهدف المعارضة، رفضوا هذه العقيدة، وأعلنوا بدلًا من ذلك أنَّ على الإنسان أن يسعى فقط إلى الاعتراف بمزايا المسيح، وأن يصبح شريكًا في نعمته. وذلك سيؤدي دون أدنى شك إلى أعمال جيدة. لكن في الوقت الحاضر، اختلط كل هذا معًا، ولا أحد يعرف من أين يأتي أي شيء".
لاحظت في تفكيري وربما لم أشارك ذلك علنًا من قبل، أنَّ اختلاف الرأي في الأمور الدينية كان دائمًا يزرع الخلاف بين الرجال، ويجعلهم أعداء؛ بل إنَّ أول جريمة قتل كان سببها اختلاف في طريقة عبادة الرب. قلت إنني كنت أقرأ مؤخرًا عمل اللورد بايرون "قابيل"، وقد صُدمت بشكل خاص من المشهد الثالث، والطريقة التي يتم بها القتل.
قال غوته، "إنه بالفعل عملٌ مثير للإعجاب"، وأضاف "وجماله من النوع الذي لن نراه مرة ثانية في العالم".
قلت، "كانت مسرحية قابيل محظورة في البداية في إنجلترا؛ ولكن الآن الجميع يقرأها، وعادة ما يحمل المسافرون الصغار الإنجليز أعمال اللورد بايرون الكاملة معهم".
قال غوته، "لقد كانت حماقة، لأنه، في الواقع، لا يوجد شيء في كل مسرحية قابيل لم يتم تدريسه من قبل الأساقفة الإنجليز أنفسهم".
تم الإعلان عن وصول المستشار. دخل وجلس معنا على الطاولة. أحفاد غوته، والتر وولفجانج، دخلوا أيضًا، قفزوا واحدًا تلو الآخر. اقترب وولف من المستشار. قال غوته، "أحضر ألبومك، ودع المستشار يرى أميرتك، وما كتبه لك الكونت ستيرنبرغ".
اندفع وولف وأحضر كتابه. نظر المستشار إلى بورتريه الأميرة، مع المقاطع التي كتبها غوته. وبينما يقلب في الصفحات رأى عبارة مقتبسة من زيلتر، وقرأ بصوت عالٍ، تعلم الطاعة، (Lerne gehorchen).
"هذه هي الكلمات العقلانية الوحيدة في الكتاب كله"، قال غوته، ضاحكًا؛ "كما أنَّ زيلتر مهيب دائمًا ويوضح نقطته بدقة. أنا الآن أقرأ رسائله لريمر؛ وهي تحتوي على أشياء لا تقدر بثمن. وتلك الرسائل التي كتبها لي في رحلاته مهمة جدًا؛ لأنه يملك، كمهندس معماري سليم وموسيقي، ميزة أنه لا يمكن أبدًا أن يتحدث في مواضيع مثيرة للنقد، فبمجرد دخوله إلى مدينة، تقف الأبنية أمامه، وتخبره كل بناية بمزاياها وأخطائها.
"ثم تستقبله الجمعيات الموسيقية في آن واحد، وتظهر نفسها للسيد بفضائلها وعيوبها. إذا استطاع كاتب أن يسجل محادثاته مع طلابه الموسيقيين، فسينقل لنا شيئًا فريدًا من نوعه. في مثل هذه الأمور يكون زيلتر رائعًا وعاطفيًا، ويصيب دائمًا مقصدة الذي سعى إليه دائمًا".
 
الأربعاء، 5 يوليو 1827.
نحو المساء، التقيت غوته في المنتزه عائدًا من رحلة. وأثناء مروره، أخبرني بالمجيء لرؤيته. ذهبت على الفور إلى منزله، حيث وجدت كودراي. صعدنا مع غوته للطابق العلوي. جلسنا إلى الطاولة المستديرة في غرفة تسمى جونو، ولم نتحدث سوى بضع دقائق قبل أن يحضر المستشار وينضم إلينا. تحول الحديث حول مواضيع سياسية - سفارة ويلينغتون إلى سانت بطرسبورغ، وعواقبها المحتملة، كابو ديستريا، تحرير اليونان المتأخر، القيود المفروضة على الأتراك في القسطنطينية، وما شابه ذلك.
تحدثنا أيضًا عن أوقات نابليون، خاصة حول دوق إيغين، الذي نوقش الكثير حول سلوكه الثوري.
ثم وصلنا إلى مواضيع أكثر سلمية، وقد كان قبر ويلاند في مانشتدت موضوعًا مثمرًا للخطاب. أخبرنا كودراي أنه كان يفكر في وضع سياج حديدي حول القبر. أعطانا فكرة واضحة عن نيته لرسم شكل السياج الحديدي على قطعة من الورق.
عندما غادر المستشار و كودراي، طلب غوته مني البقاء معه لفترة قصيرة. قال، "بالنسبة لشخص مثلي، عاش على مر العصور، يبدو الأمر دائمًا غريبًا عندما أسمع عن التماثيل والآثار. لا أستطيع أبدا أن أفكر في تمثال أقيم تكريمًا لرجل بارز دون أن أراه يحطم بواسطة المحاربين في المستقبل. أرى بالفعل سياج كودراي الحديدي حول قبر ويلاند يحول إلى حدوات أحصنة، ويشرق تحت أقدام فرسان المستقبل؛ وقد أقول إنني شاهدت مثل هذه الحالة في فرانكفورت".
تبادلنا بعض الدعابات الجيدة حول التباين الرهيب للأشياء الأرضية، ومن ثم، عدنا إلى رسم كودراي، كنا مسروريْن بالدقة الدقيقة والحادة لأقلام الرصاص الإنجليزية، التي تطاوع الرسام، بحيث يتم نقل الفكر على الفور إلى الورقة، دون أدنى خسارة. قاد هذا الحوار إلى الرسم، وأراني غوته لوحة جيدة رسمها رسام إيطالي تمثل الصبي يسوع في المعبد مع الأطباء. ثم أطلعني على نقشٍ بعد الانتهاء من اللوحة حول هذا الموضوع؛ وقدمت العديد من الملاحظات، وكلها حول الرسومات.
وقال: "لقد كنت محظوظًا في الفترة الأخيرة، حيث أشتريت بسعر معقول العديد من الرسومات الممتازة لرسامين مشهورين. هذه الرسومات لا تقدر بثمن، ليس فقط لأنها تعطي في نقاوتها النية العقلية للفنان، لكن لأنها تربطنا مباشرة بحالته المزاجية في لحظة الخلق. في كل جزء من رسمة الفتى يسوع في المعبد، ندرك الوضوح الكبير، والهدوء، والحل الهادئ، في ذهن الفنان وهذا المزاج المفيد يخالجنا بينما نتأمل العمل. فنون الرسم والنحت لديها ميزة كبيرة في حقيقة أنها موضوعية بحتة، وتجذبنا دون إثارة مشاعرنا بعنف. من ناحية أخرى، فإنَّ القصيدة تترك انطباعًا أكثر غموضًا، ويثير مشاعرَ مختلفة في كل شخص، حسب طبيعته وقدرته".
قلت، "لقد كنت أقرأ مؤخرًا رواية سموليت الممتازة لـ"Roderick Random". لقد أعطتني تقريبًا الانطباع نفسه الذي استلهمه من الرسومات الجيدة. إنه تمثيل مباشر للموضوع، بدون أي أثر لميل نحو عاطفة؛ الحياة الفعلية تقف أمامنا كما هي، في كثير من الأحيان مقيتة ومثيرة للاشمئزاز، ومع ذلك، ككل، يعطي انطباعًا لطيفًا حسب الواقع المتفق عليه".
"لقد سمعت في كثير من الأحيان أراءً جيدة حول "Roderick Random"، وأؤمن بما تقوله عنها، ولكنني لم أقرأها أبدًا. هل تعرف رواية "Rasselas" لجونسون؟ اقرأها وأخبرني برأيك" وعدت بالقيام بذلك.
قلت، "في أعمال اللورد بايرون كثيرًا ما أجد فقرات تجلب الأشياء أمامنا، دون التأثير على مشاعرنا أكثر مما يفعل رسم رسام جيد. وعمله "دون خوان"، غني بشكل خاص بفقرات من هذا النوع".
قال غوته، "نعم، في دون خوان كان اللورد بايرون عظيمًا. في صُورِه نسيمٌ من الواقع، وألقيت بخفة كما لو كانت مرتجلة. لا أتذكر الكثير من دون خوان، لكنني أتذكر مقاطع من قصائده الأخرى، وخاصة مشاهد البحر، مع شراع يتحرك هنا وهناك، والتي لا تقدر بثمن، لأنها تجعلنا نشعر بأنَّ نسيم البحر يهب".
قلت، "في كتابه دون خوان أعجبت بشكل خاص بتمثيل لندن، الذي تجلبه آبياته الطائشة أمام أعيننا. كان دقيقًا تمامًا في رؤية ما إذا كانت الموضوعات شاعرية أم لا، لكنه استخدمها جميعًا تمامًا كما رأها، وصولًا إلى الشعر المستعار في نافذة الحلاقة، والرجال الذين يملؤون مصابيح الشوارع بالنفط".
يقول غوته، "إنَّ شعبنا الجمالي الألماني، يتحدث دائمًا عن الشعرية واللا شعرية والموضوعات؛ وهم ليسوا مخطئين تمامًا؛ ومع ذلك، في الأسفل، لا يوجد موضوع حقيقي غير شعري، إذا كان الشاعر يعرف كيفية استخدامه بشكل صحيح".
قلت، "صحيح، وأتمنى أن يتم تبني وجهة النظر هذه كمبدأ عام".
ثم تحدثنا عن "The Two Foscari"، ولاحظت أنَّ بايرون أدرج بعض النساء الممتازات. قال غوته، "إنَّ نساءه جيدات. في الواقع، لا يمكن فعل شيء بالرجال. لقد وضع هومر كل شيء سلفًا في أخيل وأوليسيس، الأشجع والأكثر حكمة".
تابعت، "هناك شيء رهيب في Foscari، بسبب الظهور المتكرر لمخلعة التعذيب. لا يمكن للمرء أن يتصور كيف يمكن أن يستغرق اللورد بايرون لفترة طويلة في آلة التعذيب هذه، من أجل القطعة المسرحية".
قال غوته، "كانت هذه الأشياء هي إحدى عناصر بايرون؛ كان دائمًا معذّبًا ذاتيًا؛ وبالتالي كانت هذه المواضيع هي موضوعات محببة بالنسبة له، كما ترى في جميع أعماله، نادرًا ما يكون لأحدها موضوع مبهج. لكن تنفيذ "Foscari" يستحق الثناء العظيم - أليس كذلك؟"
قلت، "مثير للإعجاب جدًا! كل كلمة قوية، مهمة، وخاضعة للهدف؛ بشكل عام، لم أجد حتى الآن أي فقرات ضعيفة للورد بايرون. دائمًا أتخيل أنني أراه مرتفعًا من أمواج البحر، منتعشًا ومليئًا بالطاقة الإبداعية. كلما قرأته، كلما أعجبت أكثر بعظمة موهبته. وأعتقد أنك كنت على حق في أن تقدم له هذا النصب الخالد من الحب في 'هيلينا'.
قال غوته، "لم أستطع إيجاد أي رجل يمثل الحقبة الشعرية الحديثة باستثنائه، ولا شك أنه يعتبر أعظم عبقري في قرننا. مرة أخرى، بايرون ليست قديمًا ولا رومانسيًا، ولكن مثل اليوم الحالي نفسه. هذا هو نوع الرجل الذي أردته في عملي.
ثم إنه كان ملائمًا لي بسبب طبيعته الاستثنائية وميله إلى الحرب، مما أدى إلى وفاته في ميسولونغي. أطروحة حول بايرون لن تكون مريحة ولا مستحسنة؛ لكنني لن أستريح حتى أظهر له التقدير الذي يستحقه وأشير إليه في الأوقات المناسبة".
تحدث غوته أكثر من "هيلينا"، التي أصبحت الآن موضوعًا للمحادثة مجددًا. وقال، "كنت في البداية أفكر في خاتمة مختلفة للغاية. لقد عدّلتها بطرق مختلفة، لكنني لن أخبرك كيف.
ومن ثم الخاتمة المتعلقة باللورد بايرون وميسولونغي راودتني خلال ما تبقى من اليوم، وتنازلت عن الباقي. لقد لاحظت أنَّ شخصية الجوقة قد دُمِّرت تمامًا بالأغنية الحزينة: وحتى هذا الوقت بقيت عتيقة تمامًا، أو لم تناقض أبدًا طبيعتها النثرية؛ لكن هنا بشكل مفاجئ، يصبح الأمر انعكاسًا ناعمًا، ويقول أشياء لم تخطر ببال أي أحد من قبل".
قلت، "بالتأكيد، لقد لاحظت ذلك؛ لكن منذ أن رأيت لوحة روبنز ذات الظل المزدوج، صرت أمتلك نظرة ثاقبة أكثر حول فكرة الخيال، وأصبحت مثل هذه الأشياء لا تزعجني. هذه التناقضات الصغيرة ليس لها أي نتيجة، إذا تم تحقيق درجة أعلى من الجمال من خلالها. يجب أن تغنى الأغنية، بطريقة أو بأخرى؛ وحيث لم يكن هناك جوقة أخرى، أجبرت الفتيات على غنائها".  
قال غوته، وهو يضحك: "أتساءل" ما الذي سيقوله النقاد الألمان؟ هل سيكون لديهم الحرية والجرأة الكافية للتغلب على هذا؟ إنَّ التفهم سيكون في طريق الفرنسيين؛ فهم لن يفكروا في أنَّ الخيال لديه قوانينه الخاصة التي لا يمكن ولا يجب اختراقها.
"إذا لم يولِّد الخيالُ أشياءَ يمكن أن تسبب مشاكل في الفهم، فلن يكون هناك سوى القليل من الخيال. هذا هو الذي يفصل الشعر عن النثر؛ حيث يكون الفهم الأخير دائمًا، ويجب أن يكون دائمًا في المنزل".
لقد سررت بهذه الملاحظة الهامة، التي كنت أعتز بها. قررت العودة إلى المنزل الآن لأنَّ الساعة تجاوزت العاشرة. كنا جالسين بدون شموع؛ سطعت أمسية الصيف الصافية من الشمال فوق إترسبيرغ.
 
مساء الاثنين 9 يوليو 1827.
لقد وجدت غوته بمفرده، يفحص القوالب الجصية التي تم أخذها من خزانة ستوش. وقال، "أصدقائي من برلين كانوا لطفاء جدًا ليرسلوا لي هذه المجموعة بأكملها للنظر فيها. إنني أعرف بالفعل معظم هذه الأشياء الجميلة؛ لكنني الآن أراها في الترتيب التوجيهي لفينكلمان. أستخدم وصفه، وأستشيره في الحالات التي أشك فيها بنفسي".
تحدثنا لفترة قصيرة قبل أن يأتي المستشار وينضم إلينا. أطلعنا على أخبار الصحف العامة، ومن بين أمور أخرى، قصة حارس حديقة، قتل أسدًا وطبخ قطعة كبيرة منه من شدة شوقه لجسد الأسد. قال غوته، "أنا أتساءل، لمَ لمْ يجرب القرد بدلًا من ذلك؛ كان من الممكن أن يكون لحمه لذيذًا ولينًا". تحدثنا عن قبح تلك الوحوش، ولاحظنا أنهم كل ما أصبحوا بشعين أكثر صاروا يشبهون الرجال أكثر.
"أنا لا أفهم،" قال المستشار، "كيف يمكن للأمراء أن يحافظوا على هذه الحيوانات بالقرب منهم، بل ويشعروا بالسعادة بوجودهم".
يقول غوته: "إنَّ الأمراء يتعذبون كثيرًا بسبب الرجال المزعجين، ولذلك فهم يفضلون هذه الحيوانات الأكثر رعبًا كوسيلة لتحقيق التوازن بين الانطباعات المزعجة الأخرى. نحن الأشخاص العاديون نكره بالطبع القردة وصراخ الببغاوات، لأننا نراها في ظروف لم تصنعها هي. إذا كنا قادرين على ركوب الأفيال بين أشجار النخيل، يجب علينا أن نجد القِردة والببغاوات في مكانها الصحيح، وربما اعتبرنا الأمر لطيفًا. ولكن، كما قلت، الأمراء على حق في طرد شيء بشع باستخدام شيء أكثر بشاعة.
قال غوته، "من خلال هذه النقطة تذكرت بعض الآبيات التي ربما ستتذكرونها أيضًا:
لو كان على الرجال أن يصبحوا وحوشًا.
فإجلب البهائم فقط إلى غرفتك.
وسيتناقص شعورك بالقرف؛
لأننا جميعًا أبناء آدم.
حوَّل المستشار الحوار للوضع الحالي للمعارضة، والحزب الوزاري في باريس، مكررًا كلمة بكلمة خطابًا قويًا قدمه ديمقراطي جريء للغاية ضد الوزير، مدافعًا عن نفسه أمام محكمة العدل. لقد أتيحت لنا الفرصة مرة أخرى للإعجاب بالذاكرة القوية للمستشار. كان هناك الكثير من الحديث حول هذا الموضوع، وخاصةً عن رقابة الصحافة، بين غوته والمستشار. أثبت الموضوع خصوبته، حيث أظهر غوته نفسه كالعادة، أرستقراطيًا معتدلًا، وصديقه، كالعادة، يبدو أنه يأخذ جانب العامة.
يقول غوته، "ليس لدي أي مخاوف بالنسبة للفرنسيين، فهم يمتلكون وجهة نظر تاريخية عميقة جدًا، ولا يمكن قمع أذهانهم بأي شكل من الأشكال. القانون الذي يقيِّد الصحافة، لا يمكن أن يكون له سوى تأثير نافع. لا سيما أنَّ قيوده لا تعني شيئًا أساسيًا، بل هي ضد شخصيات فقط. المعارضة التي لا حدود لها هي أمر تافه، في حين أنَّ الحدود تشحذ ذكاءها، وهذه ميزة عظيمة. التعبير عن الرأي بشكل مباشر وخشن يكون عذرًا فقط عندما يكون المرء على حق تمامًا؛ لذلك فإنَّ الطريقة غير المباشرة التي يعد الفرنسيون نماذجَ رائعة لها هي الأفضل. في بعض الأحيان أقول لخادمي بوضوح "اخلع لي حذائي"، ويفهم؛ ولكن إذا كنت مع صديق، وأردت منه خدمة، يجب أن لا أتكلم بعدم لباقة، ويجب أن أجد طريقة لطيفة وودية، لأطلب منه القيام بهذه المهمة.  
هذه الضرورة تثير ذهني. وللسبب نفسه كما قلت، أنا أحب بعض الرقابة على الصحافة. لطالما كان الفرنسيون يتمتعون بسمعة كونهم أكثر الأمم روحية، ويجب عليهم الحفاظ عليها. نحن الألمان نتحدث عن آرائنا بطريقة مباشرة، ولم نكتسب مهارة كبيرة في اللغة غير المباشرة.
"لا تزال الأحزاب في باريس أكبر مما هي عليه، لأنها أكثر ليبرالية وحرية، وتفهم بعضها البعض بشكل أفضل. إنهم متفوقون من خلال وجهة نظر تاريخية على الإنجليز؛ ويتألف برلمانهم من قوى معارضة قوية، تشل بعضها البعض، وحيث يكون الاختراق الكبير للفرد صعبًا، كما نرى من خلال المضايقات العديدة التي تحدق برجل دولة عظيم مثل كاننغ".
نهضنا لنمضي، لكن غوته كان مليئًا بالحياة لدرجة أنَّ المحادثة استمرت ونحن واقفان. أخيرًا، قدم لنا وداعًا حنونًا، ورافقت المستشار إلى منزله. كانت أمسية جميلة، وتحدثنا كثيرًا عن غوته بينما كنا نسير، وكررنا تصريحه بأنَّ المعارضة غير المحدودة تصبح أمرًا تافهًا.
 
الأحد 15 يوليو 1827.
ذهبت في الساعة الثامنة من هذا المساء لرؤية غوته، الذي وجدته عاد للتو من حديقته.
قال، "انظر ماذا يوجد هناك؟ قصة رومانسية في ثلاثة مجلدات وبواسطة من في رأيك؟ مانزوني".
نظرت إلى الكتب، التي كانت مغلفة بشكل رائع للغاية، ومهداة إلى غوته. قلت، "إنَّ مانزوني مجتهد"، قال غوته، "نعم، إنه مجتهد جدًا".
قلت، "لا أعرف شيئًا عن مانزوني سوى قصيدته الغنائية التي كتبها عن نابليون، والتي قرأتها مؤخرًا بترجمتك، ولقد أعجبتني لأقصى حدٍ ممكن. كل فقرة تقدم صورة".
قال غوته، "أنت على حق، القصيدة ممتازة، لكن لا يمكنك أن تجد أي شخص يتحدث عنها في ألمانيا؟ كما لو أنها ليست موجودة حتى، على الرغم من أنها أفضل قصيدة تمت كتابتها حول هذا الموضوع".
استمر غوته في قراءة الصحف الإنجليزية، التي وجدته يتصفحها عندما دخلت. تناولت المجلد الذي يحوي ترجمة كارلايل لـ "الرومانسية الألمانية" والذي يحتوي على أعمال موسايوس وفوكه. كان ذلك الرجل الإنجليزي الذي كان على دراية وثيقة بأدبنا، قد أضاف في كل ترجمة دراسة ونقدًا حول المؤلف. قرأت الدراسة والنقد اللذين قدمهما حول فوكه، ولاحظت بسرور أنَّ السيرة الذاتية قد كُتبت بكثير من التفكير والتفصيل، وأنَّ وجهة النظر المعقدة، التي كان يكتب من خلالها هذا المؤلف المفضل، قد أشير إليها بفهم عميق وهادئ، وباختراق معتدل للمزايا الشعرية. في فقرة ما يقارن الإنجليزي الذكي فوكه بصوت المغني، الذي لا يملك نطاقًا صوتيًا عظيمًا، لكن ذلك النطاق القليل الذي يملكه جيد ومنغمٌ بشكل جميل. لتوضيح مقصده أكثر، يأخذ تشبيهًا من النظام الكنسي، قائلًا إنَّ فوكه لن يأخذ في الكنيسة الشعرية مكان أسقف أو أحد وجهاء الدرجة الأولى، بل يرضي نفسه بواجبات القسيس، ويبدو مرتاحًا جدًا في هذه المحطة المتواضعة.  
بينما كنت أقرأ هذا، ذهب غوته إلى الغرفة الخلفية. وبعث خادمه، الذي دعاني أن آتي إليه هناك.
قال، "اجلس، ودعنا نتحدث قليلًا. لقد وصلت للتو ترجمة جديدة لـ سوفوكليس. تقرأ بسهولة، ويبدو أنها ممتازة؛ سأقارنها مع سولغر. والآن، ماذا تقول عن كارلايل؟"
قلت له ما كنت أقرأه عن فوكه. قال غوته: "أليس هذا جيدًا جدًا؟ نعم، هناك أشخاص أذكياء عبر المحيط، يعرفوننا ويمكنهم تقديرنا.
واصل غوته، "في أقسام أخرى، ليس هناك نقص في العقول الجيدة حتى بين الألمان. لقد قرأت سجل برلين، وهو انتقاد كتبه مؤرخ حول شلوسر، وقد كان رائعًا جدًا. تم التوقيع عليه من قبل هاينريش ليو، وهو شخص لم أسمع عنه من قبل، ولكن يجب علينا الاستفسار عنه. إنه يتفوق على الفرنسيين، ومن وجهة نظر تاريخية فهو يقول شيئًا. إنهم يلتزمون كثيرًا بالواقع، ولا يستطيعون الحصول على المثالية في رؤوسهم؛ لكن الألمان بارعون في هذا الأمر تمامًا. ليو لديه وجهات نظر مثيرة للإعجاب حول الطوائف في الهند. وهناك الكثير الذي يمكن قوله عن الأرستقراطية والديمقراطية، لكن القضية كلها ببساطة هي: في الشباب، عندما لا نملك شيئًا، أو لا نعرف كيف نقدر ممتلكاتنا، نكون ديمقراطيين. ولكن عندما نتمتع بممتلكات عقب حياة طويلة، فإننا نرغب في ألا نكون آمنين فحسب، بل أيضًا أن يكون أطفالنا وأحفادنا آمنين لوراثتها والاستمتاع بها بهدوء. لذلك، في سن الشيخوخة، نكون دائمًا أرستقراطيين. تحدث ليو باتساع حول هذه النقطة.
'' نحن الأضعف في القسم الجمالي، وربما ننتظر فترة طويلة قبل أن نلتقي برجل مثل كارلايل. من اللطيف رؤية هذا اللقاء القريب جدًا بين الفرنسيين والإنجليز والألمان، بحيث نكون قادرين على تصحيح بعضنا البعض. هذا هو أكبر استخدام للأدب العالمي، الذي سيظهر نفسه أكثر فأكثر.
كتب كارلايل عن حياة شيلر، وحكم عليه لأنه من الصعب على الألماني أن يحكم عليه. من ناحية أخرى، نحن واضحون بشأن شكسبير وبايرون، ويمكننا، ربما، أن نقدر مزاياهم بشكل أفضل من الإنجليز أنفسهم".
 
الأربعاء 18 يوليو 1827.
أول شيء قاله غوته على العشاء كان،"يجب أن أعلن لك أنَّ رواية مانزوني تسمو فوق كل ما نعرفه من هذا النوع. ولا أحتاج أن أقول لك شيئًا آخر، عدا عن الحياة الداخلية - كل ما يأتي من روح الشاعر مثالي تمامًا - تصوير المناطق المحلية، وما شابه، ليس بأي حال من الأحوال أدنى من ذلك". لقد أدهشني وسرني سماع هذا.
تابع غوته، "الانطباع في القراءة هو أننا نمر باستمرار من العاطفة إلى الإعجاب، ومن جديد من الإعجاب إلى العاطفة؛ حتى نكون دائمًا خاضعين لواحدة من تلك المؤثرات العظيمة؛ وأكثر من ذلك، لا أعتقد أننا نستطيع أن نتقدم، في هذه الرواية، رأينا أولًا ما هي طبيعة مانزوني. وهنا تظهر صورته الداخلية المثالية، والتي لم تكن لديه فرصة لعرضها في أعماله الدرامية. سأقرأ الآن أفضل رواية للسير والتر سكوت، ربما ويفرلي، التي لم أقرأها بعد، - وسأرى كيف هو مانزوني بالمقارنة مع هذا الكاتب الإنجليزي العظيم.
تظهر ثقافة مانزوني الداخلية هنا عالية جدًا، بحيث لا يكاد أي شيء يقترب منها. إنه يرضينا مثل الثمار الناضجة تمامًا. بعد ذلك، في معالجته وعرضه للتفاصيل، فهو واضح مثل السماء الإيطالية نفسها".
أجاب غوته، "هل لديه أي علامات عاطفية؟" قلت، "لا شيء على الإطلاق. لديه شعور، لكنه خال تمامًا من العاطفة، وشعوره في كل حالة رجولي وحقيقي. لكنني لن أقول أكثر اليوم. ما زلت في المجلد الأول؛ قريبا ستسمع المزيد".
 
 
 
20
 
 
 

      الجزء الخامس عشر   تقوم «القرية الإلكترونية» بتكليف من الشاعر الإماراتي محمد أحمد السويدي، بدافع من الشغف بجوته وبكل ما كتب عنه، بترجمة يوميات من حياة شاعر ألمانيا الكبير "جوته"، المعنونة بـــ «محادثات مع غوته»، من تأليف: «يوهان بيتر إيكرمان*»، وهي عبارة عن يوميّات كتبها "إيكرمان" عن السنوات الأخيرة من حياة شاعر ألمانيا الكبير «غوته Goethe»، وتمت ترجمتها من الألمانية للإنجليزية بواسطة «جون أوكسنفورد»، وسوف نقوم بنشرها على حلقات تباعاً هنا في الصفحة نأمل أن تحوز إعجابكم. ___________________________________ *«يوهان بيتر إيكرمان» Johann Peter Eckermann 1792-1854: عمل كأمين خاص لجوته في الفترة الأخيرة من حياة الأخير. وسرعان ما أصبح كتابه محادثات مع غوته، ذو شعبية تخطت الحدود الألمانية، ولعب دوراً مهما في إحياء الاهتمام والتقدير لأعمال جوته في وقت لاحق.     https://plus.google.com/+HisExcellencyMohammedAhmedAlSuwaidi/posts/8VKcqm4i54k   محادثات مع غوته تأليف: يوهان بيتر إيكرمان ترجمة من الألمانية للإنجليزية:  جون اوكسنفورد ترجمة من الإنجليزية: سماح جعفر --- الجزء الخامس عشر       "لقد درس بشكل عميق للغاية المسار المتغير لمسيرتي الدنيوية، وحالتي الذهنية، وكان لديه القدرة على رؤية ما لم أعرب عنه، وما يمكن أن يقرأ بين السطور، إذا جاز التعبير. كيف لاحظ حقًا أنني بالكاد قمت بأي شيء خلال السنوات العشر الأولى من حياتي العملية والمحاكمية في فايمار. هذا اليأس قادني إلى إيطاليا. ومع فرحة الإنتاج الجديدة، قرأت تاريخ تاسو لتحرير نفسي من الانطباعات المرهقة والمؤلمة والموجعة في حياتي في فايمار من خلال معالجة هذا الموضوع المقبول. لذلك فقد سمي تاسو المرحلة الأسمى لآلام الشاب فرتر. "وفيما يتعلق بفاوست، فإنَّ ملاحظاته ليست أقل ذكاءً، حيث أنه لا يلاحظ فقط السخرية القاتمة والساخنة للشخصية الرئيسية كجزء من نفسي، ولكن أيضًا الاحتقار والحقد المرير لمفستوفيليس". بروح مماثلة من التقدير، كثيرًا ما تحدث غوته عن إمبير. كنا نتحدث عنه باهتمام؛ سعينا لتصور مظهره، وبما أننا لم ننجح في ذلك، اتفقنا على الأقل أنه يجب أن يكون رجلًا في منتصف العمر لفهم الفعل المتبادل للحياة والشعر على بعضهما البعض. لذلك، فوجئنا للغاية عندما وصل إمبير إلى فايمار قبل بضعة أيام، وبدا أنه شاب نشيط، عمره نحو العشرين عامًا، ولم نكن أقل دهشة عندما أخبرنا في سياق تواصل آخر أنَّ جميع المساهمين في "غلوب"، الذين أعجبنا دومًا بحكمتهم واعتدالهم، ودرجة تهذيبهم العالية كانوا كلهم شبابًا مثله. قلت، "أستطيع أن أفهم جيدًا أنَّ المرء يمكن أن يكون شابًا وينتج شيئًا من الأهمية - مثل بروسبير ميريميه، على سبيل المثال، الذي كتب قصصًا ممتازة في سن العشرين؛ لكن أن يملك شخص في عمر مبكر مثل هذه الرؤية الشاملة، وهذه البصيرة العميقة، للوصول إلى حكم ناضج مثل سادة "غلوب"، هو بالنسبة لي شيئًا جديدًا تمامًا". أجاب غوته، "بالنسبة لك في شبابك لم يكن الأمر سهلًا للغاية؛ ونحن أيضًا أجبرنا في ألمانيا الوسطى، على شراء حِكْمَتنا الصغيرة بثمنٍ غالٍ. علاوة على أننا جميعًا عشنا حياة بائسة ومعزولة جدًا! وكذلك لأننا نستمد من الناس ثقافة قليلة جدًا. كما تنتشر مواهبنا ورجالنا العباقرة في جميع أنحاء ألمانيا. بعضهم في فيينا، وآخرون في برلين، وآخرون في كونيغسبرغ، وآخر في بون أو دوسلدورف- كلهم على بعد مائة ميل بعيدًا عن بعضهم البعض، بحيث يمكن اعتبار الاتصال الشخصي والتبادل الشخصي للفكر ندرة. أشعر بهذا على وجه الخصوص عندما يأتي شخص مثل ألكسندر فون هومبولت إلى هنا، وفي يوم واحد يقودني إلى ما أسعى إليه، وما أحتاج إلى معرفته، وما كان ينبغي لي أن أفعله بسنوات وحدتي. ''ولكن الآن تصور مدينة مثل باريس، حيث يتم تجميع جميع المواهب العليا في مملكة عظيمة في مكان واحد، وبتبادل المعرفة اليومي، والكفاح، والمنافسة، يوجهون ويدعمون بعضهم البعض؛ حيث أفضل الأعمال، سواء من الطبيعة أو الفن، من كل ممالك الأرض، مفتوحة للفحص اليومي؛ - تصور تلك المدينة العالمية، حيث كل نزهة على جسر أو عبر ساحة تذكرك بماضٍ عظيم، وحيث يرتبط حدث تاريخي بكل ركن من أركان الشارع. بالإضافة إلى كل هذا، لا تتصور باريس المملة، اللا روحية، ولكن باريس في القرن التاسع عشر، والتي خلال ثلاثة أجيال، حافظ رجال مثل موليير، فولتير، ديدرو على مثل هذا تيار فكري كما لا يمكن العثور عليه مرتين في مكان واحد في العالم كله، وسوف تفهم أنَّ رجلًا موهوبًا مثل أمبير، الذي نشأ وسط هذه الوفرة، يمكن بسهولة أن يحقق شيئًا في سنته الرابعة والعشرين". قال غوته، "لقد قلت للتو إنه بإمكانك أن تفهم جيدًا كيف يمكن لأي شخص في سنته العشرين أن يكتب قطعًا جيدة مثل تلك التي قدمها ميريميه. ليس لديَّ شيء لمعارضة هذا؛ وأنا، على وجه العموم، متفق مع وجهة نظرك أنَّ الإنتاج الجيد أسهل من الحكم الجيد في سن الشباب. ولكن في ألمانيا من الأفضل أن لا يحاول المرء عندما يكون شابًا مثل ميريميه أن ينتج شيئًا ناضجًا كما فعل مريميه في عمله "كلارا جازول". صحيح أنَّ شيلر كان صغيرًا جدًا عندما كتب "اللصوص"، "الحب والمكيدة"، و "المؤامرة"؛ ولكن، للتعبير عن الحقيقة، فإنَّ جميع الأجزاء الثلاثة هي بالأحرى إشارة لموهبة استثنائية أكثر من كونها علامات على نضج المؤلف. مع ذلك، هذا ليس خطأ شيلر، بل نتيجة لحالة ثقافة أمتنا، والصعوبة الكبيرة التي نواجهها جميعًا في مساعدة أنفسنا لإيجاد طريقنا الفردي.     "من ناحية أخرى دعنا نتناول بيرنغر. ابن أبوين فقيرين، سليل خياط فقير. وفي وقت ما، متدرب فقير، تم وضعه لاحقًا في أحد المكاتب براتب صغير: لم يذهب أبدًا إلى مدرسة أو جامعة كلاسيكية؛ ومع ذلك، فإنَّ أغانيه مليئة بالموهبة الناضجة، ومليئة بالذكاء والمفارقة الأكثر صقلًا، كما أنه يمتلك الكمال الفني والمعالجة المتقنة للغة، وهو يستحق الإعجاب بسبب ذلك، ليس فقط في فرنسا، بل بكل أوروبا المتحضرة. "لكن تخيل هذا البيرنغر نفسه - بدلًا من أن يولد في باريس، وينشأ في تلك المدينة العالمية - كان ابن خياط فقير في فيينا أو فايمار، ودعه يبدأ مسيرته، بطريقة بائسة بالقدر نفسه، في أماكن صغيرة، واسأل نفسك ما الفاكهة التي يمكن أن تنتجها هذه الشجرة نفسها التي نمت في مثل هذه التربة وفي مثل هذا الجو. "لذلك، يا صديقي العزيز، أكرر ذلك، إذا تطورت الموهبة بسرعة وبسعادة، فإنَّ النقطة العظيمة هي أنه يجب أن يكون هناك قدر كبير من الفكر والثقافة السليمة في الدولة.   "نحن معجبون بتراجيديات الإغريق القدماء. ولكن، لكي نلقي نظرة صحيحة على الحالة، يجب علينا أن نعجب بالفترة والأمة التي كان إنتاج المؤلفين الفرديين فيها ممكنًا؛ على الرغم من أنَّ هذه القطع تختلف قليلًا عن بعضها البعض، وعلى الرغم من أنَّ أحد هؤلاء الشعراء يظهر بشكل أكبر وأكمل من الآخرين، لكن بأخذ كل الأشياء معًا، إلا أنَّ شخصية واحدة فقط تتجه نحو الكل. "هذه هي طبيعة العظمة، واللياقة، والسلامة، والكمال البشري، والحكمة المرتفعة، والفكر السامي، والحدس البحت والقوي، وكل الصفات الأخرى التي يمكن تعدادها. لكن عندما نجد كل هذه الصفات، ليس فقط في الأعمال الدراماتيكية التي جاءت إلينا، ولكن أيضًا في الأعمال الغنائية والملحمية، في الفلاسفة، والخطباء، والمؤرخين، و بالدرجة العالية نفسها في أعمال الفن التشكيلي الذي يأتي إلينا، يجب أن نشعر بأننا مقتنعون بأنَّ هذه الصفات لا تنتمي فقط للأفراد، بل هي ملكية حالية للأمة والفترة بأكملها. "الآن ، تناول روبرت برنز. كم هو عظيم، فقد نشأ من خلال الظروف التي عاشتها جميع أغاني أسلافه في فم الشعب ، - التي، إذا جاز التعبير، غنيت له في مهده. إنه كصبي نشأ بينهم، وبفضل التميز العالي لهذه النماذج كان لديه أساس جيد يستطيع المضي قدمًا من خلاله. مرة أخرى، لماذا هو عظيم، ولمَ وجدت أغانيه الخاصة آذاناً حساسة بين مواطنيه وغناها الحاصدون والفلاحون، ورددوها مراراً وتكراراً في الحقل، وأنَّ أصحابه الرائعين كانوا يغنونها للترحيب به في المنزل؟ لذلك لا بد أنَّ شيئًا من هذا القبيل قد تمت كتابته من قبل. "من ناحية أخرى ، يالها من كتابات مثيرة للرثاء، تلك التي صنعناها نحن الألمان! من أغانينا القديمة - التي لا تقل أهمية عن تلك الموجودة في اسكتلندا - بدأ هيردر وخلفاؤه في جمع تلك الأغاني وإنقاذها من النسيان؛ ثم تمت طباعتها على الأقل في المكتبات. ثم في الآونة الأخيرة، كم من تلك الأغنيات لحنها بورغر وفوس! من يستطيع أن يقول إنها أقل أهمية أو أقل شعبية من تلك الخاصة ببرنز؟ تلك الأغنيات تتم كتابتها وطبعها، وتبقى في المكتبات، بما يتفق مع المصير العام للشعراء الألمان. ربما تغني واحدة من تلك الأغنيات فتاةٌ جميلةٌ على البيانو؛ لكن بين الناس، ليس لديهم صوت. نحن الألمان من الماضي. لقد كانت موهبتنا تنمو بشكل صحيح لقرن من الزمان؛ لكن ستمضي بضعة قرون أخرى  قبل أن تصبح العقول العبقرية والثقافة العالية متداولة بين شعوبنا لدرجة أن يتمكنوا من تقدير جمال كتابات كالتي قدمها الإغريق، ويبتهجون بأغنية جميلة.   الجمعة، 4 مايو 1827. أقيم عشاءٌ كبيرٌ في منزل غوته، تكريمًا لأمبير وصديقه ستابفر. كانت المحادثة صاخبة ومبهجة ومتنوعة. أخبر أمبير غوته الكثير عن ميريميه، ألفريد دي فيجني، ومواهب أخرى ذات أهمية. كما قيل الكثير عن بيرنغر، الذي تسيطر أغانيه يوميًا على أفكار غوته. كان هناك نقاش حول ما إذا كانت أغاني بيرنغر الغرامية المبهجة أو أغانيه السياسية تستحق الأفضلية. عندئذ، أعرب غوته عن رأيه بأنَّ الموضوع الشاعري البحت يتفوق على الموضوع السياسي بشكل عام، لأنَّ الحقيقة الخالدة الأبدية للطبيعة هي روح الشيء.   استمر غوته، "ومع ذلك أظهر بيرنغر نفسه في قصائده السياسية كفاعل خير لأمته. بعد غزو الحلفاء، وجد الفرنسيون فيه أفضل موصِّل لمشاعرهم المكبوتة. وقد حول انتباههم إلى مجد جيشهم في ظل الإمبراطور، الذي لا تزال ذاكرته تعيش في كل كوخ، وخصائصه التي أحبها الشاعر، دون الرغبة في استمرار نفوذه الاستبدادي. والآن، في ظل البوربون، لا يبدو مرتاحًا للغاية، لأنهم في الواقع عرق متدهور؛ والفرنسي في يومنا هذا يريد من يملكون صفات عظيمة على العرش، رغم أنه يحب المشاركة في الحكومة، ويضع كلمته الخاصة". بعد العشاء تفرق الجمع في الحديقة، وأشار لي غوته لنقوم بجولة حول الغابة على الطريق إلى تايفورت، بينما كان في العربة بدا مسرورًا ولطيفًا للغاية. وأعرب عن سعادته بتشكيله علاقة حميمة مع أمبير، ووعد نفسه، نتيجة لذلك، بعواقب مبشرة فيما يتعلق بالاعتراف بالأدب الألماني ونشره في فرنسا. قال غوته، "أمبير متفوق بالفعل في الثقافة حتى إنَّ التحيزات الوطنية، المخاوف، وضيق أفق العديد من مواطنيه، لا تؤثر عليه أبدًا؛ وبعقليته المتفتحة فهو يبدو كمواطنٍ عالمي أكثر بكثير من كونه مواطنًا باريسيًا. لكنني أرى أنَّ الوقت سيأتي عندما يكون هناك الآلاف في فرنسا الذين يفكرون مثله.       الأحد، 6 مايو 1827. حفلة عشاء ثانية في منزل غوته، جاء فيها الأشخاص نفسهم  من يوم أمس. قيل الكثير عن "هيلينا" و "تاسو". أخبرنا غوته أنّه في العام 1797، شكّل خطة لمعالجة فلهلم تل كقصيدة ملحمية سداسية التفاعيل والتي كتبها شيلر لاحقًا كمسرحية. قال، "في العام نفسه كنت قد قمت بزيارة المقاطعات الصغيرة، وبحيرة المقاطعات الأربع، وتلك الطبيعة الساحرة الرائعة مدتني بذلك الانطباع، لدرجة أنها دفعتني لكتابة قصيدة متنوعة وثرية بالمناظر الطبيعية التي لا تضاهى. ولكن بطريقة نثرية لإضفاء المزيد من السحر، والاهتمام، والحياة في عملي، اعتبرت أنه من الجيد للناس أن يروا هذه المنطقة المثيرة للإنتباه مع شخصياتها المدهشة بالقدر نفسه، ولهذا السبب بدا لي أنَّ الإعدادات المتعلقة بفلهلم تل مجهزة بشكل مثير للإعجاب. "صورت تل لنفسى كرجل بطولى، يمتلك قوة قومية، لكنه راض عن نفسه، وفى حالة من البراءة الطفولية. كان تل يعبر المقاطعات ويعمل حمالًا، ومعروفًا ومحبوبًا فى كل مكان، وفى كل مكان جاهز للمساعدة. يعمل بشكل سلمي، ويوفر الطعام لزوجته وطفله، ولا يزعج نفسه من اللورد أو من التابع. "غيسلر، على النقيض من ذلك، تصورته كطاغية. كرجل شخصيته متناقضة، يفعل الخير عندما يناسبه ذلك ويسبب الأذى عندما يناسبه ذلك، ولا يبالي بالناس في سرائه أو ضرائه وكأنهم غير موجودين. "الصفات الأسمى والأفضل للطبيعة البشرية، كحب الوطن، والشعور بالحرية والأمان في ظل حماية قوانين البلاد، والشعور بخزي القهر، وأحيانًا سوء المعاملة، من قبل فاسق أجنبي، وأخيرًا، قوة العقل الناضج للتصميم على التخلص من كل هذا البغض، - كل هذه الصفات العظيمة والجيدة قسمتها بين الرجال النبلاء، والتر فورست، ستاوفاشر، وينكلريد، وآخرين؛ وهؤلاء كانوا أبطالي اللائقين، أصحاب السلطات العليا، الذي يتصرفون بوعي، في حين أنَّ تل وغيسلر، اللذيْن كانا يظهران في بعض الأحيان، كانا على العموم شخصيتين ذات طبيعة سلبية. "لقد كنت متحمسًا تمامًا لهذا الموضوع الجميل، وكنت أقوم بالفعل بطباعة قصائدي سداسية التفاعيل. رأيت البحيرة في ضوء القمر الهادئ، وسحبًا مضاءة في عمق الجبال. ثم رأيت ذلك في ضوء الشمس الأكثر جمالًا في الصباح - رأيت الابتهاج والحياة في الغابة والمرج. ثم وصفت عاصفة، عاصفة رعدية، اجتاحت البحيرة. لم يكن هناك أي عوز لسكون الليل، ولا اجتماعات سرية في الجسور. "لقد أخبرت شيلر بكل هذا، وشكّلت مشاهدي الطبيعية وشخصياتي التمثيلية نفسيهما في دراما داخل روحه. ولأنه كانت لدي أشياء أخرى للقيام بها، قررت تأجيل تنفيذ العمل أكثر فأكثر، ومن ثم تخليت عن موضوعي كليًا لشيلر، الذي قام بعد ذلك بكتابة مسرحيته المثيرة للإعجاب". كنا سعداء بهذا التواصل، الذي كان ممتعًا لنا جميعًا. لاحظت أنه يبدو لي كما لو أنَّ الوصف الرائع لشروق الشمس، في المشهد الأول من الفصل الثاني من "فاوست"، الذي كتب كموشح، تم تأسيسه على انطباعات مستوحاة من بحيرة المقاطعات الأربع. قل غوته، "لن أنكر أنَّ هذه التأملات تنطلق من ذلك المصدر؛ بل إنه من دون الانطباعات الجديدة من تلك المشاهد الرائعة، لم أكن لأتصور أبدًا موضوع ذلك الموشح. ولكن هذا هو كل ما صغته، وتركت الباقي لشيلر، الذي، كما نعلم، استخدمه بأجمل طريقة ممكنة". تحولت المحادثة الآن إلى "تاسو"، والفكرة التي سعى غوته لتمثيلها بها. قال غوته "الفكرة! في الحقيقة فأنا لا أعرف أي شيء عنها. كان لي حياة تاسو، كان لي حياتي الخاصة. وعندما جمعت شخصيتين غريبتين في خصالهما، نشأت صورة تاسو في ذهني، والتي عارضتها باعتبارها نقيضًا نثريًا لأنطونيو، الذي لم أفتقر إلى نماذج منه أيضًا. كانت التفاصيل الإضافية لحياة البلاط وشؤون الحب في فايمار كما كانت في فيرارا، ويمكنني أن أقول حقًا عن إنتاجي، إنه جزء من عظامي ولحم جسدي. "الألمان، بالتأكيد، أناس غريبون. بأفكارهم العميقة  التي يسعون إليها في كل شيء ويضمنونها في كل شيء، يجعلون الحياة أكثر صعوبة مما هو ضروري. ليس عليك سوى التحلي بالشجاعة للاستسلام لانطباعاتك، اسمح لنفسك أن تشعر بالسعادة، انتقل، ارتقِ، لا بل تثقف واحصل على الإلهام لأجل شيء عظيم. لكن لا تتخيل كل شيء هباء، إذا لم يكن مجرد فكرة مجردة. "ثم يأتون ويسألون، ما الفكرة التي قصدت تجسيدها في فاوست؟" كما لو كنت أعرف، وبإمكاني أن أخبرهم. من السماء، خلال العالم، إلى الجحيم، سيكون في الواقع شيء ما؛ لكن هذه ليست فكرة، فقط مسار عمل. والأكثر من ذلك، أنَّ الشيطان يفقد الرهان؛ وأنه يجب إعتاق الرجل الذي يكافح باستمرار من المشاكل الصعبة التي تواجهه في بحثه عن شيء أفضل، وبالنسبة للكثيرين قد تبدو هذه فكرة جيدة؛ لكنها ليست فكرة تكمن في أساس العمل بأكمله، وفي كل مشهد فردي. كان ليكون الأمر رائعًا في الواقع إذا تمكنت من تقديم حياة غنية ومتنوعة وزاخرة للغاية كتلك التي قدمتها في فاوست على سلسلة نحيلة من فكرة واحدة منتشرة. تابع غوته، "باختصار لم يكن بمقدوري حينها كشاعر أن أسعى جاهدًا لتجسيد أي شيء مجرد. تلقيت في ذهني انطباعات حسية وتعابير ساحرة ومتنوعة، من مئات الأنواع، تمامًا كما قدمها لي الخيال المفعم بالحيوية؛ ولم يكن بإمكاني كشاعر سوى تشكيل وإكمال هذه الآراء والانطباعات فنيًا ووضعها، وتقديمها بشكل حيوي بحيث حين يحصل الآخرين على الانطباع نفسه لدى سماع أو قراءة العمل.   "إذا ظلت الرغبة في تقديم فكرة حية داخلي دائمًا فسأفعلها في القصائد القصيرة، حيث يمكن أن تسود الوفرة، وحيث سيكون المسح الشامل ممكنًا. على سبيل المثال، في استحالة الحيوانات التي تعيش في الكوكب، فإنَّ قصيدة إرث (Vermachtniss) وقصائد أخرى تقدم مثالًا جيدًا جدًا. إنَّ الإنتاج الوحيد إلى حد كبير الذي أدرك فيه أنني قد جاهدت لطرح فكرة منتشرة، هو على الأرجح الانتماءات الاختيارية (Wahlverwandtschaften). وبالتالي أصبحت هذه الرواية مفهومة للإدراك. لكنني لن أقول إنها أفضل بسبب ذلك. أنا مع وجهة النظر القائلة، إنه كلما كان الإنتاج الشعري غير متناظر، وأكثر استعصاء على الفهم كان ذلك أفضل بكثير.   الثلاثاء 15 مايو، 1827. لقد كان هير فون فونتي، من باريس، موجودًا هنا منذ بعض الوقت، وقد حظي باستقبال كبير في كل مكان، بسبب شخصيته وموهبته. كما تشكلت علاقة ودية للغاية بينه وبين غوته وعائلته. كان غوته يزور حديقة منزله لعدة أيام متتالية، حيث كان سعيدًا جدًا بنشاطه الهادئ. ذهبت إليه هناك اليوم، ووجدته مع هير فون هولتي والكونت شولنبرغ، الذي كان أول من أخذ إجازته من أجل الذهاب إلى برلين مع أمبير. الأربعاء 20 يونيو 1827. تم تجهيز الطاولة لخمسة أفراد. كانت الغرف شاغرة ومنعشة ومرضية للغاية، بالنظر إلى درجة الحرارة المرتفعة في الخارج. ذهبت إلى غرفة فسيحة بجوار قاعة الطعام، حيث السجاد المنسوج والتمثال الضخم لجونو. بعد أن تمشيت جيئة وذهابًا لفترة قصيرة، سرعان ما جاء غوته من غرفة العمل، واستقبلني بأسلوبه الودي. كان يجلس على كرسي بجانب النافذة. قال، "خذ كرسيًا أيضًا واجلس معي؛ سنتحدث قليلًا قبل وصول الآخرين. أنا سعيد لأنك تعرفت على الكونت ستيرنبرغ في منزلي. لقد غادر، وأنا الآن مرة أخرى في حالتي المتميزة والنشطة". قلت، "إنَّ مظهر وطريقة الكونت كانا رائعين جدًا بالنسبة لي، فضلًا عن إنجازاته العظيمة. مهما التهبت المحادثة يكون دائمًا هادئًا، ويتحدث عن كل شيء بأقصى الدرجات سهولة، وإن كان بعمق ودقة".   قال غوته، "نعم، إنه رجل رائع للغاية، ونفوذه واتصالاته في ألمانيا واسعة للغاية. إنه عالم نبات، وهو معروف في جميع أنحاء أوروبا بفضل " فلورا سوبترانيريا"، وهو متميز بشكل استثنائي أيضًا في علم المعادن. هل تعرف تاريخه؟" قلت، "لا، لكنني أود أن أسمع شيئًا عنه. لقد رأيته ككونت ورجل من العالم، وأيضًا كشخصٍ ضليعٍ في مختلف فروع العلم. هذا لغز أود أن أراه يُحل". أخبرني غوته أنَّ الكونت في شبابه كان مقدرًا للكهنوت، وبدأ دراسته في روما. ولكن بعد ذلك، عندما سحبت النمسا بعض المزايا، ذهب إلى نابولي. بعد ذلك، واصل غوته بطريقة أكثر عمقًا وإثارة للاهتمام، ليحكي حياة رائعة، كانت ستزين سنوات المغامرة ''Wanderjahre''، لكنني لا أشعر أنني أستطيع أن أكررها هنا، وكان من دواعي سروري أن أستمع إليه، وشكرته بروحي كلها على ذلك. تحولت المحادثة الآن إلى المدارس البوهيمية، ومزاياها الكبيرة، لا سيما من أجل ثقافة جمالية شاملة. أتت فراو فون غوته، غوته الصغير وفريولين أولريكا، وجلسنا على الطاولة. كانت المحادثة لطيفة ومتنوعة، وكان بعض أهل مدن شمال ألمانيا الورعين موضوعًا غالبًا ما عُدنا إليه. كان من الملاحظ أنَّ هذا الفصل بدعوى الورع قد دمر انسجام العائلات بأكملها. استطعت أن أعطي مثالًا من هذا النوع، بعد أن فقدت صديقًا ممتازًا لأنه لم يستطع أن يحولني إلى آرائه. كان، كما قلت، مقتنعًا تمامًا بأنَّ الأعمال الصالحة والامتيازات الخاصة بالمؤسسة ليست مجدية، وأنَّ الرجل لا يمكن أن يربح إلا مع الألوهية بنعمة المسيح.   عقَّبت فراو فون غوته، "امرأة صديقة قالت لي شيئًا من هذا القبيل. لكن حتى الآن بالكاد أعرف ما المقصود بالنعمة وما هي الأعمال الصالحة". قال غوته، "وفقًا للمناهج الحالية للعالم، في التحدث عن كل هذه المواضيع لا يوجد شيء سوى مزيج؛ وربما لا يعلم أحد منكم من أين يأتي. سأخبركم. إنَّ عقيدة الأعمال الصالحة هي عقيدة كاثوليكية - أي أن الإنسان وبالأفعال الجيدة والموروثات والمؤسسات النافعة - يمكن أن يتجنب عقوبة الخطيئة ويعمل لصالح الله. لكن الإصلاحيين، وبهدف المعارضة، رفضوا هذه العقيدة، وأعلنوا بدلًا من ذلك أنَّ على الإنسان أن يسعى فقط إلى الاعتراف بمزايا المسيح، وأن يصبح شريكًا في نعمته. وذلك سيؤدي دون أدنى شك إلى أعمال جيدة. لكن في الوقت الحاضر، اختلط كل هذا معًا، ولا أحد يعرف من أين يأتي أي شيء". لاحظت في تفكيري وربما لم أشارك ذلك علنًا من قبل، أنَّ اختلاف الرأي في الأمور الدينية كان دائمًا يزرع الخلاف بين الرجال، ويجعلهم أعداء؛ بل إنَّ أول جريمة قتل كان سببها اختلاف في طريقة عبادة الرب. قلت إنني كنت أقرأ مؤخرًا عمل اللورد بايرون "قابيل"، وقد صُدمت بشكل خاص من المشهد الثالث، والطريقة التي يتم بها القتل. قال غوته، "إنه بالفعل عملٌ مثير للإعجاب"، وأضاف "وجماله من النوع الذي لن نراه مرة ثانية في العالم". قلت، "كانت مسرحية قابيل محظورة في البداية في إنجلترا؛ ولكن الآن الجميع يقرأها، وعادة ما يحمل المسافرون الصغار الإنجليز أعمال اللورد بايرون الكاملة معهم". قال غوته، "لقد كانت حماقة، لأنه، في الواقع، لا يوجد شيء في كل مسرحية قابيل لم يتم تدريسه من قبل الأساقفة الإنجليز أنفسهم". تم الإعلان عن وصول المستشار. دخل وجلس معنا على الطاولة. أحفاد غوته، والتر وولفجانج، دخلوا أيضًا، قفزوا واحدًا تلو الآخر. اقترب وولف من المستشار. قال غوته، "أحضر ألبومك، ودع المستشار يرى أميرتك، وما كتبه لك الكونت ستيرنبرغ". اندفع وولف وأحضر كتابه. نظر المستشار إلى بورتريه الأميرة، مع المقاطع التي كتبها غوته. وبينما يقلب في الصفحات رأى عبارة مقتبسة من زيلتر، وقرأ بصوت عالٍ، تعلم الطاعة، (Lerne gehorchen). "هذه هي الكلمات العقلانية الوحيدة في الكتاب كله"، قال غوته، ضاحكًا؛ "كما أنَّ زيلتر مهيب دائمًا ويوضح نقطته بدقة. أنا الآن أقرأ رسائله لريمر؛ وهي تحتوي على أشياء لا تقدر بثمن. وتلك الرسائل التي كتبها لي في رحلاته مهمة جدًا؛ لأنه يملك، كمهندس معماري سليم وموسيقي، ميزة أنه لا يمكن أبدًا أن يتحدث في مواضيع مثيرة للنقد، فبمجرد دخوله إلى مدينة، تقف الأبنية أمامه، وتخبره كل بناية بمزاياها وأخطائها. "ثم تستقبله الجمعيات الموسيقية في آن واحد، وتظهر نفسها للسيد بفضائلها وعيوبها. إذا استطاع كاتب أن يسجل محادثاته مع طلابه الموسيقيين، فسينقل لنا شيئًا فريدًا من نوعه. في مثل هذه الأمور يكون زيلتر رائعًا وعاطفيًا، ويصيب دائمًا مقصدة الذي سعى إليه دائمًا".   الأربعاء، 5 يوليو 1827. نحو المساء، التقيت غوته في المنتزه عائدًا من رحلة. وأثناء مروره، أخبرني بالمجيء لرؤيته. ذهبت على الفور إلى منزله، حيث وجدت كودراي. صعدنا مع غوته للطابق العلوي. جلسنا إلى الطاولة المستديرة في غرفة تسمى جونو، ولم نتحدث سوى بضع دقائق قبل أن يحضر المستشار وينضم إلينا. تحول الحديث حول مواضيع سياسية - سفارة ويلينغتون إلى سانت بطرسبورغ، وعواقبها المحتملة، كابو ديستريا، تحرير اليونان المتأخر، القيود المفروضة على الأتراك في القسطنطينية، وما شابه ذلك. تحدثنا أيضًا عن أوقات نابليون، خاصة حول دوق إيغين، الذي نوقش الكثير حول سلوكه الثوري. ثم وصلنا إلى مواضيع أكثر سلمية، وقد كان قبر ويلاند في مانشتدت موضوعًا مثمرًا للخطاب. أخبرنا كودراي أنه كان يفكر في وضع سياج حديدي حول القبر. أعطانا فكرة واضحة عن نيته لرسم شكل السياج الحديدي على قطعة من الورق. عندما غادر المستشار و كودراي، طلب غوته مني البقاء معه لفترة قصيرة. قال، "بالنسبة لشخص مثلي، عاش على مر العصور، يبدو الأمر دائمًا غريبًا عندما أسمع عن التماثيل والآثار. لا أستطيع أبدا أن أفكر في تمثال أقيم تكريمًا لرجل بارز دون أن أراه يحطم بواسطة المحاربين في المستقبل. أرى بالفعل سياج كودراي الحديدي حول قبر ويلاند يحول إلى حدوات أحصنة، ويشرق تحت أقدام فرسان المستقبل؛ وقد أقول إنني شاهدت مثل هذه الحالة في فرانكفورت". تبادلنا بعض الدعابات الجيدة حول التباين الرهيب للأشياء الأرضية، ومن ثم، عدنا إلى رسم كودراي، كنا مسروريْن بالدقة الدقيقة والحادة لأقلام الرصاص الإنجليزية، التي تطاوع الرسام، بحيث يتم نقل الفكر على الفور إلى الورقة، دون أدنى خسارة. قاد هذا الحوار إلى الرسم، وأراني غوته لوحة جيدة رسمها رسام إيطالي تمثل الصبي يسوع في المعبد مع الأطباء. ثم أطلعني على نقشٍ بعد الانتهاء من اللوحة حول هذا الموضوع؛ وقدمت العديد من الملاحظات، وكلها حول الرسومات. وقال: "لقد كنت محظوظًا في الفترة الأخيرة، حيث أشتريت بسعر معقول العديد من الرسومات الممتازة لرسامين مشهورين. هذه الرسومات لا تقدر بثمن، ليس فقط لأنها تعطي في نقاوتها النية العقلية للفنان، لكن لأنها تربطنا مباشرة بحالته المزاجية في لحظة الخلق. في كل جزء من رسمة الفتى يسوع في المعبد، ندرك الوضوح الكبير، والهدوء، والحل الهادئ، في ذهن الفنان وهذا المزاج المفيد يخالجنا بينما نتأمل العمل. فنون الرسم والنحت لديها ميزة كبيرة في حقيقة أنها موضوعية بحتة، وتجذبنا دون إثارة مشاعرنا بعنف. من ناحية أخرى، فإنَّ القصيدة تترك انطباعًا أكثر غموضًا، ويثير مشاعرَ مختلفة في كل شخص، حسب طبيعته وقدرته". قلت، "لقد كنت أقرأ مؤخرًا رواية سموليت الممتازة لـ"Roderick Random". لقد أعطتني تقريبًا الانطباع نفسه الذي استلهمه من الرسومات الجيدة. إنه تمثيل مباشر للموضوع، بدون أي أثر لميل نحو عاطفة؛ الحياة الفعلية تقف أمامنا كما هي، في كثير من الأحيان مقيتة ومثيرة للاشمئزاز، ومع ذلك، ككل، يعطي انطباعًا لطيفًا حسب الواقع المتفق عليه". "لقد سمعت في كثير من الأحيان أراءً جيدة حول "Roderick Random"، وأؤمن بما تقوله عنها، ولكنني لم أقرأها أبدًا. هل تعرف رواية "Rasselas" لجونسون؟ اقرأها وأخبرني برأيك" وعدت بالقيام بذلك. قلت، "في أعمال اللورد بايرون كثيرًا ما أجد فقرات تجلب الأشياء أمامنا، دون التأثير على مشاعرنا أكثر مما يفعل رسم رسام جيد. وعمله "دون خوان"، غني بشكل خاص بفقرات من هذا النوع". قال غوته، "نعم، في دون خوان كان اللورد بايرون عظيمًا. في صُورِه نسيمٌ من الواقع، وألقيت بخفة كما لو كانت مرتجلة. لا أتذكر الكثير من دون خوان، لكنني أتذكر مقاطع من قصائده الأخرى، وخاصة مشاهد البحر، مع شراع يتحرك هنا وهناك، والتي لا تقدر بثمن، لأنها تجعلنا نشعر بأنَّ نسيم البحر يهب". قلت، "في كتابه دون خوان أعجبت بشكل خاص بتمثيل لندن، الذي تجلبه آبياته الطائشة أمام أعيننا. كان دقيقًا تمامًا في رؤية ما إذا كانت الموضوعات شاعرية أم لا، لكنه استخدمها جميعًا تمامًا كما رأها، وصولًا إلى الشعر المستعار في نافذة الحلاقة، والرجال الذين يملؤون مصابيح الشوارع بالنفط". يقول غوته، "إنَّ شعبنا الجمالي الألماني، يتحدث دائمًا عن الشعرية واللا شعرية والموضوعات؛ وهم ليسوا مخطئين تمامًا؛ ومع ذلك، في الأسفل، لا يوجد موضوع حقيقي غير شعري، إذا كان الشاعر يعرف كيفية استخدامه بشكل صحيح". قلت، "صحيح، وأتمنى أن يتم تبني وجهة النظر هذه كمبدأ عام". ثم تحدثنا عن "The Two Foscari"، ولاحظت أنَّ بايرون أدرج بعض النساء الممتازات. قال غوته، "إنَّ نساءه جيدات. في الواقع، لا يمكن فعل شيء بالرجال. لقد وضع هومر كل شيء سلفًا في أخيل وأوليسيس، الأشجع والأكثر حكمة". تابعت، "هناك شيء رهيب في Foscari، بسبب الظهور المتكرر لمخلعة التعذيب. لا يمكن للمرء أن يتصور كيف يمكن أن يستغرق اللورد بايرون لفترة طويلة في آلة التعذيب هذه، من أجل القطعة المسرحية". قال غوته، "كانت هذه الأشياء هي إحدى عناصر بايرون؛ كان دائمًا معذّبًا ذاتيًا؛ وبالتالي كانت هذه المواضيع هي موضوعات محببة بالنسبة له، كما ترى في جميع أعماله، نادرًا ما يكون لأحدها موضوع مبهج. لكن تنفيذ "Foscari" يستحق الثناء العظيم - أليس كذلك؟" قلت، "مثير للإعجاب جدًا! كل كلمة قوية، مهمة، وخاضعة للهدف؛ بشكل عام، لم أجد حتى الآن أي فقرات ضعيفة للورد بايرون. دائمًا أتخيل أنني أراه مرتفعًا من أمواج البحر، منتعشًا ومليئًا بالطاقة الإبداعية. كلما قرأته، كلما أعجبت أكثر بعظمة موهبته. وأعتقد أنك كنت على حق في أن تقدم له هذا النصب الخالد من الحب في 'هيلينا'. قال غوته، "لم أستطع إيجاد أي رجل يمثل الحقبة الشعرية الحديثة باستثنائه، ولا شك أنه يعتبر أعظم عبقري في قرننا. مرة أخرى، بايرون ليست قديمًا ولا رومانسيًا، ولكن مثل اليوم الحالي نفسه. هذا هو نوع الرجل الذي أردته في عملي. ثم إنه كان ملائمًا لي بسبب طبيعته الاستثنائية وميله إلى الحرب، مما أدى إلى وفاته في ميسولونغي. أطروحة حول بايرون لن تكون مريحة ولا مستحسنة؛ لكنني لن أستريح حتى أظهر له التقدير الذي يستحقه وأشير إليه في الأوقات المناسبة". تحدث غوته أكثر من "هيلينا"، التي أصبحت الآن موضوعًا للمحادثة مجددًا. وقال، "كنت في البداية أفكر في خاتمة مختلفة للغاية. لقد عدّلتها بطرق مختلفة، لكنني لن أخبرك كيف. ومن ثم الخاتمة المتعلقة باللورد بايرون وميسولونغي راودتني خلال ما تبقى من اليوم، وتنازلت عن الباقي. لقد لاحظت أنَّ شخصية الجوقة قد دُمِّرت تمامًا بالأغنية الحزينة: وحتى هذا الوقت بقيت عتيقة تمامًا، أو لم تناقض أبدًا طبيعتها النثرية؛ لكن هنا بشكل مفاجئ، يصبح الأمر انعكاسًا ناعمًا، ويقول أشياء لم تخطر ببال أي أحد من قبل". قلت، "بالتأكيد، لقد لاحظت ذلك؛ لكن منذ أن رأيت لوحة روبنز ذات الظل المزدوج، صرت أمتلك نظرة ثاقبة أكثر حول فكرة الخيال، وأصبحت مثل هذه الأشياء لا تزعجني. هذه التناقضات الصغيرة ليس لها أي نتيجة، إذا تم تحقيق درجة أعلى من الجمال من خلالها. يجب أن تغنى الأغنية، بطريقة أو بأخرى؛ وحيث لم يكن هناك جوقة أخرى، أجبرت الفتيات على غنائها".   قال غوته، وهو يضحك: "أتساءل" ما الذي سيقوله النقاد الألمان؟ هل سيكون لديهم الحرية والجرأة الكافية للتغلب على هذا؟ إنَّ التفهم سيكون في طريق الفرنسيين؛ فهم لن يفكروا في أنَّ الخيال لديه قوانينه الخاصة التي لا يمكن ولا يجب اختراقها. "إذا لم يولِّد الخيالُ أشياءَ يمكن أن تسبب مشاكل في الفهم، فلن يكون هناك سوى القليل من الخيال. هذا هو الذي يفصل الشعر عن النثر؛ حيث يكون الفهم الأخير دائمًا، ويجب أن يكون دائمًا في المنزل". لقد سررت بهذه الملاحظة الهامة، التي كنت أعتز بها. قررت العودة إلى المنزل الآن لأنَّ الساعة تجاوزت العاشرة. كنا جالسين بدون شموع؛ سطعت أمسية الصيف الصافية من الشمال فوق إترسبيرغ.   مساء الاثنين 9 يوليو 1827. لقد وجدت غوته بمفرده، يفحص القوالب الجصية التي تم أخذها من خزانة ستوش. وقال، "أصدقائي من برلين كانوا لطفاء جدًا ليرسلوا لي هذه المجموعة بأكملها للنظر فيها. إنني أعرف بالفعل معظم هذه الأشياء الجميلة؛ لكنني الآن أراها في الترتيب التوجيهي لفينكلمان. أستخدم وصفه، وأستشيره في الحالات التي أشك فيها بنفسي". تحدثنا لفترة قصيرة قبل أن يأتي المستشار وينضم إلينا. أطلعنا على أخبار الصحف العامة، ومن بين أمور أخرى، قصة حارس حديقة، قتل أسدًا وطبخ قطعة كبيرة منه من شدة شوقه لجسد الأسد. قال غوته، "أنا أتساءل، لمَ لمْ يجرب القرد بدلًا من ذلك؛ كان من الممكن أن يكون لحمه لذيذًا ولينًا". تحدثنا عن قبح تلك الوحوش، ولاحظنا أنهم كل ما أصبحوا بشعين أكثر صاروا يشبهون الرجال أكثر. "أنا لا أفهم،" قال المستشار، "كيف يمكن للأمراء أن يحافظوا على هذه الحيوانات بالقرب منهم، بل ويشعروا بالسعادة بوجودهم". يقول غوته: "إنَّ الأمراء يتعذبون كثيرًا بسبب الرجال المزعجين، ولذلك فهم يفضلون هذه الحيوانات الأكثر رعبًا كوسيلة لتحقيق التوازن بين الانطباعات المزعجة الأخرى. نحن الأشخاص العاديون نكره بالطبع القردة وصراخ الببغاوات، لأننا نراها في ظروف لم تصنعها هي. إذا كنا قادرين على ركوب الأفيال بين أشجار النخيل، يجب علينا أن نجد القِردة والببغاوات في مكانها الصحيح، وربما اعتبرنا الأمر لطيفًا. ولكن، كما قلت، الأمراء على حق في طرد شيء بشع باستخدام شيء أكثر بشاعة. قال غوته، "من خلال هذه النقطة تذكرت بعض الآبيات التي ربما ستتذكرونها أيضًا: لو كان على الرجال أن يصبحوا وحوشًا. فإجلب البهائم فقط إلى غرفتك. وسيتناقص شعورك بالقرف؛ لأننا جميعًا أبناء آدم. حوَّل المستشار الحوار للوضع الحالي للمعارضة، والحزب الوزاري في باريس، مكررًا كلمة بكلمة خطابًا قويًا قدمه ديمقراطي جريء للغاية ضد الوزير، مدافعًا عن نفسه أمام محكمة العدل. لقد أتيحت لنا الفرصة مرة أخرى للإعجاب بالذاكرة القوية للمستشار. كان هناك الكثير من الحديث حول هذا الموضوع، وخاصةً عن رقابة الصحافة، بين غوته والمستشار. أثبت الموضوع خصوبته، حيث أظهر غوته نفسه كالعادة، أرستقراطيًا معتدلًا، وصديقه، كالعادة، يبدو أنه يأخذ جانب العامة. يقول غوته، "ليس لدي أي مخاوف بالنسبة للفرنسيين، فهم يمتلكون وجهة نظر تاريخية عميقة جدًا، ولا يمكن قمع أذهانهم بأي شكل من الأشكال. القانون الذي يقيِّد الصحافة، لا يمكن أن يكون له سوى تأثير نافع. لا سيما أنَّ قيوده لا تعني شيئًا أساسيًا، بل هي ضد شخصيات فقط. المعارضة التي لا حدود لها هي أمر تافه، في حين أنَّ الحدود تشحذ ذكاءها، وهذه ميزة عظيمة. التعبير عن الرأي بشكل مباشر وخشن يكون عذرًا فقط عندما يكون المرء على حق تمامًا؛ لذلك فإنَّ الطريقة غير المباشرة التي يعد الفرنسيون نماذجَ رائعة لها هي الأفضل. في بعض الأحيان أقول لخادمي بوضوح "اخلع لي حذائي"، ويفهم؛ ولكن إذا كنت مع صديق، وأردت منه خدمة، يجب أن لا أتكلم بعدم لباقة، ويجب أن أجد طريقة لطيفة وودية، لأطلب منه القيام بهذه المهمة.   هذه الضرورة تثير ذهني. وللسبب نفسه كما قلت، أنا أحب بعض الرقابة على الصحافة. لطالما كان الفرنسيون يتمتعون بسمعة كونهم أكثر الأمم روحية، ويجب عليهم الحفاظ عليها. نحن الألمان نتحدث عن آرائنا بطريقة مباشرة، ولم نكتسب مهارة كبيرة في اللغة غير المباشرة. "لا تزال الأحزاب في باريس أكبر مما هي عليه، لأنها أكثر ليبرالية وحرية، وتفهم بعضها البعض بشكل أفضل. إنهم متفوقون من خلال وجهة نظر تاريخية على الإنجليز؛ ويتألف برلمانهم من قوى معارضة قوية، تشل بعضها البعض، وحيث يكون الاختراق الكبير للفرد صعبًا، كما نرى من خلال المضايقات العديدة التي تحدق برجل دولة عظيم مثل كاننغ". نهضنا لنمضي، لكن غوته كان مليئًا بالحياة لدرجة أنَّ المحادثة استمرت ونحن واقفان. أخيرًا، قدم لنا وداعًا حنونًا، ورافقت المستشار إلى منزله. كانت أمسية جميلة، وتحدثنا كثيرًا عن غوته بينما كنا نسير، وكررنا تصريحه بأنَّ المعارضة غير المحدودة تصبح أمرًا تافهًا.   الأحد 15 يوليو 1827. ذهبت في الساعة الثامنة من هذا المساء لرؤية غوته، الذي وجدته عاد للتو من حديقته. قال، "انظر ماذا يوجد هناك؟ قصة رومانسية في ثلاثة مجلدات وبواسطة من في رأيك؟ مانزوني". نظرت إلى الكتب، التي كانت مغلفة بشكل رائع للغاية، ومهداة إلى غوته. قلت، "إنَّ مانزوني مجتهد"، قال غوته، "نعم، إنه مجتهد جدًا". قلت، "لا أعرف شيئًا عن مانزوني سوى قصيدته الغنائية التي كتبها عن نابليون، والتي قرأتها مؤخرًا بترجمتك، ولقد أعجبتني لأقصى حدٍ ممكن. كل فقرة تقدم صورة". قال غوته، "أنت على حق، القصيدة ممتازة، لكن لا يمكنك أن تجد أي شخص يتحدث عنها في ألمانيا؟ كما لو أنها ليست موجودة حتى، على الرغم من أنها أفضل قصيدة تمت كتابتها حول هذا الموضوع". استمر غوته في قراءة الصحف الإنجليزية، التي وجدته يتصفحها عندما دخلت. تناولت المجلد الذي يحوي ترجمة كارلايل لـ "الرومانسية الألمانية" والذي يحتوي على أعمال موسايوس وفوكه. كان ذلك الرجل الإنجليزي الذي كان على دراية وثيقة بأدبنا، قد أضاف في كل ترجمة دراسة ونقدًا حول المؤلف. قرأت الدراسة والنقد اللذين قدمهما حول فوكه، ولاحظت بسرور أنَّ السيرة الذاتية قد كُتبت بكثير من التفكير والتفصيل، وأنَّ وجهة النظر المعقدة، التي كان يكتب من خلالها هذا المؤلف المفضل، قد أشير إليها بفهم عميق وهادئ، وباختراق معتدل للمزايا الشعرية. في فقرة ما يقارن الإنجليزي الذكي فوكه بصوت المغني، الذي لا يملك نطاقًا صوتيًا عظيمًا، لكن ذلك النطاق القليل الذي يملكه جيد ومنغمٌ بشكل جميل. لتوضيح مقصده أكثر، يأخذ تشبيهًا من النظام الكنسي، قائلًا إنَّ فوكه لن يأخذ في الكنيسة الشعرية مكان أسقف أو أحد وجهاء الدرجة الأولى، بل يرضي نفسه بواجبات القسيس، ويبدو مرتاحًا جدًا في هذه المحطة المتواضعة.   بينما كنت أقرأ هذا، ذهب غوته إلى الغرفة الخلفية. وبعث خادمه، الذي دعاني أن آتي إليه هناك. قال، "اجلس، ودعنا نتحدث قليلًا. لقد وصلت للتو ترجمة جديدة لـ سوفوكليس. تقرأ بسهولة، ويبدو أنها ممتازة؛ سأقارنها مع سولغر. والآن، ماذا تقول عن كارلايل؟" قلت له ما كنت أقرأه عن فوكه. قال غوته: "أليس هذا جيدًا جدًا؟ نعم، هناك أشخاص أذكياء عبر المحيط، يعرفوننا ويمكنهم تقديرنا. واصل غوته، "في أقسام أخرى، ليس هناك نقص في العقول الجيدة حتى بين الألمان. لقد قرأت سجل برلين، وهو انتقاد كتبه مؤرخ حول شلوسر، وقد كان رائعًا جدًا. تم التوقيع عليه من قبل هاينريش ليو، وهو شخص لم أسمع عنه من قبل، ولكن يجب علينا الاستفسار عنه. إنه يتفوق على الفرنسيين، ومن وجهة نظر تاريخية فهو يقول شيئًا. إنهم يلتزمون كثيرًا بالواقع، ولا يستطيعون الحصول على المثالية في رؤوسهم؛ لكن الألمان بارعون في هذا الأمر تمامًا. ليو لديه وجهات نظر مثيرة للإعجاب حول الطوائف في الهند. وهناك الكثير الذي يمكن قوله عن الأرستقراطية والديمقراطية، لكن القضية كلها ببساطة هي: في الشباب، عندما لا نملك شيئًا، أو لا نعرف كيف نقدر ممتلكاتنا، نكون ديمقراطيين. ولكن عندما نتمتع بممتلكات عقب حياة طويلة، فإننا نرغب في ألا نكون آمنين فحسب، بل أيضًا أن يكون أطفالنا وأحفادنا آمنين لوراثتها والاستمتاع بها بهدوء. لذلك، في سن الشيخوخة، نكون دائمًا أرستقراطيين. تحدث ليو باتساع حول هذه النقطة. '' نحن الأضعف في القسم الجمالي، وربما ننتظر فترة طويلة قبل أن نلتقي برجل مثل كارلايل. من اللطيف رؤية هذا اللقاء القريب جدًا بين الفرنسيين والإنجليز والألمان، بحيث نكون قادرين على تصحيح بعضنا البعض. هذا هو أكبر استخدام للأدب العالمي، الذي سيظهر نفسه أكثر فأكثر. كتب كارلايل عن حياة شيلر، وحكم عليه لأنه من الصعب على الألماني أن يحكم عليه. من ناحية أخرى، نحن واضحون بشأن شكسبير وبايرون، ويمكننا، ربما، أن نقدر مزاياهم بشكل أفضل من الإنجليز أنفسهم".   الأربعاء 18 يوليو 1827. أول شيء قاله غوته على العشاء كان،"يجب أن أعلن لك أنَّ رواية مانزوني تسمو فوق كل ما نعرفه من هذا النوع. ولا أحتاج أن أقول لك شيئًا آخر، عدا عن الحياة الداخلية - كل ما يأتي من روح الشاعر مثالي تمامًا - تصوير المناطق المحلية، وما شابه، ليس بأي حال من الأحوال أدنى من ذلك". لقد أدهشني وسرني سماع هذا. تابع غوته، "الانطباع في القراءة هو أننا نمر باستمرار من العاطفة إلى الإعجاب، ومن جديد من الإعجاب إلى العاطفة؛ حتى نكون دائمًا خاضعين لواحدة من تلك المؤثرات العظيمة؛ وأكثر من ذلك، لا أعتقد أننا نستطيع أن نتقدم، في هذه الرواية، رأينا أولًا ما هي طبيعة مانزوني. وهنا تظهر صورته الداخلية المثالية، والتي لم تكن لديه فرصة لعرضها في أعماله الدرامية. سأقرأ الآن أفضل رواية للسير والتر سكوت، ربما ويفرلي، التي لم أقرأها بعد، - وسأرى كيف هو مانزوني بالمقارنة مع هذا الكاتب الإنجليزي العظيم. تظهر ثقافة مانزوني الداخلية هنا عالية جدًا، بحيث لا يكاد أي شيء يقترب منها. إنه يرضينا مثل الثمار الناضجة تمامًا. بعد ذلك، في معالجته وعرضه للتفاصيل، فهو واضح مثل السماء الإيطالية نفسها". أجاب غوته، "هل لديه أي علامات عاطفية؟" قلت، "لا شيء على الإطلاق. لديه شعور، لكنه خال تمامًا من العاطفة، وشعوره في كل حالة رجولي وحقيقي. لكنني لن أقول أكثر اليوم. ما زلت في المجلد الأول؛ قريبا ستسمع المزيد".       20       , Electronic Village, His excellency mohammed ahmed khalifa al suwaidi, Arabic Poetry, Arabic Knowledge, arabic articles, astrology, science museum, art museum,goethe museum, alwaraq, arab poet, arabic poems, Arabic Books,Arabic Quiz, القرية الإلكترونية , محمد أحمد خليفة السويدي , محمد أحمد السويدي , محمد السويدي , محمد سويدي , mohammed al suwaidi, mohammed al sowaidi,mohammed suwaidi, mohammed sowaidi, mohammad alsuwaidi, mohammad alsowaidi, mohammed ahmed alsuwaidi, محمد السويدي , محمد أحمد السويدي , muhammed alsuwaidi,muhammed suwaidi,,

Related Articles

محادثات مع غوته 4
محادثات مع غوته 3
محادثات مع غوته
محادثات مع غوته
محادثات مع غوته - 2
محادثات مع غوته
محادثات مع غوته - الجزء الخامس عشر